بركة الظلال

بركة الظلال

13 0

جاك ما يزال مُكبَّلاً تحت الكائن العنكبوتي، أرجله الثمانية تُحكم قبضتها على أطرافه، والهواء يُصبح أثقل، كأنما العالم ذاته يختنق من المشهد.

الكائن العنكبوتي يُحدِّق في وجه جاك بعينَيْه الزجاجيتين، ثم يُميل رأسه قليلاً… فجأة، مدَّ لسانه الطويل نحو صدر جاك، لم يلمسه، بل توقف على بُعد أنملة، وبدأ يُهمهم بكلمات غريبة:

الكائن (بهمساتٍ تشبه طقطقة الزجاج المتكسّر):

"نيشاتا... أوريم... زاخ تاريم... إفتح البوابة..."

ضوء خافت أخضر بدأ يشع من صدر جاك، يخرج كخيوطٍ من الدخان النوراني، كأن شيئًا يُسحب من داخله.

جاك يرتجف بعنف، وصرخة مكبوتة تتمزق في صدره دون أن تخرج.

الفتاة تراقب ما يحدث بدهشةٍ ممزوجة بفضولٍ غريب. تقترب بخطواتٍ ناعمة، تنحني قليلاً فوق جاك، وتضع أصبعها على خده، ثم تقول بنعومةٍ:

الفتاة:

"غريب… لم أرَ من قبل روحًا تتلوَّن هكذا… فيها شيءٌ… بشريٌّ أكثر من اللازم… وربّانيٌّ أكثر مما ينبغي…"

جاك (بصوت متقطّع):

"ماذا… تفعلون بي؟ ما هذا… الألم؟ ماذا يحدث؟!"

الكائن العنكبوتي (بهدوء):

"أجمع… الأجزاء التي تركها جدّك… خلفه. أنت الحاوي الأخير… والدم ناقلٌ أمين."

جاك (يصرخ):

"ما دخل جدي؟! من أنتم بحق الجحيم؟!"

الفتاة (تضحك بخفة):

"أنتَ لا تفهم الآن… لكنه سيفهم. سيأتي الوقت، ربما قبل أن تموت بثوانٍ… أو بعدها."

فجأة...

صوتٌ ثقيلٌ يصمّ الآذان يتردّد عبر الممر، كأن شيئًا يُسحب على الأرض الصخرية.

ششششخخخخشششخخخخخ... شخخخخخخ

كأن سيفًا ضخمًا يُجرّ على البلاط الحجري.

الكائن العنكبوتي يتوقف فورًا عن التهام الروح، يرفع رأسه كأنّه شمَّ رائحة الموت.

الفتاة تتجمّد، عيناها تتّسعان، والابتسامة تختفي من وجهها لأول مرة. الصمت يخيّم على كل شيء.

جاك (بصوتٍ خافت وهو يلهث):

"ما… ما هذا الصوت؟"

الكائن (همسًا مرتجفًا):

"...إنه… هو."

الفتاة (بصوتٍ حادّ مرتعش):

"هذا مستحيل… لم يكن يجب أن يعود الآن… نحن لم نُنْهِ الاستدعاء…"

خطوات ثقيلة تُدوي…خطوة… بعد خطوة… بعد خطوة…

وصوت السيف ما زال يُخدش في الأرض، كأنّه يجرّ وراءه الماضي كله.

جاك يُحاول الالتفات، لكن الكائن لا يتحرك…

كأن الخوف الأكبر في هذا العالم، دخل لتوّه عبر الممر.

الصمت ما يزال يُطبق على المكان...

صوت السيف يقترب... خطواتٌ كأنها تدكُّ الأرض...

وفجأة، ومن دون سابق إنذار...

تحطَّم الجدار الجانبي للردهة بانفجارٍ صخريٍّ مرعب.

خرج من الفُتحة مخلوق ضخم الحجم، مفتول العضلات، طوله يُقارب السقف، كل حركة من عضلاته تُحدِث فرقعة في الهواء.

يرتدي كيسًا بلاستيكيًّا مهترئًا على وجهه، لكنه مخروب من جهة العينين، اللتين تُشبهان عيني تمساح...

أنفه طويل، منقار خشبي مغطّى بالشقوق، وفمه الغاضب يحمل أنْياب أسدٍ جائع.

المخلوق الغامض يزمجر… ثم دون أن ينطق بكلمة تحذير…

مدّ يده العملاقة نحو الفتاة...

قبض عليها بيدٍ واحدة، كأنها دمية قطنية...رفَعها للأعلى، وهي تحاول الصراخ أو الهرب، لكن صوته سبقها:

المخلوق (بنبرةٍ غليظة تقشعرّ لها الأرواح):

"للدعارة... وللإغراء... ثمنٌ لا يُؤجَّل."

ثم...كراااك"

كسر رقبتها بإصبعين فقط.

ارتخت جثّتها في يده، فأسقطها كأنها نفايات لا تستحق الرأفة.

الكائن العنكبوتي (يصرخ):

"لااا! أنت لا تملك الحقّ! هذا ليس دورك!"

لكن الرد جاء خاطفًا...

المخلوق الضخم تحرّك بسرعة تفوق الإدراك...

في طرفة عين، كان خلف العنكبوت...

قطع أرجله الثمانية جميعها بضرباتٍ غير مرئية.

ثم غرَز سيفه الطويل في ظهره، حتى خرج من صدره، ومعه تدفقت مادة خضراء لزجة، كأنها مرق الأرواح الفاسدة.

المخلوق (بنبرةٍ مخيفةٍ كما لو أن الجحيم يتكلم):

"للأرواح الممتصَّة… ثمنٌ يُدفع... ولو بعد موت."

سقط العنكبوت ميتًا دون أن ينبس بحرف.

لكن الكابوس لم ينتهِ...

جاك، الممدَّد على الأرض، ينظر مذهولًا… عاجزًا عن الهروب.

المخلوق ينظر إليه دون كلمة، يقترب، يرفع سيفه...

جاك (بهمسٍ):

"مَن... أنت؟"

لكن لا جواب.

ضربة واحدة.

رأس جاك طار في الهواء…

والدماء سالت من رقبته كنافورة حزينة، بينما نظراته الأخيرة تحمل دهشة، ألم، وتساؤل لا جواب له.

المخلوق استدار، يمشي مبتعدًا في الممر المظلم…

صوت سيفه يعود يخدش الأرض...

لكن صوته انطلق بهدوء، كأنما يُحدّث من خلفه:

"أمّا أنت… فأنت جزءٌ لا يتجزّأ... من المتوحّد

في الغرفة دائرية الشكل، سقفها عالٍ تكاد العين لا تدرك نهايته، والجدران مزخرفة بنقوش قديمة تتحرّك ببطءٍ كما لو كانت تتنفس.

في وسط الغرفة، هناك سرير معدني عتيق يشبه أسرّة العمليات، مُحاط بـمعدات طبية غريبة، أنابيب، خزانات زجاجية فيها سائل أزرق يتحرّك داخله شيءٌ غير واضح… أدوات تُصدر أصواتًا خافتة وكأنها تتحدث بلغة أخرى.

رجل مسن يجلس على مقعد من العظام الملساء. وجهه مجعّد، وعيناه مطفأتان كأنهما شاهدتا آلاف الحيوات.

يضع أنبوبًا أوكسجين على أنفه، بينما طبيبتان ترتديان ملابس تشبه الزيّ التمريضي لكن بنقوش سحرية، تقومان بتنظيف جروحه ومراقبة نبضه.

بجانب الرجل، يقف كائن ضخم بثلاثة رؤوس… كل رأسٍ بملامحٍ مختلفة:

رأس طفل بعينين بريئتين

رأس رجل غاضب بوجهٍ مشقوق

رأس امرأة تهمس دون صوت

الرأس الأوسط يتحدث بصوتٍ أجش:

الرأس الأوسط:

"لقد تمّت الإشارة، سيدي... جاك دخل المنزل."

الرجل المسن (بصوتٍ خافت مخنوق):

"أخيرًا... أحفادي لا يخذلونني."

الرأس الغاضب:

"لكنه لم يدخل طوعًا... لقد جُرَّ إلى الداخل."

الرأس الأنثوي (تهمس همسًا لا يسمعه سواهم):

"سِيندُو بدأ يتجاوز حدوده... قتل الفتاة... دمّر المتوحّد..."

الرأس الطفولي (بعينين دامعتين):

"سِيندُو... يخيفنا جميعًا. إنه لم يعد كما كان."

الرجل المسن (ينظر إلى الطبيبتين):

"أحضِروا ملف سيندو... وأخبِروا المجلس أنني سأجتمع بهم الليلة. إن لم يُوقَف، فـسيدمّر التوازن."

الطبيبة الأولى (تنحني):

"حاضر، سيدي. لكن ماذا عن جاك؟ هل نُخبره بالحقيقة؟"

الرجل المسن (ببطء):

"لا… دعوه يكتشفها بنفسه.

المنزل قد رحّب به… الآن سنرى…

هل يستحق البركة…

أم يكون مثل بقيّتهم."

الرأس الغاضب:

"إنه ضعيف! قُطع رأسه قبل أن يعرف اسمه!"

الرأس الأنثوي:

"لكنه لم يمت… ليس بعد. هو جزءٌ من المتوحّد الآن… وذاك شيءٌ لا يعود منه أحد كما دخل."

الرأس الطفولي (بخوف):

"وهل سيؤذينا؟"

الرجل المسن (ينظر بعيدًا، صوته يرتجف):

"هو لن يؤذي أحدًا…

إلا إذا اختار الحقيقة بدلًا من الوهم.

وقتها… سيُعيد لنا ما سُرق منذ قرون."

الرأس الغاضب (يُزمجر):

"وسيندو؟ من سيوقفه؟"

الرجل (ينظر إلى أنبوبة ضخمة تُصدر فقاعات):

"جاك… جاك من سيتكفّل به.

فمن يُباركه المنزل… لا يُكسر بسهولة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة