عندما يرفضك الكون، ويُختَم قلبك بخاتم الغرب العالي، لا يكون أمامك سوى مصيرَين: إمّا أن تُلقى في البيت الملعون، أو أن تُسجن في حفرة الشيطان.
فيا طوبى لمن عمل لآخرته، ويا حسرة على من آثر الدنيا على الآخرة؛ فالأول ينجو، والثاني يقضي أبديته في بيت لا يجرؤ إبليس ذاته على دخوله، أو يذوق سنوات طويلة من العذاب النفسي والروحي تحت رعاية الحارس المرعب: جوني الأشقر.
في تلك اللحظة، كانت سيريا و جاجا يتقدّمان بخطوات حذرة عبر الممرّ المظلم المؤدي إلى القبو. وقفت الممرضات في صمتٍ خانق، ملامحهنّ المشوّهة ترتسم عليها ابتسامات باردة كأنها تنذر بالهلاك.
اصطفّت سيريا وجاجا إلى جوار بعضهما، يتخذان وضعية دفاعية غريبة، وكأنهما يتبعان نداءً غامضاً ينبعث من أعماق الظلام... نداء لم يكن سوى صدى لصوتٍ خفي يقود خطواتهما نحو جاك، قبل أن تسبقهم تلك المخلوقات الممسوخة.
أخرجت سيريا سيفًا ضخمًا يشعّ نورًا أبيض متلألئًا، كأنه صيغ من فتات النجوم، فانعكست أشعته على جدران القبو الرطبة فمزّقت الظلام من حولها. رفعت السيف بثبات وهي تهمس بصوت منخفض لكنه حاد:
سيريا:
"لن أسمح لكنّ بلمسه... جاك سيبقى حيًا."
في تلك اللحظة، كان جاجا قد تسلّق الجدار بخفة، حتى التصق بسقف القبو كظلّ عنكبوتٍ ضخم. عيناه السوداوان تتلألآن بشيء من الجنون، يراقب تحرّكات الممرضات ويفتح فكيه العريضين كأنه يستعدّ للانقضاض.
جاجا (بصوت هامس نحو سيريا):
"أعطيني الإشارة فقط... وسترى كيف تُقطع هذه الدمى الخاوية."
ضحكت إحدى الممرضات بضحكة باردة جعلت الدم يتجمد في العروق، ثم تقدّمت خطوتين، بينما عيناها الغائرتان تحترقان بشهوة غريبة.
الممرضة الأولى:
"جاك ليس ملككم... لقد اختاره البيت، ولن تخرجوا به إلا جثتين!"
سيريا (تلوّح بسيفها):
"إذن جثثكنّ ستكون أولى."
صرخت الممرضة الثانية فجأة، فانطلقت بقفزة غير طبيعية نحو سيريا، لكن الأخيرة رفعت سيفها السماوي وضربت الهواء فقط، لينبثق من الضربة قوس من النور قطع جسد الممرضة نصفين قبل أن تسقط متفحّمة.
في اللحظة نفسها، اندفع جاجا من السقف كنيزك أسود، ساقطًا على إحداهنّ، فغرز مخالبه في عنقها ثم رفعها إلى الأعلى قبل أن يرميها على الأرض فتتحطم كدمية خزفية.
ارتفعت صرخات الممرضات الأخريات، لكن لم تكن صرخات خوف... بل صرخات غيظ، وبدأن يتحركن حول جاك المعلّق بالسلاسل، وكأنهنّ يحمينه بأجسادهن.
سيريا (بغضب):
"ابتعدن عنه وإلا قطعتكن واحدة تلو الأخرى!"
الممرضة الثالثة (بصوت مبحوح):
"لن تفهموا... روحه غذاؤنا، وجسده هو المذبح المقدّس. أنتنّ تلعبن بنار لن تطفأ."
حينها التفت جاجا إلى سيريا وابتسم ابتسامة شرسة:
جاجا:
"أظن أن اللعب بدأ الآن... ما رأيك أن نرقص معهنّ قليلاً؟"
أومأت سيريا برأسها، فاندفعا معًا، هي بسيفها المشعّ، وهو بمخالبه ولسانه الطويل، ليشتبكوا مع جحيمٍ من الممرضات في معركة شرسة تملأ القبو بأصوات الصراخ والحديد المتكسّر.
لحظات قليلة مرّت كأنها دهر، وانتهت المعركة الدموية. جثث الممرضات تناثرت في أرجاء القبو، محطّمة، متفحّمة، وبعضها ما زال يتلوّى قبل أن يخمد تمامًا.
لكن... واحدة فقط نجت، جسدها ملوّث بالدماء، تركض مترنّحة وهي تصرخ بصوت مشوّه:
الممرضة الناجية:
"لم ينتهِ الأمر بعد! سوف أعود... وسوف أحصل عليه مهما كلفني ذلك!"
تقدّمت سيريا بخطوات حذرة، سيفها الأبيض ما زال يشعّ بوهج قاتل، وعيناها تلاحقان كل حركة لتلك الممرضة وهي تتراجع. وحين مرّت بجانبها أمالت رأسها قليلًا وهمست بصوت بارد كالسيف:
سيريا:
"إذن سننتظر عودتك... كي أدفنك بجانبه، إن قرّر يومًا أن يخونني."
تجمد الهواء من حولها للحظة، كأن كلماتها سكين غُرست في صدر الممرضة، قبل أن تختفي الأخيرة في عتمة الرواق.
في تلك اللحظة، قفز جاجا بخفة من بين الحطام، لسانه يلوّح في الهواء، عيناه اللامعتان مثبتتان على باب ضخم في آخر القبو. أشار إليه بذراعه الطويلة وهو يقول بنبرة متوترة:
جاجا:
"هنا... قبو سالمان. رائحته تملأ المكان."
تأهبت سيريا خلفه، قبضتها مشدودة على السيف، وخطا كلاهما بخطوات سريعة نحو الباب. ارتجّ الحديد تحت وطأة أيديهما، ثم...
اندفع الباب فجأة بقوة، كأن قوة غامضة سحبتهم إلى الداخل، ليتلاشى الضوء خلفهم ويبتلعهم الظلام معًا.
كان القبو أشبه بمعبد مقلوب في أحشاء الأرض. الرطوبة تنساب من الجدران كدموع متحجرة، والهواء يقطر بالبرودة حتى يكاد يخترق العظام. على طول الجدران بدت نقوش ملتوية محفورة بدماءٍ جافة، كلمات مبعثرة تُشبه تعاويذ ممنوعة:
"جاك... جزء لا يتجزأ من المنزل."
"مرحبا بك يا جاك."
"لا تدع الحب يخطفك، مكانك مع سيندو."
الهمسات لم تكن مجرد أصوات؛ كانت كأنها أرواح سجينة تنفث كلماتها في أذني سيريا، تتلاعب بكيانها. لكنها تجاهلتها بعناد، قبضت على سيفها الأبيض وأجبرت خطواتها على التقدم إلى عمق القبو.
وفجأة، توقفت أنفاسها.
السلاسل الضخمة التي علّقت جاك سابقًا... كانت محطّمة، متدلية على الأرض كأطراف مقطوعة. وفي صدى الظلام، دوّى صوت عميق، مألوف، كأنه يخرج من بين الحجارة نفسها:
سيندو:
"مرحبًا... سيريا. لدي مفاجأة لكم."
رفعت سيريا سيفها وصاحت بغضب:
سيريا:
"أخرج أيها الجبان! كفاك مراوغة!"
ضحكة ساخرة ترددت بين أروقة القبو، ثم جاء الصوت متهكمًا:
سيندو:
"بذلك السيف... لا أستطيع أن أقترب، وأنت تعلمين ذلك."
انحنى جاجا من فوق السقف، لسانه يتلوى بنفاد صبر:
جاجا:
"إذن ماذا تريد منّا؟"
لحظة صمت قصيرة، ثم انفجر صوته مجددًا، حادًا:
سيندو:
"أخرج عليهم... جاك."
وفجأة، من الظلام الدامس، قفز جاك من الأعلى. سقط بينهم كوحش محرّر من جحيمه. عضلاته تضخمت، وجسده بدا كمنحوتة من القوة والهيبة، عيناه خضراوان متوهجتان بلا بؤبؤة، كأنهما نافذتان إلى عالم آخر.
خلفه... أربعة ذيول متوحشة، ينتهي كل منها برأس ذي أنياب متقطّرة، تتلوى في الهواء، مستعدة للانقضاض.
ارتجفت الأرض تحت وطأة ظهوره، بينما جمدت أنفاس سيريا وجاجا للحظة. لم ينبس جاك بكلمة، عيناه الصارمتان كانتا تكفيان لبث الرعب.
سيريا (بصوت مخنوق):
"ماذا... ماذا حدث له؟! هذا ليس جاك..."
جاجا (يهمس):
"عيناه... جسده... والذيول...! هل أصبح هو... وحش المنزل؟"
جاء صوت سيندو هادئًا، لكنه محمّل بالانتصار:
سيندو:
"لقد عقد صفقة معي... وأعطيته القوة التي تناسب قيمته.
جاك... لم يعد أسيرًا... بل صار سيفي الجديد."
Imad chelloufi