الليلة الملعونة

الليلة الملعونة

11 0

كانت الغرفة غارقة في سكون الليل، سوى من أنفاسٍ متقطّعة تحمل ثِقَل الأحلام.

تمدّدت سيريا على الفراش، تشدّ إلى صدرها وسادة جاك كأنها بقايا من حضنه الضائع. عيناها نصف مغلقتين، لكن كلماتها خرجت هامسة، مرتجفة بالحنين:

ـ "جاك... هل تسمعني؟ أعانق هذه الوسادة كأنها كتفك... أُخبّئ وجعي بين طياتها... لكن حبي لك أثقل من كل ليل. لماذا لا تحبني؟ أما كنت تعدني أن تبقى؟"

كانت تتحدث وكأنها تُناجيه، كأن الوسادة تنبض بروحه، وكل كلمة تنزفها شفتاها تُثقل الصمت أكثر فأكثر.

في الجانب الآخر من الغرفة، كان جاجا مُعلّقًا في شبكة عنكبوت، غارقًا في نومٍ مضطرب. جسده يتأرجح مع أنفاسه، وشفتيه تتحركان بكلماتٍ مشوشة تخرج كأنها شظايا خوفٍ دفين:

ـ "ابتعدي عني... سيريا... لا تقتربي... لا تنادي اسمي... لا... لا أريد أن أراك..."

ارتجف وهو يهمهم، كأن كوابيسه تسجنه أكثر من خيوط العنكبوت التي تقيّد جسده. بدا وكأنه يُصارع ظلال سيريا في نومه، حتى وهو غائب عن وعيه، يظل خائفًا من حضورها الذي يطغى على كل شيء.

حينها انكسر ذلك السكون الموحش، أو كما يُقال الهدوء الذي يسبق العاصفة.

ظهر ضباب أسود كثيف، ومن داخله برزت ستة عيون تلمع كأنها ياقوت نادر في عتمة الليل.

اندفعت يدٌ مظلمة من الضباب، توجّهت نحو سيريا بضربة قاتلة، لكن سرعة ردّة فعلها كانت أسرع. التقطت سيف سيرفيابل، تصدّت للضربة بصلابة، ثم وجهت النصل نحو الضباب.

انفجر منه نور عظيم، فبدت خيالات المخلوق تتراجع، وأيدٍ مشوهة امتدّت من داخله كأنها تستسلم.

سيريا (بصرامة):

ماذا تريد أيها الملعون؟ أنت تعلم أنك لن تستطيع قتلي.

الصوت الغامض في الظلال:

لم أكن أريد قتلك... بل كنت أريد إيقاظك.

في تلك اللحظة، كان جاجا لا يزال معلقًا في شبكة العنكبوت، غارقًا في نومٍ مشوّش، يتمتم بكلماتٍ عجيبة:

جاجا (يهمهم وهو نائم):

نعم... أحب تلك الطريقة التي تفرزين بها خيوطك... تجعلك جذّابة... هل تتزوجينني؟

ضحكت سيريا بسخرية، ثم قطعت الخيوط بضربة من سيفها، فسقط جاجا على ظهره متألّمًا. رفع رأسه نحوها بنظرة تذمّر:

جاجا:

سيريا... أيتها الصديقة العزيزة، آسف... علاقتنا لا يمكن أن تنجح. أنتِ تستحقين صديقًا أفضل مني.

نهض متمايلًا، وتوجه نحو الباب وهو يلوّح بيده:

أنا... أستقيل من صداقتنا.

لكن سيريا عاجلته بضربة خفيفة على رأسه بسيفها. صرخ وهو يمسك رأسه:

جاجا:

ما خطبك؟! أنتِ فتاة! من المفترض أن تكوني رقيقة وناعمة! كيف تريدين أن يقبل بك جاك زوجةً وأنتِ تتصرفين وكأنكِ سيندو نفسه... رجلٌ قاسي القلب!

سيريا (بغليظة، وهي تلوّح بالسيف):

انظر... من قرر أن يزورنا.

التفت جاجا بدهشة إلى الظلال والعيون الستة، فشهق مذهولًا:

جاجا:

أوه! إنه سيندو... هل اشتقت إليّ يا رفيقي؟

سيندو (بصوت رخيم من الظلال):

جئتُ كي أنقذَه... لكنني وصلت متأخرًا.

سيريا (مستهزئة):

تنقذ مَن بالضبط؟

جاجا (بغباء وهو يبتسم):

لا داعي لإنقاذي... فهي طيبة رغم قسوتها.

ثم يضيف قائلا

جاجا (بصوت عتاب وهو يفرك رأسه):

أنتِ دائمًا عنيفة يا سيريا... تضربينني، تصرخين عليّ، تعاملينني كأني عدوك! أين الرقة؟ أين الحنان؟ أليست هذه صفات الفتيات؟

سيريا (بغضب مكتوم):

هذه أنا، وهذه طبيعتي. أنا لستُ دمية حريرية تُزيَّن على الرفوف. أنا خلقت لأحارب، لأحمي، لا لأتدلّل.

جاجا (يهز إصبعه بجدية مبالغ فيها):

لكن جاك لن يحب امرأةً تتصرف كالمصارعين... سيقول: "هذه ليست زوجة... هذه حارس شخصي!"

سيريا (ترفع حاجبها):

وهل تظن أن جاك سيقع في حب اختك؟ كسولة، نائمة طول الوقت، ومعلقة في شبكات العناكب مثل ذبابة؟

جاجا (مندهش):

أوه! الذباب يطير على الأقل... أما أنا فلا أستطيع حتى الطيران!

سيريا (تضحك بسخرية):

بالضبط... وهذا سبب أنني لا أراك سوى عبئًا، لا صديقًا يعتمد عليه.

جاجا (ينفخ صدره بغباء):

لكن... أليس العبء دليلًا على أنني موجود دائمًا معك؟ تخيلي حياتك من دوني... ستكون مملة!

سيريا (تضرب جبينها بكفها):

يا إلهي... أحيانًا أشعر أن الحديث معك أصعب من مواجهة سيندو نفسه.

جاجا (مبتسم بغباء):

إذن أنا أخطر من سيندو... يجب أن تخافي مني أكثر.

استمر الجدال بين سيريا و جاجا للحظات، حتى اشتد الصراع بينهما وكاد يتحوّل إلى قتال حقيقي.

لكن فجأة دوّى صوت سيندو كالرعد، وهو يظهر قوته المهيبة، مدّ يديه المظلمتين، فأحاط بهما الاثنين بخيوط غير مرئية، رفعهما عاليًا في الهواء وكأنهما دميتان بين أصابعه، ثم قذَفهما نحو السرير.

سيندو (بغضب):

كفى! ليس لدي وقت لمشاكساتكما... انظرا! لقد اختفى.

تقدمت سيريا بقلق، وضعت يدها على السرير، فوجدته فارغًا حقًا. شهقت:

جاك... اختفى.

جلس سيندو على طرف السرير بتثاقل، كأنه عجوز أنهكته الحروب، وأغلق عينيه مستسلمًا للنوم.

في المقابل، تمدد جاجا على الفراش بسرعة، وهو يبتسم بسذاجة:

مرّت مدة طويلة منذ أن نمت على سرير... مريح فعلًا.

صرّت سيريا على أسنانها، أمسكت جاجا من ذراعه، ورفعته فوق كتفها بالقوة، بينما في اليد الأخرى تشد سيفها. خطت خطوات حازمة نحو باب الغرفة.

سيريا (بعزم):

اعلم أين هو.

جاجا (متمتمًا وهو يتثاءب):

إذاً... سأكمل نومي على كتفك.

فتح سيندو عينيه نصف فتحة، وصوته يخرج منه كهمسٍ مخيف:

إنه في غرفتها... هناك فتاة واحدة لن تتوقف حتى تحصل على مرادها.

تجمدت سيريا في مكانها، قبضتها على السيف تشتد.

لن أسمح لها أن... تلمسه.

سيندو (بابتسامة مظلمة):

يجب أن تخرجيه قبل أن تلمسه... للمرة العشرين.

زفرت سيريا بحدة:

أعلم... هيا بنا، أيها العنكبوت البشري.

جاجا (ساخرًا وهو يتدلى على كتفها):

هيا بنا إلى الحرب... لكن لا تنسي، أيقظيني عندما تبدأ المعركة، لأني... نائم.

سيندو (ينهض ببطء، يبتسم ابتسامة غامضة):

أراكم في جحرها...

ثم تلاشى في الظلال، تاركًا وراءه ضبابًا أسود يلتف حول المكان.

غرفة ميلينا كانت أشبه بمعبد للغواية والشر.

الجدران تنفث عطراً خانقاً يختلط فيه عبق المسك مع روائح لا تُفسَّر، كأنها صُممت خصيصاً لإغراق الداخل في دوامة من الرغبات والخيالات.

خزانة ضخمة تقف في أحد الأركان، أبوابها نصف مفتوحة، لتكشف عن صفوفٍ من الثياب المثيرة بألوان حمراء وسوداء، تتدلى منها خيوط الدانتيل والحرير، وكأنها فخاخ تنتظر الضحية.

في منتصف الغرفة ينتصب سرير ضخم، ملاءاته مخملية بلون الدم القاتم، وفوقه يرقد جاك، مغمض العينين، غارقاً في نومٍ ثقيل، لكن جسده مكشوف بوضوح بعدما تناثرت ملابسه على الأرض، وكأنها سقطت واحدة تلو الأخرى تحت يد خفية.

كانت ميلينا واقفة أمام السرير، جسدها يلمع تحت ضوء المشاعل الخافتة، وقد بدأت ببطء في نزع ثوبها قطعة تلو الأخرى، كأنها طقس مقدس اعتادت عليه. ابتسمت بخبث، ثم همست بنبرة شريرة، كلماتها تتسرب كسمّ في الهواء:

ميلينا (بصوت خفيض مليء بالإغراء):

سأمتص كل طاقتك... حتى تفقد إرادتك تماماً... وتصبح عبداً لي، لا تملك أن ترفع عينيك عني.

ثم صعدت فوق السرير بخفة القط، اقتربت من جسد جاك حتى لامست أنفاسها بشرته، وغطّت نفسها وإياه بلحاف أسود ثقيل. ضحكت ضحكة قصيرة، حادة، تحمل مزيجاً من النشوة والجنون، وهي تهمس لنفسها:

ميلينا:

يجب أن أصل إلى المرة العشرين... قبل أن تصل إليّ تلك المجنونة وصديقها العنكبوت.

ثم أغلقت عينيها للحظة، بينما أصداء ضحكتها الملعونة كانت ترتجف في جدران الغرفة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة