يكن السقوط في تلك اللحظة سوى انتقالٍ آخر… انتقالٌ يجرّ جاك نحو قدر لم يختره، بل اختاره هو منذ وُلد. الهواء في القاعة كان ثقيلاً، محمّلاً برائحة الغبار القديم، وصدى الضربة الأخيرة بينه وبين سيندو ما زال يرنّ كأن الجدران تحفظ ذكريات المعركة.
كان جسده يعاني من ألم عميق، لكن عينيه ظلّتا مفتوحتين… تتساءلان، تتوقان، وتخشَيان في الآن ذاته.
لقد انتصر على سيندو، نعم، لكنه لم يشعر بالنصر—بل كأن باباً جديداً فُتح، باباً يطلّ على شيء أعظم… وأسوأ.
ببطء، نهض جاك من على الأرض، يده ترتجف وهو يمسح الدم عن فمه.
حولَه عمّ صمت ثقيل…
صمت ليس هدوءاً، بل انتظاراً.
كانت التماثيل الاثنا عشر تراقبه بلا عيون، كأنها تعترف به… أو تختبره… أو تحكم عليه.
وفجأة…
انشقّ الجدار خلف تمثال سيندو بصوت يشبه تنهيدة كائن عملاق.
نور أحمر خافت تسلل من الشق، كأن القاعة تدعوه إلى الداخل… إلى الغرفة التالية… إلى المخلوق التالي.
جاك يزفر بعمق، يشد قبضته، ويهمس لنفسه:
"هذا مجرد البداية…"
بدأ جسد سيندو يتقهقر ببطء، خطوة تجرّ أخرى، نحو التمثال المخصص له على الجدار الأيمن. كان وجهه شاحبًا، ليس خوفًا… بل إدراكًا. أدرك النهاية قبل أن تصل، لكنه لم يتخيّلها بهذا الشكل.
رفع يديه إلى صدره…
أصابعه انغرست في جسده كأن اللحم لم يعد يطلب الإذن.
ضغط بقوة—أكثر، وأكثر—حتى ظهر شيء صادم:
قلبه لم يكن هناك. الفراغ وحده يتنفس.
رفع رأسه نحو جاك، حدقتاه ترتجفان بذهول لم يعرفه منذ قرون.
هناك… في يد جاك اليمنى…إشتعلت نار زرقاء صافية، هادئة، نقية كالهالة، تتراقص بلا دخان.
وفي وسط اللهيب… ينبض قلب سيندو بين أصابع جاك.
قال سيندو بصوت مبحوح:
كيف… يحدث هذا؟ منذ متى؟ من علّمك هذه التقنية؟
ابتسم جاك بسخرية باردة، وأشعل سيجارة من وهج الشعلة الزرقاء نفسها، دون أن يطرف.
سحب نفسًا طويلاً، ثم أطلق الدخان جانبًا قائلاً:
من إيجابيات التعرّض للاغتصاب على يد ميلينا…
ثم نظَر إلى اللهيب، ثم إلى سيندو:
عن غير قصد نقلت لى بعض قدراتها… وبعض قُوّتها الليلية.
اتسعت عينا سيندو، للمرة الأولى بدت عليه الصدمة الحقيقية، كأن جاك أصبح شيئًا آخر… شيئًا لا ينتمى لميزان القوة القديم.
قال جاك بلهجة ثابتة:
تكلم الآن… قبل أن ينطفئ قلبك تمامًا. من التالي؟
تنفّس سيندو بسرعة، صوته بدأ يضعف، لكنه تكلم:
اسمه… راناش.
ثم ابتلع ريقه بصعوبة.
ضخم… أقوى منى بكثير. لديه أربع أيادٍ… وثمانى أرجل. يرى كل شيء فى الظلام… لكن الضوء يعميه. إنه يعيش ليلًا… ويموت نهارًا.
اقترب جاك خطوة، واللهيب يزداد نقاءً:
أين أجده؟
سيندو يشير برأسه نحو الجدار الخلفي:
سيفتح لك الباب… حين… حين أختفى.
الصمت يعمّ لحظة.
ثم قال جاك بنبرة صادقة رغم كل شيء:
لم أكن أتمنى أن ينتهي الأمر هكذا يا سيندو.
ابتسم سيندو ابتسامة صغيرة، حزينة، مستسلمة:
ولا أنا… لكن هذا هو طريق المختارين يا جاك…
ثم همس بصوت متلاشي:
سأراك… في الجانب الآخر للمنزل أولا قبل الحياة الاخرى
وانطفأ القلب في يد جاك…
وتحوّل جسد سيندو إلى رماد أزرق ترفعه ريح غير مرئية نحو التمثال…
حيث استقر مكانه إلى الأبد.
اقترب جاك ببطء من تمثال سيندو.
كان ينفث دخان سيجارته ببطء شديد، وكأن كل زفرة تحمل ذكرى من ذكريات الصراع الطويل بينهما؛ صراع بدأ بالعداوة… وانتهى بشيء يشبه الاحترام الحزين.
رفع يده ولمس قاعدة التمثال كأنه يودّع صديقًا قديمًا كان القدر يعاندهما دائمًا.
همس بصوت منخفض، وكأنه يخشى أن يوقظ الماضي:
أراك لاحقًا يا صديقي القديم…
سحب آخر نفس من سيجارته.
النبوءة ستتحقق… وعندها نلتقي مجددًا في ذلك الجانب المخفي من هذا المنزل.
لم تمرّ سوى ثوانٍ حتى اهتزّت الجدران، وفتح باب القبو بصرير ثقيل.
اندفعت منه رائحة العفن والهواء البارد… ثم ظهر جاجا.
قفز فورًا إلى السقف، وتمسّك به بخيوطه الحريرية، ثم تأرجح نزولًا حتى توقف فوق رأس تمثال سيندو مباشرة.
نظر إلى جاك بعينين متّسعتين بدهشة طفولية:
لا أصدق! بالفعل… لا أصدق أنك هزمته!
جاك، دون أن يظهر أى انفعال، أجاب ببرود:
نعم… لم يكن الأمر صعبًا. لكنني استمتعت به، نوعًا ما.
فتح جاجا فمه ليعلق، لكن صرخة حادة قطعت الهواء:
أنت! أيها العنكبوت البشرى! سوف أقتلك!
التفت كلاهما نحو المدخل ليجدا سيريا تقتحم القاعة وهى تلوّح بقبضتها. كانت عيناها تلتهبان غضبًا صريحًا.
صرخ جاجا وهو يتراجع إلى أعلى كمن شاهد كارثة تقترب منه:
مهلًا! لم أفعل شيئًا بعد!
ردت عليه سيريا بصوت مرتفع:
وجودك وحده جريمة! لا أحد يحب العناكب في هذا المنزل!
جاك وضع يديه في جيبيه، ينظر للمشهد كأنه يرى مشهدًا كوميديًا وسط حرب.
جاك مبتسما:
هذا سيكون ممتعًا…
ما إن صرخت سيريا، حتى قفز جاجا بسرعة خارقة نحو السقف، والتصق به بخيوطه كحشرة مذعورة.
رفعت سيريا رأسها نحوه، قبضتاها مشدودتان:
انزل فورًا أيها العنكبوت المزعج! أريد فقط أن أصفِّي حسابي معك!
جاجا وهو يتأرجح يمينًا ويسارًا، يلوّح برجليه فى الهواء:
أصفّيه؟! لماذا؟! لم أفعل شيئًا! أقسم أنني لم ألمس شيئًا… اليوم!
سيريا تقفز محاولة الوصول إليه، لكنها لا تصل سوى لمنتصف المسافة:
اليوم؟! ماذا عن الأمس؟! نسيت ما فعلته بوجهي؟!
جاجا يصرخ بطريقة درامية:
كان حادثًا! أخطأتُ فى الخليط، لم أكن أعلم أن الكريم يجعل البشرة تتحول للأخضر!
سيريا بعصبية:
كان يوم زفاف صديقتي المقربة يا غبي! ظهرتُ كأنني خرجت من المستنقع!
جاجا:
لكن الجميع قال إن اللون كان يليق بك!
سيريا:
سأجعلك ترى اللون الأخضر فى حياتك للأبد!
وقفزت محاولة الإمساك به، فرفع نفسه إلى أعلى السقف أكثر:
لا تقتربى! هذا اعتداء على مخلوق بريء!
درت عليها بنبرة غضب.
أنت لست بريئًا! أنت مصدر الكوارث!
على بُعد خطوات قليلة، كان جاك يقف وسط القاعة، يشعل سيجارة جديدة بهدوء، وينفث دخانها بينما يتابع الشجار المعتاد بينهما.
ابتسم وهو يتمتم:
يا لها من عائلة غريبة… لكن على الأقل… لست وحيدًا بعد الآن.
رفع رأسه ينظر إليهما وهما يصرخان مثل طفلين:
أكملا… أحتاج بعض الترفيه قبل أن يظهر المخلوق التالى.
واستمر الشجار فوقه، كأن المنزل الملعون اكتسب نوعًا جديدًا من الضوضاء… ضوضاء تشبه الحياة.
رمى جاك السيجارة الأخيرة من بين أنامله، وسحقها بطرف حذائه حتى انطفأت تمامًا.
ثم تقدّم بخطوات هادئة نحو سيريا… قبل أن تمسك غضبها عليه، أمسك بخصرها فجأة، وأمالها بقوة نحو الأسفل حتى كاد رأسها يلامس الأرض.
اتسعت عيناها، وقبل أن تنطق بكلمة…
انحنى عليها وقبّلها.
قبلة عميقة… طويلة… مشتعلة بكل الشوق المكبوت داخل صدره منذ أن دخل هذا المنزل الملعون.
ثوانٍ… ثم دقائق…
وكل ما حولهما اختفى تمامًا.
وحين أطلق سراحها، سقطت جلسًا على الأرض، بأنفاس متقطعة ووجه محمرّ بالكامل.
انحنى جاك فوقها بابتسامة جانبية، وقال بصوت منخفض:
أحبكِ… أيتها المجنونة.
حدقت فيه، لا تدري هل تصرخ أم تبكى:
مَن أنا؟! من أعطاك الحق أن تقبّلني هكذا؟! سأقتلك… ليس لأنك قبّلتني… بل لأنك أسقطتَني على الأرض!
من فوق السقف، حيث كان جاجا يتأرجح بخيوطه، صرخ بصوت مرتعب:
حركة خاطئة يا صديقي! كان لازم تمسكها كويس!
ثم لوّح لهما بجسده كله:
اهرب يا جاك! اهرب قبل فوات الأوان! لقد أيقظت الوحش!
ضحك جاك من قلبه، ثم استدار وبدأ يركض عبر القاعة، بينما يسمع خطوات سيريا الغاضبة خلفه.
أحبكِ يا سيريا!
قالها وهو يهرب، صوته يتردد بين الجدران.
صرخت خلفه وهى تركض بكل قوتها:
وأنا أيضًا أحبك!… لكنّي سأركل مؤخرتك عندما أمسكك!
ضحك جاك أكثر، وصدى ضحكته امتزج بصراخها، ليُغلق الفصل على مزيج من الحب والجنون… تمامًا كما وُلد هذا المنزل.
Imad chelloufi