لم يستفق جاك من سقوطه نحو أعماق المنزل الملعون… بل من غفوةٍ لم يتوقع أن تضعه في زمنٍ لا ينتمي إليه.
العتمة التي ابتلعته لم تكن نهاية، بل بوابة صامتة فتحت بين أنفاس الأزمنة.
والآن، وسط غرفة دافئة لا تشبه الخراب الذي عرفه، محاطًا بطفلين يناديانه أبي، وبسيريا تحمل ملامح أمٍ واثقة… أدرك أن العالم تغيّر، وأنه ليس سوى ضيف ضائع في مستقبل لم يصنعه بعد.
الزمن لم يرحمه، ولم ينتظره… لكنه خبّأ له حقيقة لم يعد منها.
جلست سيريا أمامه، تتأمله بعينين يعرفهما جيدًا، لكن امتلأتا بنضج لم يره من قبل. وضعت يدها فوق بطنها المنتفخ بخفة، كمن يحمل سرًّا أثقل من الكلمات.
قالت بصوت هادئ، لكنه مشحون بما يكفي ليزلزل روحه:
جاك… أنت لست في زمنك.
لم تتحرك أنفاس جاك. بقي صامتًا، كأن الزمن نفسه توقف بجانبه.
تمتم بصعوبة:
ماذا… تقصدين؟
أشارت سيريا نحو الطفلين اللذين كانا يركضان حول الغرفة بضحكات دافئة لا تشبه عالمه:
لقد قفزتَ إلى المستقبل… مباشرة. لم تمرّ عليك السنوات، لكننا… نحن عشناها كلها.
حدّق بجسدها، ببطنها، بالطفلة التي تناديه أبي، ثم همس بخشية لا يجيد إخفاءها:
كيف وصلت إلى هنا؟
تنفست سيريا بعمق، كما لو أنها تعيد ترتيب سنواتٍ كاملة داخل صدرها.
البوابة… البوابة السحرية التي تفتح فقط لمن يحمل شيئًا من لعنة الحفرة السوداء. أنت لمستها من دون أن تدرك، وجاك الكبير… هو من فعّلها.
ارتجّ قلب جاك عند سماع الاسم.
جاك… الكبير؟
أومأت سيريا ببطء، وعيناها لا تفارقان وجهه:
نعم. هو الذي جلبك إلى زمننا. قال إنه لا يستطيع العودة إلينا… لكنه يحتاج أن يراك.
لم يجد جاك ما يردّ به. وكل شيء حوله كان يقترب منه ثم يبتعد، كأنه يعيش عدة لحظات في وقتٍ واحد.
وفجأة، تقدّم الطفل الصغير نحوه، أمسك يده ببراءة لا تُحتمل، وقال:
أبي… جدّي ينتظرك في الغرفة الحمراء.
توقفت أنفاسه. تلك الغرفة… نفس الباب الذي ابتلعه في الماضي، نفس اللون الذي رآه يبتلع وعيه.
رفعت سيريا وجهه بيدها، نظرة مطمئنة رغم الألم الخفي فيها:
لا تخف، جاك… أنت بيننا. لكن ما ستراه… ليس سهلاً. المستقبل ليس عدوّك، إنما الحقيقة.
وعندما فتح جاك فمه ليسأل، انقطع صوته…فكل الإجابات تنتظره خلف ذلك الباب الأحمر.
وقف جاك أمام الباب الأحمر.
لم يكن بابًا… بل نبضًا.
سطحه يتحرك ببطء، كجلدٍ حيّ يتنفس، ينقبض وينبسط مع دقات قلب لا ينتمي لهذا العالم.
ابتلع ريقه، بينما خلفه وقفت سيريا بصمت. لم تقترب. لم تحاول منعه.
فقط همست:
عندما يفتح… لا تنظر إلى الخلف.
رفع جاك يده، ولمّا لامس الباب، شعر بحرارة تخترق جلده، تلتف حول عظامه، كأن شخصًا ما يضغط على دمه ليمنعه من العودة.
ثم… انفتح الباب وحده، صامتًا، بلا صرير، بلا مقاومة—وكأنه كان ينتظره منذ سنوات.
دخل و أُغلِق الباب خلفه، من تلقاء نفسه، مثل جفن عين يطبق على حلمٍ ممنوع.
الغرفة الحمراء لم تكن غرفة.
كانت مسرحًا من لحمٍ حيّ، جدرانها تتنفس، وسقفها يقطر قطرات تشبه الدم لكنها باردة كالثلج.
الأرضية ملساء، كأنها طبقة من زجاج تغطي شيئًا يتحرك تحتها… شيئًا له نبض.
وفي وسط الغرفة…
كان جاك الكبير.
واقفًا.
منحنيًا قليلًا إلى الأمام، كأن ثقلاً لا يُرى يضغط على كتفيه.
شعره الأبيض يتدلّى على وجهه، وظهره أكبر… أثقل… أقرب إلى وحشٍ نجا من حربٍ لم تحدث بعد.
رفع رأسه ببطء شديد.
لم يتحدث.
لكن ابتسامة مرسومة على نصف وجهه ظهرت—ابتسامة لا يعرف جاك إن كانت تعزية… أم تهديدًا.
أخيرًا… وصلت.
قالها بصوت مزدوج، طبقات فوق طبقات، كأن رجلين أو زمنين يتحدثان في آن واحد.
تجمّد جاك في مكانه.
لم يشعر بخوفٍ كهذا من قبل. لا من الحفرة السوداء… ولا من بابرز… ولا من سيندو.
اقترب خطوة.
الأرضية تحته نبضت، وكأنها ترحّب به. أو تبتلعه.
جاك بصوت متردد:
هل… هل أنت حقًا أنا؟
ضحك جاك الكبير. ضحكة قصيرة، حادة، تمزق صمت الغرفة.
ثم قال:
أنا ما ستصبح عليه… إذا لم تختَر الطريق الصحيح.
اقترب أكثر، حتى صارت المسافة بينهما أقل من نفس.
أحضرتُكَ هنا… لأن المستقبل الذي رأيته ليس مستقبلًا. إنه احتمال. ظلّ فقط.
عيناه—الحمراء بالكامل—ارتفعتا نحو الباب المغلق خلف جاك.
الزمن التهمك قبل أن تنهي قصتك، يا جاك… وأنا لن أسمح أن تتكرر مأساتي.
تراجع جاك خطوة.
الجدار خلفه نبض، وكأنه يهمس له ألا يلمسه.
لماذا… لماذا جلبتني؟
مال جاك الكبير برأسه، ونبرة صوته انخفضت حتى صارت همسة تهز العظام:
لأن من يطاردك… وصل إلى هنا.
سكت.
ثم أكمل، ببطء، كأن كل كلمة تخرج من قبر:
تاجر الموت… دخل المنزل.
انطفأت الأنوار فجأة كلها و بقي وجه جاك الكبير فقط مضاءً… من دون مصدر ضوء.
والآن… عليك أن تختار، يا جاك.
إ
مّا أن تهرب إلى الماضي… أو تبقى هنا وتموت كما متُّ أنا.
وفي اللحظة التي أراد فيها جاك الرد…اهتزّت الغرفة، كصرخة مخلوقٍ هائل استيقظ من سبات.
وانفتح الباب الأحمر من تلقاء نفسه، لكن هذه المرة… كان يتنفس أسرع. أسرع بكثير.
لكي يظلّ جاك يحدّق في الرجل الواقف أمامه – جاك الكبير – بدأت الغرفة تهتزّ حوله كأنها ترفض وجوده. وفي لحظة خاطفة، اندفعت قوة خفية من الجدران، قوة لم يستطع مقاومتها، فسُحب للخلف بعنف حتى وجد نفسه يُقتلع من وسط الغرفة ويُقذف إلى خارجها كما لو كان جسده خيطًا تُقطعه يد غير مرئية.
ثمّ ابتلعه الظلام.
ظلامٌ دامس، بلا قاع ولا شكل، ظلّ يسقط فيه بلا نهاية، كأن الزمن نفسه توقف عن الاعتراف بوجوده. لم يشعر سوى باندفاع الهواء حول وجهه وصدى دقات قلبه وهي تتسارع مع كل ثانية تمضي.
وفجأة… اصطدمت قدماه بأرض صلبة.
رفع رأسه ببطء، يتنفس بصعوبة، ليجد نفسه داخل قاعة واسعة تشبه معبدًا حجريًا قديمًا. في الجانبين وقفت اثنا عشر تمثالًا: ستة على اليمين، وستة على اليسار، مصطفّين كحراس صامتين يراقبون دخوله.
لكن ما أربكه حقًا لم يكن عددهم… بل أنهم جميعًا فارغون. بلا وجه، بلا ملامح، بلا تفاصيل. وكأن النحات لم يلمسهم قط… أو ربما لم يجرؤ على لمسهم.
وعند نهاية القاعة، كان هناك تمثال ثالث عشر… أكبر حجمًا، يقف وحده في الأمام.
هو الآخر بلا نحت.
بلا شكل.
بلا هوية.
ومع ذلك، كان الشعور الذي بثّه في صدر جاك أعمق بكثير… وكأن الفراغ نفسه يخفي سرًا أعظم من أن يُقال.
Imad chelloufi