بعد هروب سيندو، واختفاء يازور، وسقوط جاك فاقدًا وعيه، أُسدل الستار على حكاية قبو سالمان، لتُفتح أمامنا فصول حكاية أخرى... حكاية الرجل العجوز.
في غرفةٍ مخفيةٍ داخل المنزل، غرفةٍ لا يعرف بوجودها أحدٌ سوى مخلوقٍ واحد، ذاك الذي كان دومًا الأدرى بأسرارها وبأسرار من يختبئون فيها، جلس الرجل العجوز. لم يكن وحده؛ كان برفقته ذلك الكائن ذو الوجوه المتعددة، الغامض الذي لم يُعرف بعد إن كان لعنة، أم حكمة متنكرة، أم مجرد ظلّ للشر ذاته.
وأعلم أنّك ترغب في معرفة قصته: من يكون؟ وما علاقته بالرجل العجوز الذي سال الكثير من الحبر حول هويته الحقيقية؟ لكن دعنا من هذا الآن، وانظر حولك...
الباب الخشبي العتيق يُفتح ببطء، تدخل منه خادمة مسنّة تحمل صينية عليها أدوية وطعام. تقدّمت بخطوات هادئة، ثم انحنت تُقبّله على شفتيه قبل أن تضع الصينية على حجره، قائلةً بصوتٍ دافئ لكنّه يحمل في داخله نبرة مُريبة:
تفضل عشاؤك يا حبيبي... أتحب أن أُطعمك بيدي أم تأكل بنفسك؟
رفع الرجل العجوز عينيه نحوها، وصوته يخرج ممزوجًا بالمرارة:
ألا يكفيك أنك اعتنيتِ بي طوال هذه العقود؟ منذ سقوط سيندو... حتى سقوط المخلوقات الاثني عشر في المنزل... وخروج الشيطان الأعمى.
قهقه الكائن متعدد الوجوه، وملامحه تتبدل مع كل ضحكة، قائلاً:
وما زلتِ جميلة... ومخيفة.
أدارت الخادمة رأسها نحوه، كاشفةً عن عينيها الحمراء المتقدة، ثم همّت بالرحيل. لكن فجأة قطع صوت الرجل العجوز لحظة الصمت، وهو يأخذ لقمة من الطعام ببطء:
ألم يُعلّمك بابرز من قبل أن تطرق الباب قبل أن تدخل على الناس؟
رفع رأسه ببطء، وابتسامة ملتوية ارتسمت على شفتيه وهو يتمتم بسخرية:
أوقف تلك الابتسامة الخبيثة... أعلم ماذا ستقول.
من الظل انبعث صوت غليظ:
حقًا؟ وماذا سأقول؟ دعني أرى إن كنت ما زلتَ نفس الشخص الذي هزمني... أم أنك فقدت لمستك؟
ردّ العجوز، وهو يرفع كأس الدواء إلى فمه:
هل أحتاج أن أطرق الباب... لكي أرى صديقي القديم؟
ضحكة مألوفة دوّت في المكان، ترددت بين جدران الغرفة:
آه، نعم... معك حق.
في تلك اللحظة، تحرّك الظل على الجدار كأنّ المكان نفسه يتنفس. ومنه خرج رجل بطيء الخطوات، يُثقل الزمن كاهله. لقد كان سيندو... لكن ليس ذلك الأمير المتغطرس الذي عرفه الجميع. لقد غيّره العمر، وصار مزيجًا من الوقار والخراب.
شَعره الأسود انقلب فضيًا، يتخلله سواد باهت كرماد لم يُطفأ بعد. لحية طويلة، غير مهملة، تناثرت فيها خيوط بيضاء تلمع كأنهار من الثلج. وجهه مليء بالتجاعيد، كل خط فيه خريطة لحرب، أو أثر لمؤامرة قديمة.
عيناه ظلّتا كما هما، حادتين، بلونٍ أحمر يميل إلى الدم، غير أنّ خلفهما حزنًا ثقيلًا وحنينًا مبهمًا. جسده ما زال يحمل شيئًا من قوته القديمة، لكن انحناءة ظهره كانت تفضح ثقل السنين.
ارتدى عباءة داكنة مطرزة بخيوط حمراء باهتة، ربما بقايا من زهو مملكته القديمة، أو مجرد شبحٍ لدماء لم تجف بعد في ذاكرته.
اقترب وهو يسعل بصوت خشن، ثم جلس على الكرسي المقابل للعجوز، وقال بصوت أجشّ:
ها قد عدت... هل تظن أنني سأدعك تُكمل اللعبة وحدك، أيها الصديق؟
اقتربت الخادمة بخطوات مترددة، وضعت يدها النحيلة على كتف سيندو، وهمست بصوتٍ متعب لكنّه لا يخلو من الدفء:
أين بابرز؟ وأين الجميع؟
ابتسم سيندو ابتسامة واهنة، ثم أطلق ضحكة متقطعة تُظهر ثِقل أنفاسه وتقدّم عمره، وقال بمزاحٍ لم يفقده رغم قسوته:
إنهم في غرفة المعيشة... يلعبون ألعاب الفيديو. تخيّلي! يبدو أن حفيد حفيدك قد جعلهم مدمنين على هذه الأشياء.
قهقه بصوت أجشّ، لكن سرعان ما قطعه صوت الكائن متعدد الوجوه، وقد تغيّرت ملامحه وهو يحدّق فيه:
سيندو... يكفي مراوغات. ادخل في صلب الموضوع. أنا أعرفك أكثر مما تعتقد.
انفجر سيندو بضحكة طويلة، هزّت كتفيه المنحنيين، ثم قال وهو يمدّ يده المرتجفة نحو العجوز:
لقد تطورت كثيرًا... في شكلك، وفي تفكيرك. لازلتُ أتذكرك يوم كنت كعنكبوت صغير... والآن تبدو كشيخٍ مسنّ لا يقوى على القتال.
أطرق العجوز برأسه، وصوته جاء مبحوحًا:
كلنا كبرنا يا سيندو... لم نعد نستطيع أن نحارب كما كنا. بقيت لي بضع سنين... ثم ينتهي مفعول هذا المنزل... وأموت. وأرتاح أخيرًا.
هنا انحنى سيندو للأمام، عينيه تتوهجان بجديّة مُرعبة، وصوته صار أكثر غموضًا:
وماذا لو قلت لك... أنني وجدت طريقة؟ طريقة نسترجع بها شبابنا... ونبقى خالدين... على الأقل حتى اقتراب يوم القيامة... وانتهاء العالم.
سكت لبرهة، ثم تابع بصوت منخفض:
هناك ثمن... لكنه أقل بكثير مما تتخيله.
ساد الصمت القاعة، وكل العيون شاخصة نحو سيندو. بدا وكأن الزمن توقف للحظة، والذهول يكسو وجوه الجميع. تساءل بعضهم في سرّهم:
هل تستحق هذه الحياة العابرة أن نحارب الفطرة الكونية من أجلها؟ أليس الموت سوى باب آخر، يقود إلى عالم يخلو من الفقر والحزن والعيوب؟
قال الكائن متعدد الوجوه بصوت ثابت:
"نرفض عرضك يا سيندو."
لكن سيندو لم يتحمل وقع الكلمات. نهض فجأة، بسرعة لم يتوقعها أحد من رجل في مثل عمره، وصاح بصوت مجلجل:
"اخرس أيها العنكبوت البشري! لم يطلب أحد منك رأيًا!"
غير أن جسده لم يحتمل الانفجار، فخانته قوته وسقط أرضًا. انكمش وهو يجهش بالبكاء، بكاءً أشبه ببكاء طفل رضيع، مشهد لم يره أحد منه من قبل. لأول مرة انكشفت لهم هشاشته وضعفه، فانقلبت مشاعرهم من الغضب إلى الشفقة.
رفع رأسه وهو يصرخ بين دموعه:
"هل أعجبكم حالي؟! لقد صرنا عبئًا عليكم… عائقًا على هذا المنزل وعلى الجميع. أرجوك… فكر في الأمر على الأقل."
تنهد الرجل العجوز، وعيناه تائهتان بين الشفقة والقلق، ثم قال بهدوء:
"سأفكر في الأمر… غدًا نلتقي في غرفة المعيشة. اجمعوا الكائنات الاثني عشر… وأيقظوا الشيطان الأعمى من نومه."
انفرجت ملامح سيندو، وبدت عليه فرحة يائسة. حاول أن ينهض، لكن لم يبقَ في جسده ما يعينه على الوقوف. هوى على الأرض مجددًا، وصاح بصوت مبحوح متقطع:
"جاردا… سيروتا… أين أنتم أيها الحمقى؟!"
وفجأة، انكسر الباب بقوة مدوّية، وتطايرت شظاياه في أرجاء الغرفة. توقّف الجميع في ذهول، بينما ظهر جاردا أول الداخلين. خطواته الثقيلة جعلت الأرض تهتز تحته، وملامحه تكاد تكون نسخة عن جدّه سيندو؛ نفس الوجه ونفس النظرات العميقة، لكن قسماته أشد صلابة وصوته أكثر غلظة. كتفاه العريضتان وصدره المترامي جعلوه يبدو وكأنه جدار من لحم ودم.
انحنى جاردا نحو جدّه الممدّد على الأرض، رافعًا رأسه بيديه الضخمتين، والقلق بادٍ في عينيه المشتعلتين غضبًا.
من تجرأ على إيذاء جدي؟!
ابتسم سيندو بضعف، وربّت على يد حفيده:
جاردا... أنا بخير... لكن غيّر هيئتك إلى حجم البشر قبل أن يسقط السقف فوقنا.
في تلك اللحظة ظهرت سيروتا من بين الغبار. كانت قصيرة القامة مقارنة بأخيها، لكن حضورها لا يقل قوة. شعرها الأشقر الطويل ينسدل على كتفيها كخيوط من ذهب، وقناع غامض يغطي نصف وجهها. ومع ذلك، ظلّ الشبه بينها وبين جدها واضحًا، خصوصًا في نظرة العينين التي تحمل شيئًا من حكمة الماضي وثقله.
اقتربت ببطء وجلست إلى جوار جدها، رفعت القناع قليلًا لتكشف عن وجه رقيق يجمع بين البراءة والصرامة، ثم قالت بصوت هادئ لكنه واثق:
لقد أقلقتنا كثيرًا يا جدي.
ولأول مرة، شعر للجميع أن سيندو، رغم ضعفه، لم يعد وحيدًا. فها هو الامتداد الطبيعي لدمه يقف إلى جانبه: جاردا بقوة لا تهتز، وسيروتا بحكمة تخفيها ملامحها خلف القناع.
Imad chelloufi