اليوم الأول من الحرب – روسيا
كان لينور واقفا وسط مجموعة من الحراس الضخام مفتولي العضلات الضخام مع وجوههم المخيفة مربوطة يديه بالحبال طبقا لأوامر والده الذي أمر بتقييده و تركه في المخبأ السري المصفح تحت قصرهم في مدينة سان بطرسبورغ الروسية .
صوت قطرات المياه المتسربة من أنابيب المياه يخترق أذنيه وسط صمت مطبق رهيب يعطي هيبة مرعبة للمكان حتى دخل والده في منتصف الخمسينات مع عينان زرقاوان ، شعره أصفر فاتح مع ملامح حادة مخيفة و صارمة ، يرتدي بدلته السوداء الفاخرة تظهر كبرياء المال و النفوذ عليه .
وقف أمام لينور و نظر نظرة ممتلئة بالبغض و الأشمئزاز ثم صفعه على خده الأيمن صفعة أسمعت صداها السماء ، و قال له : ( أتمنى إنك تمتلك مبررا جيدا ينقذك اليوم ن فعلتك التى فعلتها اليوم )
أستقام لينو مجددا و قد سببت له الصفعة القوية نزيفا من لثته و قال : ( لن اشارك في تلك القذارة مجددا معك .. لن ألطخ يدي بدماء الملايين في هذه الحرب )
أعطاه صفعة جديدة على خده الأيسر أسقطته على الأرض و قال غاضبا : ( هذه القذارة أيها الوغد هي من جعلتك تعيش هذه الحياة المرفهة أنت و أمك العاهرة اللعينة ، الآن تتكلم عن الدماء و الملايين و الحرب .. نحن تجار نبيع السلاح لمن يريد الشراء منا و لا يهمنا ماذا يفعلون بنا )
أمر الحراس بإيقافه و قال له : ( أنت تتحدث مثل أمك ، حتى ملامحك مثلها ، كم كنت أكرهها )
ضربه بلكمة قوية فى معدته جعلته يسقط على ركبتيه مرة أخرى على الأرض و قال : ( تفجر بضاعة بمليارات .. و تقول لن ألطخ يدي بالدماء ، كنت أعرف أن لا فائدة منك طوال حياتك طالما أنت أبن هذه القذرة )
تحدث لينور بصوت ضعيف مكسور و قال : ( لا تتحدث عن أمي هكذا )
أحضر سلاسل حديدية و قال و هو يسير تجاهه : ( أتحدث عنها كما أشاء .. أتتذكر عندما كنت اضربك بحزامي الجلدي .. كنت أظن إني أصنع رجلا و لكنك خيبت ظني )
مرر السلاسل على وجهه و قال بحدة : ( الثواب و العقاب على الجميع حتى إبني ، و أنت خنتني ، و لكل خيانة ثمنها يا لينور )
أمرهم برفعه و تعليقه من يديه بالسلاسل و خلع قميصه و والده يحضر سوطا غليظا من صندوق أشياء قديم في أحد جوانب الغرفة ، و يقترب بكل قسوة كأب فقد قلبه ، و بلا أي ذرة رحمة يقول له : ( و أنت صغير كنت اضربك بحزامي الجلدي ، لكن الآن أنت كبرت لذلك يجب أن يكبر العقاب معك )
ما إن رأي السوط بيد أبيه أتسعت عيناه من الرعب و أرتجفت يداه المعلقة و أنعقد صدره بصدمة كبيرة ، داخله مشاهر من الكراهية و المهانة و الغضب المكتوم تجاه هذا الرجل الذي يسمي أبيه و هو لا يقترب من ذلك أصلا ، و أرتفع السوط في الهواء م انقضّ بقوة، محدثًا صفيرًا حادًا سبق لسعته. اخترق جلده كخط نار مفاجئ، فاندفعت موجة ألم حارق على ظهره ، تتابعت الضربات و مع كل ضربة تأخذ قطعة من جلده ، لم تكن الضربات تمزق الجلد فقط بل الأنفاس أيضا ، و مع كثرة الضربات أنحنى جسمه لا إيراديا و فقد الوعي و تعب الأب ، و رمى السوط بعيدا و قال أمرا الحراس : ( فكوا قيوده و ضعوا اشيائه في حقيبة و أتركوه خارج حدود القصر ، يمنع أن يدخل هذا المكان من جديد ، هذا ليس أبني ، أنا ليس لدي أبناء )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرتدى لينور ملابس بعد أن أنهى حمامه و سمع طرقا على الباب ، ذهب ليفتح الباب و وجد بسيل يقف حاملا سلاحه و يقول له : ( علينا أن نتكلم يا لينور وحدنا )
أعطاه نظرة اللامبالاة و قال له : ( لم يعد هناك كلام بيننا يا قائد .. أنت سيطرت على التمرد و التظاهرات ، أنت تحكم بيد من حديد الآن ، أهنئك )
ترك لينور الباب مفتوحا و دخل بسيل غرفته و قال : ( أنت تعرف إنها ليست النهاية ، و إنهم سيعودون و أحتاجك معي بشدة )
ضحك ضحكة صغيرة بسخرية و قال : ( أنت لست بحاجة لأحد يا بسيل ، أنت الملك الآن )
جلسا على الأريكة و قال بسيل : ( لا تسخر مني من فضلك يا لينور و عد إلينا )
كانت الضحكة الصغيرة الساخرة تكبر مع الوقت و يقول : ( في الصباح ترفع علي سلاحا و الآن تطلب مساعدتي ، لقد أكتفيت حقا يا بسيل من تصرفاتك و من كل هذا ، نحن أنحرفنا عن هدفنا هنا ، هذا الهدف الذي كنت أنا أول شخص يقف بجانبك و يؤيدك فيه )
برزت الجدية على وجه بسيل و قال : ( أي هدف تقصد ؟! قتل إيرين و القضاء عليها )
قال لينور جملة و هو يشد على يديه : ( لكل خيانة ثمنها يا بسيل ، و خيانة إيرين ليست صغيرة )
قام لينور من مجلسه و أحضر بعض الصور من الطاولة جوار سريره و قال له : ( تفضل .. هي تتجول في شوارع المدينة و لا نعرف ماذا تخطط بالضبط و أمرت بعض القوات بالبحث و القبض عليها و لا تقلق لن أقتلها ، سأحضرها إليك تلقي عليها النظرة الأخيرة ، لأن جريمتها ثابتة عليها لا محالة و قتلها سيكون بيدك أنت او الأخرين )
شاهد بسيل الصور و يتخيل لو يستطيع أن يمد يده داخلها و يصل لها و يسألها عن كل شئ يدور في ذهنه ، و بينما هو يسرح في الصور قال له لينور : ( إذا لم تخف على حياتك منها فأنت حر ، لكن خف على حياة الأخرين )
وضع بسيل الصور على المنضدة التي أمامه بسرعة عندما أستمع إلى صوت قادم من الخارج و قال : ( أسمعت صوتا ما يا لينور ؟ )
سأله لينور : ( عن أي صوت تتحدث ؟ )
عاد الصوت أكثر أرتفاعا من جديد و ألتقطته أذناهما معا ، و تركا ما في ايديهما و مسكا سلاحهما و بدؤا الخروج من الغرفة شيئا فشيئا ، أشاروا لبعضهما بالأفتراق في طريقين مختلفين لينور إلى الأعلي و بسيل إلى الأسفل حيث مكتبه .
تحرك بسيل بخفة شديدة و هو ينزل السلالم و يدخل إلى الممر و يتجه إلى اليسار و يعود بسرعة للخلف بعد ما لمحه ، جنود كثر في مكتبه ، جنود من الخارج ، يرتفع صدره و يهبط بسرعة لا يعرف ماذا يفعل و لا من اين أتوا ؟ ، الأرض ترتج من تحته حتى أتته جوزفينا من الجهة المقابلة و يهمس لها من بعيد و يقول : ( كيف أقتحموا المكان ؟ )
رد جوزفينا مذعورة : ( لا أعرف ، و لاأجد تارا و أسر و لينور )
أشار بأصبعه للأعلى و قال : ( لينور في الأعلي .. تركته قبل قليل )
قالت جوزفينا و هي تمسك بسلاحها بقوة : ( علينا مهاجمتهم ، قبل أن يصعدوا الدرج و يحاصرونا من الجهتين )
العرق يتصبب من الجباه و هم يحكمون قبضاتهم على الزناد و يتبادلون إشارات بالأيدي ، لكن فجأة دوى أنفجار هائل يحدث عند البوابة الرئيسية و صوت تبادل إطلاق نار بين جنودهم و قوات الخارج المقتحمة ، صوت الرشاشات تقتحم السماء ، قذائف متفجرة تُطلق يشق صوتها الآذان ، و بسيل و جوزفينا يصوبون ناحية الجنود و يطلقون النار .
أحتمى الجنود و بادلوهم الرصاصات ، أرتج المكان ، صوت النار يأتي من كل مكان من الأعلي و من الأسفل ، لينور محاصر ، و تارا في الأسفل مع أسر يطلقون الرشقات النارية و يأمر آسر تارا بالأحتماء في أحد غرف الممر عندما أطلق قنبلة يدوية على الجنود حولت الممر نارا و زلزلت الأرجاء .
بسيل و جوزفينا لا يتوقفون يحاولون الأقتراب أكثر و إصابتهم لكن جوزفينا الخبيرة تصوب جيدا و تصيب أحدهم في منتصف رأسه ، نظر لها و حياها على براعتها ، و جهز قنبلة متفجرة جديدة و أطلقها في منتصف الغرفة حولتهم جميعا إلى أشلاء .
المعركة تحولت إلى جحيم و المبنى تحول إلى ساحة قتال ، لن يخرجوا منه إلا أبطالا أو موتي .. تحرك بسيل و خلفه جوزفينا تحميه و أتجهوا للطابق التالي ، و سمعوا خطوات الجنود الثقيلة على الدرج ، ساروا في ممر طويل و واسع حتى الغرفة الأخيرة كانت قاعة الأجتماعات الكبيرة ، أغلقوا مقبض الباب بكرسي و بكل قوة ممكنة لديهم قلبوا الطاولة و حولوها إلى درع ، أختبئوا خلفوا و أنتظروا العدو .
في الطابق الثاني ، سار آسر مع تارا و عبروا الجدران المشتعلة و المنهارة التي سببها الأنفجار و كان عليهم قطع شوط طويل أخر عندما يتجهوا يمينا نحو المصعد و إكمال طريقهم في الممرات الصغيرة ، قالت تارا بيأس شديد : ( نحن محاصرين يا آسر ، لا يوجد أي مخرج سوى السلالم ، ماذا سنفعل ؟ )
قال لها بشجاعة : ( فقط أبقي خلف ظهري )
صعد الجنود و توغلوا في الطابق الثاني و توارى آسر و تارا خلف جدار و هو يسدد طلقات عشوائية من حين لأخر لتأخيرهم لا غير ، يعرفون أن لا طائل من مواجهة المئات من الجنود المجهزين .
أمام البوابة الرئيسية معركة دامية بين القوتين ، حرب شوارع تجري بين الطرفين ، جنود مونيبوليس يطلقون قاذفات الأر بي جي من النوافذ و يرد عليهم الأخرون بقذائف مماثلة ثم دخلت الدبابات و أطلقت مدافعها النار على القوات الدخيلة مشتتة إياهم و لكنهم أتوا مجهزين بصواريخ مضادة للدبابات لا تستخدم سوى في المعارك الكبيرة ، القناصون يصتادون جنود الخارج و الرد يأتي من الأسفل منهم عليهم و أقتحام المنازل التي يسكنوها للقضاء على خطرهم ، كل طلقة تضرب في جسد المدينة ، و الأخرون لا يتوقفون عن الخروج من النفق السري مثل النمل لا عدد له .
بسيل و جوزفينا يصوبون تجاه الباب ، صوت الاقدام يقترب ، و جوزفينا تقول لبسيل : ( هل هذه هي النهاية ؟ )
يرد بسيل و عينيه على الباب : (النهاية؟! لا، هذه البداية فقط… إما أن نموت واقفين أو نصنع لهم جحيماً لا ينسى )
وضعوا القنابل البلاستيكية لنسف الباب العريض الكبير لقاعة الأجتماعات و أقتحامها ، و كسر الباب و قوبلوا بوابل من الرصاص من بسيل و جوزفينا جعلهم يتراجعون يحتمون .
لم يجد لينور مكانا ليحتمي فيه و ظل يصعد حتى وصل إلى سطح المبنى و أحتمى على ركبتيه خلف تمثال ، يطلق هو ايضا المزيد من الرصاص علي الجنود يحاول منعهم من الدخول و الأقتراب منه .
في الشارع كان خروج الجنود من النفق مستمرا كالسيل ينتشرون في الشوارع و يشتبكون مع الجميع عدا المدنيين ، وصلت أجواء الحرب العالمية الثالثة إلى أهدى مدن العالم مونيبوليس .
في الطابق الثاني تبقى خزنة طلقات واحدة معهم ، تبادل آسر و تارا نظرات الوداع و الخوف من الفقد و الموت و الحزن و اليأس مجتمعين ، و وضعت يدها فوق يده التي تمسك الطلقات و قالت : ( فلنستسلم يا آسر .. لا فائدة من مواصلة القتال )
مع وجهان يغطيهما سواد البارود و الدخان و خطوط من التراب و العرق و عيون حمراء و خوف مكبوت و أحساس بحرارة النيران حولهم ، سقطت الخزنة من يد آسر و ألقى سلاحه للجنود المتقدمين لوسط الممر مضطرا لجماية حياة تارا قبل حياته و نادي يصيح : ( أنا أستسلم .. أنا أستستلم )
توقف الجنود على إطلاق المزيد من النيران ، ساروا إليهم حذرين أحدهم مسك آسر من رقبته و لصقه بالجدار بقوة ، و سبقت الأصفاد المعدنية يديه قبل أن يلتقط النفس التالي ، و الأخر شد تارا من شعرها و و أرتطمت راسها بالجدار و هو يكبلها بيديه الغليظة ، يدفعوهما أمامهم .
فى الأعلي نفذ الرصاص من لينور أيضا فاستسلم ايضا للأمر الواقع و هجم عليه الجنود و اوقعوه أرضا و وضعوا الأصفاد في يده و وقع في يدهم كفريسة عاجزة .
بسيل و جوزفينا قاوما لبعض الوقت لكن أحد الجنود فتح الباب و أطلق أخرون قنبلتين مسليتان للدموع بسرعة ، و أنتشر الدخان في كل المكان و عجزوا عن الرؤية الجيدة و لم يوقفوا إطلاق النار العشوائي ، حتى أطلقت جوزفينا صرخة آلم عندما أصبتها رصاصة في كتفها اليسري ، و يرتطم ظهرها سقوطا على الأرض و بسيل ينشغل بها و يذهب عينه عنهم فيستغلون ذلك فينقضون كالذئاب الجائعة يضعون بنادقهم فوق رؤوسهم و يحيطون بهم و يحذرونه : (ارموا أسلحتكم على الأرض الآن ، أستسلموا و إلا فجرنا رؤوسكم )
أصبح بسيل أخر المستسلمين محمل بثقل مشاعر الخيبة و الذل الجارح و الهزيمة القاسية .. أنبطح منفذا تعليماتهم ، ألصقوه بالأرض و كبلوه كذلك ، و حملوا جوزفينا معهم و تركوا خلفهم جدران مثقوبة بالرصاص و دخان يتصاعد ببطئ ، و هم يجرون إلى مصير مجهول .
بعد أربع ساعات من القتال الدامي ، و أعتقالهم جميعا ، لم تنتهي معركة الشارع بعد و ظل القتال دائر بين قوات مونيبوليس و قوات الحلفاء بدون منتصر معين ، جنود مونيبوليس كانوا يعرفون كل زقاق و حارة في المدينة بينما الأخرين كانوا تائهين معهم متفرقين لمجموعات صغيرة و مع ذلك ظلوا متفوقين عدديا و تقنيا عليهم رغم أن المدينة بدت كمتاهة بالنسبة لهم .
في مبنى الشرطة المدمر و المحترق سيطرت القوات عليه تماما و على ما حوله من مداخل و مخارج مستقبلين القادة و المحققين المرسلين لفرض النظام و إجبار الفريق على كبح جنودهم في الشوارع كأستسلام كامل لهم .
كان القائد هو نفسه رئيس لجنة المفاوضين الذي تم أرساله من قبل للتحدث معهم و التوصل معهم لأتفاق سلمي و أنتهى بفشل ذريع ، الآن الوضع مختلف تماما هم من بين قبضته و شروطه هي التي ستسير على رقاب الجميع مثبتا أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بمثلها .
نزل من الطائرة الهليكوبتر التي هبطت فوق سطح مبنى الشرطة حيث يظهر كرجل في منتصف الأربعينات ، حاد الملامح و عيناه داكنتان نافذتان تستطيع أن تقرأ الصمت كما تقرأ الخطابات ، شعره أسود تتخلله خيوط من الشيب ، تزيده وقارًا ، لديه هدوء الدبلوماسي مع صرامة ظاهرة على وجهه ، يرتدي معطفا داكن اللون دليلا على الأنضباط .
رحب به قائد القوات و قال : ( مرحبا بك سيد ريتشارد لقد سيطرنا على المبنى و كل الشوارع المحيطة به من مداخل و مخارج و اقمنا حواجز و منعنا السير بقربها على مسافة 100 متر )
تكلم ريتشارد بصوت منخفض النبرة : ( و أين هم ؟ قادتهم )
رد القائد : ( محتجزين جميعهم ، وضعنا كل واحد منهم في غرفة منفصلة عن الآخر ، عدا واحدة فقط أصيبت خلال الأشتباك و نعالجها و سنحضرها للتحقيق )
سأله بنبرته الثابتة : ( و أين إيرين ؟ )
أجابه : ( لا نجدها ، مختفية لم تظهر حتى الآن )
سار و خلفه شخصان أخرين رجل و أمرآة ضمن فريقه و لكن ليس للتفاوض هذه المرة بل لوضع شروط الأستسلام و و العقاب المنتظر لهم جميعا .
وقفا بداية ممر طويل ممتلئ بالغرف على الجانبين و سأله القائد : ( بمن تريد البدء يا سيدي ؟ )
فكر سريعا و قال : ( سنبدأ بالأضعف بينهم ، من يكون ؟ )
قال القائد : ( إذا الفتاة التي تسمى تارا ، لقد وضعناها في الغرفة الأخيرة فهي لا تتوقف عن البكاء )
قال بلا تردد : ( إذا لنبدأ بها )
ما إن فتحوا الباب حتى رأوها تبكي بحرقة يدها مكبلتين بالأصفاد في ذراعي الكرسي ، خلفها جنديين ضخام القامة ، وجهها و ملابسها ملطخة بالغبار الاسود و الرماد و خط دم متجمد على جبينها ، جلس ريتشارد في الكرسي المقابل و أمرهم جميعا بالحراس بالمغادرة و تركهم وحدهم ، و أنتظر قليلا لتنهي بكائها الذي لا يتوقف و قال : ( أعلميني عندما تنتهي من بكاءك )
أخرج دفترا صغيرا و قلما و هي تحاول أن تهدئ من روعها و قالت بصوت يختلطه الدموع : ( لقد هزمتمونا ، تريد قتلي أقتلوني ، ليس لدي ما أخسره ، قتلتم عائلتي ، لم يتبقى شئ )
قال لها ببرود متجاهلا حزنها : ( طالما أنتي لا تملكي شيئا تخسريه أو تخافي عليه في الحياة لماذا شاركتي إذا هنا )
سكنت قليلا و قالت بصوت مخنوق : ( لأنني لا أريد لأحد أن يعاني مجددا ، أريد أن أعيش بسلام ، أن نبقى في بيوتنا أمنين ، لا نقلق أن سقف بيتنا قد ينهار فوقنا في أي وقت و نحن لا نشعر بذلك ، أردت أن أثبت لعائلتي أن موتهم لم يذهب هبائا ، هذه أشياء أنتم لا تعرفوها ، أنتم تعرفون الموت و الدمار و المصالح فقط ، لن تفهمونا أبدا )
كتب جملة بخط غير واضح و قال : ( أريدك أن تساعديني يا تارا لأساعدك للخروج من هذا الموقف ، ستعودي إلى بلدك و تحاكمي كخائنة و أرهابية )
أكمل كلامه بعد أن نظر لساعته : ( نريد أن نوقف القتال في الشوارع و يستسلم جنودكم و نقلل الفوضى ، قد يشفع لكم ذلك ، ستساعدين أصدقائك أيضا )
ابتسمت بسخرية و الدموع ما زالت لم تجف و قالت : ( سنتوقف عندما تنهوا الحرب أولا ، أقتلني أفضل لك الآن و قل إنك قتلت إرهابيا للناس بعدها لا يهمني )
بدأ يقطب حاجبيه و قال : ( أتفعلين هذا من أجل بسيل ؟ سيتخلى عنكم كما تخلت عنكم إيرين )
قالت و قد غيرت ملامحها الحزينة إلى التحدي و قالت : ( لا أظن الآن أن إيرين تخلت عنا بل الآمر خلفه خدعة كبيرة ، و أنا لا أفعل ذلك من أجل أي أحد بل من أجل نفسي و عائلتي فحسب ، و راضية عن كل شئ تمام الرضا )
أستدار رأسها لليمين و رفضت النظر إليه .. و ضع القلم و سط دفتره و غادر و هو يعلم أن لن يستفيد أي شئ منها و أنها متمسكة برأيها حتى النهاية .
خرج من الغرفة و تحدث للقائد الذي كان يتنظره خارجا و سأله : ( قل لي أولا كيف يجري أحتلال المدينة ؟ )
قال القائد بخيبة : ( صراحة كل شئ صعب بالخارج ، رغم قوتنا إلا أنهم يلعبون معنا ، هم يختفون و يظهرون فجأة كأشباح ، يختبئون في المباني و لديهم قناصين أيضا ن لم نجد مقر قيادة الدفاع الجوي الخاص بهم لذلك خطر الطلب من الطائرات دخول المدينة الآن ن دباباتهم أيضا تساعدهم ، و معداتنا تحتاج وقتا للوصول )
قال ريتشارد : ( أيها القائد سيطر على الوضع باي طريقة ممكنة تجدها مناسبة ، حتى لو أضطررت اقتحام المنازل كلها في المدينة ، و لو ستنبش القبور أفعل ذلك ، لا تجعل شيئا يوقفك )
تلقى القائد الأوامر و حياه بتحية عسكرية و وعده بتنفيذ كل ما طلب منه ثم سأله ريتشارد : ( أين غرفة بسيل ؟ أريد مقابلته الآن )
أجاب القائد : ( إنها الغرفة الأولى يا سيدي )
كان بسيل يجلس مكبلا ملطخا بالغبار و الدماء أيضا ، ملابسه قد تمزقت من القتال ، و يبدو على وجهه التعب الشديد ، يحاول أن يخفي إرهاقه و أنكساره خلف كبريائه بينما هو غارق في صمت يخبئ وراءه عاصفة من الأفكار ، بدا وكأنه رجل يخطط حتى من بين الأغلال. حاجباه المعقودان، ونظرته الثابتة التي تخترق المكان ، كان اسيرا بالجسد و لكن حرا بالروح .
دخل ريتشارد و هذه المرة سمح لمساعديه بالتواجد معه ، عرفه بسيل من النظرة الأولى و ابتسم إبتسامة تهكم و تذكره منذ إجتماع المفاوضات ، يبتسم على القدر و الايام المتداولة بين الناس ، و أفتتح ريتشارد الكلام و قال : ( يوم لك و يوم عليك يا بسيل ، ألا تلاحظ أن من أخترع تلك الجملة وضع اليوم الذي في صالحك أولا و بعده اليوم الذي ضدك أم تظن إنها دائرة مفرغة و سيكون هناك أيام لك أيضا )
تجاهله بسيل و شاح بنظره بعيدا عنه ليكمل كلامه : ( كان عليك القبول بالصفقة ، الآن سنعيدك إلى بلدك كمجرم إرهابي و خائن ، ماذا تظن سيحكمون عليك ؟ )
قال بسيل بصوت ثابت : ( لا يهمني حكم أحد ، كم من الناس قيل عنهم خونة و مجرمين في البداية ثم أنصفهم التاريخ بعد ذلك )
ضحك ريتشارد مستهزءا و قال : ( تقتحم المدينة بجيش و أسلحة و وصواريخ و تأخذ أهلها رهائن و تقول إنك شخص جيد ، كيف ذلك ؟! )
قال بسيل : ( لم نطلق رصاصة واحدة على أي شخص عشوائيا كما تفعلون ، لم نطلق طائرات تقصف اي هدف بلا معني و نقتل الأبرياء كلعبة أطفال ، فقط دافعنا عن أنفسنا ، لابد و أن الناس في أي زمان كان سيعرفون الحقيقة و سيعلمون لماذا نحن كنا هنا ؟ )
عقد ريتشارد ذراعيه على صدره وكأنه يستمع إلى حكاية هزلية و قال : ( هذا الكلام لن يفيدك ، ستموت على ما أرتكبت من جرائم و ترويع إلا إذا ساعدتني و أوقفت جنودك في الخارج عن القتال و أستسلمتم قد نضمن لكم عقوبات مخففة لك أنت و اصدقاؤك )
ظهرت في مخيلته صورة أمه و قال : ( أنا مستعد للموت الآن ، أفعلها هنا أو في أي مكان )
صار وجهه غاضبا و قال : ( ألا تهتم بأرواح البقية الذين هم تحت قيادتك حتى جوزفينا المصابة التي تلقت رصاصة في كتفها ، أمرها لا يهمك ؟ )
قال بسيل بصوت ممتلئ بالكرامة و عزة النفس : ( لقد تعهدنا قبل مجيئنا هنا أننا لن نتناذل أبدا عم جئنا من أجله حتى لو كان فيه موتنا ، و يمكنك أن تطلب رأيهم عن ذلك أيضا ، و ستخفف قليلا بموتنا عدد السكان في العالم الذين يضغطون على الموارد ، أليس هذا هدف الحرب الكبير ، أن تُقلِّلوا عدد السكان الذين يزاحمون على موارد الأرض؟ إذن فليكن موتنا وسيلة تريحكم، فالحرب ليست سوى المبرر الأنيق للتخلّص من أكبر عدد ممكن من البشر و تشكيل الأرض كما يحلو لكم )
أزداد غضب ريتشارد و قال : ( أنت شخص بائس يا بسيل .. بائس و أحمق ، تعتبر نفسك بطلا و قائدا و تناسيت كيف تخلت واحدة من أهم أعضاء فريقك عنكم ، و أعتقد أن المزيد سيفعلون عندما أتكلم معهم )
أنحنا براسه للأسفل و قال : ( إذا سأموت وحدي لا مشكلة )
شعر ريتشارد بالحيرة مع هذا الرجل العنيد الذي يطلب الموت كما يطلب شربة ماء ، و فقد الأمل أن يصل معه أو غيره إلى شئ و أنهم قد أختاروا نهايتهم بايدهم و عليهم أن يتحملوا مسئولية أفعالهم ، لكن ريتشارد أراد أن يكسر بسيل للمرة الأخيرة قبل أن يغادر ، أنتقاما لغروره حسب وجهة نظرة ، و ما حدث خلال أجتماع المفاوضات أيضا ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه تكرار فعل كهذا أو شبيه له .
قال له ريتشارد : ( أريد أن أريك شيئا أخيرا يا بسيل )
أعطاه مساعده بعض الصور الفوتوغرافية و وزعها أمام بسيل على الطاولة و قال له : ( هذا المكان هو المعسكر الذي تديره جوزفينا فى أنجولا و تُعيل الكثير من الناس فيه ، وصلتنا أخبار أن عدد من الأرهابين مثلكم يختبئون فيه ، و تم قصفة و تسويته بالأرض ليلة أمس )
كانت الصور بها مظاهر دمار و خراب و جثث و دماء و جدران مهدمة و أنقاض في كل ممكن ، و جاء في رأسه والدة وسام أخيه الموجودة هناك أيضا ، ضخت شرايينه الدماء إلى رأسه كلما طال النظر للصور و بصق في وجه ريتشارد و صرخ بغضب و قال : ( ايها الحيوانات المسعورة ، أيها القتلة الأوغاد ، أنتم حثالة الأرض ، أنتم وساختها، وحتى التراب الذي وطئتموه يلعنكم، أقسم أن موتي ألف مرة أشرف من أن أعيش لحظة تحت رحمتكم أيها الكلاب القذرة )
تركه ريتشارد و كانه يهرب من أمامه خلال ثورته العارمة و صراخه العالي بالرغم من غنه مكبل جيدا و لا يستطيع التحرك من مكانه لكنه أدخل لقلبه رعبا لم يشعر به من قبل .
ظهرت إيرين أخيرا و دخلت لمبنى الشرطة بلا مبالاة على وجهها دون أن يمنعها أحد ، و بدون إلقاء حتى التحية وقفت أمام ريتشارد و قالت : ( أنا أتذكرك من أجتماع المفاوضات معنا أنت كنت رئيس المجموعة )
كان يتحدث مع مساعديه حتى قاطعته و التفت إليها و قال : ( مرحبا أنسة إيرين )
لم ترد التحية و قالت : ( لقد نفذت ما أردتم و كل شئ تحت سيطرتكم الآن ، أعطوني ما وعدتوني به و دعوني )
كانت تتكلم و كأنها فعلت شيئا هينا بسيطا ثم قال لها بهدوء : ( أتتذكرين عندما أخبرتك إننا لدينا هدية لك ، و عيد ميلادك غدا ، كل عام و انتي بخير )
بدأ صبر إيرين ينفذ و تريد أن تترك المكان الذي يذكرها بأيامها القديمة مع فريقها و قال : ( لا أريد التحدث كثيرا عن الهراء ، أريد أبني فقط ، أعطوني أبني و أفعلوا ما شئتم )
أخذها من يدها و أبتعدا و قال لها : ( أنا أتسائل كيف ستربين أبنك بعد ما حصل ؟ ماذا ستخبريه عنك ؟ )
أطلقت زفيرا غاضبا و قالت : ( هذا شأني أنا .. لا تشغل بالك بذلك )
وضع شفتيه بالقرب من أذنها و همس لها : ( بصراحة .. لقد وجدنا إنك تشكلين خطرا على إبنك كونك إرهابية سابقة و خائنة لبلدك و قد تزرعين به أفكار تؤدي إلى أن يصبح خطرا على المجتمع في المستقبل )
وقفت ثابتة لا تعي ماذا يحدث ، تشعر بالخداع ، تشعر بالخيانة من جهتهم ، أيقنت إنها لم يجب أن تثق بهم منذ البداية و تترك من كانوا مستعدين للموت من أجلها ، أدركت متأخرة نها باعت روحها بثمن بخس من أجل لا شئ في النهاية و قالت : ( هذا يعني إنكم أستغللتموني ، و كل ما فعلته من أجلكم ذهب أدراج الرياح )
قال لها باستحقار : ( ليس بالضبط و لكن سيفيدك خلال محاكمتك )
و بلحظة واحدة مسكته من ياقة قميصه و خنقته و لكمته عدة مرات حتى تورم وجهه و سال الدماء من فمه و أنفه ، فصلها الحراس عنه و هي تثور و تصرخ قائلة : ( كلاب بلا ضمير ، أقسم ستدفعون الثمن أضعافا ، أقسم إن دمكم سيكون لعنة على أولادكم وأحفادكم ، يا أوغاد، يا جبناء ... )
رموها في أحد الغرفة و أغلقوا عليها و هي تصرخ بأعلى صوت و تضرب الباب بيدها ، و الأخرين يتجاهلونها ، كلماتها لا يسمعها أحد الآن قد سقطت القلعة فوق رؤوس اصحابها .
أتى جندي يهرول كأنه يهرب من وحشا إلى ريتشارد ، لا يستطيع ألتقاط أنفاسه يريد أن يخبر ريتشارد رسالة هامة جدا ، وقف امامه يريد أن يتمالك نفسه و يجمع صوته و يتكلم فقال له القائد : ( أهدأ أيها الجندي ، ألتقط أنفاسك خذ وقتك و تكلم )
أنحني ممسكا ركبته يشهق و يزفر بسرعة و يقول كلمات متقطعة : ( كا..ر..ثة )
شد أنتباه جميع الحاضرين إليه و أكمل كلامه : ( مفاعل كاشفيرنا ... المفاعل ... )
صاح ريتشارد في الجندي : ( ماذا به المفاعل ؟ أنطق الآن )
قال الجندي بخوف شديد : ( المفاعل أصبح غير مستقر .. لقد تحول لحالة سلاح .. سينفجر بعد 30 دقيقة أو أقل )
سأله القائد : ( و لماذا لا يسيطر عليه العمال هناك ؟ )
قال الجندي : ( لقد فقدوا السيطرة فجأة .. و جربوا كل شئ من المستحيل إعادة التحكم به من جديد .. كل الابواب أغلقت أتوماتيكيا و الجميع محاصر داخله الآن )
تحولت دقات عقارب الساعة الأن إلى جقات عداد الموت ، الأرض ترتجف تحت أقدامهم ، تبرز الأعين للأمام محدقة في الفراغ المجهول ، لم يعد أحد يجرؤ على الكلام، وكأنهم جميعًا اتفقوا بصمت على حقيقة واحدة " النهاية اقتربت، ولا مفر".
Mahmoud Ahmed