صرخ بسيل عالياً على أمه يطلب منها إحضار الطعام بسرعة عندما وصل إلى المنزل متأخراً من عمله كعادته كل نهاية شهر فعمله كمحاسب يجبره على البقاء لوقت أطول فى العمل مع البقية للإغلاق الشهري .
ألقى حقيبته على الأريكة و أرتمى بجانبها و فتح أزرار قميصه العلوية و قام بتشغيل التلفزيون و صرخ مجدداً على أمه و هو يستمع إلى الأخبار : ( التوتر وصل ذروته بعد الضربة الجوية التى قام بها تحالف دول الردع و منها مصر و نتج عنها أكثر من 240 قتيلاً بين المدنيين ، و صرح تحالف دول الحلفاء الجدد بأنها سترد بشكل أعنف على هذا الهجوم ، و إلى مراسلنا ........ ).
أخرج بسيل هاتفه المحمول من الجيب الأمامي لحقيبته و بحث عن رقم خطيبته دارين و ضغط على الأتصال و أنتظر مع أغنيتهما المفضله على الأنتظار.
أجابت دارين و حولها أصوات الأطباء عالية : ( بسيل ، كيف حالك ؟ لم تتصل بي طوال اليوم فقط ترسل رسائل ، أأنت بخير؟ )
- ( نعم أنا بخير ، كنت مشغولاً قليلاً ، هل أنتي فى المنزل ؟ )
- ( لا لست فى المنزل ، طلبوا من جميع ممرضات المستشفى البقاء حتى منتصف الليل اليوم )
- ( لماذا ؟ هل حدث شئ ؟ )
- ( لا لم يحدث شئ لا تقلق ، هذا إجراء أحتياطي فقط ، و أخبرت أبي و سيأتي ليوصلني للبيت )
- ( أكره هذا العمل ، و أكره بقاءك خارج المنزل حتى هذا الوقت المتأخر )
- ( عزيزي أنت تعلم إنني سأترك هذا العمل بعد زواجنا و كما إننا فى ظروف حرب )
بقي بسيل صامت للحظات حتى قالت دارين : ( هل تناولت طعامك ؟ )
( أحضرت أمي الطعام الان .... )
و وضعت والدته الأطباق على طاولة الطعام و ودع بسيل خطيبته و خلال إنتقاله الى طاولة الطعام استمع لمراسل الاخبار : ( يُلقى الجميع الإتهامات على بعضهم البعض فالحلفاء الجدد يتهمون دول الردع بإشعال صراع الحرب العالمية الثالثة الدائر بينهم منذ ثلاث سنوات و يبدو أن تحالف الكتلة لم ينجح فى شئ سوى تأخير إستعمال الأسلحة النووية و تأجيل نهاية العالم قليلاً و لكن رد الحلفاء الجدد على الهجوم الكبير الأخير لن يتأخر و على الجميع توخي الحذر ........ )
ظل بسيل يحدق فى طاولة الطعام و كأنه يبحث عن شئ ضائع منه و سأل أ مه : ( أمازال لا يوجد أرز فى الاسواق ؟! )
ردت أمه بنبرة حزينة : ( ليس الأرز فقط بل السكر و الكثير من الخضروات و القمح أيضا سينفذ عما قريب ، لا أحد يزرع شئ الآن يا بني )
بدأ بسيل يتناول العدس الذي أمامه مجبراً مستمعاً إلى الأخبار لأحد المحللين السياسين يقول : ( لا يوجد دول عظمى و دول صغرى الجميع متساوون الآن ، و قريبا سنصبح جميعاً دولاً مخربة لا تجد قوط يومها و لا شربة ماء و لا حتى السلاح الذي نحارب به ، سينفذ الرصاص و ستجف الموارد التى تشغل المصانع الحربية و نعود ألف عام للخلف و لن يكون أمامنا سوى خيار تدمير عالمنا ربما يأتي بشر أخرون أفضل منا .......... )
( أيمكننا إغلاق هذا قليلاً فقط .... ) ًقالتها أمه و هي حاملة الهم على وجهها حزناً عميقا
( حسناً يا امي .. )
أغلق بسيل التلفزيون و أكمل بقية طعامه و سألته أمه و هو يخرج المعلقة من فمه : ( هل كلمت خطيبتك اليوم ؟ )
- ( نعم ستعمل لوقت متأخر اليوم ثم يقلها والدها لمنزلهم )
- ( لا تقلق سينتهي هذا بزواجكم )
- ( إن شاء الله يا أمي ... )
- ( و هل أعطوك مرتبك اليوم ؟ )
- ( نعم لكن ما فائدته و لا يوجد اصلاً ما نشتريه ؟ )
- ( ستُحل يا عزيزي ، ثق بالله )
سقطت المعلقة من يد بسيل و قال بصوت مرتفع : (حل ؟! الجميع فى التلفزيون و الشوارع يقولون إننا سنموت جوعاً او عطشاً أو الأسوء قتلاً ، إنها نهاية العالم ، ما هي إلا مسألة وقت و هذه الدول الغاضبة ستُدمر بعضها بعضاً و نحن معهم . )
نهضت أمه و أتجهت اليه و وضعت يدها على كتفه مواسية و قالت : ( لا تفقد الأمل أبداً يا عزيزي ، أبوك ما كان سيفقد الأمل أبداً ، إنها محنة و سيجعلها الله تمر بسلام )
- ( يا أمي ، شاهدي الاخبار ، إنهم لا يقصفون الجنود الآن ، إنهم يقصفون المدنيين ، هاجمنا و قتلنا 240 شخصاً ، و سيعودون و سيقتلون منا الضعف )
أحتضنته امه ليهدأ و قالت : ( لا تفقد ثقتك بالله يا قرة عيني ، سيعوضنا الله جميعاً أياماً أفضل ، ثق بالله ، و توقف عن مشاهدة الأخبار )
هدأ بسيل قليلاً و قالت له أمه : ( أحضرتُ لك مفاجأة ، غالية قليلاً و لكنها تستحق )
- ( ماذا ؟ )
- ( كعكة بالشيكولاتة ، كلفتني كثيرا )
- ( لقد كلفتي نفسك الكثير من المال ، هذه الأشياء نادرة الآن ، لم تحتاجي لفعل ذلك )
- ( لا مشكلة يا عزيزي ، لم نأكل شئ به سكر منذ شهور لقد نسينا طعم السكر ، كما أن أي شئ يهون من أجل أن تكون سعيداً ، ستخفف عنك قليلاً ، سأذهب لأحضرها )
ذهبت أمه الى المطبخ لتحضر الكعكة و بسيل ينتظر على الطاولة يفكر فى هذا الهدوء الغريب المنتشر اليوم كأن الجميع نام منذ الثامنة مساءً ، و أمهُ بالداخل تُحضر الكعكة ليس لتناولها فقط بل أيضاً من أجل عيد ميلاد بسيل الذي نسيهُ و مُحي من رأسه تماماً بسبب العمل و الهموم و القلق و التفكير المفرط فى عقله للأحداث التى تجري حوله و الخطر الذي قد يصيب كل فرد فى العالم بلا أستثناء و الحرب التى تمس كل أنسان على وجه الأرض ، أرادتها مفاجأة تريحه و تريحها قليلاً و تخرجهم للحظات تجاه عالم اخر .
نادي بسيل على أمه : ( أين الكعكة ؟ )
خرجت أمه من المطبخ تحمل الكعكة فى صندوقها و أطباق و شموع و ما هي إلا لحظات حتى دوت صفارات الأنذار من كل حدب و صوب مُحذرة بقدوم غارة جوية و أن على الجميع إطفاء الأضواء .
أرتبكت أمه و هي تحمل كل هذه الأشياء و بدت تائهة خائفة و تسمرت مكانها ، لا تعرف كيف تتصرف حتى قام بسيل من مجلسه و أخذ منها الصندوق و الأطباق و وضعهم على الطاولة ، وأخذ يجري يطفئ كل مصابيح المنزل ، و عاد و مسك يدها و صرخ فى أمه التى كانت خائفة مرعوبة لا تعرف أين تذهب و ماذا يجري ، و بسيل يسندها و يصرخ قائلاً : ( أمي يجب أن ننزل تحت الطاولة للحماية كما أخبرونا )
كانت أمه العجوزة التى تجاوزت الستين من العمر مغلوبة على أمرها لا حول لها و لا قوة ، تشعر بخوف شديد قلبها يدق بشدة و تمسك بيد بسيل بقوة تحتمي بأبنها الوحيد و تنفذ ما يقوله لها بلا أعتراض ، قدمها بدأت تفقد الأحساس بها و لكن خوفها على إبنها هو ما يحركها و ليس قلقها على نفسها.
و بسيل مرتبك و كاد أن يخرج قلبه من بين ضلوعه حوفا على أمه الكبيرة فى السن و رهبة من الموقف الكبير فلم تأتي أي غارات على حيهم من قبل ، ماذا لو كانت هذه هي المرة الموعودة ؟ .
أستلقيا أسفل الطاولة الخشبية و هم يستمعون إلى صوت أزيز طائرات العدو يقترب شيئاً فشيئاً و أنفاسهم تتسارع ، بسيل يحتضن أمه ليحميها و هي تتمسك بذراعه بقوة، و الصوت يقترب أكثر و أكثر و ضوضاء محركاتها يزداد و قد سقطت أول قذيفة و تلاها المزيد و المزيد و هي تبك و ينزل دموعها مع صوت الأنفجارات المخيف و كأن أبواب الجحيم قد فُتحت ، تحاول أن تتماسك من أجل إبنها لا يتأثر لكن الموقف أعظم من أي وقتٍ مضى ، فالهجوم أشد قسوة و الانفجارات تدل و كأن القذائف تسقط كقطرات المطر و ستمحي الجميع من فوق الأرض متتالية لا فراق زمن بينهم .
أستمر صوت الطائرات بالأقتراب و القصف لا يتوقف و مر أكثر من 20 دقيقة على غير المعتاد ، و تنصت بسيل جيداً و حس ان الطائرات قريبة جداً منهم كما لو كانت أعلى منزلهم ، سقطت القذيفة التالية فى شارعهم على بعد أمتار من منزلهم لينفجر زجاج النوافذ و يتناثر فى كل مكان و يسقط سقف المنزل و لكن الطاولة تحميهم و الجدران تنهار و يبدأ المنزل بالميلان مثل السفينة الغارقة و والدته تخرج من بين أحضانه تصرخ بالنجدة و بسيل يمسك يدها لا يتركها ( أمي ... أمي )
لا يستطيع بسيل أن يحمل أمه وقتاً أطول فهو يفقد السيطرة و أصوات الصرخات و الأنهيار و الأنفجارات تأتي من كل مكان حوله و صرخات أمه تطعنه في قلبه و دموعها تقتله من الداخل و هو يظل يصرخ ( أمي .... أمي )
و تضرب قذيفة أخرى المنزل و أخر ما يراه بسيل عينه فى عين أمه يده تفلت يدها و المبنى ينهار و يفقد الوعي و يختفي كل شئ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتح بسيل عينه قليلاً و رؤية مشوشة تماماً و صوت يأتي من بعيد يصرخ : ( لقد فاق ... داااارين ... لقد أستيقظ مريضك )
و شعر بيد تمسكه و تقول : ( بسيل ... هل تسمعني ؟ )
و ضوضاء كثيرة حوله و شكة إبرة فى ذراعه و صوت يستمر في قول : ( بسيل ... هل تسمعني ؟ من فضلك أجبني )
( سيفيق لا تقلقي )
و عينه تفتح شيئا بشيئا و الرؤية تظهر بالتدريج و اصوات البكاء و الألم فى كل جانب و صرخات الوجع و التوسلات الى الله ، و مشاهد الأطباء يحملون الأطفال المبتورة سيقانهم و أذرعهم و النساء المشقوق بطنهن و يظهر منها أمعائهن و الرجال الذين فقدوا نصف جسدهم و الدماء التى تسيل من الآسرة على الأرض ، اللون الاحمر فى مكان و الرضع الموتى بين أذرع أهلِهم ، و الأطباء يجرون الآسرة مهرولين الى غرف العمليات مثل سباق لإنقاذ الأرواح ، و آخرون يصرخون يطلبون المزيد من أكياس الدم و البعض يقف من الصدمة يجروه الناس من ملابسه كلاً منهم يريد الطبيب أن ينقذ عزيز عليه ، و رائحة الموت منتشرة تحيط بالجميع و يدور فى رأس بسيل أمر واحد ، هل هذه نهاية العالم التي خشاها دائماً ؟ .
سمع بسيل صوت رقيق يخترق أذنه يقول : ( أنا دارين يا عزيزي ... أنا دارين )
و هو يقول كلمة واحدة بصوت أقرب للتمتمة : ( أين أمي ؟ أين أمي ؟ أمي ... )
ثم يقول صوت بجانبه : ( هل نخبره الآن ؟ لم يفق بالكامل .. )
و بسيل لا يقول إلا نفس الكلمة : ( أمي ... أمي )
يطلب منهم الطبيب المشرف : ( أحقنوه بالمهدئات لينام الآن و أنقلوه الى العنبر الثالث و أخلوا هذا السرير للجرحى حالاً .. )
يغلق بسيل عينه من جديد و يغرق فى الظلام بعد حقنه بالمهدئات بيد خطيبته و يختفي كل شئ من جديد .
أستيقظ بسيل فى الثانية بعد منتصف الليل و فتح عينيه ببُطئ و صعوبة فى غرفة شبه مظلمة ، مصباح خافت واحد فقط يعمل ، بها صفين من الآسرة ،اكثر من 20 سريراً كلها ممتلئ بمصابين و أقربائهم على الأرض نائيمن معهم و أصوات تنفسهم تملئ الأرجاء ، و لمح على يمينه دارين و رأسها للأسفل نائمة بعمق من الإرهاق على كرسي بجوار سريره ، لا يريد إيقاظها و مد يده ليلمس يدها فشعرت به و فتحت عيونها بسرعة و أقتربت منه و أشتبكت أصابعهم و قالت بلهفة : ( حمداً لله يا عزيزي إنك بخير ... حمداً لله على سلامتك )
بصوت خفيف قال : ( أين أمي يا دارين ؟ )
وضعت يده بين يديها الأثنتين و ضغطت عليها بقوة و قالت : ( لقد تعرضت لإصابات كثيرة يا عزيزي لكن ما حدث لك هو أُعجوبة حقيقية ، معجزة من الله ، أدعو لك طوال الليل ، يوجد جبيرة فى ساقك و رأسك مربوط .... )
قاطعها : ( سألتك عن أمي .. أهي بخير ؟ )
لم تكن دارين الشخص الذي يخفي اسراراً عن بسيل حبيبها منذ الطفولة : ( أخرجوكم من تحت الأنقاض لكن ..لكن ..)
- ( ماذا ؟ )
- ( أسفة يا حبيبي .. لقد ماتت )
دق قلب بسيل و تشوشت أفكاره و لم يستوعب الصدمة بعد و سحب يده من بين أيدي دارين و قال : ( أنا من أفلتها .. أنا السبب )
مسحت على راسه و ظل صوته يرتفع و يقول : ( أنا السبب .. ماتت أمي بسببي )
أصبح يصرخ و دارين تحاول تهدئته و أستيقظ العنبر بأكمله و أصبح فى ما يشبه نوبة الصرع باكياً صارخاً : ( أنا السبب .. ماتت أمي بسبب .. ماتت أمي بسببي )
أجهش بالبكاء وجهه محمر و دارين لا تستطيع السيطرة عليه و الجميع ينظرون إليه مروعبين منه ، و لم تجد إلا النداء على زملائها على مساعدتها الذين أتوا من صراخه العالي : ( أمي .. أمي .. ماتت أمي بسببي )
أنفصلت توصيلات الاجهزة و المحاليل عن جسمه و هو هائج لا يتوقف عن الحركة و الصراخ العالي : ( أمي .. أمي )
أمر الطبيب الممرضات بتجهيز حقنة تخدير له و عندما تناولها أدخل الإبرة فى وريده و مرت خمس ثواني حتى توقف عن المقاومة ثم دخل فى عالم ظلامي و هو يردد : ( أمي .. أمي .. ماتت أمي بسببي )
ليري أخر صورة لأمه فى عقله تمر أمام ناظريه و يختفي صوته .
Mahmoud Ahmed