قبلة من كابوس

قبلة من كابوس

11 0

الخادمة تهمّ بإغلاق المذكرة، وجهها شاحب، ونَفَسها متقطع.

الخادمة (بصوت مرتعش):

هذا ليس من شأني… لا لا لا، يجب أن أخرج من هنا...

تمسك المذكرة لتغلقها، لكنها تقفز من بين يديها بقوة خفية وتسقط على الأرض مفتوحة. فجأة، تبدأ الصفحات بالتقليب من تلقاء نفسها، بسرعة غريبة، ثم تتوقف...

ضوء غريب ينبعث من المذكرة، أبيض باهت يتحوّل إلى صورة حية ثلاثية الأبعاد أمام عينيها. المشهد ينبض بالحياة في الهواء، كأنه شريط سينمائي دون شاشة.

مشهد ظاهر في الهواء – ذكريات جاك

جاك، أصغر سنًا، يركض في الحديقة وهو يحمل ابنته على ظهره، ضحكته عالية، زوجته تصرخ بلطف:

الزوجة:

جاك، لا تسرع! ستوقعها!

الطفلة (تضحك):

باباااا، أسرع! أنا فارسة!

الخادمة تحدّق في المشهد غير مصدقة، تتراجع خطوة للخلف، لكنها تصطدم بالمكتب.

الخادمة (بذهول):

ياربّي… هل هذا... حلم؟ أم سحر؟!

المشهد يتغير فجأة. الأصوات تختفي. الصورة تهتز، الألوان تختفي، ثم تتحول إلى ظلال داكنة.

الصفحات تتقلب مرة أخرى بعنف، تصفع الهواء كأن هناك من يغضب. المذكرة تُصدر زمجرة خافتة. ثم... الظلام.

مشهد جديد – موت جاك

جاك معلّق في السقف، حبلاً يلتفّ حول عنقه. وجهه أزرق، عينيه مفتوحتان على اتساعهما. الخادمة تصرخ.

الخادمة:

لااااااااا!!

المشهد يتبدد. تتقلب صفحة أخرى.

جاك في الحمام، يضع مسدسًا في فمه… ثم: طلقـة. الدم ينتشر على الجدار.

صفحة أخرى.

جاك في المطبخ، يُطعن مرارًا وتكرارًا على يد كيان مظلم بوجه يشبه وجهه!

الخادمة (تبكي وتصرخ):

كفى!! كفى!!! لا أريد أن أرى هذا بعد الآن!

تحاول إغلاق المذكرة بقدمها، لكنها لا تتحرك. يداها ترتجفان وهي تحاول الإمساك بها، لكن المذكرة تشعل نارًا زرقاء خفيفة تحرق أطراف أصابعها دون أن تؤذيها فعليًا.

الخادمة (تصيح بانهيار):

يا رب العالمين، ما هذا الجنون؟ جاك... يا مسكين… كم مرة متَّ يا رجل؟!

صوت ناعم وعميق ينبعث من المذكرة، ليس صوت جاك، بل صوت غريب، وكأن آلاف الأرواح تتحدث بصوت واحد:

الصوت:

هذا لم يكن موتًا… بل عذابًا متكررًا... حتى يتذكّر من يكون.

الخادمة تسقط على ركبتيها، تنظر حولها، المشهد يعود للهدوء، كأن شيئًا لم يحدث… المذكرة تُغلق من تلقاء نفسها.

صمت.

الخادمة (تتنفس بصعوبة):

يا رب… هذا ليس مجرد دفتر… هذا قبر... قبر من كلمات ودم وذكريات.

تنهض ببطء، تمسح دموعها، ثم تتجه نحو الباب. قبل أن تخرج، تهمس لنفسها:

الخادمة:

إن جاك عاد من الموت… فاللعنة لم تنتهِ بعد.

تغلق الباب خلفها ببطء. المذكرة وحدها على الأرض… ثم تُفتح من جديد دون أن يلمسها أحد.

الجو قاتم، الإضاءة خافتة، مصابيح جدارية تومض كأنها على وشك الانطفاء. الرواق الطويل مكسو بسجادة حمراء باهتة، وأرضيته تصدر صريرًا مع كل خطوة للخادمة. على الجانبين، تتوزع غرف مغلقة، أبوابها من خشب داكن، نقش عليها رموز باهتة بالكاد تُرى. في كل طرف من الرواق، يقف تمثال رخامي ضخم – أحدهما يمثل فارسًا مدججًا بالسلاح، والآخر كاهنًا بعينين مغمضتين وابتسامة مريبة.

الخادمة تمشي بخوف وتمعن النظر في كل تفصيلة… تهمّ بالاستدارة، ثم تتجمد.

الصوت: (أنفاس ثقيلة… خطوات رطبة قادمة من خلفها)

تستدير ببطء…

من غرفة جاك، يخرج كائن أسود، بلا ملامح. جسده مائع كالدخان، يمشي بانسيابية رهيبة، كأنه لا يلمس الأرض. خادج للمنطق. ينبعث منه صرير ونبضات مرعبة.

الخادمة (بهمس مرتجف):

يا إلهي... ما هذا الشيء؟!

تحاول الركض، لكن الرواق يتحوّل فجأة. الجدران تنفجر منها أذرع سوداء، الأبواب تختفي، والتماثيل تتحرك. عيونها تتوهج بلون دموي، وتبدأ بالتحرك نحوها، رماحها مرفوعة.

الخادمة تصرخ وتركض، تتفادى تمثالاً كاد يمسك شعرها، تتعثر، تسقط، ثم تنهض... وعندما ترفع رأسها تصطدم بجسد.

ترفع بصرها، لتراه...جاك (واقف بثبات، وسيم بشكل يفوق الوصف – ملامحه مشرقة، شعره منسدل على جبينه، يرتدي سترة سوداء تلمع تحت ضوء خافت. عيناه تلمعان بلون الزمرد.)

الخادمة (بهمس مذهول):

جاك...؟ مستحيل... أنت... أنت مختلف.

جاك (يبتسم بمكر ونعومة):

ألا يعجبك شكلي الجديد؟

كنت أعلم أني سأراكي ثانية... لكن ليس بهذه الرعشة في عينيك.

الخادمة (بأنفاس متقطعة):

أنا... كنت خائفة... لكن الآن... لا أعرف ما بي...

جاك (يقترب منها، يمسك يدها بلطف):

كل ما تشعرين به... حقيقي.

وكل نبضة قلبك... كنت أنتظرها منذ زمن.

هو يرفع يدها ويضعها على صدره. النبض حار… حي… فيه حياة لا من هذا العالم.

الخادمة (مبهورة، تذوب بنظرته):

لماذا… لماذا قلبي يؤلمني حين أنظر إليك؟

جاك (بصوت مخملي):

لأنكِ كنتِ جزءًا من قلبي… حتى قبل أن تعرفيني.

والآن، حين عدت… لم أعد أريد شيئًا سواكِ.

هي تهمس بشفتيها المرتجفتين:

الخادمة:

أنا... لم أعد قادرة على المقاومة...

تقترب، يقترب، يتلاشى الخوف… وكل شيء حولهما يذوب.

لحظة صمت مشحونة... ثم تقبّله، بحرارة، بكل الشوق الذي لم تعرف يومًا أنها تملكه بينما الكائن الأسود يراقب من بعيد… ولا يفعل شيئًا.

توقفت اللحظات الرومانسية فجأة، عندما اخترقت ضحكة ساخرة، خفيفة ومريبة، سكون المكان. كانت الضحكة تنبعث من خلف أذنيها، كأنها صدًى يسخر من مشاعرها. فتحت عينيها بتوتر، لتكتشف الحقيقة المروّعة...

كان الكائن الذي أمامها... ليس جاك.

بل هو ذلك المخلوق الغريب، شبيه العنكبوت، بلا ملامح بشرية واضحة، يحدّق فيها بعينين مظلمتين كهاوية. ابتسم بسخرية وهو يقول:

المخلوق (بصوت أجوف):

"كنت أعلم أنك تحبّينني... لكن ليس لدرجة أن ترمي نفسك عليّ وتقبّليني بهذا الشغف!"

صُدمت الخادمة. جسدها تجمّد لوهلة، ثم صرخت بجنون وهي تندفع بكل قوتها، تركله في صدره ليسقط أرضًا. رفعت كعب حذائها وبدأت تضربه ضربًا هستيريًّا وهي تصرخ:

الخادمة (بغضب ناري):

"كيف تجرؤ أيها الحقير؟! تقبّلني؟! من سمح لك بذلك؟!"

رفع المخلوق يديه المغطّتين بغشاء أسود شفاف، محاولًا حماية وجهه:

المخلوق (بصوت خافت):

"لم أفعل! أقسم... لم أكن أغازلك! كنت فقط أبحث عن جاك... لأن سيرينا... بحاجة إليه!"

لكن كلمات الدفاع كانت كالوقود لصاعقة غضبها. صرخت وهي تضربه بعنف أشد:

الخادمة:

"هكذا تجازيني؟! أنا... أختك! صديقتك المفضّلة! تفضّل أن تأخذه مني... وتعطيه لتلك العاهرة التي تتنفس الشهوة أكثر من الهواء؟! سأقتلك... أيها الزاحف عديم النفع!"

صرخ المخلوق ألمًا، وركض نحو الجدار، ثم صعد بسرعة مذهلة نحو السقف كأن الجدران لا تقيده. نظرت إليه الخادمة بعينين مشتعلتين، وصرخت:

الخادمة:

"انزل إلى هنا! لن أؤذيك... فقط تعال!"

المخلوق (من فوق):

"لا! أنا أعرفك... أنت عنيفة!"

وفجأة، ارتجّ المكان بنور باهت غريب، وفتحت بوابة شفافة في منتصف الغرفة، كما لو أن الزمان قد تصدّع.

ظهر جاك بوجه شاحب، مغطى بالدماء والتراب، ينظر إليهما من خلف البوابة الزمنية وكأنه محاصر في بعدٍ آخر. قال بصوت مهتز:

جاك (بهمس يائس):

"أنقذوني... إنني في قبو سالمان... أسرعوا... قبل أن...!"

ثم انطفأ النور، واختفى جاك كأن البوابة ابتلعته.

ساد الصمت.

الخادمة وقفت تلهث، يداها ترتجفان من مزيج الجنون، الحيرة، والألم. رفعت عينيها نحو المخلوق الذي كان لا يزال متشبثًا بالسقف، وتبادلا نظرات لا يمكن فهمها.

نظرة خيانة... وندم... وشيء آخر لا اسم له.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة