ضحكة من الجحيم

ضحكة من الجحيم

11 0

جلس جاك الكبير على الكرسي الخشبي العتيق، أشعل سيجارته بهدوء، ونفث دخانًا كثيفًا بدا وكأنه يتراقص في الهواء ليشكل وجوهًا باهتة لسكان المنزل السابقين. كان صوته هادئًا، عميقًا، وكأن كل كلمة يحملها ثقل قرون طويلة.

جاك الكبير

"هذا المنزل… لم يكن أكثر من جدران صامتة وسقف يحمينا من المطر. مجرد بيت عادي على أطراف مدينة منسية. لكن… كل شيء تغيّر حين ظهر المخلوق الرباني. لم يكن بشرًا، ولا شيطانًا، كان شيئًا بينهما، جنديًّا من جنود الله، أُرسل لأمر لا يعرفه إلا خالقه. ساعدني يومها على النجاة من موت محقق… ومن يومها، أعطيته غرفة في المنزل، مكافأة على معروفه."

سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، وعيناه تلمعان كأنه يرى الماضي أمامه.

جاك الكبير

"مقابل ذلك المعروف… منحنا هدية لم نكن نحلم بها. جعل سكان المنزل لا يتقدمون في العمر لسنوات طويلة. تعيشون شبابكم كأنكم خالدون، ثم فجأة… حين يحين أجلكم، تتحولون إلى شيوخ في بضع سنين، وتموتون. لكن موتكم ليس نهاية… إنه بداية مرحلة أخرى."

سيريا (تضيق عينيها، تشد قبضتها على يد جاك النائم)

"أي مرحلة؟"

ابتسم جاك الكبير بخفة، كأنه يختبر صبرها.

جاك الكبير

"حين تموت أجسادكم، يموت معكم جانبكم المظلم، الشرير. أما أنتم… أرواحكم الحقيقية تُنقل إلى غرفة الاستقبال، حيث تعيشون بقية زمنكم في الجزء المخفي من المنزل، مع كل من سبقكم، حتى تنتهي دورة المنزل. عندها، يجتمع الجميع في ساحة واحدة… ثم يختفي المنزل من العالم."

ارتجف جاجا على كرسيه، شعر لأول مرة أن قلبه يخفق بخوف حقيقي.

جاجا

"انتظر لحظة… تقصد أن هذا المكان… ساحة حرب؟"

ضحك جاك الكبير، ضحكة قصيرة لكنها باردة.

جاك الكبير

"بالضبط. ما تعيشونه هنا ليس حياة عادية. إنه اختبار طويل. كل واحد منكم جزء من معركة صغيرة، وعندما تنتهي معركتكم، تنتقلون إلى المرحلة التالية. لكن… هناك من أراد كسر هذه الدورة."

سيريا (بحزم، بنبرة حادة)

"سيندو."

أومأ جاك الكبير برأسه ببطء.

جاك الكبير

"نعم. سيندو وأحد عشر مخلوقًا آخرين حاولوا السيطرة على قوة المخلوق الرباني الذي جعل هذا المنزل مقدسًا. لكنهم فشلوا، وسقطوا واحدًا تلو الآخر. بقي منهم اثنا عشر، وسيندو هو الأضعف بينهم، لكنه الأكثر طموحًا. والأسوأ…"

أطفأ سيجارته في منفضة من الحديد، وصوته انخفض حتى كاد أن يكون همسًا.

جاك الكبير

"المخلوق الثالث عشر… الشيطان الأعمى. هو من همس في أذن سيندو أن يكسر السلسلة. سيندو لا يريد أن تنتهي دورة المنزل. يريد أن يشرب من كأس الخلود، أن يوقف اختيار أعضاء جدد، أن يبقى سيد هذا المكان إلى الأبد."

جاجا (مصدوم، يفتح فمه كالأبله)

"توقف لحظة، توقف! إذًا إذا سقط هؤلاء المخلوقات… ماذا سيحدث؟"

أشعل جاك الكبير سيجارة جديدة، وابتسم ابتسامة قاتمة.

جاك الكبير

"حين يسقطون جميعًا… سيفتح الباب الأخير. وسندخل كلنا إلى عالم البرزخ. لن تبقى أرواحنا هنا، وسينتهي كل شيء. لكن… إن نجح سيندو في خطته… سينكسر القانون، وسيتوقف اختيار الجيل الجديد. وسينهار المنزل من الداخل… وستضيع بركته إلى الأبد."

سيريا (تصرخ بغضب)

"لن أسمح له! هذا المنزل أخذ طفولتنا، لكنه أعطانا حياة ثانية، ولن أسمح لأحد أن يسرقها!"

جاجا (يرفع يديه بتوتر)

"لحظة لحظة، إذا ذهبنا لمحاربته… ألن نموت معه؟"

جاك الكبير (بهدوء مميت)

"هذا ما سيحدد مصير المنزل… ومصيركم أنتم الاثنين."

ساد صمت ثقيل، لم يسمع فيه سوى صوت أنفاس جاك وهو يتقلب في نومه وكأنه يسمع الحوار في أحلامه.

جاك الكبير ربت على رأس جاجا بلطف قبل أن يلتفت نحو الباب.

أمسك بيد لونا، ابتسم لها ابتسامة باهتة وقال بصوت هادئ:

عندما يستيقظ، أخبروه أن جدّه يرسل له التحية… ولا تنسوا أن توقظوا تلك العاهرة المشنوقة.

لونا لوّحت بيدها وهي تهمّ بالخروج:

وداعًا يا أبنائي… أراكم لاحقًا.

رحل الاثنان ببطء، تاركين الغرفة تغرق في صمت ثقيل. لحظة واحدة كانت كافية لينهار جاجا على ركبتيه، يضرب الأرض بيديه وهو يبكي بصوت مرتجف:

لا! لا ترحلوا! من سيحب جاجا بعد رحيلكم؟ أمي! أبي! لا تتركوني… أنا أتوسل إليكم!

لكن قبل أن يتمادى في نحيبه، حملته سيريا بيد واحدة وكأنه دمية من القش، ثم قذفته نحو السقف. ارتطم جاجا وسقط أرضًا وهو يتألم، لكنه ما لبث أن نهض وعدّل جلسته متصنّعًا القوة، نافخًا صدره بغباء.

أيتها الساحرة المجنونة! أقسم أنني لو غضبت… سأجعلك تندمين!

قالها وهو يشير إليها بسبابته المرتجفة، محاولًا أن يبدو مخيفًا.

سيريا ضحكت ببرود، ثم اقتربت حتى أصبحت ملامحها أمامه مباشرة.

ليس لدي وقت لألعابك يا جاجا… إن أردت البكاء، فابكِ بصمت.

ثم أمالت رأسها قليلًا وأضافت بسخرية:

أم أنك تريد أن أرميك هذه المرة عبر النافذة؟

جاجا ابتلع ريقه بصعوبة، ثم حاول أن يتظاهر بالشجاعة مرة أخرى:

لا… لا تظني أنني خائف منك… أنا فقط… أسمح لك بالنجاة اليوم، لكن غدًا… غدًا سترين غضب جاجا!

رائع… سأكون بانتظار هذا الغد،

قالت سيريا بابتسامة ساخرة وهي تدير ظهرها له، تاركة إياه يصرخ خلفها بكلام غير مترابط، وكأنه طفل حُرم من لعبته المفضلة

بينما كانت سيريا تستدير عائدة إلى جاك، سمعَت صوت أنفاسه يثقل شيئًا فشيئًا. فجأة، نهض جاك من نومه قفزة واحدة غير طبيعية، ليتعلّق بسقف الغرفة كالعنكبوت. عيناه اشتعلتا بحُمرة دموية، ورأسه أخذ يهتز يمينًا ويسارًا كأنه ممسوس من شيطان.

بصوت خشن يقطر جنونًا، صرخ:

لقد قلتُ لكِ… سأعود، أيتها العاهرة! هل تظن أنك فزتي!

تراجعت سيريا خطوة إلى الخلف، قبضتها تشدّ على مقبض السيف. عروق رقبتها برزت وهي تصرخ متحدّية:

سأقضي عليك يا بابرز! لن تهرب هذه المرة، سوف يشهد التاريخ بأن باريز المشهور سقط على يد سيريا ابنة مورفيوس العظيم .

ابتسم بابرز ابتسامة مشوهة، ثم قهقه ضاحكًا بصوت مخيف:

ليس هذه المرة أيتها الملعونة… كما بَنى حفيدُي مملكة بوجاروس، لقد حطمها بيده قبل قليل… ورمى أختكِ و اخو بابا ياجا في الحفرة السوداء!

سقط السيف من يد سيريا، وتهاوت على الأرض، الدموع تغمر عينيها. همست بصوت متقطع:

لا… مارشا… أختي الصغيرة…وايضا سيروس لقد كان مسالم لا يستحق تلك الحفرة

قفز بابرز بخفة من السقف، مرّ بجانبها بخطوة باردة، ثم خرج من الغرفة تاركًا وراءه صدى ضحكته الشيطانية يملأ المكان.

سيريا جلست على ركبتيها، تمسك الأرض بأصابع مرتجفة، دموعها تختلط بالغبار. أما جاجا، فجلس على الأرض بجانبها، يُدخل إصبعه في أنفه بلا مبالاة، ثم بدأ يحدّق نحو عورة ميلينا النائمة بغباء مطلق، وكأنه لم يفهم شيئًا مما حدث.

ما الذي يجري؟ هل انتهت اللعبة؟

قالها بصوت طفولي غبي، وهو يبتسم وكأن كل ما حصل مجرد عرض مسرحي ممتع بالنسبة له.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة