ظلال الأباطرة

ظلال الأباطرة

12 0

ارتجّ الممر كله كأن شيئًا ضخمًا يستيقظ من نومٍ طويل.

كانت سيريا ممدّدة على الأرض، أنفاسها متقطّعة، والغبار يملأ عينيها.

المخلوق المجهول وقف فوقها — جسد ملتفّ بالحديد واللحم المتآكل، أقدامه تشق الأرض كالمسامير، وصوت احتكاكها يصنع صريرًا كئيبًا يجرح الأذن.

سيوفه الممتدّة من كتفيه تلمع بضوء أحمر خافت، يشبه نبض قلب مريض على وشك التوقف.

رفع رأسه قليلًا، وفمه الممزق انفتح ببطء، كأن الحديد نفسه يتألم.

من عمق حلقه، خرجت أنفاس مشبعة بالدم والصدأ، تبعتها نبال طويلة تقطر بسائل أسود، ترفرف في الهواء قبل أن تتجه نحو وجه سيريا مباشرة.

تجمّدت للحظة — لم يعد هناك صوت سوى نبضها المتسارع.

حتى جاجا، الذي كان دائمًا ما يسخر من الموت، بدا هذه المرة عاجزًا.

صرخ بصوت مرتجف:

"سيريا! تحرّكي!"

لكن الوقت لم يعد زمنًا، والمكان لم يعد مكانًا.

الجدران تنزف، الأرض تتنفس، والحديد يصرخ من الألم.

حاولت سيريا أن ترفع سيف سيرفيابل، لكن ذراعها كانت ثقيلة كأنها غُمرت بالرصاص.

النبلة الأولى مرت بجانب وجهها، شقت الهواء بصافرة حادة، واصطدمت بالجدار خلفها لتنفجر بخيوط حمراء أشبه بالشرايين.

المخلوق انحنى أكثر، ويده المعدنية أمسكت ساقها بقوة، فصرخت بألمٍ مكتوم.

انحنى رأسه نحوها، اقترب حتى شعرت بحرارة أنفاسه المعدنية تلسع وجهها.

كانت عيناه المغلقتان بالحديد ترتجفان، كأن خلفهما روح تتوسل للخلاص.

قال بصوت مزدوج، فيه رجفة بشرية وأخرى جحيمية:

"أنتِ لستِ من اختارك المنزل… فلماذا تقاتلينه؟"

سيريا، رغم الألم، ابتسمت ببرود:

"لأن من يسكن الظل… ينسى أن النور ما زال موجودًا."

وقبل أن يطلق النبلة الأخيرة نحو رأسها اهتزّ الممر من جديد، وظهر ضوء أبيض قوي من الطرف الآخر، يصاحبه صوت خطوات ثقيلة…

صوت مألوف بالنسبة لها.

ساد الصمت الثقيل المكان، ثم اخترقه صوت الأغلال وهي تُسحب على الأرض، يتبعها احتكاك السيوف التي تلامس الحديد البارد في الممر الطويل.

كان صوت خرير الماء يتسلل من بعيد، كأن نهرًا خفيًّا يجري تحت الأرض، ينبض بالحياة وسط عالم ميت.

المخلوق المقيّد بالسلاسل حاول أن يتحرّك، لكن الحديد الغليظ كان يلتف حول أطرافه، يجرّ لحمه مع كل محاولة للهرب.

وقبل أن ينبس بكلمة، دوّى في أرجاء المكان صوت ضحكة ساخرة، باردة كأنها خرجت من فم الموت نفسه.

"يبدو أن أحدهم قرّر زيارة الحفرة السوداء..."

تجمّد المخلوق في مكانه، والذعر يملأ وجهه. حاول أن يستدير نحو مصدر الصوت، لكن الأغلال كانت أقوى من عظامه. همس بنبرة مرتجفة:

"أرجوك… لا تقل لي أنه هو… القبطان الملعون…"

وقبل أن يكمل جملته، اخترق سيفٌ صدره بقوة، خرج من ظهره ممزوجًا بنبضه الأخير.

تعلّق جسده على النصل، ثم سُحب نحو يدٍ بشرية مغطاة بالوشوم القديمة، كان صاحبها مراد باشا، عيناه تشعّان بنور أزرق غامق، وصوته يتسلل كالأفعى في الظلام:

"نعم… أحتاج عضوًا جديدًا في طاقمي."

المخلوق بصوت مختنق:

"لا… أرجوك، ليس الآن… لست مستعدًا… لا أريد أن أكون جزءًا من طاقم القبطان الملعون…!"

لكن كلماته اختنقت حين شعر بالماء يزحف نحو قدميه.

ارتفع النهر فجأة من تحت الأرض، وتدفقت مياهه الباردة حتى غمرت نصف جسده. ومن قلب ذلك التيار المظلم، خرجت امرأة فاتنة بشعر طويل أملس كليلٍ لا ينتهي.

عيناها الزمرّديتان تلمعان، وابتسامتها تحمل مزيجًا من الجمال واللعنة.

كانت كاثرينا — حورية البحر التي يُقال إنها أغوت ألف روح ثم أغرقتها في أحلامها.

اقتربت منه، وعانقته من ساقيه، وصوتها العذب يتسلل إلى أذنيه كأغنية موت:

"إذًا… أنت تعرف من أكون، وتعلم ما سأفعله بك؟"

حاول أن يقاوم، أن يتحدث، لكن صوته كان يختنق مع كل ثانية:

"نعم… أنتِ أسطورة من الأساطير القديمة… وحبيبك علي و  ايضا… القبطان الملعون… هو من شلّ حركتي… وجعلني ضعيفًا!"

دوّى صوت غامض في المكان، دون أن يظهر صاحبه:

"يبدو أنك على علمٍ بقصّة أباطرة الأرض…"

رفع المخلوق رأسه بصعوبة، وعيناه تلمعان برعبٍ صادق:

"نعم… كل الأكوان والعوالم تعرف قصّتكم… ما عدا عالم البشر… لقد نسيكم… لكن أحمد الخالق أنكم لم تعودوا بعد وهو معكم…"

ضحكة خافتة ردّت عليه، تلتها كلمات باردة:

"ولعل الوقت قد حان… لنكسر هذا النسيان."

مد القبطان الملعون يده من العدم، وقلب المخلوق انتُزع من صدره فجأة، ارتفع في الهواء كجوهرة حمراء متوهجة، ثم انجذب نحو يد مراد باشا ودخل في علامة (X) منقوشة على صدره — ليختفي بعدها تمامًا.

"انظر فوقك…"

رفع المخلوق رأسه ببطء، وارتجف.

فوقه، كانت عيون حمراء تشبه أعين التمساح تراقبه من العتمة.

فمٌ ضخم يتدلّى منه اللعاب، وأنياب حادة تنعكس عليها أضواء النهر، وخلفه ذيول متعددة تنتهي برؤوسٍ تحمل أنيابًا ونصالًا صدئة، جاهزة لتمزيقه.

دوّى صوت عميق، كأنه خرج من باطن الأرض نفسها:

"من الذي لم يظهر؟… سيندو؟ أم الشيطان الأعمى؟"

تلك النظرات الجحيمية قضت على آخر قطرة من شجاعة المخلوق.

صرخ وهو يُسحب إلى قاع النهر، مقاومًا بجنون، قبل أن تغمره الظلمة تمامًا.

آخر ما سُمع منه كان صوته المتحشرج:

"سيعود… سيخون… إنه منافق… البيت لا يحتاج إلى التغيير… احذروا منه… أخبروا جاك ألا يقتله في مقبرة المخلوقات… بل اسحبوا روحه… واسجنوا جسده…!"

اختفى صوته تمامًا، وتحوّل النهر إلى مرآة صامتة.

كاثرينا بقيت تطفو فوق السطح للحظة، نظرت نحو حبيبها علي بنظرةٍ حزينة، ثم غاصت ببطء نحو العتمة دون أن تدخل النور الكامل… كأنها تنتظر الإذن من القدر نفسه.

قليلٌ من السكون تخلّل الهواء بعد الاجتماع الرباعي لأباطرة الأرض، ثم قررت سيريا النهوض. تركت مسافة فاصلة بينها وبين الحضور كحاجزٍ من حزنها العميق، بينما جاجا تراجع مختبئًا خلفها، عينيه تلمعان بين الخوف والفضول.

تقدّم يازور ياتورك بخطواتٍ هادئة نحو ذلك النور، كأنه يريد أن يلتحف به، لكن قوة غير مرئية منعت تقدمه؛ حائطٌ شفاف من إرادةٍ لا تسمح بالدخول. قال بصوتٍ مستهزئ:

يا علي أيها البشري الحقير… لقد اشتقت إليك.

ردّ علي بضحكة مازحة تكشف عن مرارةٍ مكتومة:

يجب عليك أن تحسّن أسلوبك في الحديث مع البشر.

ضحك يازور، فقال:

ما زلتُ لم أتقن أسلوبكم بعد، رغم أني من أقدم المخلوقات على وجه الأرض. أخبرني يا علي: هل ما زلت محتجزًا في تلك الجزيرة؟

أجاب علي بصوتٍ ضعيف:

للأسف… نعم. فقط كاثرينا تستطيع الدخول؛ هي التي وجدت ثغرة تأتي عبرها لتطعمني وتحادثني، وأحيانًا يأتي أخي مراد، لكن ليس كثيرًا.

تنهد مراد باشا بقسوة واضحة:

نعم… أضطر لدفع رشاوىٍ للحارس لأحظى بساعةٍ مع أخي.

ابتسم يازور بمكرٍ مبهم:

وما الثمن؟ ذهبٌ؟ نقود؟ اذكروا، وسأعطيكم ما تريدون.

قالت كاثرينا بنبرةٍ تغلّفها نعومةٌ قاتلة:

ما نحتاجه هنا هو مخلوقٌ من فصيلة أورجر… خصوصًا أنثى.

قاطعتهم سيريا بحدة، عيناها تحرقان الفضول:

هل تقصدون ذلك النوع الذي يمتص طاقة المخلوق عبر ممارسة الحب؟

ردّ مراد باشا بلا تردّد:

نعم. لم يصل أحد إلى المرة العشرون أبداً؛ الجميع ينهون حياتهم في تلك المرحلة.

تلعثم جاجا بعفوية غبية:

هل تتكلمون عن فصيلة ميلينا؟

صاحت سيريا بصوتٍ قاطعٍ جعل الجو يتجمّد:

اخرسْ، أيها الغبي!

التفت الجميع نحو مصدر الصوت، وارتسمت على وجوههم دهشةٌ مختلطةٌ بالخطر. فتساءل يازور ببطءٍ:

هل يوجد في هذا المنزل من ينتمي إلى فصيلة أورجر؟

همست سيريا وهي تدفع جاجا للخلف بلمحة سريعة:

اهرب يا جاجا!

لكن جاجا لم يستسلم للخوف؛ خرج من مخبئه، نفخ صدره كما يفعل الأطفال المتشدّدون في شجاعةٍ مصطنعة، واندفع خطوةً إلى الأمام قائلاً باندفاعٍ أحمق:

لا! سأواجههم! سأقضي عليهم وحدي!

ابتسم القبطان الملعون بتمهّلٍ، كأنّ ذاك التحدّي المنفعل هو أول لعبة تلهيه:

يبدو أنني أخيرًا وجدت متحديًا يستحق القتال.

هتف جاجا بنبرةٍ تهوينية مزعومة وهو يقف على قدميه الصغيرة:

تعالَ! سأضربك حتى تؤلم مؤخرتك!

لم تمضِ سوى لحظات حتى حملت سيريا جاجا غصبًا عليها، رفعته فوق كتفها بضربة واحدة حاسمة، وهو يصرخ ويضرب جيوب الهواء بلا فائدة، صوته يعلو وهو يصرخ:

اتركني! دعني أتكفّل بأمرهم! سأهزمهم!

أجابت سيريا وهي تسيره نحو الممر، خطواتها سريعة لا تعرف التراجع:

اسكت! ليس لدي وقتٌ لغبائك الآن. إن أردت القتال حقًا، فابقَ صامتًا ولا تعطلني.

ابتسم يازور ابتسامةٍ قصيرةٍ، ثم خاطب أباطرة الأرض بنبرةٍ تلقائيةٍ فيها ثقةٌ ملكية:

اعودوا الآن إلى مواقعكم. سأتعامل مع الأمر هنا. لا تغادروا حدود الحفرة، فإنّ السقوط سيرتدّ على الجميع إن استهترتم.

وافتُقِدت الهمسات وتشعبت الأقدام؛ كثرٌ من الحضور أومأوا برؤوسهم وانسحبوا، كل منهم يعود إلى الخليج الذي يخصه، كأنهم طاقم سفينةٍ عملاقة.

لكن يازور لم يهرع. اتجه خلف سيريا بخطوات بطيئة، على نحو لم يوحِ بالاستعجال؛ كان يمشي كأنما يتلطف الزمن معه، كل خطوةٍ تضع مسافةً بينه وبين كل ما عرفته العيون. ظلّ يتبعها في الظل، صامتًا، عاقدًا على أمرٍ ما، وكأنما يحمل في صدره قرارًا سينفذ دون شهادةٍ من أحد.

خرجت الأنفاس الأخيرة من الفضاء، وذاب صدى الأصوات في أروقة المنزل.

اختُتمت مشاهد الطغيان والهمس بهذه الصورة: امرأةٌ تحمل رجلاً صغيرًا فوق كتفها، ووراءهما ظلٌ طويلٌ يسير ببطءٍ لا يثير الضجر، وسقفٌ يئنّ كقلبٍ على وشك الانهيار.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة