ضحكات تحت السماء

ضحكات تحت السماء

11 0

بعد اختفاء تلك الهمسات، ظلَّ سيندو يراقب المشهد من عرشه، دون أن يتدخل في المسرحية التي كتبها بعناية، مسرحية لا هدف لها سوى السيطرة على المنزل المبارك من قِبَل المخلوقات الربانية. كان سيندو ينتظر البطل الذي اختاره ليؤدي الدور الرئيسي في هذه المهمة المقدسة، تلك المهمة التي صاغها على هواه، كما لو أن الأقدار كلها مجرد خيوط بين أصابعه.

لقد كان سيندو أمير مملكة سينارا، ومع ذلك لم يرضَ أن يُختار ليكون مجرد جزء من المنزل؛ فإحدى المخلوقات الربانية رأت فيه ذلك المصير. إلا أن كبرياءه رفض ذلك، إذ كان يرى نفسه أعظم من أن يُقيَّد بجدران أو مكان. كان يريد أن يكون هو المنزل ذاته، أن يحتكره، أن يتجسَّد فيه. ذلك الغرور الجارف لم يكن إلا صدى لجرح قديم، يذكِّرنا بمخلوق عتيق ابتُلي بفيروس الكِبْر، حتى انتشر ذلك الداء في باقي المخلوقات الفانية، ليمحو نورها شيئًا فشيئًا.

ضحكات مدوّية هزّت أركان القبو، لا يُعرف إن كانت تخرج من حنجرة جاك أو من ذلك الكائن الغامض، الذي لا ينتمي لفصيلة معروفة ولا نوع مُصنّف، حتى قيل إنه من خانة الأرباب؛ خانة لا يُسأل عنها كثيرًا رحمةً بالبشر، إذ الجواب أعظم من طاقتهم.

خطت سيريا خطوات ثابتة للأمام، سيفها المقدس يلمع في قبضتها، وضعية جسدها أشبه بمحاربةٍ مقدّسة خرجت من أساطير الحرب الأولى، حين وقفت الملائكة جنبًا إلى جنب مع بعض محاربي الجان المؤمنين، قبل ميلاد الجن والإنس. كان السيف نفسه، سيف سيرفيابل، رمزًا للوفاء للعهد السماوي، وسلاحًا قديمًا صبغ بدماء الجان العاصين.

اقتربت أكثر، حتى سمعت صوته الغليظ يجلجل في الظلام:

"سيف سيرفيابل... السيف الذي ذبح أجدادي، أتجرأين على رفعه في وجهي يا عاهرة؟"

ابتسمت سيريا، وارتفع السيف في قبضتها بلمعانٍ يكاد يشقّ العتمة.

"وسأذبحك أنت أيضًا أيها الزاحف الحقير... عديم النفع."

ارتجف الظل من حوله قبل أن يردّ بصوت مشحون بالغيظ:

"اسمي باربز... جدّ يازور وياتورك. خائنٌ؟! نعم، كما كان ذلك الذي تخلّى عن شعبه ووقف مع البشر في صف الرب. أنتم جميعًا خونة."

ثم صرخ بعينين متوهجتين:

"لكن تذكّري جيدًا... إن متُّ، سيموت جاك معي. عليكِ أن تبحثي عن طريق آخر... إن كنتِ تملكين الجرأة."

سارت سيريا بخطوات بطيئة نحو بابرز، نظراتها مثقلة بجنونٍ هادئ. ابتسمت ابتسامة مريضة، شريرة، قبل أن تلقي سيفها المقدّس أرضًا كأنها لم تعد تحتاجه.

قالت ببرود متعالٍ:

"لا أحتاج لهذا السيف لأهزمك..."

صرخ جاجا من الخلف، يجري باتجاهها مذهولًا:

"توقفي أيتها المجنونة! سوف يقتلك!"

لكن سيريا أجابته بثقة لا تتزعزع، والابتسامة لم تفارق شفتيها:

"لا يستطيع... لأنني لست وحدي. أراه خلفه..."

ثم رفعت رأسها نحو بابرز، وعيناها تحولت إلى حمرة قانية كاملة بلا بؤبؤ. تراجع بابرز خطوةً للوراء، جسده يرتجف وهو يهمس بخوف:

"عيون... مملكة بوجاروس الملعونة الغربية... العيون التي ترى كل شيء!"

تجمد جسده فجأة، كأن قوة خفية قيدته. صرخ بعجز:

"ماذا فعلتِ بي أيتها البشرية عديمة الرحمة؟"

اقتربت منه سيريا أكثر، وبنبرة غرور قالت:

"لستُ بشرية... أنا أخت مارشا من مملكة بوجاروس الشرقية. لكنني عشتُ في بوجاروس الملعونة الغربية. وليس أنا من فعل هذا بك."

وفجأة، ظهر خلفه مخلوق ضخم بعيون حمراء بلا بؤبؤ، أنياب حادة ولسان طويل كالثعبان، يلعق رقبة بابرز ببطء وهو يقول:

"لقد بدأتَ تثرثر بكلمات لا تفهم معناها... جدي."

ارتجف بابرز:

"يازور ياتورك... أيها الخائن، أتريد أن تقتل جدك؟"

رد يازور بصوت غليظ:

"انظر أمامك، جدي..."

رفع بابرز عينيه، فشاهد علي باشا مربوطًا بسلاسل، وفوقه مخلوقات تراقبه. وعلى مقربة، استلقت كاثرينا، حورية البحر، على صخرٍ رطب، زعانفها البحرية ترتجف، تحدق فيه بعينيها اللتين تحملان أسطورة عشق مأساوي.

قال يازور:

"هذا أعزُّ بشري إلى قلبي... علي باشا، وتلك محبوبته كاثرينا. إن أردت أن تعرف قصتهما... فاقرأ أسطورتهما في أباطرة الأرض."

ثم أشار نحو يمينه، حيث جلس عبد الجليل على صخرة سوداء تتدفق حولها الحمم، يدخن بهدوء. بجانبه جلست كريستينا، تعانق ذراعه وتضع رأسها على كتفه، عيناها معلقتان بالسماء.

تابع يازور:

"وهذا عبد الجليل... يحمل دم علي باشا، جده الأكبر. إن أردت أن تعرف حكايته، اقرأ وقعت في حب ملعونة، حينها ستفهم كل شيء."

صمت قليلًا، ثم قال وهو يحدق بعيني جده:

"هل تعرف لماذا أريك هؤلاء، يا بابرز؟"

رد بابرز بعجز:

"لست أنا... بل هي، سيريا، انت تريها كل هذا. هي من تبحث عن طريقة لإنقاذ جاك."

هز يازور رأسه مؤكدًا:

"نعم، جدي."

ابتسم بابرز ابتسامة مرة:

"أنا من علمك هذه التقنية... لا تنس ذلك. لكن إيّاك أن تطمع بما لا تفهمه."

وهنا، هرعت سيريا فجأة نحوه، ارتمت بين ذراعيه، تعانقه بقوة، وهمست:

"بل أفهم... كنتُ على اتصال مع مارشا. لقد أخبرتني عن عبد الجليل... وعن عشقها له، وصراعها مع كريستينا من أجله..."

وفجأة، ضمّت سيريا بابرز/جاك إلى صدرها بقوة، كأنها تريد أن تذيب الظلام الذي يلتهمه. عيناها احمرّتا أكثر، ونبرة صوتها ارتجفت وهي تهمس في أذنه، كأنها تخاطب روحه لا جسده:

"أحبك يا جاك... أرجوك، ارجع إليّ..."

في تلك اللحظة اهتز المكان بصرخة مدوية خرجت من حنجرة بابرز، صرخة مزجت بين الغضب والخذلان، ارتجت معها جدران القبو. بدأ جسده يتلاشى شيئًا فشيئًا، تاركًا خلفه فراغًا مظلمًا، قبل أن يعود ملامح جاك تدريجيًا إلى طبيعتها.

لكن قبل أن يختفي تمامًا، دوّى صوته في القبو بنبرة تهديدية تقطر بالوعيد:

"سوف أعود... لم ينتهِ الأمر بعد!"

ثم انطفأ صوته كما يختفي الصدى في العدم، وسقط جاك أرضًا فاقدًا للوعي.

اختفى في اللحظة ذاتها يازور ياتورك، ومعه عبد الجليل و علي باشا، وتلاشت صورة كاثرينا و كريستينا كأشباح ذابت في العدم.

عمّ الصمت القبو من جديد، ولم يبقَ سوى أنفاس سيريا المرتجفة. انحنت نحوه، حملت جاك بين ذراعيها، وملامحها مزيج من الغضب والحنان.

وقفت متجهة نحو الخارج بخطوات ثابتة، بينما جاجا يتبعها بصمت مطبق، عيناه تترقبانها في دهشة وقلق، وكأن الصراع الذي جرى للتو لم يكن إلا بداية لعاصفة أعظم تنتظرهم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة