كانت صورة روح جاك تتلاشى أمام أعين الخادمة والمخلوق العنكبوتي، تاركًا خلفه صدى صوته الأخير:
"أنقذوني... أنا في قبو سالمان."
لكن، على عكسهم، نحن ـ القرّاء ـ لم نفقد أثره.
انفتح المشهد أمامنا على ممر ضيق، جدرانه باردة وعابقة برائحة الحديد والدم القديم. صفوف من الممرضات يقفن في الرواق، أجسادهن رشيقة، ملامحهن في الظل جميلة، لكن ما إن تقترب العين حتى تنكشف التفاصيل المروّعة: بشرة شاحبة حد الرماد، عيون خالية من البؤبؤ، وابتسامات ممتدة أكثر مما تحتمل الوجوه البشرية. كل واحدة منهن تمسك أداة معدنية لامعة، وكأنها تنتظر الأمر.
عند نهاية الرواق، باب معدني ثقيل، نصفه مغمور بالظلام. ومن خلاله، نرى القبو.
جاك كان هناك، معلقًا بسلاسل صدئة من معصميه وكاحليه، جسده ممدود وكأنه مصلوب على جدار حجري، أنفاسه ثقيلة، ودمه يتساقط قطرة بعد أخرى ليختفي في أرضية سوداء تمتصه بلا أثر.
أمام جاك، يقف مخلوق ضخم، كتلاه أوسع من أي إنسان، يحمل سيفًا هائلًا كأنه قطعة من ليلٍ صلب. عيناه تشتعلان بلون الدم، وصوته الصامت يثقل الهواء من حوله.
لكن الأكثر إثارة للرعب... كانت "ملينا".
مخلوقة تشبه البشر في ملامحها، شعرها طويل ينساب على كتفيها كخيوط الليل، وعيناها بلون بنفسجي عميق. جمالها قاتل، حرفيًا؛ إذ كانت تقتات على الشهوة التي تزرعها في ضحاياها، وحين تنهكهم تمامًا، تقترب منهم وتنتزع أرواحهم كما ينتزع السكين اللحم عن العظم.
وقفت على مسافة، شفتيها ترتسمان بابتسامة موعودة، وهي تراقب جاك بعينين تتقدان جوعًا.
همست بصوت ناعم لكنه يقطر تهديدًا:
"لن أتعجل... سأنتظر حتى تسقط إرادتك أرضًا. عندها، ستكون لي بالكامل."
المخلوق الضخم لم يلتفت إليها، لكنه شبك قبضته حول سيفه وأشار ببطء إلى جاك، وكأنه يحذر:
"هو ليس أيّ فريسة... تذكّري من يريده."
كانت السلاسل تئن تحت ثقل جسد جاك، ووجهه يتقاطع بين الألم والغضب، فيما الظلام يزحف أكثر داخل القبو...
تقدمت ميلينا بخطوات بطيئة، كأن كل خطوة منها تُسقط موجة من الإغواء في الهواء، حتى وقفت أمام جاك، ترفع يدها لتمرر أصابعها الباردة على صدره العاري الملطخ بالدماء.
ابتسمت بخبث وهي تهمس للمخلوق الضخم دون أن تلتفت إليه:
"أنت لا تفهم، قوته تكمن في روحه... وأنا أعرف كيف أستخلصها بالكامل."
شد المخلوق قبضته على السيف، وصوته الغليظ ارتطم بجدران القبو:
"أوامر سيدي واضحة، لا يُمسّ حتى يصل هو. أي عبث منك يعني نهايتك."
ضحكت ميلينا، ضحكة طويلة فيها سخرية واستهزاء:
"سيدك يعيش في وهم السيطرة. لا أحد يملك زمام الرغبة مثلما أفعل أنا. دقيقة واحدة بين يديّ، وسينهار كطفل، ولن يجرؤ سيدك حتى على النظر في وجهي."
أخذ المخلوق خطوة للأمام، ظله يغطي نصف جسدها، وصوت الحديد يئن من قبضته:
"لو مددتِ إصبعًا واحدًا آخر، سأكسر عنقك، وأرسل رأسك إليه كتذكار."
هنا... التقط جاك أنفاسه بصعوبة، لكن ابتسامة صغيرة انحرفت على شفتيه. بصوت خافت لكنه مسموم، تسلل بكلماته بينهما:
"يبدو أن سيدك لا يثق بك، أيها الضخم. ربما يعرف أنك ضعيف أمام امرأة مثيرة."
التفتت ميلينا نحوه، عينيها تلتمعان بلهيب الفضول، بينما المخلوق يزأر من الغضب:
"اصمت أيها الحشرة!"
لكن جاك تابع، كمن يسكب الزيت على النار:
"وأنتِ، ميلينا... هل يعجبك أن يراكِ مجرد خادمة تنفذ أوامر ذكورٍ يظنون أنهم يملكون السلطة؟"
كانت الكلمات كسكين تشق الجدار بينهما، ميلينا تحدق في المخلوق ببرود، والمخلوق يشد قبضته كأنه على وشك الانقضاض.
ميلينا، ببطء: "ربما... حان وقت أن أقرر مصيره بنفسي."
المخلوق، بزمجرة: "جرّبي، وسأدفنك هنا مع جثته."
الهواء في القبو صار أثقل، والشرر يتطاير بين العيون، فيما جاك يراقب، كمن يشاهد شرارة تتحول إلى حريق...
ابتسم جاك ابتسامة بطيئة، وعينيه تتفحصان ميلينا وكأنه يقرأ كل ضعف مخفي خلف تلك الثقة الزائفة. قال بنبرة هادئة، لكنها محملة بالسم:
"ميلينا... أنتِ جذابة، وجميلة. جمالك وأنوثتك لا يليقان بمكانك كتابعة، بل هم من يجب أن يتبعوك."
ميلينا، ترفع حاجبها وتتقدم خطوة نحوه، وكأن كلماته لمست شيئًا عميقًا في غرورها:
"أوه؟ هل تظنني جميلة لهذه الدرجة؟"
جاك، صوته أعمق وأكثر إغواءً:
"جمالك... هو انعكاس هذا المنزل. لكنه أيضًا أقوى منه. لو أراد هذا المخلوق السيطرة عليك، فذلك لأنه يخاف من أن يراكِ تتفوقين عليه."
المخلوق الضخم يزأر، عيناه تتسعان:
"أخرس! لا تحاول زرع السم بيننا."
لكن جاك يتجاهله، موجهًا نظره نحو ميلينا:
"هل لاحظتِ كيف يقف أمامك دومًا؟ ليس لحمايتك... بل ليمنعك من أن تظهري قوتك."
ميلينا تلتفت ببطء نحو المخلوق، نبرتها حادة:
"أهذا صحيح؟ أنت تخاف أن أكون أقوى منك؟"
المخلوق، بغضب مكبوت:
"لا... أنا فقط أحميكِ من نفسكِ."
جاك، بابتسامة جانبية:
"من نفسها؟ أو من أن يكتشف سيدك أنها تستطيع أن تأخذ مكانه؟"
تشتعل عينا ميلينا بوميض التحدي، تقترب من المخلوق بخطوات واثقة:
"ربما يجب أن أُريك من يحمي من."
المخلوق يرفع سيفه قليلًا، وصوته غليظ:
"حذارِ، ميلينا... لا تدفعيني لاستخدام القوة."
جاك، بصوت خافت وكأنه سرّ يهمس به في الهواء:
"أعتقد أنني سأستمتع برؤية هذا."
ميلينا، بابتسامة ساخرة:
"جرب، ولن أكون رحيمة."
وفجأة، اندفع الاثنان نحو بعضهما، ميلينا تستعمل خيوطًا لامعة من طاقتها الحسية لتقيّد يده، بينما المخلوق يصدها بكتفه ويدفعها للخلف. الشرر يتطاير بينهما، لكن أيًا منهما لا يضرب الضربة القاتلة، وكأن كليهما يريد إثبات القوة لا إنهاء الآخر.
في الزاوية، جاك يتأمل الفوضى، مقيّدًا لكنه يهمس لنفسه بابتسامة:
"الفتنة... دائمًا أسهل طريق للهروب
اندفعت ميلينا نحو المخلوق الضخم، أظافرها الحادة تلمع وكأنها شفرات، بينما هو صدّها بضربة قوية من سيفه جعل الشرر يتطاير.
ميلينا تصرخ:
"أنت لست إلا كلبًا مطيعًا، تحركك أوامر سيدك!"
المخلوق يزأر، يلوح بسيفه كأن الهواء من حوله يرتجف:
"وأنتِ مجرد أداة رخيصة، تُستعمل ثم تُرمى!"
جاك، المقيّد بالسلاسل، ابتسم بخبث وهو يلقي كلماته كسكاكين في صدريهما:
"أوه، كم هو ممتع... أن أرى خادمة سيدها تتحدى حارسه. أتعلمان؟ أنتما تشبهان عاشقين غاضبين أكثر من خصمين."
ميلينا، وهي تدفع المخلوق للخلف:
"عاشقين؟ أنا؟! مع هذا الوحش المتعفن؟"
المخلوق، غاضبًا:
"أخرس، جاك! قبل أن أقطع لسانك!"
جاك يضحك ببطء:
"لسانك طويل، لكن... يبدو أن كلماتها تجرحك أكثر من أي سيف."
اشتد القتال، ميلينا تطلق خيوط طاقة ذهبية تحاول تقييد ذراع المخلوق، بينما هو يصدّها بضربة كتف جعلتها تتراجع مترين إلى الخلف.
وفجأة، تدفق ضباب رمادي كثيف من الأرضية، يزحف كالأفعى ويغطي المكان. شعر الثلاثة ببرودة غريبة تخترق العظام. ارتفعت أقدام المخلوق عن الأرض، ثم ميلينا تبعته، وكأن قوة خفية تسحبهما نحو السماء.
المخلوق بصوت مهيب:
"لقد حضر... سيدي."
ميلينا تهمس وهي تنظر نحو الظلام:
"أخيرًا..."
ثم جاء الصوت، غليظًا، عميقًا، كأنه يصدر من قلب الجحيم:
"جاك... لقد فاجأتني. أن تفرّق بينهما بهذه السرعة... مثير للاهتمام. ربما يمكنك أن تكون حليفًا قويًا."
المخلوق الضخم، وهو معلق في الهواء، يصرخ نحو ميلينا:
"لقد كنتِ دائمًا عقبة!"
ميلينا ترد باستهزاء:
"وأنتَ دائمًا ظلّ بلا روح!"
الكيان المهيب قاطع جدالهما بصوت حاد:
"يكفي!"
فُتحت فجأة بوابة سوداء دوّامة خلفهما، وبحركة بسيطة من يده، ألقى بهما داخلها. أُغلق الباب بصوت ارتجّت له الجدران.
"سأتعامل معكما لاحقًا."
ثم اتجه نحو جاك، الذي لم يرَ سوى ستة عيون متوهجة على وجه دائري الشكل، تتحرك ببطء نحوه.
"لدي عرض لك... هل أنت موافق؟"
جاك، دون تردد، ابتسم وقال:
"نعم، أنا موافق."
المخلوق أطلق ضحكة باردة:
"سوف نسيطر على هذا المنزل... سيندو وجاك، سيدان هذا المكان المثير للشفقة."
في أروقة المنزل، كانت الخادمة "سيريا" واقفة إلى جانب المخلوق العنكبوتي "جاجا". أمامهما، في مدخل القبو، وقفت مجموعة من الممرضات الغريبات الملامح، يتحركن بانسجام غامض وكأنهن ينتظرن إشارة.
سيريا التفتت نحو جاجا، وصوتها منخفض لكن مليء بالإصرار:
"هل أنت مستعد، جاجا؟"
جاجا ابتسم بزاوية فمه:
"نعم، سيريا."
سيريا، عينيها تلمعان:
"إذن... دعنا ننقذه قبل فوات الأوان."
Imad chelloufi