إذا كنت تبحث عن رواية عادية، حيث يقع البطل في حب البطلة ويعيشان في سعادة بالغة، فأنت في المكان الخطأ.
أسلوبي في الكتابة، مثل حياتي، وُلد من رحم المعاناة، وتغذّى من الألم. لذا استعد للحقيقة البشعة، للواقع المظلم الذي يفضح زيف الحياة التي يراها البشر جنة، بينما لا أراها إلا جحيماً فوق هذه الأرض.
جاك، المستلقي على السرير، كان بجانبه سيريا تمسك بيده بقوة وكأنها تحاول أن تربطه بالواقع، بينما عيناها الحمراوان تحدقان فيه بعمق، كما لو كانت تنظر إلى روحه. لكنها وجدت تلك الروح مربوطة بإحكام، غير قادرة على الهرب من مصيرها المرسوم. قلبه الذي خُلق صافياً، محباً للجميع، طُعن مراراً بخناجر الغدر... وطُعنات الحب أيضاً.
كم من فتاة وعدته بأن تبقى معه حتى آخر رمق، ثم تركته من أجل متاع زائل من متاع الدنيا. وكم من فتاة استغلته لتنسى حبيبها السابق! أين الرحمة في قلوبكم؟
فإن سألك أحدهم: لماذا اختار المنزل جاك ليكون جزءاً منه، ويعيش بين جدرانه، دون أن يمنحه فرصة ليحيا موهبته أو شبابه خارجاً؟ فقل له: لأنه لم يحظَ بطفولة حقيقية، ولم يعش صباه محاطاً بالأهل والأحبة. لم يذق مراهقته كما ينبغي، لم يواعد، ولم يلهُ كما فعل أقرانه.
هل تعرف شعور أن تقضي طفولتك وشبابك متنقلاً من طبيب إلى طبيب، بينما مَن هم في عمرك يعيشون عالمهم الخاص؟
هل تعرف شعور أن يتحجر قلبك ويموت ببطء، حتى لا تعود قادراً على أن تشعر بأي دفء أو حب أو غرام؟
نحن لم نعش الحب، ولم نذقه.
فدعني أقول لك شيئاً قبل أن تحكم علينا، أنا وجاك:
المنزل لم يظلمنا قط. على العكس، لقد اختارنا بعناية... كتعويض عمّا فاتنا.
جده الأكبر، جورج، كان هو من بنى المنزل. لكن من وضع فيه "جوهرة الخلود المؤقت" كان بورغس ذو الجناح الذهبي؛ أحد المخلوقات الربانية، من جنود الله الذين سكت عنهم الدين.
فكم من معركة اندلعت بسبب كلمة: "أنا أفضل"، وكم من حرب اشتعلت لمجرد أن أحدهم قال: "أنت أقل مني".
لكن ليس هنا...
فهذا المنزل تحاصره العدالة الربانية، وتحيط به الأخلاق والفطرة الكونية.
والآن، يكفي فلسفة. لنطوِ الحقيقة التي يكرهها الجميع، ونرجع إلى القضية... القضية التي نسيها الزمن، لكن تذكّرها سيندو:
لماذا كرّم الرب أبا البشرية آدم، وفضّله وذريته على سائر المخلوقات؟
رغم أنه أضعف منّا، بلا قوة ولا بنية جسدية تجعله قادراً على مواجهة الأخطار التي نواجهها نحن؟
اقترب جاجا منه، وكأنه سيقبّله، لكن سيريا صرخت باكية:
توقف! إنه يمتص روحه!
جاجا، مذهولاً:
من؟
سيريا، والدموع تلمع في عينيها:
إنه أبو ندبة...منذ أن قتله محمد في قطاع Z-47 داخل أنفاق لندن، وهو يمارس هذا الفعل تكفيراً عن ذنوبه.
حينها قررنا أن نستعير تلك العيون الحمراء المخيفة والآسرة، التي كانت سببًا في وقوع جاك في حب صاحبتها، حتى نرى الحقيقة التي لا تراها سوى سيريا.
وما إن فعلنا، حتى صُدمنا برؤية جاك، أو بالأحرى روحه، معلّقة فوق السرير.
وفوقها مخلوق يشبه البشر، يحمل ندبة بارزة في عينه اليمنى، يمتص روحه بينما سيريا تبكي بحرقة.
وفجأة، دخلت ميلينا، تحمل قلادة غامضة في يدها. تقدّمت نحو سيريا، دفعتها برفق حتى سقطت أرضًا، وقالت ببرود:
ابتعدي عن طريقي، أيتها العاهرة.
ثم وجّهت القلادة نحو أبو ندبة، فسحبته إلى داخلها بلمح البصر. بعدها انحنت على جاك، قبّلته على شفتيه حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، ثم غادرت بخطوات واثقة قائلة:
أراك لاحقًا... حبيبي.
التفتت نحو سيريا، التي كانت تنهض من الأرض مذهولة، وأردفت ميلينا بابتسامة ماكرة:
لا أحد يستطيع مقاومة ميلينا... سحري وجاذبيتي لا يقاومان.
ثم أضافت وهي تغمز بمكر:
أظن أن لديك منافسة شديدة، عزيزتي... فلنجعلها منافسة شريفة، وليفز الأفضل.
لكن كلماتها كانت كصبّ الزيت على النار، فأشعلت غضب سيريا. أخرجت سيف سيرفيابل، واندفعت خلف ميلينا صارخة:
ماذا لو قتلتك الآن وحصلت عليه نهائيًا؟
ميلينا وهي تهرب وتصرخ:
لا يمكنك قتلي وأنا داخل هذا المنزل! أوقفوا هذه المجنونة!
ساد الصمت للحظة، قبل أن تعود سيريا بخطوات ثقيلة، تحمل سيفها على كتفها، وعيناها متسعتان بدهشة وهي تقول بنبرة ذهول:
بحق ربي الكعبة ورب المسلمين... ماذا تفعل أيها الغريب؟
التفتت لترى جاجا، ممسكًا بجثة جاك وكأنه يرقص معه بطريقة بشرية غريبة.
ارتبك جاجا، وقال متلعثمًا:
كنت... أعلّمه حركات رقص جديدة.
سيريا اقتربت بخطوات غاضبة، وأمرت بصرامة:
أعده إلى مكانه فورًا.
لكن جاجا، بوحشية مفاجئة، رمى بجاك نحو السرير، فسقط أرضًا فاقد الوعي.
صرخت سيريا بجنون، واندفعت تضرب جاجا بسيفها، لكنها لم تصبه.
سأمزّقك إربًا وأقدّمك عشاءً لجاك عندما يستيقظ!
فجأة، قفز جاجا والتصق بالسقف صارخًا:
توقفي عن العنف، أيتها المجنونة! وليكن الله في عون جاك... كيف له أن يعيش معك؟
سيريا، وهي تلوّح بالسيف بغضب:
انزل إلى هنا إن كنت رجلًا حقًا! تزعم أنك أقوى وأشجع عنكبوت؟ سأثبت عكس ذلك!
ثم صرخت:
لن يحبك، لأنني سأجعله يحبني غصبًا عنه... أو أكسر عظامه! أنا لست أختي مارشا الرقيقة!
لكنها توقفت فجأة، كأن شيئًا ما بداخلها هدأها. اقتربت من جاك، رفعته بحذر، قبّلته، ثم وضعته على السرير. استلقت إلى جانبه، جعلت رأسه يتكئ على كتفها، غطّته بلطف، وقبّلته على جبينه. ثم نظرت ببرود نحو جاجا المعلّق في السقف وقالت:
سأتعامل معك لاحقًا.
جاجا، وهو يتشبث بالسقف مرتجفًا:
إذا أمسكتِ بي، فأنا... في السقف حاليًا!
حلّ سكون ثقيل على الغرفة بعدما انهكت سيريا قواها. تمددت بجانب جاك، لكنها استسلمت للنوم كطفلة ضائعة تبحث عن مأوى. في الأعلى، كان جاجا متشبثًا بالسقف، يحاول البقاء يقظًا، لكن جفونه الثقيلة خانته أخيرًا، فسقط في نوم عميق وهو لا يزال متدلّيًا من بين العوارض كعنكبوتٍ مرهق.
الظلام تسلل من زوايا الغرفة كمدٍّ صامت، حتى انفتح الباب ببطءٍ كأن أنفاسه نفسها لا تريد أن تُسمَع.
دخلت ميلينا، خطواتها رشيقة كرقصة ظلّ، وعيناها تتلألآن بمكرٍ لامع.
توقفت للحظة، تنظر إلى الثلاثة الغارقين في غفلتهم، ثم ابتسمت ابتسامة عابثة.
اقتربت من السرير بخفة، انحنت فوق جسد جاك المستلقي بلا وعي، ومدّت يدها الناعمة الباردة، تمرّر أصابعها على خده كمن يتحقق من ملكيته.
همست بصوت أشبه بترنيمة:
"لا أحد يحرسك حقًا... كنت دائمًا لي، وستظل لي."
وبحركة خاطفة، سحبت جسده بين ذراعيها، وكأن ثقله تلاشى أمام قوتها الغامضة.
نظرت نحو سيريا النائمة بجواره، ثم إلى جاجا المعلّق كجثة ناعسة، وضحكت بخفوت ساخر.
تراجعت إلى الخلف بخطوات هادئة، ثم ابتلعتها العتمة مع جسد جاك، وأُغلق الباب من تلقاء نفسه بصوت مكتوم.
وبقيت الغرفة أسيرة الصمت، لا تحمل سوى أنفاس نائمة، فيما كان القدر يبتسم بخبث في الظل.
Imad chelloufi