بعد الحرب بعامين :
في حفل صغير أُقيم في منزل دارين بحضور الأهل و الأصدقاء بمناسبة خطوبته على دارين ، الفتاة التي أختارتها والدته له ، و وافق عليها لأنه يثق دائما بأختيارات أُمه ، كما أنه يريد التزوج أيضا ، يريد بسيل شريكة لحياته ، يقتسم معها الفرح و الحزن ، يحتفل معها عندما يكون سعيد و يُفضفض لها ما داخله عندما يكون مهموماً .
جلس بسيل بجوار خطيبته ذات الفستان الوردي و أحضرت أٌمه دبلتا الخطوبة ، و وسط الزغاريط المرتفعة و التهاني ، وضع الدبلة الذهبية في بنصر اليد اليمنى لدارين و مسكت هي الدبلة الفضية و ألبستها إليه في خجل شديد وسط أغاني الأحتفال .
بعد ألتقاط الصور و التهاني و العناق ، أنتهى الحفل الصغير و بقى فقط بسيل و دارين ، هي تُشيح بنظرها بعيداً عنه بخدود حمراء خجولة ، و هو يجلس أيضاً بخجل يخفيه خلف ذكورته حتى تُرك مع خطيبته مع بعض الطعام بعد مجهود اليوم الطويل للتجهيز للخطوبة ، و طلبت والدة دارين أن تجعل خطيبها يمد يده و يتناول الطعام .
جلس أهالي العروسين في الغرفة الأخرى المجاورة ، ثم دعت دارين بسيل بأستحياء طبقاً لأوامر أُمها و قالت : ( تناول الطعام يا بسيل ؟ )
أقترب بسيل من طبق الأرز و تناول القليل و قال : ( لذيذ جداً .. هل أنتِ من طهوتي ؟ )
بقيت نظراتها في الأرض و أجابت : ( نعم ساعدت أمي اليوم .. )
قال بسيل مازحاً : ( يبدو إنك ستنافسين والدتي في الطهو )
أبتسمت دارين بحياء و هي تمسك الزهور التي أحضرها لها بسيل و قال لكي يخرج من هذه الأجواء الممتلئة بالخجل : ( أعدك إن زفافنا سيكون كبيراً جداً و لن ننساه )
بدأت تدور برأسها نحوه و تقول : ( أنا لا أهتم بهذه الأشياء ، المهم أن نعيش معاً بسعادة و بخير دائماً )
بدأ بسيل يتكلم بأرتياح أكثر و يقول : ( وعداً مني أن أحميك طالما حييت يا حبيبتي )
توردت وجهها و قالت : ( شكرا لك .. تناول الطعام الآن )
قال و هو يُقرب قطعة لحم في الشوكة من فمها : ( لن أتناول شيئاً قبل أن تأكلي أنتِ أولاً )
أصبح وجهها محمراً و قال : ( و لكنني لا أريد أن أكل )
أصر بسيل : ( من فضلك .. قطعة واحدة فقط )
و قضمت دارين قطعة صغيرة جداً من اللحم و قالت : ( الآن كُل أنت )
أعطاها الشوكة و قال : ( لن أتناول شيئاً إلا من يديك أنتِ )
أرتبكت دارين و ترددت و مع تصميم بسيل ردخت لطلبه و مسكت الشوكة و قربتها من فمه فتناول القطعة و هو ينظر إلى عينيها الفضيتين و إلى رقة تعاملها معه ثم رمت الشوكة سريعا على الطاولة ، و عادت و ألتفتت للجهة الأخرى يدق قلبها بقوة ، و يشعران أنهما تركا هذا العالم القاسي إلى عالم أخر أكثر حباً و هدوءاً حتى أتى الأهل ليجلسا معهم من جديد يطلبون من أخ دارين الأصغر أن يتلقط صورة جماعية عائلية للذكرى معاً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل بسيل إلى القاعة حيث سيتم أنعقاد مؤتمر السلام ، حيث المقاعد موزعة على شكل نصف دائري ، مدرجة إلى عدة صفوف ، كل مقعد يحتوي على شاشة مكتوب عليها أسم الدولة التي يخصها المكان ، و في الأمام منبر حيث سيلقي عليه كل رئيس و مسؤول كلمة ، و خلف كل هذا على الجدار يوجد مجسم للكرة الأرضية يحيط به غصنا زيتون باللون الأخضر .
جلس بسيل في الصف الأول و لم يكن مقعده يحمل أسماً على شاشته بل فقط نقاط تدل على الفراغ و كأنه لا ينتمي إلى أي مكان كمنبوذ حتى يتم البت في أمره .
دخل رئيس المؤتمر و وقفت جميع الوفود و جلسوا مع جلوسه ، و بسيل يراقب كل شئ و هميس بجواره ترمقه بالنظرات من حين إلى أخر ، و خلال هذا تقدم رئيس المؤتمر إلى المنصة ليلقي كلمته و قال : ( سأكون مختصراً و لن أُطيل ... لقد زادت معاناة الناس و مأساتهم .. أتمنى من الجميع من أن يرحموا من في الأرض من ويلات الحروب لعل السماء ترحمنا جميعاً لملايين الأرواح التي أُزهقت و تتاعنا أرواحها .. لعلها تشفع لنا ما فعلناه بها )
أنهى الرئيس كلمته مع التصفيق و عاد غلى منصته ثم تلاه مسؤول فرنسا و هي من دول الحلفاء الجدد و قال : ( لقد دفعنا جميعاً ثمناً غالياً بارواحنا ، لن أطلب أن نُبحث عن من أشعل الحرب ، نطلب فقط السلام ، و لكن ليس سلاماً فارغاً ، بل سلام مع تعويض عما عانيناه ، نحن لا نطلب المستحيل ... )
ثم كلمة إنجلترا : ( أنا أقف أمامكم و لا أُخفي عليكم إننا محملين بالغضب ، لن أختلق الكلمات اللطيفة و الدبلوماسية ، ما حدث هو جرم متكامل ، و إذا لم يُحاسب مرتكبه سيحدث مجدداً و مجدداً ، و لن نجد بشراً مرة ليقفوا هنا كما نقف اليوم ، لن نجد سوا الغبار ، غبار عظام الموتي المتحللة ، نتمنى أن تتجاهلوا الأكاذيب التي قيلت و ستُقال و إلا التاريخ هو من يحكم من سيكون على الجانب المظلم و من سيكون في الجانب المضئ ... )
لاحظ بسيل أن كل شخص ينهي خطابه لا يصفق له إلا الوفد المرافق له فقط و البقية منصتين لا ردة فعل لهم ، و مر بجواره مسؤول إسبانيا و هي من دول الردع و ما إن راي العلم على بذلته حتى تذكر تارا و لكنه ظل ثابتا يستمع له : ( نقف اليوم هنا بقلوب مُثقلة بالوجع و الندم ، لم نكن نريد أن نشارك في هذه الحرب و تلك الدماء المتدفقة في كل مكان بل فُرضت علينا و كان علينا أن نُدافع عن أنفسنا ، لا أنتقام و لا تعويض سيعوضنا عن تلك الكارثة ، و ليستلك الأوراق الموّقعة عن السلام ستمنعنا كلياً الآن أو تالياً عن القتال من جديد ، نحن لسنا ملائكة ، نحن بشراً و لكن البشر خطائين و رغم ذلك لدينا تلك الغريزة للبقاء ، فإن لم نتعلم من الدماء التي سالت فسنفقد تلك الغريزة و كل معنى للأنسانية داخلنا ... )
أراد بسيل أن يصفق لكلمات إسبانيا الواقعية و الحقيقية و المؤثرة ، فالرجل لم يُنمق و لم ينافق كما يفعل الأخرين ، فالجميع كان يلقي كلمات روتينية ، نعم نعبر عن حالة كل واحدٍ منهم من غضب و دبلوماسية و رغبة في الإنتقام و لكنها بقيت روتينية فقط و شعر بسيل أن كل ما يجري سوى تضيع للوقت و لن يصل بهم إلى نتيجة .
جاء دول أمريكا و هي قائدة تحالف الحلفاء الجدد و قالت مسئولتها : ( لن اقف على هذه المنصة لأزيف الحقائق و أبيع الوهم ، لن نغفر لمن ظنّ أن دماء شعبنا يمكن أن تكون مجرد تفصيل جانبي في صراع الكبار و لا أنتم أيضاً ستفعلون ، زمن المجاملات أنتهى ، هذه الحرب قد تأخذ هدنة و لكن لن تنتهي إلا بسقوط أسماء كبيرة و كتابة اسماء أخرى مكانها ، الثمن كان غالٍ ، و العار يطولنا جميعاً ، و لمن يعتقد أن ورقة جديدة مكتوبة ستحول الدماء إلى ماء فهو يحلم ، جميعنا نبحث عن مصلحتنا تحت جثث موتانا و مصالحنا لا تقبل المُساومة ، دعونا لا نخدع أنفسنا ... )
نزل مسؤولة أمريكا و تفاجئ بسيل أن دوره قد حان ، أشارت له هميس بالصعود للمنصة مع الخطاب المُجهز له ، و قام من مقعده ، مع كل خطوة يخطوها يشعر إنه يتجه للجحيم ، لا يريد أن ينظر خلفه ، يرى السلم للمنبر طريق طويل جداً ، فكل درجة للسلم تمر أمام عينيه صورة أحد أعضاء فريقه ، يعرف أن صعوده لن يغير صورته عندهم لكنه سيجعلهم يسمعون أخيراً ، يحس بكل روح تدفعه للتقدم ، يرى أُمه على الدرجة الأخيرة إلى المنصة ، يرى إيرين تقف عند المنصة فيصيبه خليط من الغضب و النشوة و الأنتقام ، يحس أنه سيدور فسيجد كل روح أُذهقت بدمائها تُطالبه بان يأتي بحقهم لكي يشعل في صدره زوبعة .
دار ناحيتهم ليجد كل من حاربهم جالسين أمامه ، بينما هو الثائر الذي أرادوا دفنه ، أعينهم تستهين به ، يظنون أنه أستسلم و هم من أنتصروا .
فتح بسيل الملف و قرأ كلمات عشوائية من الخطاب الجاهز له ، و صمت لا يرحم يحيط به ينتظرون كلمة ممن عانوا ليتخلصوا منه ، ها هو يرتقي فوقهم جميعاً ، ليغلق الملف و يوزع عليهم نظرات الحقد و الكراهية و السُخط ، و يستعد ليلقي عليهم خطاب أخر مختلف ، خطاب بداية النهاية .
..................................................................................
في مونيبوليس أختفت أشاعة الشمس خلف اسراب الطائرات ، المئات منها ، 500 طائرة دفعة واحدة في الهجوم الأول ، تسقط قذائفها بلا هدف محدد بشكل عشوائي ، لا يقابلها اي مقاومة ، تنهال بالقنابل الحارقة فوق المدينة فوق المدارس و المستشفيات و المنازل ، لا فرق بين جماد أو إنسان ، أتوا ليقضوا على كل مظاهر الحياة فيها .
لا فرصة لألتقاط الأنفاس ، الأرض تنفجر و تحترق ، و كل صف من الطائرات يلقي بما فيه ، ليبدو المشهد من الأسفل و كأنه نهاية العالم و الأرض تبتلع ما فوقها ، النيران تبتلع ما يقابلها في الطريق تزيل كل شئ ، ملامح المدينة تُمحي تماماً خطوة بخطوة .
بحر من النيران بدأ يتكون و يزيد من الأمر المدفعية التي تضرب بلا رحمة المدينة أيضاً ، لا يمكن أن ينجو أي كائن حي حتى لو النمل في جحوره من هذا الدمار ، لقد خطط العالم أن تكون مذبحة و أن يتم إزالة مونيبوليس و من عليها ليتخلصوا من صداعهم للأبد .
المنزل القائم قد إنهار ، و من كان منهاراً أصلاً أصبح تراب و كأنه لم يكن موجود ، حتى الطائرات من شدة القصف المتواصل ترتفع لأعلي بسبب أرتفاع لهيب النيران للسماء ككتل جهنمية و الدخان الأسود الذي سيدخل المدينة في الليل ظهراً ، الطائرات تشبه الجراد الأسود في السماء .
المدينة تحولت إلى فرن مفتوح تقذف ألسنة اللهب في كل مكان ، و الجثث التي تُركت خلفهم تفحمت لا يعرف منها تخص العدو من الصديق ، و الأرض ترتجف من شدة ما يُصيبها و تحتها تقبع إيرين و فريقها ، يشعرون بكل هزة أرضية و أخرى أقوى منها ، ينصتون و يتابعون في صمت ، و الجنود في الأنفاق و مترو الأنفاق و المجارير لا يجرؤ أحد فقط أن ينظر من فتحة صغيرة كخرم إبرة .
جلست لورين في ركن بعيد عنهم ، يمر في رأسها حربها القديمة السابقة في مونيبوليس ، و تكلم نفسها و تقول : ( لندعهم يأتون بما عندهم ... سنرد عليهم بما هو أفظع )
تتابعت الأسراب بالمئات من الطائرات تقصف ما تم قصفه من قبل ، لم يعد هناك شيئاً يسمى مونيبوليس ، لن تكون المدينة صالحة للعيش بعد ما حدث فيها ، القذائف لا تجد هدفاً جديداً تسقط عليه ، و الطرق أختفت معالمها ، الصورة من الأعلى تبدو و كأنها أرض عليها غبار أبيض يتخلله أدخنة سوداء و نيران تحمر من شدة أشتعالها .
جلست إيرين تُشبك أصابعها في خوف طوال الخمس ساعات السابقة من الهجوم ، المدفعية و الصواريخ لا تهدأ ، تسأل نفسها هل هناك جيش بالأعلى يقاتلوه لهذا لا يتوقفون ؟! ، تريد أن تعرف متى يحين الوقت لدورهم ، تريد أن تبكي و لكن لو فقدت صلابتها سينهار الأخرون ورائها كذلك .
وقف وسام وحيداً و الأحباط يتملكه و كأن الموت أتيهم لا محالة ، جوزفينا و آسر معاً و بداخلهم ذرة الأمل البسيطة التي يعيشون من أجلها ، و لينور الوحيد الذ يمتلك طاقة يدرس الخرائط و يخترع طرقاً لكي يحضر أخباراً من الخارج دون خرق خطة الصمت اللاسلكي .
لاحظت جوزفينا أنخفاض المعنويات و الرعب في العيون فذهبت إلى إيرين و قالت لها : ( عليك بالتحدث للجميع و الجنود ، أنتِ القائدة و هذه مسئوليتك )
لا تعرف إيرين ماذا تفعل داخلها صراع مرير بين حصارها النفسي و أن الأمر أكبر منها ، و بين سئوليتها الآن و الكل ينتظر منها أن تتصرف ، تتمنى لو كان بسيل أو لينور هنا معها ، هي ناقصة بدونهم ، بالرغم من كل شئ وقفت و في ظهرها جوزفينا و قالت : ( يريدون أن يرهبونا بقصفهم مدينة خالية ، يظنون أن الرعب يدخل قلوبنا و هم يستنذفون قذائفهم على أرض خاوية ، يفعلون ذلك لأنهم يعلمون أنهم لن يستطيعوا فعلها لو واجهونا رجلاً لرجل ، فقط ليتوقفوا لنعلمهم درساً للتاريخ يتناقله أحفادنا حتى نهاية الدهر ... )
أعادت كلمة إيرين العظيمة الحماسة إلى قلوب الجميع مرة أخرى ، و قلبت الطاولة عى خطتهم و قالت إلى جوزفينا : ( لا أعرف كيف قلت هذا الكلام )
مسكتها جوزفينا من ذراعيها الأثنين و شدّت عليهم و قالت : ( قلتيه ، لأنه في داخلك فعلاً يا قائدة )
نظرت إيرين إلى لورين الشاردة و ذهبت إليها تمد إليها يدها و تقول : ( هيا يا لورين .. ما يفعلوه لن يستمر للأبد ... و عندما يتوقفوا لا نستيطع فعلها بدونك )
مسكت يد إيرين و شدّتها و وقفوا جوار بعضهم يستعدون للأنتقام الحقيقي ، و تتذكر فلسفتهم " ما فائدة أن تموت و لا تنقذ العالم ؟! بل عليك أن تحقق هدفك مهما كان الثمن بدل من تعطي نفسك هدية للموت . "
.......................................................................................
في القاهرة على بُعد مئات الأميال ، بسيل يقف على المنصة ليلقي كلمته و هميس ترمقه بنظرات من شرار ليتكلم .. يقترب من الميكروفون و يقول : ( أنتم جميعاً ملطخين بالعار ، من يظن إننا أو أنا سنسامح و ننسى سريعاً فهو يحلم بالمستحيل ، من يظن أنه يكن يشتري ضمائرنا فالعدالة ليست سلعة تُقايض ، نحن لا ننتقم لنفتح جروحاً جديدة بل لنشفي كل نفس تأذت من جرائمكم ، لقد أيقنّا أن القوة هي الضامن الوحيد لحقوقنا ، لن نساوم، لن نتراجع، ولن نرحم من يحاول الوقوف أمام طريقنا ...... )
و قبل أن يُكمل بسيل كلامه قاطعته مسؤولة أمريكا و قالت : ( كنا نعرف إنك مخادع و أعتقدنا ربما تغيرت .. مهما قلت و مهما فعلت لن يساوي شيئاً أمام ما يجري في مونيبوليس و أصدقائك الآن )
أبتسم بسيل مستهزءاً منها و من كلامها و قال : ( هل سيموتون ؟ هل سأموت بعدهم ؟! .. لا يُهمنا ، لأني قلتها و سأقوله من جديد و سيقولها الجميع من بعدي " نحن فكرة موجودة داخل الكثيرين و الأفكار أهم من الأفراد لأنها ستبقى حتى لو أختفينا جميعا " ، لن نسمح بأن يكون مستقبلنا رهينة أحدٍ بعد الآن ... )
أصابهم الهلع و التوتر و الفوضى ، يقفون في أعتراض و يسببون ضوضاء كبيرة و يشيرون إليه يطلبون القبض عليه و بعضهم يريد قتله في الحال و التخلص منه و جزء يصرخ مهدداً له بأنه سينال أشد مما يناله أصدقائه في مونيبوليس ، و هميس تقفز إليه و تشده بقوة و تقول بغضب عليه : ( ماذا فعلت أيها المجنون ؟ )
يرد عليها بحزم : ( فعلت الصواب سيدتي المحققة .. )
مسك الميكروفون و هميس تحاول إبعاده عنها و قال بصوت ثائر : ( و الرسالة لمن يفهم .. نحن سنجعلكم ترون الأفعال لا الأقوال ... الثأر أو الموت .. السلام أو الموت ... )
شدته هميس بصعوبة من على المنصة ليدفعها بقوة بعيداً و تسقط على الأرض و يقول لها : ( أنا اسف كثيراً )
يجري بسيل بسرعة خارج القاعة و قبل خروج أحد غيره يغلق الباب بسلاسل حديديه غليظة مع حارسين أخرين و يركضون بأقصى ما لديهم و هم يسمعون الطرق على الباب و ثواني قليلة أهتزت القاعة و كأنها قد ألقيت في قلب بركان ، صوت أنفجار رهيب يشق الأرض و يبتلع كل الرؤوساء و السؤولين ، ألتهم اللهب الباب و وجدت طريقها للخارج ، لترج المبنى بأكمله و تهد السقف و تتساقط الحجارة فوق بسيل الذي يسقط و الحجارة فوق رأسه ، و زجاج الشرفات تحطم و تصاعد منه الدخان الأسود الناتج عن الأنفجار .
القاعة تحولت إلى جحيم مصغر تمزقت الجدران و تفحمت الجثث ، من بقى حياً منهم يصارع الحياة ، الدماء الساخنة تغطي المنصة ، و الأعلام المعلقة قد تمزقت و أشتعلت كخرق بالية ، كل زاوية في القاعة تحولت إلى مذبحٍ وحشيّ ، و النيران مشتعلة في المقاعد ، و كأن نهاية العالم قد حدثت بشكلها المصغر مع سقوط مجسم الكرة الأرضية .
فقد بسيل الوعي بعد أن سقطت فوقه قطعة كبيرة من السقف ، و أحس بأهتزاز بجسمه و عندها فتح عينه ببطء و الشخص الأخر يطلب منه أن يفيق ، و مع وضوح الصورة رأى لينور في زي الشرطة يصرخ قائلاً : ( يجب أن نغادر الآن يا بسيل قبل أن تنفجر الموجة الثانية )
حمل لينور بسيل و أسنده و راعه حول رقبته و ساعده على المشي و وسط الفوضي و الدمار لم يجد أحد وقت ليعرف من هذا ، و بينما بسيل تنزف الدماء من بين عينيه يرى شخص يعرفه جيداً ، فتاة ترتدي زي الممرضات و تساعد على علاج و مساعدة المصابين ، تمسح عرقها بكُمها و تصيب عينها عينه ، و يقول هامساً : ( دارين ...)
أتت خطيبته مع سيارات الأسعاف بعد الأنفجار مباشرة ، و حاول بسيل الأفلات من يد لينور لكن لينور منعه و قال له بحزم : ( كفى جنون .. يجب أن نغادر قبل أن يشتعل المكان )
توسل بسيل إليه : ( لا .. لا يا لينور .. دعني أذهب )
رأته هي أيضاً و تعرفت عليه ، لا تصدق ما أمامها ، تركت ما في يدها و تقدمت خطوات ، و بسيل يقاوم لينور و لا يستطيع من آلامه و إصاباته ، و لينور يدفعه بسرعة ليبتعدان أكبر مسافة ممكنة ، و خلال ذلك ، دارين كانت تمر من بين الجثث المرصوصة على الأرض و الناس المتجمعة ، تحاول اللحاق به و رغم ذلك بسيل يبتعد .. يبتعد .
مد بسيل يده في الفراغ يرجو لو يستطيع أن يمسكها و ينقذها ، لتنفجر الموجة الثانية العنيفة تقضي على ما تبقى من المبنى ، و تلتقط عينه و قلبه و عقله و كل جوارحه صورة دارين و هي تختفي وسط النيران المميتة ثم تختفي إلى الأبد .
قذفتهم قوة الأنفجار للخلف ليقعوا على الأرض ، و بسيل يصرخ كالطفل الصغير ، يزحف على الأرض منادياً عليها : ( دارين .. دااارين ... )
يحيط به لينور بذراعيه و بسيل الدموع تُبلل وجهه ، لا يتوقف عن الصراخ و لينور يدعوه للتحرك و الهرب و الصمت قبل أن يكشفوهم ، و بسيل كالأصم لا يسمعه ، ريقه يخرج خارج فمه .
أستعمل لينور القوة معه هذه المرة ، و أجبره على التحرك و بسيل لا يريد أن يفارق مشهد ألسنة النيران و الركا المتطاير ربما يخيب ظنه و تظهر من خلاله دارين .
......................................................................................
في مونيبوليس و مع أقتراب العاشرة مساءً توقف القصف المتتالي على المدينة و عم الهدوء الرهيب استعداداُ للعاصفة المريرة ، و بدأ الفريق في الخطة الموضوعة للهجوم المضاد و جر قوات الخارج لحرب مدن .
خرج الجنود من تحت الأرض من كل مكان كالسيل الجارف ، دون صوت و بهدوء منتشرين في كل مكان ، و قوات الخارج تدخل بالمشاه و الدبابات معتقدين أن كل كائن حي على هذه الأرض تم مسحه من الوجود .
أختفوا بين أي أنقاض متبقية ، خلف اي جدار باق ، داخل كل مبني صغير متبقي ، مستغلين الظلام الدامس للتحرك بحرية ، و خرج معهم أيضاً القادة ، صعدت إيرين أولاً و لم تجد المدينة التي تركتها ، فقط ألتقط أنفها رائحة النار و الدخان و الدم ، الموت يحوم حولهم في كل مكان ، أنقبضت قلوبهم و هم يرون المدينة قد سّوت بالأرض .
ملامح كل شئ حولهم تغّير ، لم يعودوا يعرفوا أين هم ، و أين ذهبت مونيبوليس ؟! ، كانت قسوة الدمار لا تصدق ، و لم تتخيلها عقولهم ، و سمعوا أصوات محركات الدبابات و خطوات الجنود الثقيلة تقترب ، و مع الصمت اللاسلكي أستعدوا ليجعلوهم يروا ليلة لا أكثر منها رعباً .
كان صوت جنازير الدبابات يخترق أذانهم و هي تخترج و تتعمق في المدينة و الشوارع ، و أحذية الجنود تصطدم بالجثث الميتة ، و الجماجم و العظام المحترقة ، الكل ينتظر الأشارة حتى أتت في الوقت المناسب بعد توغل الجنود بدباباتهم المنيعة إلى طرف في المدينة و الأخرين يحيطون بهم ككماشة .
أطلق ريان قذيفة مضيئة حمراء للسماء ظهرت للعيّان لترتفع معها كل الرؤوس و ما إن أنخفضت مرة أخرى حتى فُتحت عليهم الرشاشات و النار من كل حدب وصوب ، لا يمتلك جنود جيش الخارج الوقت لردها عليهم ن لا يعرفون أين يُطلق النار بالتحديد ، فقط يظهر وميض الأطلاق ثم يختفي ، أضيئت المدينة بالبنادق و الرشاشات ، و لم يترك أيضاً لهم القناصين الفرصة ، يتساقطون كمن يصطاد طيوراً في السماء .
قوتهم الضاربة يُقضى عليها ، و الميكروفونات تعلن عن أسماء جنود موتى ، و الأخرين يطلقون النار عشوائياً لا يعرف هل يصيب زميله أو عدوه ، فقط يحاول النجاة بحياته ، و الدبابات ينالها نصيبها من الزجاجات الحارقة .
و في مناطق أخرى أندفع الجنود للقتال وجهاً لوجه ، المقاتلون يتنقلون من بيت لأخر ، ينظرون تحت و وراء كل جدار مهدوم ، و يذبحون من يجدوه ، و ينحرون بسكاكينهم من يقع تحت أيديهم ، لقد دبوا الرعب في قلوب الجنود المحتلين ، قد توقعوا أنهم مهدوا المدينة للإستيلاء عليها و قد جهزوا الرسالة بالفعل التي كانوا يريدون أن يرسلوها إلى قياداتهم بالأنتصار .
يرتفع وسط سكون الليل صيحات القتلي و الجرحي ، أزيز الرصاص ،و أنين الأحتضار ، سيمفونية فوضوية تجعل من كل لحظة في الحرب مرعبة ، و من كثر القتل تناثرت الدماء على ملابس الجميع لدرجة جعلت من الصعب التفريق بين الجيشين ، الجميع تحول للون الأحمر ، على الملابس و الجلد و الوجوه .
أيرين و جوزفينا وقفتا على مبني منهدم لا سقف له ، يطلقون النار بلا توقف ، تخرج منهم الرصاصة تلو الأخرى تحمل معها الكثير من مشاعر الأنتقام و الكراهية .
لينور و ريان ضمن القناصة ، لا يصيبون سوى الرأس ، و أسر و وسام أختلطوا بين الجنود يلقون القنابل داخل الدبابات على مسافة صفر منها .
أصبحت المدينة الجحيم على الأرض ، الكل يقاتل للنجاة بنفسه ، الضباط يُنادون على قادتهم يطلبون منهم الأنسحاب و أنهم سقطوا في فخ ، و لا رد منهم ، يحاولون الكثير من المرات و لا جديد ، كان على كل فرد منهم التصرف بنفسه ، و كلما رأى جندي زميله يتراجع يعود معه أيضاً ، حتى أخذت جحافل الجنود تعود أدراجها ، و فلولهم تُطارد .
أمرت إيرين بإطلاق الصواريخ على فلول الجيش المتقهقر ، و أشتعلت بها السماء كالألعاب النارية ، تتهاوى بعدها على الأرض تُزيل من الدنيا من يكون في محيطها ، و أستمروا في الهرب قبل تُفنى جيوش أكثر من خمسون دولة .
الفلول المنهزمة تفر ، و يرمون أسلحتهم على الطريق في فوضى غير مسبوقة ، تفاجئهم الدبابات من حيث لا يعلمون و تحاصرهم و تحصد منهم ما تستطيع ، و تدهسهم فوق الطرقات المدمرة ، السماء أختنقت من الدخان و النيران ، و الأنسحاب كان مُذل و مُهين ، أنتصرت الفكرة و سقطت القوة و الجبروت .
و رغم الضحايا التي سقطت و الدماء التي تُغرق الشوارع إلا أن ثمن الأنتصار كان مُر ، و مع دخول ساعات الفجر الأخيرة عرفت إيرين أن أنتصارهم ما زال لم يكتمل ، و القتال لم يتوقف ، والمعركة تظل مشتعلة ما دام طرف واحد لم يُسحق تمامًا ، لا علم لها بما يجري على مئات الأميال في القاهرة .
...........................................................................................
في أحد المنازل المهجورة ، أقتحم لينور منزلاً و كسر بابه لا أصحاب له ، أختبأ لينور مع بسيل فيه ، و أشعل ضوءاً خفيفاً و قام بتشغيل التلفزيون و رأى الأخبار تقول في تقرير : ( كارثة تهز العالم .. لقد أُغتيل كل قادة العالم في قاعة واحدة و وقت واحد .. من سيقود الحرب لنهايتها ، أصبح كل شئ فوضى ، لا يعرف الضباط و الجنود من أين يتلقون أوامرهم ، و لا نعرف مصير الهجوم على مونيبوليس الكبير بعد .... )
أغلق لينور التلفاز و قال قلقاً : ( اللعنة .. لقد هاجموا مونيبوليس بالفعل ، يجب أن نعود الآن )
لم يسمع بسيل كلامه و شرد ذهنه في مكان أخر ، يفكر في الأرواح التي زُهقت بسببه ، أرواح بريئة لم تكن مستهدفة و لكنها ماتت وسط كل هذا ، و أمه و خطيبته السابقة و عقله يقول له ربما إيرين أيضاً سقطت في القتال هناك ، رأسه تصارع فكرة هل هذه تضحية من أجل ما يريدون ن و ما ذنبهم أن يكونوا هم الفداء .
هزه لينور ليعود للعالم و قال له : ( بسيل .. يجب أن نعود إلى مونيبوليس .. لقد هُجمت المدينة بقسوة .. لن نتركهم وحدهم هناك )
وقف لينور يمد يديه إليه و يقول : ( أعطني هاتفك .. لن نذهب إلى أي مكان )
ابتعد لينور للخلف و قال بحزم : ( هل جُننت ؟! .. كيف لن نذهب ؟ .. هم يحتاجون إلينا و خاصة لك )
صرخ فيه بسيل : ( قلت أعطني هاتفك .. )
أعطاه لينور هاتفه متوجساً منه خوفاً ، لا يعرف ما غيّره هكذا ، و بينما يفتح بسيل هاتفه حاول لينور إعتراضه قائلاً : ( لا يمكن أن تفتح الهاتف .. سيتتبعونا و ينالون منا .. )
حدّق في عينيه بغضب متقد و قال : ( لينور .. أبتعد عن طريقي و إلا .. )
سكت لينور في تعجب من تصرفات بسيل الغير معتادة ، و ابتعد عنه و بسيل فتح هاتفه و أنشأ بث مباشر على الأنترنت و قال لكل العالم : ( هذا الكلام موجّه إلى كل إنسان يعيش على كوكب الأرض ، إلى متي ستظلوا صامتين و معتمدين أن أخرين سينقذوكم من جحيم الحرب ، هل تظنون أن شخصاً ما سينهي الحرب الآن ، أنتم تتوهمون ، هم يظنونا لعبة ، يقتلونا متى يشاؤون كبيادق الشطرنج ، و يحركونا كم يخططون لأفكارهم عن مساحة العيش و تقليل عددكم ، أُهنئكم لأنكم جميعاً على قائمة الفناء فقد تموت لتُفسح المكان لأخر يعيش ، يريدون أن يكونوا كآلهة عليكم يحددون مصيركم و يرسمون لكم حياتهم ، لو لم تتحركوا الآن و تقاتلوا معنا و تركتمونا كما فعل من قبلكم سيأتي من بعد من ماتوا من يكمل طريقهم و أفظع ، سينتقمون منكم لتكونوا عبرة للأجيال القادمة و لو هناك أصلاً أجيال قادمة ، سيضاف إلى موتكم الحالي موتاً .. موتوا جميعاً ، أنا ذاهب لأموت من أجلكم في مونيبوليس ، أنا فقط كنت أُخبركم بحقيقتكم و أفعلوا ما تشاؤون ، لا أريد شيئاً منكم .... )
حطم بسيل الهاتف تحت قدمه و قال : ( الآن يمكننا العودة إلى مونيبوليس )
Mahmoud Ahmed