لم يكن الفجر سوى امتدادٍ لليلٍ لم يُغلق عينيه بعد.
في أرجاء المنزل الملعون، حيث تختلط الذكريات بالدماء، بدأت الحقيقة تنزف ببطء.
ظهر جاك الكبير وزوجته لونا من عتمة الماضي، ليكشفا السرّ الذي حُفر في جدران هذا المكان منذ قرون…
المنزل لم يكن بيتًا، بل ملاذًا مقدّسًا أقامه مخلوقٌ ربّانيٌّ نزل بأمر الخالق، قبل أن تتحوّل نعمته إلى لعنة أبدية، حين تمرّد الاثنا عشر مخلوقًا بقيادة سيندو — الشيطان الأعمى.
وفي خضمّ الفوضى، سقطت مارشا في الحفرة السوداء، بينما انطفأت نظرة الأمل في عيني سيريا وهي تشاهد أختها تختفي في العدم.
أما جاك، فقد تحوّل إلى أداةٍ في يد بابرز، ليعلن بذلك ولادة عهدٍ جديد من الجنون والفناء.
وفي الأعماق… تحرّكت ظلال قديمة من سباتها.
مراد باشا، والقبطان الملعون علي، وكاثرينا، ويزور ياتورك — أباطرة الأرض الأربعة — اجتمعوا مجددًا ليكتبوا فصلاً من أسطورةٍ ظُنّ أنها انتهت إلى الأبد.
لكن الصدى القادم من الحفرة السوداء ما زال يتردد…
يبشّر بأن الكابوس لم ينتهِ بعد.
جاك يقف على حافة تؤدي الى اعماق المنزل ينظر الأسفل بعيون حمراء كانها ترى خلال ذلك الظلام القاسح قائلا بابتسامة خبيثة
يبدو أنك في مأزق يا صديقي
هبط جاك إلى القاع بخفةٍ غير بشرية، وارتطمت قدماه بالأرض المغطاة بالجذور المتشابكة. رائحة الطين والزهور الغريبة ملأت المكان، كأن الغابة نفسها تتنفس حوله.
من بين تلك النباتات، ظهر سيندو، معلقًا بخيوطٍ عضوية ملتفة حول ذراعيه ورقبته، بينما كانت عيناه تقدحان جنونًا حقيقيًا.
سيندو (بصوتٍ متعب وهو يحاول التحرر):
هل أنت بخير يا جاك؟
جاك (ينظر إليه من أعلى بابتسامةٍ ساخرة):
نفس السؤال أطرحه عليك… تبدو لي في وضعٍ رومانسي جدًا.
سيندو (يضحك ضحكةً مشوشة):
آه… لا تذكّرني. إنها حبيبتي السابقة، أو ربما كانت حبيبتي المستقبلية، لم أعد أفرّق بين الزمن والندم.
جاك (يميل برأسه):
حبيبة سابقة إذن؟ يبدو أنك ما زلت تملك ذوقًا فظيعًا، حتى في اختيار معذّبيك.
سيندو (يصرخ وهو يحاول التملّص من الجذور):
تريد مني أن أتزوجها؟! يا رجل، أنا بالكاد أخبرتها أني أحبها، وكنت ثملًا في تلك الليلة. كل شيء بدأ بخطأ… وانتهى بخطيئة!
جاك (يتراجع خطوتين، ملوّحًا بيده):
إذن سأتركك تعالج "مشاكلك العاطفية". استمتع بالجذور، وداعًا.
سيندو (بصوتٍ مذعور، يصرخ):
انتظر! لا تتركني وحدي معها! إنها مجنونة، جاك! وعندما يتعلّق الأمر بالحب… تصبح أخطر من سيريا نفسها!
توقف جاك في منتصف الطريق، رفع حاجبًا بدهشة حقيقية هذه المرة.
جاك:
من؟ الجذور؟! أم أنك تقصد…
سيندو (يتنفس بصعوبة):
نعم، أقصدها… تلك الحورية الملعونة كانت من عائلة سيريا. في الماضي، أحبّتني بجنون، وكنتُ أظنها مجرد نزوة عابرة… لكنّها قتلت كل من حاول الاقتراب مني. حتى أصدقائي اختفوا واحدًا تلو الآخر…
جاك (يقترب ببطء، نبرة صوته تصبح أكثر جدّية):
إذن… أنت السبب في لعنات هذا المكان.
سيندو (يبتسم بخفة، كأنه يتفاخر بخطيئته):
أنا السبب… وأنا النتيجة أيضًا. لكنك لست بريئًا يا جاك. منزلكم مرتبط بي، وبالحفرة السوداء. كل الغرف التي تسكنونها… ليست سوى أجزاء من جسدي، من ماضيّ الذي لم يمت بعد.
سكت لحظة، ثم تابع بصوتٍ هامس كأنه يبوح بسرٍ ثقيل:
تاجر الموت عاد، يا جاك… يطارد حبيبتك السابقة، ويطارد جاجا أيضًا. يريد أرواحهم، لأنهما المفتاحان لفتح الباب الأخير.
جاك (تتغير ملامحه، عيناه الحمراوان تشتعلان بحدة):
تاجر الموت… لم أسمع اسمه منذ حرب الظلال. إن عاد حقًا… فالعالم نفسه في خطر.
سيندو (يضحك ضحكةً هستيرية):
العالم؟ العالم انتهى يا صديقي… لم يتبقَ سوى نحن، وأخطاؤنا القديمة التي قررت أن تحيا من جديد.
يتراجع جاك خطوة، ينظر إلى الأعلى نحو الظلام الممتد فوقهما، ثم يعود بنظره إلى سيندو، الذي بدأت الجذور تلتف حول عنقه ببطء، كأنها تحاول إسكات الحقيقة.
جاك (بصوتٍ منخفض):
ابقَ حيًا يا سيندو… سأحتاجك قريبًا.
ثم استدار، واختفى في ممرٍّ مائل نحو أعماق الغابة، تاركًا خلفه صدى ضحكة سيندو التي تذوب شيئًا فشيئًا بين أنين الجذور وخرير المياه
كانت خطوات جاك بطيئة، حذرة، وهو يشق طريقه بين الجذور المتشابكة. خلفه، ظلّ صوت المرأة يملأ المكان كترنيمةٍ جنائزية.
الصوت الأنثوي:
أتعرف يا سيندو؟… كنتَ تقول إننا واحد. جسدٌ واحد، روحٌ واحدة، لكنك كذبت.
تركتني لأتعفن هنا، وذهبت تحبّ غيري.
أهذه هي وعود الشياطين بالخلود؟
سيندو (يحاول أن يتنفس):
كفى! أنتِ من بدأتِ كل هذا…
لقد حرّضتِ الحفرة لتبتلعنا…
ضحكت ضحكة باردة، خافتة، لكنّها غرزت في الأجواء كإبرةٍ من جليد.
الصوت الأنثوي:
أنا لم أحرّضها، أنا خلقتها…
ومن رحمها خرجت أنت، وكل من تسمّون أنفسكم أباطرة الأرض.
سيريا تشبهني لأنها خُلقَت على صورتي، ألم تدرك ذلك بعد؟
تجمّد سيندو في مكانه، وصدى أنفاسه تردّد بين الجذور.
أما جاك، فتابع السير كأنه لا يسمع… ومع ذلك، كان وجهه يزداد شحوبًا في كل خطوة.
شيء في تلك الكلمات أصابه في الصميم، شيء لم يفهمه بعد.
وصل إلى الغرفة الحمراء — بابها ينبض بضوءٍ خافت كأنه قلب منزلٍ حيّ.
مدّ يده، فشعر بحرارةٍ غريبة تحت كفّه.
فتح الباب ببطء… ليرى أرضيةً ملساء تكسوها طبقة من الدم المتخثر، وجدرانًا كأنها تتنفس في صمتٍ عميق.
من خلفه، ظلّ الصوت يهمس في أذنه رغم ابتعاده:
"احذر يا جاك… من يفتح باب الدم، لا يخرج كما دخل…"
توقّف لثانية، ابتسم بخفوت، ثم قال دون أن يلتفت:
جاك:
متأخر جدًا للتحذيرات.
أنا من كتب نهاية هذا الكابوس.
ثم خطا إلى الداخل، لتغلق الغرفة الحمراء فمها عليه، ويغرق كل شيء في صمتٍ دامس.
بضع لحظات مرّت بعد أن ابتلع الباب الأحمر جسد جاك في جوفه.
الظلام التهم المكان، ولم يبقَ سوى خرير خافت يشبه نبض قلبٍ يحتضر.
ثم…
صوت خطواتٍ عاد يتردّد من جديد.
خرج جاك من الباب ذاته، عيناه تائهتان، ملامحه متيبّسة، وكأنه لم يدخل قط.
توقف أمام العتبة، ابتسم بخفوتٍ مريب، وقال بالنبرة نفسها، بنفس الثقة، بنفس البرود:
جاك:
"متأخر جدًا للتحذيرات… أنا من كتب نهاية هذا الكابوس."
ثم دخل الغرفة مجددًا.
اختفى.
وصمت.
لكن بعد ثوانٍ قليلة، عاد مجددًا…
الخطوات ذاتها، العبارة ذاتها، حتى حركته في رفع يده كانت متطابقة حدّ الرعب.
وكأن الزمن عاد للوراء ليلتهم نفسه.
جاك (للمرة الثالثة):
"متأخر جدًا للتحذيرات… أنا من كتب نهاية هذا الكابوس."
هذه المرة كان صوته أضعف، كأنه يُسحب من جوف نفقٍ بعيد.
عيناه احمرّتا أكثر، ووجهه بدا مشوّهًا قليلًا، كأن شيئًا داخل الغرفة يمتص جزءًا من روحه في كل دخول.
كررها مرة رابعة، ثم خامسة، وكل مرة يعود أشد إرهاقًا، أكثر انكسارًا، كأن الجدار الزمني يبتلعه ويعيد بصق نسخة ناقصة منه.
وفي السادسة…
دخل ولم يخرج.
ظل الباب مفتوحًا، ينبض بلونٍ أحمر متوهّج، يقطر منه دم دافئ يسيل ببطء نحو الأرض، وكأن الغرفة نفسها تشهق بعد وجبتها الأخيرة.
Imad chelloufi