الفصل الثامن

الفصل الثامن

14 0

قبل يوم واحد من السفر

دقت الساعة 12 عشر بعد منتصف الليل و بسيل و لينور مستيقظان يشاهدان الأخبار ، نظر بسيل إلى لينور و تردد قبل أن يسأله : ( ألن تنام ؟ )

رد لينور و هو يتناول القهوة : ( أنت من تحتاج للنوم .. صوتك بعد إستيقاظك من كابوس نسمعه جميعا فجرا و أيضا عندما تبقى مستيقظا حتى الصباح كل ليلة )

حدق بسيل في لينور بأهتمام و سأله : ( لماذا أنت حقا معنا يا لينور ؟ لماذا أنت مهتم لتلك الدرجة ؟! .. كان يمكنك ترك أبيك فقط و العيش منفردا أمنا في أي مكان و تبتعد عن أعماله )

أستمر لينور في مشاهدة الأخبار و قال : ( أيجب أن اقول أن أمي أو أختي أو عائلتي ماتوا في هجوم لأستحق التواجد هنا .. ألا تفكر أنني هنا معكم للدفاع عن قضية مثلا )

قال بسيل بسخرية : ( لم يعد أحد يفعل شيئا كهذا في زمننا )

ظهرت أبتسامه ضغيرة على شفتي لينور : ( إذا أنتم هنا من أجل أنتقام شخصي لا أكثر .. أنانية )

ظهر الضيق على وجه بسيل و قال : ( الكل هنا شعر بالبراحة عندما تحدث عما يثقل قلبه و ما غير حياته .. إلا أنت كنت تشاهد و تنصت فقط .. ما قصتك يا لينور ؟ )

تكلم بعد أن وضع كوب القهوة على المنضدة و أغلق التلفاز : ( لأن الجميع هنا يا بسيل فقدوا أعزائهم و أحبابهم و أنا سببت لهم هذا الفقدان مع أبي ، لذلك فهم الضحايا و أنا المجرم .. لو تكلمت سيتهموني أن انا كنت السبب في البداية ، كما تفعل الآن و تذكرني بماضي طوال الوقت ، أتريد قصص حزينة ؟ إليك قصة حزينة ، مات أخي الصغير بسبب أبتلاعه طلقة تركها أبي علي مكتبه ، أبي كرهني لأنه كره أمي التي كانت تشتمه و تواجه الند بالند و تركته و تركتني منذ كنت في السادسة ، كان يضربني على ساقي عندما أخطئ ، يجلدني بحزامه عندما أتلكم بطريقة لا تعجب زوجته الشابة ، و عندما كبرت حاولت التقرب منه فوكلني بأعماله الخطرة أملا أن يفقدني مرة ما و يتخلص من وجهي الذي يذكره بها ، لم أعرف معنى العائلة أبدا ابدا حتى تجمعنا هنا معا )

أكما بعد أن خلع لينور قميصه ليرى بسيل أثار حرق : ( في المرة الأخيرة لم اقم بمهمتي كاملة ، فأحرقني كما ترى و قال كلمته اللعينة " الثواب و العقاب على الجميع حتى أبني " ، كنت شابا بالغا لعينا و ظل يعذبني أبي الحقير)

مسك كوب القهوة و بكل قوة و غضب ألقاه على الأرض و كسره و قال بنبرة حادة : ( لا تسالني مجددا لماذا أنأ هنا معكم ليبقى الرابط بيننا متصلا يا بسيل )

تركه لينور و دخل غرفته و أغلق بابها بعنف و بسيل يراقب كل هذا بهدوء دون أن ينطق بكلمة واحدة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقف بسيل متسمرا في مكانه مزهولا مما يراه على الشاشة ، هل يمكن أن يكون حقيقي ؟! ، هل هو نائم و يحلم أم هذا يحدث فعلا ؟! ، و كيف ؟ لا يصدق ؟

أنها أمرأة طاعنة في السن كبيرة ، أنها والدة بسيل ، أنها حية ، ما إن رأها لم يتحرك جفنه ، اراد أن يبكي ، أراد أن يلمسها و يتأكد أنها ليست صورة مركبة ، و لكنهم أخبروه أنها ميتة ، فكر أنهم ربما يخطئوا ، الكثير من الأحتمالات المزيد من الاسئلة تتكون في عقل بسيل و الأجابات تهرب منه ، و الأخرين ينظرون إليه ينتظرون تعليقه .

سأل آسر بسيل الواقف كصنم : ( من تلك بسيل ؟ أتعرفها ؟! )

لم يتحرك لسانه ليجيبه من شدة الصدمة ، لأنها أمه التي فعل من أجلها كل هذا و وقف في وجه العالم من أجلها ، أنتقاما لموتها ، و هاهي حية ترزق .

سأله لينور نفس السؤال : ( أتعرفها بسيل ؟ )

هنا أجاب عليهم لينهي حيرتهم : ( نعم أعرفها .. إنها .. إنها .. إنها أمي )

نزلت عليهم الكلمة كالبرق ، كلغم أنفجر فيهم ، كموجه يصارعونها فأبتلعتهم جميعا ، ليصيبهم هم ايضا الذهول معه .

في نفس اللحظة هي نطقت بأشتياق و قالت : ( بسيل .. أبني .. كيف حالك يا قرة عيني ؟ )

أقترب من الشاشة لمسها بيده مرت أصابعه على وجهها و اغرورقت عيناه بالدموع و هو يقول : ( أمي أمي .. أنت حية )

شعر لينور بالريبة من هذا المشهد فطلب إيرين عبر اللاسلكي : ( إيرين هل تسمعيني ؟ .. يجب أن تأتي بسرعة .. حالة طارئة )

ردت إيرين : ( هل أنتم بخير ؟ )

- ( نعم لكن عليك المجئ حالاً )

كان يعرف لينور أن لإيرين تأثيرا كبيرا على بسيل و لم يسترح قلبه لما يجري أمامه ، و بسيل و أمه يعيشون لحظة عاطفية ممتلئة بالمشاعر الجياشة بين أبن ظن أن أمه ميتة و ظهرت أمامه حية فجأة ، و الدموع لا تتوقف كالطوفان حتى غشّت بصره.

يقول في رأسه إنها هي لا محالة نفس الملامح الطيبة و الابتسامة الرقيقة ، يريد عناقا حارا منها يجمع بين قلبين نجوا من الموت ، هو كان يغرق في بحر لا نجاة منه و هي مدت له يد النجاة ، قاطع تلك اللحظة سؤالها له : ( ما الذي تفعله عندك يا بسيل ؟ من ورطك في هذا ؟ )

قال بقلب محطم : ( فعلته من أجلك يا أمي ؟ أردت إنهاء كل شئ ، لم أرجو مشاهدة معاناة أخرى )

قالت له بحنين الآم : ( و أنا لم أحتج لكل هذا يا قرة عيني .. إنه قدر الله .. كتب الله أن أعيش فلم تؤثر صواريخ العالم في شئ قد كتبه الله لنا )

أقترب وجهها من الشاشة و بسيل يذوب قلبه و يتوقف عقله عن التفكير ، فقط هو يريد أمه و يحتاجها ، و قالت : ( عد يا بسيل و أترك كل هذا .. نحن بسطاء يا بني دعنا نعود إلى حياتنا )

- ( لكن يا أمي ....... )

و قبل أن يكمل كلامه قاطعته : ( أحضرت لك مفاجأة .. متأكدة أنك مشتاق لها )

ثواني حتى ظهرت دارين على الشاشة خطيبته السابقة بملامحها البريئة الحزينة و عيونها السوداء الواسعة الطفولية ، و قتها وصلت إيرين و وجه لينور الكلام لها : ( لقد جئت في الوقت المناسب تماما )

نظرت للشاشة و سألت : ( من هؤلاء ؟! )

أجاب لينور بخبث : ( الكبيرة هي أمه الميتة ، عادت إلى الحياة .. أما الصغيرة .. فخطيبته )

أمتزجت ملامح إيرين بالصدمة و الأرتباك و الحيرة ، لا تستطيع إستيعاب المشهد ، أمه بعثت من الموت مجددا لكن أين كانت الفترة السابقة ، لماذا تظهر الأن ؟ ، و من الأخرى التي تدعى خطيبته ماذا تفعل هنا معها ؟!

شعرت إيرين أن الوضع مريب و لا يُطمئن و أن هناك من يخطط لشئ ما ، و هل هي أمه الحقيقية أم لا و أكملا الأنصات للحديث عندما قالت دارين: ( لماذا تركتني يا بسيل ؟ غبت عني و ظننتك أصابك سوء ، لماذا فعلت بي ذلك؟ )

أرتمت بعدها على صدر والدته و بكت حزنا على فراقه طوال الفترة السابقة ، و بسيل يسقط على ركبتيه و ينظر إليهم و يقول : ( سامحوني أرجوكم .. أغفروا لي .. كل هذا من أجلكم .. أقسم )

تحدثت والدته بلين و شفقة : ( عد إلينا يا حبيبي .. لم شلمنا من جديد .. عد للفتاة التى أنتظرتك كل هذا و تحملت .. لقد وعدوني أنهم سيتركوك و يوفرون لك الأمان ، هذا ما نحتاجه يا عزيزي عد ارجوك )

أغلقت نافذتهم و أختفوا من الشاشة ، و أنتصفت نافذة أستراليا من جديد : ( هل رأيت ؟ نوايانا حسنة معك .. أحضرنا أمك و عائلتك و سنوفر لك البقاء معهم أمنا .. فقط أوقف كل الجنون عندك )

فرنسا تحدثت : ( لديك ساعتان يا بسيل و سنتصل مرة أخرى )

أسودت الشاشة ، و الجميع ينتظر من بسيل الكلام ، و لا يوجد سوى الصمت التام ، و تقول إيرين : ( هذا كله خدعة .. إذا كانت حية لماذا تعود الأن بالذات ؟! )

ألتف بسيل و نظر لها و لم يتحدث و يأتي دور لينور : ( أنهم مخادعون كبار أحضروا ممثلة لتدعي أنها أمك ، و ينشروا الفوضى بيننا و يفرقونا .. فرق تسد أسلوبهم الدائم )

جلس بسيل على الكرسي خلف المكتب يشاهد سقف الغرفة و آسر يقول : ( هل يعتقدون بخداعهم هذا أن بسيل الحلقة الأضعف بيننا لا .. نحن أقوى من أن نصدق خدعة لعينة قديمة كهذه )

تحدث بسيل بصوت ضعيف و لم يسمعه أحد و كرر كلامه بصوت أعلى قليلا مسموع : ( لديها السنة المكسورة في فكها العلوي )

أقتربت منه إيرين حتى مالت فوقه و قالت : ( ماذا تقصد بكلامك ؟ )

- ( إنها أمي لا محالة )

مسكت برأسه بين يديها و صرخت فيه : ( أنت جننت لا شك في ذلك .. أمك الميتة منذ شهور حية و لم تظهر إلا الآن و نحن متقدمون عليهم بخطوات .. هل كانت فاقدة الذاكرة لا تعرف أن لديها أبن قبل اليوم )

أزاح يديها بعيدا بعنف و رمى سلاحه على الأرض و وقف يواجههم : ( أنتهيت من هذا كله .. سأعود إليها مهما كانت العواقب )

صده لينور بيده و قال له بتحدي : ( هل اصبت في عقلك ؟! هل ضربك أحد على رأسك ؟! نحن معا في هذا حتى نهايته .. أحضرتنا هنا و علقنا في المدينة معا و تريد الخروج بسهولة ، أتظنها مدينة الألعاب ؟! )

تدخل آسر و قال لبسيل وجها لوجه : ( أنه فخ أقسم لك .. أعطني وقتا و سأثبت لك .. مجرد تحركك إليهم لن يترددوا في قتلك )

دفعهما الأثنين جانبا و أكمل طريقه للباب للخروج لكن لينور أتجه خلفه و قال : ( أنا أسف يا بسيل .. لطالما أعتبرتك أخا لي .. سامحني )

و ضربه بمؤخرة سلاح على رأسه ضربه ألمته بشدة ثم مسكه من معصمه و جرجره إلى الشبكة الحديدية المحيطة بالمدفئه و كبل يده بالاصفاد الحديدية في حديد المدفئة و لم يعارضه أحد على فعلته ذلك ، و بسيل يقاوم و يعلو صوته : ( أتركوني .. سأذهب لها .. لن تستطيعوا منعي ابدا .. أتركوني )

و قفوا بجوار بعضهم أمامه و وجه له لينور الكلام : ( أسف مرة اخرى بسيل .. لكنه وقت تداول السلطة )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلال إجتماع عبر الفيديو قررت الأمم المتحاربة الجلوس معا ، ليس لحل أزمة الحرب بل لأمر أخر و بدأت أمريكا الجلسة بالكلام بشكل مباشر بلا تزيين : ( أعلم إننا جميعا نريد حرق بعضنا البعض الان و لم يجمعنا سوى كارثة مدوية تحل بنا )

روسيا : ( هذا الفيديو على كل مواقع الأنترنت و نشرات الأخبار و ما يحتويه من لقطات لوصولهم لقلب مفاعل كاشفيرنا يثبت إنهم فعلا على صواب و لا يمزحون )

ألمانيا : ( لا يوجد أحد يستطيع إتخاذ القرار بسهولة ، قتل الملايين بتلك الطريقة يحتاج إلى شخص بلا مشاعر )

فرنسا : ( هذا لا يمنع أنهم تمكنوا بطريقة ما لتحويل المفاعل إلى ما يقارب قوة 100 قنبلة نووية تخيلوا مفاعل سلمي مستقر يتحول إلى حالة عدم الأستقرار فجأة ، هذا مروع )

اليابان : ( هم شباب و قد لا يتحكمون في مشاعرهم و قراراتهم و لحظة أنفعال واحدة كفيلة بدمار العالم كله على أيديهم )

مصر : ( و ماذا سيحدث بعد أن ينتهي هذا بدون خسائر ؟ هل سيشتعل الأقتتال بيننا من جديد ؟ )

أميركا : ( هذا حقا سؤال هام .. لكن بداية يجب أن نسأل ما الغرض من الحرب أصلا ؟ )

روسيا : ( إذا كنا نجتمع كعصابتين متحاربتين كما الأفلام فعلينا ان نكون صريحين لأن أغراض الحرب كثيرة منها أردنا إشعالها لنكون أنفسنا من يبيع السلام بعدها )

أسبانيا : ( بعضنا يملك ديونا ثقيلة ، تعويضات الحرب تقلصها أو ربما تمحيها )

البرازيل و هي دولة محايدة في الحرب يتحدث مندوبها بأشمئزاز: ( بعضكم يريد تدمير الأخر ثم يعرض عليه إعادة الأعمار ، أو هناك صفقة توزيع ثروات عالمية تريدونها تتم تحت نيران المدافع )

أستراليا : ( تدمير دول و قوى و صنع قوى جديدة و تقسيم المنهزمين لمساحات أصغر يتم السيطرة عليها بسهولة )

أنجلترا تتدخل بحسم : ( أهي حصة تاريخ مدرسية ، الحرب ضرورة أخلاقية من نقتله اليوم يسبب حياة الملايين لاحقا ، و هذا مايجعلنا لا نضغط زر التدمير الشامل ، لكن هم يمكن أن يضغطوه بسهولة مشحونين بغضب و حماسة سنهم الصغير )

تحدث مسئول أمريكا بثقة : ( لا أظن .. هم كالفئران محتمين وسط سكان المدينة و رمينا لهم قطعة من الجبن و ننتظر ، هل يريد بسيل أمه أم يريد البقاء مع اصدقائه الأشقياء؟ )

تحدثت مسئولة أستراليا بحيرة : ( لماذا أخترت قائدهم ؟ لماذا ليس الحلقة الأضعف فيهم ؟ )

ضحك مندوب أمريكا : ( لضرب راس الأفعى المخططة و يختلفوا و يتفرقوا فلا يعرفون ما خطوتهم التالية فيضطربوا في أتخاذ القرار ثم نهجم بكل قوتنا و نحتل المدينة ، و كلكم تعلمون لماذا لم نختر الأضعف بينهم الأن )

سكتوا جميعا حتى تحدثت مندوبة أنجلترا : ( ما الخطوة التالية الأن ؟ )

أميركا : ( أعتقد بنسبة كبيرة أن الخلاف دب بينهم الأن بين رغبة بسيل بالرجوع و رغبتهم في التكملة معتقدين إنهم يحققون إنتصارات ، و سنتستغل إنشغالهم و هم يختارون قائدهم الجديد لنحاصرهم من جانبين و نفتح عليهم جبهتي قتال ، ما إن أنتصرنا في جبهة فقط سنقضي عليهم تماما )

إيطاليا و فرنسا وتقع مونيبوليس بينهم : ( أمرنا قواتنا بالسير إليهم سيضربوهم في مقتل و ننسل من الثغرة التي أكتشفناها )

أميركا : ( حسنا دعونا ننتهي منهم ثم نعيد تصفية حسابتنا معا )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مقر قيادة الشرطة في مونيبوليس تحملت إيرين صرخات بسيل المطالبة بتحريره و تركه يذهب إلى والدته و قلبها ينفطر عليه ، و قبل أن يكملوا المسيرة وقفوا امام الباب حيث بسيل محتجز و سألهم لينور : ( قبل أن نكمل أيملك أحدهم أعتراضا على ما جرى منذ قليل ؟ )

رد آسر بسؤال أخر بقلق : ( ماذا سيحدث له ؟ )

طمأنه لينور : ( لا تقلق من المستحيل أننؤذي أخا لنا )

نظر إلى إيرين و أنتظر إجابتها : ( لست معترضة ، سنثبت إنها ليست أمه و سيعود إلينا )

قال لها لينور و هو ينظر لعينيها محذرا : ( لا تجعلي مشاعرك تغلبك .. قد تكون أمه و حينها سيكون علينا التفكير بشكل مختلف لحل المعضلة )

سار لينور و هم خلفه : ( الآن هم يعتقدون إنهم فرقونا .. لهذا يجب أن نضربهم قبل أن يضربونا هم )

إيرين : ( ماذا ستفعل بالتحديد ؟ )

قال لينور بغرور : ( سنهاجم أيطاليا و فرنسا و نفتح عليهم جبهات حرب جديدة ، الثورة السلمية أنتهت حان وقت التحدث بلغة القتال التي يفهموها )

قال آسر و هو يججاريهم في مشيهم السريع : ( نهاجم من ؟! لا نمتك القدرة على ذلك و لا الأسلحة و لا المعدات )

أبتسامة تكبر جديدة من لينور و قال : ( عقدت عدة صفقات أسلحة تكفي لأشعال حرب عالمية رابعة أيضا و الدفع سيكون من خزائن مونيبوليس )

توقفت إيرين بلا مقدمات و قالت بتحفظ : ( لا أقبل هذا ، لسنا هنا لنحارب و نسفك الدماء و سرقة الأموال ، جئنا لهدف واحد و وضعنا شروط لفعلها لا يمكن تجاوزها )

وضع وجه أمام وجهها بتحدي : ( القيادة تغيرت الآن و بالتالي تتغير سياسة إدارة الأمور )

ردت عليه بسخرية : ( و من أختارك قائدا علينا ؟ )

مسكها من ذراعها بعنف و شدها إليه و قال و الشرار يخرج من أعماق نظراته : ( لا أمانع وضعك بجوار حبيبك مكبلة بالأصفاد مثله )

قالت بغيظ : ( لا تقل حبيبك .. هو ليس حبيبي )

و بضحكة أستهزاء قال : ( اتظنين الجميع حمقى و لا يلاحظون أهتمامك به .. دائما يجدك معه في الوقت المناسب .. نظراتك إليه المختلفة .. ملامحك عندما رأيت خطيبته على الشاشة و المزيد المزيد ... )

شدت ذراعها و أفلتت من قبضته و تراجعت إلى الخلف و وجهها متجهم : ( أحترس من كلامتك التالية معي يا لينور ، و إلا ساقلب الطولة علينا جميعا و حينها لن تستطيع إيقافي لو هاجمتني بأسلحة العالم كله )

بأسلوبها القوي و شخصيتها المسيطرة أجبرت لينور على التوقف عن غروره و كبريائه ، و أكملوا في طريقهم لغرفة الأجتماعات و جلسوا على طاولتها الخشبيه الطويلة أمامها شاشة كبيرة .. أخرج لينور حاسوبه المحمول و بدأ الأتصال مع غرفة القيادة الرئيسية المستقرة في شركته .

تحدث للمسئول : ( هل كل شئ جاهز ؟ )

تكلم المسئول : ( سيدي لدينا أخبار يجب أن تعرفها .. جواسيسنا أكتشفوا قوات تتحرك من ناحيتي إيطاليا و فرنسا )

ضرب الطلولة بيده غضبا و صرخ في زملائه : ( هذا ما كنت أتحدث عنه .. سنلقنهم درسا سيسجل في كتب التاريخ بما إنهم جاءوا بأرجلهم لنا )

أعطى أوامره للمسئول : ( الآن خطة الهجوم رقم 1 )

أعترض آسر : ( هجوم ؟! )

بالمزيد من الغرور يرد لينور : ( نعم هجوم .. لأنهم يستهترون بنا و علينا أستغلال غباءهم )

في الجبهة الشرقية تسير قوات إيطاليا بدباباتها و خلفها الجنود و المعدات العسكرية الأخري ، تقطع الدرب تجاه قوات مونيبوليس ، لكن وابل من نيران المدفعية الثقيلة وقذائف الهاون تسقط وسط صفوف المهاجمين ، و نيران الرشاشات المنتشرة ، و تنفتح جبهة النيران من الجهة الأخرى لكنهم يفقدون توارزنهم بسبب صدمة الضربة الغير متوقعة ، و تسبب الموجة الأولى من الهجوم التعثر و التراجع ، نيرانهم لا تتوقف لحظة ، بالأضافة لوجود وحدات صغيرة على الأجنحة تطوّق فلول المهاجمين وتغلق طرق انسحابهم. أصوات البنادق تصبح متقطعة، ثم تختفي رويدًا .

في مونيبوليس لينور يستمر في أرسال الأموامر وهم يتابعون ما يجري في قلق ، إيرين لا توافق على ما يحدث و تتسائل بينها و بين نفسه كيف تم خداعهم و هذا الوغد كان يخطط لشئ أخر من خلف ظهرهم , و آسر لا حول له و لا قوة فهو بين قوتين كبيرتين كانا منذ قليل يتشاجران من أجل القيادة .

قذائف الهاون و قاذفات الصواريخ لا تهمد و تجعل الأرض تترجرج تحتها و الإيطاليين يخسرون المزيد من الرجال لا يتمكنوا من تجاوز خط النار الرهيب و هم من يتحملون الخسائر فقط ، مع كل دقيقة يسقط المزيد منهم ... أرتفع صوت قائدهم " سنتراجع .. سننسحب ..سننسحب " ، و الضغط الناري لا يتوقف من جهة مونيبوليس ، و الوقات المعادية تتراجع ، طلقات الرصاص هدأت لكن لا تتوقف تشتعل من حين لأخر بشكل متقطع ، فالإيطاليين لم يتركوا الميدان بالكامل بالرغم من أنتصار جهة مونيبوليس .

معركة الغرب لم تقل ضراوة عن معركة الشرق .. لينور أمر بعدم وقف النيران إلا بأمره لكن قوات فرنسا كانت أكثر شراسة و هجوما و تمكنوا من رد هجوم قوات مونيبوليس ، و بدا من قوات فرنسا إنها تستنفذ طاقة الجهة الأخرى لإعطاء الوقت للوحدات بعبور الثغرة حيث القوات تعبر البحيرة بين فرنسا و مونيبوليس بأعداد كبيرة و تنشئ جسورا عائمة لنقل دباباتها و معداتها لعمل كماشة حول مقاتلي الغرب .

الشمس تغرب و المعارك مستمرة على الجهتين و التقارير تصل إلى لينور أول بأول : ( الجهة الغربية تتقهقر سيدي .. لعدو يطلق طائرات مسيرة و يفجرها وسط قواتنا )

قال آسر بحماس : ( أضربهم بصواريخنا للدفاع الجوي )

أعترض لينور : ( إنها طائرات صغيرة ، لن نخسر مخزوننا منها عليها )

معدل الغرور لدى لينور ينخفض مع ضغط المعارك عليه ، لا يسير شئ كما خطط له الفرنسيين كانوا جاهزيين و تصدوا له و سيجبروه على التراجع الآن و الإيطاليين لم يتراجعوا بعد و يلقوا السلاح و من حين لأخر يضربون ضربة.

لينور و آسر يتشاوران و يعترضان ، أكتشفا المأزق الي هم فيه ، و إيرين تشاهدهم كفيلم حربي لا تتدخل و لا تبدي أي رايي .

( علينا أن نتراجع ) سمعها الكل عبر اللاسلكي قادمة من قوات الغرب المدمرة ، و يضطر المسئول الطلب من لينور التراجع و يعطيه الأمر على عضض : ( أنسحبوا الآن )

يقول آسر بخيبة : ( تنسحب .. سيتجاوزون الحدود )

طمأنه لينور : ( خسرنا معركة و ليس الحرب يا فتى .. يجب أن نضحي حتى لا نخسر المزيد )

الساعة تقترب من التاسعة و تعب شديد يصيب الجميع .. لينور لا يستطيع أن يمنع نفسه من مراقبة الكبيرة و الصغيرة بعد الموقف المتأزم الآن ، و أسر مصاب بالتفكير الزائد و الندم يريد أن يعود بالزمن ، لا يريد فقدان حياته بلا سبب ، إذا مات سيجعلوه في أعين الناس مجرد إرهابي أقتحم مدينة بالقوة و ليس محقق سلام .

همت إيرين بالخروج ليهب آسر و يسألها : ( إلى أين تتركينا ؟ )

ردت بلامبالاة : ( إلى تارا .. أريد البقاء معها ، لا أعرف كم من الوقت سنظل معا ؟ )

رمت الكلمات إلى أذن لينور و تركتهم و ذهبت إلى تارا ، و في طريقها رأت المدينة الغارقة في صمت عميق و ظلام ، فقط بعض الأضواء مشتعله تتسلل من بعض النوافذ ، وهي تسأل نفسها في رأسها هل يعرف هؤلاء الناس ما يحدث ؟ هل وصل إليهم وقع الكارثة التى سببها لينور ؟ ، هل يعرف لينور أن القوات لو دخلت ستقتله في مكانه و كذلك هم ، و جنود بزي قتالي داكن يقفون في نقاط ثابتة، أسلحتهم موجهة نحو الممرات الجانبية، وعيونهم تتفحص كل ظل يتحرك ، حواجز خرسانية وأكياس رمل، خلفها جنود يراقبون مناظير ليلية مثبتة على خوذهم. سواتر حديدية تغلق الشوارع الفرعية، وعلى الأرصفة تتوزع نقاط تفتيش صغيرة مضاءة بمصابيح بيضاء قوية، تكشف أي حركة في مدى بضع عشرات الأمتار تحولت البلد إلى ثكنة عسكرية حقيقية .

وجدت إيري تارا مستيقظة قبلت رأسها و قالت : ( كيف حالك اليوم يا صديقتي ؟ )

صوتها يخرج متقطع محمل بثق الأرهاق : ( أنا بخير و أنتم ؟ )

- ( كل شئ جيد .. أستريحي فقط )

- ( قل لي يا إيرين و لا تكذبي علي .. ما قصة بسيل و والدته ؟ سمعت جنود تهمس بها )

أدارت وجهها خجلا منها لا تعرف ماذا تقول ، هل تقول أن وضعهم مثير للشفقة الآن ؟ ، هل تخبرها أن موتهم أصبح قريبا أكثر من أي وقت مضى ؟ لا تعرف كيف تصف الوضع ، فقط قالت : ( أنتي متعبة و مجهدة .. سأخبرك بكل شئ لاحقا )

( هل بسيل بخير ؟ ) قالتها بضعف و ببطء

ضمت يديها بين كفيها و قالت : ( نعم يا عزيزتي .. هو بخير .. الآن أستريحي من فضلك )

وضعت إيرين رأسها بجوارها ، تتخلص من الأفكار الصاخبة و تستسلم للهدوء و الأمئنان بجانب تارا ، و تشعر بالقليل من الدفء و الطيبة ، و توقف جسدها قليلا عن الحركة و أستهلاك الطاقة .. عينها تغلق ببطء .. تهرب من الواقع .. كل شئ يذوب الآن مثل الثلج ... يهدأ نبضها ثم تذهب في نوم عميق .

أستيقظت إيرين صباح اليوم التالي على زقزقات العصافير و يدها مشتبكة مع يد تارا ، الأجواء تبدو هادئة ، لا احد أتصل بها خلال الليلة السابقة ، هل أستطاع حقا لينور السيطرة على الوضع ؟ ، تدعو أنه فعل ذلك .

أستيقظت تارا كذلك و وجدت أبتسامة إيرين في إنتظارها و تقول : ( صباح الخير يا صديقتي .. سأطلب لك الأفطار الآن )

بحثت عن أحد الجنود لترسله لأحضار الطعام و لم تجد أحد تماما ، المستشفى خالية عن بكرة أبيها ، و الأطباء أختفوا حتى المرضى كذلك .. عادت إلى الغرفة و جلست بجوارها و قالت بدهشة : ( لا يوجد أحد .. أختفوا كما لو بلعتهم الأرض .. أين ذهب الجميع ؟ )

بمرور الدقائق فزعوا بإقتحام آسر الغرفة ، نهضت إيرين مذعورة من كرسيها و سألته : ( ماذا بك ؟ ماذا يجري ؟ )

رد آسر بتوتر و أرتباك و هو يحاول جمع أنفاسه المختنقة من الركض : ( يجب أن نرحل جميعا الآن .. علينا نقل تارا لمكان أخر آمن .. لا وقت لدينا )

سألته بغضب هذه المرة و هي تمسك بياقته : ( أخبرني ماذا يحدث بالضبط يا آسر ؟ )

أجابها و نظرات القلق و الخشية و الهلع : ( كارثة حلت بنا .. خدعونا جميعا .. الفرنسيين كانوا يشغلونا حتى يعبروا الثغرة الواقعة بين البلدين البحيرة الموجودة على حدودهم .. نقلوا جيشا كبيرا كاف لجعل المدينة عاليها سافلها .. و الإيطاليين أعتبروها ككرة القدم تلقوا الضربة القوية و دافعوا بكل قوة و ظنينا إننا هزمناهم و هم يمرون من الأنفاق التي لم نعرف عنها شيئا من قبل إلى قلب المدينة ساعات و سيكونون بيننا يذبحونا بلا رحمة )

أنخلع قلب إيرين من مكانه و تجمد الدم في عروقها ، و تارا تبعثرت أنفاسها كأوراق الريح و سألت أقرب الأشخاص إليها إيرين : ( ما الذي لم تخبريني عنه ؟ سأموت ؟ سنموت ؟ )

دخل جنديان يحملان كرسيا متحرك ، و ساعدوا تارا على الجلوس عليه لنقلها لمكان آمن جهزه آسر لهم و إيرين تطمئنها : ( لن أسمح لأحد بأذيتك يا أختي )

ألتفتت لآسر : ( ماذا عن بسيل و لينور ؟ )

أجابها بوجه محمر سينفجر منه الدم : ( بسيل أعمل على أخراجه أيضا سيقابلنا حيث سنذهب .. و لينور مصاب بجنون العظمة لا يريد ترك مكانه )

فكرت قليلا إيرين و لم تجد وسيلة أخرى غير الهروب ، كل دقيقة تمر تقربهم من المذبحة .. حركت كرسي تارا باسرع ما يمكنها ، و وصلا السيارة ثم تحركت بهم على طريق المطار و شرح لها آسر ما خطط له : ( يوجد طائرة خاصة لنا ستأخذنا من هنا إلى جزيرة أو بلد أخر لا خطر فيه .. بسيل من المفترض سيتحرك بعد قليل و يتبعنا .. لا تقلقي كل شئ سيكون بخير )

كانت تارا لا تفهم ما يجري حولها و تنظر بإستمرا لإيرين الشارد عقلها و تحاول أن تجد إجابة في خاطرها " كيف سقطنا هذا السقوط المدوي ؟ على أي جانب كنا ؟ هل نحن الخير أم الشر ؟ هل جئنا محملين بالأنتقام فأنتهى بنا الأمر في هذا المستنقع ؟ هل كانت نواينا غير ما كنا نظهر ؟ "

في تلك اللحظة تمنت فقط أن تنجو تارا البريئة من تحمل الجزء الأكبر من الأم ، و بسيل ربما لينو محق و أمه فعلا حية لم تمت ليلة القصف المشئومة ، تمنت أيضا لو رأت المستقبل يوم ما تحدثوا في هذه المحادثة اللعينة على الأنترنت و تمسكوا بالأمل بذرة الأمل و تخلوا عن أوهام الأنتقام .

و بينما يعبرون الجسر الواصل لطريق المطار سمعت إيرين هاتفها يرن ، لم تسمع النغمة الخاصة به منذ زمن ، و لكن لا يوجد شبكة أتصالات هنا ، آسر لم يعدها للعمل ، تبادلوا نظرات الحيرة فيما بينهم و هي تخرج الهاتف من جيبها و ترى رقم غريب و تضغط زر الأجابة بترقب .

- ( ألو ... من على الهاتف ؟ )

صوت رجل هادئ يجيب : ( مرحبا إيرين .. لم أتوقع أن أول شئ ستفعلوه هو الهروب و ترك السفينة تغرق .. كان لدي أمل أنكم ستواجهونهم حتى نقطة الدم الأخيرة .. الآن اصبحت خائب لظن فيكم )

قالت له بحزم : ( قل من أنت أو أغلق الخط )

ظل يتكلم بنفس النبرة الهادئة : ( أنا من سيخرجكم من هذا المأزق لو أردتم ذلك )

قالت و الجميع يراقبها حولها : ( ماذا تقصد بكلام ؟ )

- ( أقصد أن نجاتكم في يدي و لكن بشرط وحيد )

- ( ما الشرط ؟ )

رد بعد لحظات قليلة : ( أن أتكلم فقط مع بسيل )

- ( لكنه ليس معنا الآن )

- ( إذا كلميني على هذا الرقم عندما تجديه لو أردتم أن أنقذكم و تعود الأمور إليكم )

أغلق الخط ، و هم حولها ينتظرون ان تشرح لهم من كان يكلمها و ماذا قال لها ، و هي أصابتها شوكة الشك، أهو طوق النجاة أم فخ جديد؟

صوته لا يفصح عن أي شئ يبين هو صديق أم عدو ، و لماذا الحديث مع بسيل بالذات ؟ ، ربما هو طوق النجاة من داخل اللعبة الكبيرة، يملك خيطًا يربط الجميع.

لم يكن تهديد و لا رجاء ، أنه باب مغلق يجب أن نتجرأ و نفتحه أو نجبن و نختار طريق السلامة ، حتى هذا الطريق قد يحتوي على أشواك ، و بعد تفكير عميق و صراع داخلي قررت أختيار القرار الصعب لأنهم كما قال لا يهربون بل سيكافحون حتى نقطة الدم الأخيرة ، ليسوا أقل من ذهبت أرواحهم في هذا القتال الجماعي العالمي .

قالت إلى آسر : ( عد بنا حيث يوجد بسيل يا آسر )

ضغط مكابح السيارة مرة واحدة دفعتهم بشدة إلى الأمام و قال : ( هل جننت يا إيرين ؟ المطار على بعد دقائق )

توسلت إليه : ( من فضلك أذهب إليه .. قد نخرج من هذا منتصرين حقا .. هناك أمل )

تردد في فعل ذلك و قال : ( مع من تكلمت ؟ و بما أخبرك ؟ من فضلك أطلعينا )

قالت له تترجاه : ( من فضلك عد إليه بسرعة .. و سأحكي لك كل شئ على الطريق .. لا نملك وقتا كافيا ..من فضلك )

ضرب عجلة القيادة بقبضته عدة مرات و بعدها رضخ لإيرين و عاد بالسيارة للرجوع إلى بسيل ، و أزاد من السرعة على الطريق الخال ، و كل مترا منه يقربهم من مصر يجهلوه .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة