قبل الحرب بست سنوات
انا لورين ولدت في مونيبوليس و جدودي ولدوا بها و لم أعرف وطنا غيره ، كنت مراهقة عندما بدأوا يتحدثون أن الظلم في المدينة يجب أن ينتهي حيث الشمال الغني الراقي يتحكم في الجنوب الفقير ، بل و الأسوأ أنهم صنعوا سورا ليفصل بيننا رغم أن منابع الأنهار التي يشربون منها تبدأ من عندنا ، الطعام الذي يأكلوه يُزرع في أراضينا .
كان الشمال عبارة عن نسبة كبيرة من المهاجرين الذين أستغلوا التسهيلات التي قدمت لهم لدخول البلاد ، و بأموالهم و أعمالهم سيطروا على البلد كلها بل و العالم كله بالتدريج و أصبحت مصائر كثير من الناس في أيديهم ، رغم أن معاملتهم كانت طيبة في البداية و قد عاملناهم بشكل جيد و تقاسمنا الكثير معهم .
ضاق الجميع زرعا بهذا ، و قررنا أننا أهل البلد يجب أن نثور عليهم ، قد نموت و نحن ندافع عنها و لكن سنموت في أرضنا و بكرامتنا ، و لن نكون عبيدا أبدا ، و لن نقبل بما يظنونه كرما منهم إنهم يتركونا على قيد الحياة .
لقد شعرنا إننا تعرضنا للنهب و السرقة دون أن نشعر ، تركنا أنفسنا نسقط تحت رحمتهم و عندما تخبرهم بذلك يقولون لك " لا يهمني أين ولد أبي أو أمي ، المهم إنني ولدت وجدت نفسي هنا " ، باله من منطق لعين يستعملونه ليبرروا سرقتهم لنا في أرضنا و حياتنا .
قررنا أن القتال هو الحل الوحيد لنسترد ما أُخذ منا ، فالحوار لن ينفع معهم ، أستعدينا بما نستطيع و ساعدنا القليل من الناس في الخارج و كسرنا تلك البوابة اللعينة التي تفصلنا و حدثت الحرب الأهلية بين الشمال و الجنوب و لكننا فضلنا أن نسميها حرب الأنفصال ، الأنفصال عن الظلم و القهر و استعادة حقنا المسلوب .
أستمرت الحرب عامان و كان قتلانا أضعاف قتلاهم و لكن لم يجعلنا ذلك نضعف أو نتراجع بل أزادنا قوة أكثر بسبب عهدنا القديم ، إما النصر أو نموت جميعا على أرضنا ، و كنت أشارك في القتال معهم و العمليات العسكرية ، و غيرتني كثيرا هذه الحرب و خاصة عند وفاة والدتي و أصبحت شبه وحيدة حيث أبي لا أعرف لا طريق حتى الآن لم يعود حيا أو ميتا لا نعرف مصيره .
أتذكر تلك الليلة عندما حملنا صناديق المتفجرات و وضعناها في السد ، و حول أعمدة الكهرباء ، و على خطوط السكك الحديدية و خاصة التي تنقل البضائع ، لنجعلهم يعيشون في ظلام ، تلك الليلة ساعدتنا على أن نفرض حصارا عليهم، لا طعام يصل إليهم من السكك الحديدية و لا مؤن و لا كهرباء .
ثلاثة اشهر على هذا الوضع ، و أعترف قد عانوا و حاولوا التفاوض معنا و لكن شروطنا هي أن نستعيد أرضنا أو لا شئ ، و لكن عندما يكون الأنسان في وضع يصعب يعطيه ضميره أختيارين إما طريق الشر أو الخير ، و بالتأكيد رفضوا طريق الخير و قالوا إننا لا نملك حقا في شئ و لا حتى أن نتشارك الحياة معا بل قالوا إننا لا يجب أن نعيش أصلا في هذه الحياة ، و طلبوا المساعدة من الخارج ، من الدول التي تحتفظ بمالها عندهم ، ساومتهم على ثروات بلادهم المحفوظة في خزائنها فأستسلموا لأوامرها .
كان هذا الأمر هو الذلة التي أستعملتها ضدهم ، كانت تخطط منذ زمن لتلك اللحظة ، و ها هي قد حانت الآن ، طائراتهم أتت من كل حدب و صوب فقط طائراتهم ، قصفتنا بكل ما تملك من قوة لديها ، لم تترك أحد على قيد الحياة ، لقد أزالت القرى في الجنوب من الوجود ، مسحتنا تماما من على الخرائط ، و تكتموا بعدها على ما حدث ، فلم يقف بجوارنا أحد حتى الأسلحة التي حصلنا عليها فيما بعد عندما أستخدمناها لندافع عن أنفسنا وجدناها لا تعمل ، كانت فاسدة ، حتي من أعتقدنا إنهم معنا وقعوا في فخهم أيضا و رضخوا لهم .
المجزرة الحقيقية عندما دخلت قوات الشمال البرية يتفحصون كل الموتي ، الحي يضعون رصاصة في راسه و الجثث توضع في حفرة و تحرق و تصبح رماد لا أثر لها ، أخفوا جريمتهم عن العالم و قتلوا 3 ملايين أنسان في خمسة أيام أسقطوا فيها خمسة عشر ألف قذيفة و ألفا صاروخ .
لحسن حظي لم يلمحوني و في الليل عندما كانوا يتوقفون عن جمع و حرق الجثث ، هربت من المكان الرعب يتملكني ، سرت مئات الكيلومترات و تناولت أوراق الشجر من الجوع، ساعدت القليل ممن نجو و استطاعوا الهروب ، و مات الكثير منهم جوعا ، كانت أكبر مجزرة في تاريخ البشرية و لكن لا يتجرأ أحد أن يتذكرها حتى لا تغضب عليه مونيبوليس .
عبرنا البحر المتوسط عبر سفينة بضائع أختبئنا بها لأيام ، نأكل أوراق الشجر الذي أحتفظنا به في جيوبنا و نشرب بولنا حتى لا نموت عطشا ن و عندما وصلنا للبر الثاني عاهدت نفسي عهدا إني سأعود يوما ما للأنتقام من جديد .
و ها هي اللحظة قد حانت بعد ست سنوات من الأنتظار سأعود إلى مونيبوليس لأنتقم لملايين الأرواح التي ماتت ظلما ، لأنها فقط أرادت أن تحيا بكرامة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنتظرت إيرين في غرفة التحقيق مكبلة على جانبها لوح من الزجاج يفصل بينها و بين من بالخارج ، هي لا تستطيع أن تري شيئا من الجانب الأخر و لكن هم يستطيعوا أن يروها .
تتخيل إيرين اللحظة التي تقابل فيها إبنها ، و تفكر كيف هو سيستقبلها ؟ ، هل سيعرفها و يحتضنها ؟ ، أم سيتجاهلها ؟ و كيف هي ستتصرف في كل موقف من المواقف ، أهو أجمل من الصورة ؟ ، الكثير من الأسئلة و الأحتمالات ، تحضر حفلة في رأسها لأستقباله و تفكر في كل الظروف ، تريد أن يفتح الباب و يقول لها " أمي " .
على الجانب الأخر من الزجاج أتت أمرأة في أوائل الثلاثينات مع عيون رمادية ثابتة و شعر أسود مربوط ، على وجهها صرامة ، ترتدي بذلة رسمية داكنة اللون، سترة سوداء ضيّقة عند الخصر، وقميصاً أبيض بسيطاً بلا زينة، مع حذاء جلدي لامع منخفض الكعب ، ساعدت أبن إيرين على الجلوس على كرسي يشاهد والدته من خلال الزجاج ، و تركته و ذهبت إليها تحمل ملفا جلديا .
فتحت الباب و نظرت إليها بسرعة و جلست أمامها بدون قول كلمة و لا تحية و فتحت الملف تقرأ ما فيه و إيرين تحدق فيها و تقول : ( أنت من أحضرت لي إبني ؟ )
لم تجبها المرأة و قلبت ورقة وراء الأخرى ، فقالت إيرين بحدة أكثر : ( أنتم هكذا تضيعون وقتكم ؟ و لن أتكلم من دونه )
تركت المرأة فحص الأوراق و قالت ببرودة أعصاب : ( أنتي لم تقولي شيئا حتى الآن .. أنا أستمع إليك )
سألت إيرين بغضب : ( أين أبني أولا ؟ )
ردت عليها : ( ليس لديك إبن حتى تخبرينا بما عندك )
ضحكت بأستهزاء و قالت : ( و لن أتكلم حتى تحضروه إلى هنا )
ألقت المحققة الملف و أستعدت للمغادرة و قالت : ( حسنا أنسة إيرين ، في هذه الحالة أودعك لأننا سنقتلك فأنت جاسوسة و أرهابية و نقتل أبنك أيضا المنتظر خلف هذا الزجاج كي تقابليه في الحياة الأخرى )
و هي تدير قفل الباب صرخت عليها إيرين : ( أنتظري ... سأتكلم بكل شئ لكن دعيني أتأكد إنه خلف ذلك الزجاج )
عادت المرأة إلى مكانها من جديد ببطء و مسكت جهاز تحكم عن بعد و ضغطت على أحد الأزرار و تمكنت إيرين من رؤية إبنها الصغير يجلس على الكرسي في هدوء في يده كرة متمسك بها بشدة بكفيه الصغيرتين ، فنزلت منها دمعتان بللت خديها و ألتفتت إلى المحققة و سألتها : ( ماذا سيحدث بعد أن أخبركم بما أعرف ؟ )
لم تتخيل إيرين أن إبنها سيكون بهذا الجمال أكثر من الصور التي أرسلت لها فكرت لو تستطيع أن تعبر الجدار و تصل إليه كم أشتاقت لتلك اللحظة و قالت المحققة : ( تأخذين إبنك و تغادرين ، و كأننا لم نتقابل قبلها .. ببساطة )
سألت إيرين و هي تمسح دموعها : ( و ماذا يضمن لي ذلك ؟ )
أخرجت المحققة من جيبها جوازيين سفر و قالت : ( هذان جوازان سفر جديدان لكما مع هويات جديدة و تذاكر طيران ، و مسكن أمن في بلدك أمريكا ، الحياة التي وعدناك بها من قبل )
مسكت إيرين الجوازات تتفحصها بعناية و تسأل : ( و لماذا تفعلون معي ذلك الآن ؟ )
أجابتها بهدوء : ( لأنك عدتي إلينا و أثبتي حسن نواياك لنا ، كما إنني مختلفة عن السابقين تماما )
لم تتوقف أسئلة إيرين لكي يطمئن قلبها إنهم لن يخدوعها مرة أخرى : ( و من أنتي ؟ و ما المختلف فيك عن الباقين؟)
وضعت المحققة يديها المشبوكتين على الطاولة و قالت : ( أنا أسمي لوجين ، أنا قائدة كل هذا الجيش هنا و يمكنك أن تعتبريني حاكمة البلد مؤقتا أيضا حتى يعم فيها الآمان ، كما إنني من أمريكا مثلك و هذا يجعلني أشعر بما تشعرين به في داخلك )
قال إيرين بعد ما سمعته : ( هل يمكنك فك الاصفاد المؤلمة حتى أستطيع أن أحكي القصة ؟ )
اشارت لوجين للحارس بفك الأصفاد ، و فركت إيرين معصمها من الألم و لوجين تقول لها : ( الآن تكلمي )
نظرت إيرين أولا إلى إبنها تتأمله و ألتفت إلى لوجين و قالت : ( المنشقون ... المنشقون سيهجمون عليكم غدا ، لديهم قاعدة عسكرية ضخمة و أسلحة لا حصر لها )
أنصدمت لوجين مما تسمع و أخرجت قلما من جيبها و ورقة بيضاء و قالت : ( أي أسلحة بالضبط يملكوها ؟ و أين تلك القاعدة ؟ و متى سيهجمون ؟ )
أجابت إيرين دون الشعور بذرة ندم واحدة : ( كل أنواع الأسلحة التي تتخيلوها دبابات و طائرات و غيرها ، هم جيش كامل مثلكم و أقوياء جدا ، و عن مكانهم .. لا أعرف بالضبط لكنهم في مكان ما مخفي جيدا في مونيبوليس ، و الموعد غدا مساءا في السادسة مساء )
توقف لوجين عن الكتابة و سألت : ( السادسة ! هل هناك أحد يريد أن يشن هجوما ، يفعلها في الليل ؟ )
هزن إيرين راسها و قالت : ( لا أعرف حقا ، هذا ما سمعته منهم و من بسيل و البقية هم أيضا هناك )
أمطرتها بالمزيد من الأسئلة : ( و كيف لا تعرفين مكانهم و أنتي قد خرجت من معسكرهم و جئت إلى هنا ؟ )
أجابت إيرين بثبات : ( لأنهم في الصحراء و لا أملك خريطة لتحديد ذلك ، كنت اسير طويلا حتى نفذت مني المياه و بعدها وجدت سيارات بضائع ركبت معها و أتيت لكم )
كانت لوجين تكتب كل كلمة و حرف من وراء إيرين و تسألها مجددا : ( ماذا كان عددهم بالضبط هناك ؟ و من القائد بالتحديد ؟ )
فكرت قليلا إيرين و قالت : ( إنهم بالآلاف ، جيش .. جيش ضخم مثلكم ، و ليس هناك قائد معين و لكن هناك شخص جديد يسمى ريان هو من قاد عملية الهروب و من يدير المكان هناك )
( ريان ! ) قالتها لوجين و الحيرة و القلق ظاهرين عليها حتى سالتها إيرين هذه المرة : ( أتعرفينه ؟ )
أجابت بإختصار : ( نعم نعرفه جيدا ... و لن اقول المزيد عنه فهو سري )
قالت إيرين : ( لا أهتم ، هذا كل ما أعرف ، الآن أعطوني إبني )
وقفت لوجين و أخرجت هاتفها و ضغطت على رقم 5 و قالت : ( هل سمعت كل شئ يا سيدي ؟ )
تلقت لوجين رسالة على هاتفها و أعطتها إلى أيرين و سألتها : ( هل هذا هو ريان ؟ )
نظرت جيدا إيرين و رأته هو بنفسه بزيه الأسود العسكري يسير في منطقة قاحلة و خلفه عدد من الجنود : ( نعم نعم بالتأكيد هو ، كيف حصلتم على الصورة ؟ )
أجابتها لوجين : ( عبر الأقمار الصناعية ، شكرا لك كثيرا على معلوماتك )
قالت لها إيرين و الخوف و القلق يملأ قلبها : ( الآن أريد إبني ، أعطيتكم كل ما تريدون )
أغلقت الملف و تركت كرسيها و قبل أن تغادر قالت : ( بالطبع ستحصلي على أبنك ، لكن ليس الآن ، تخيلي إنك وقعت عقد عمل معنا و مكافأتك هي إبنك )
أغلقت قبضتها و أحمر وجهها و قامت من مكانها و قالت : ( ماذا تقصدين ؟ لقد جئتكم بقدمي و أخبرتكم بكل شئ أعرفه ، أقسم لكم إنها الحقيقة )
أقتربت لوجين منها و تكلمت بهدوء غريب و خبيث : ( أهدئي من فضلك ، لم يقل أحد إنك لن تحصلي على إبنك ، فقط سنتركه كأداة ضغط عليك لتكوني عميلة مزدوجة لديهم عندما يبدأ هجومهم ، طالما هو معنا أنتي دمية في يدنا و ستفعلين ما نطلب ، إما سنقتله و نقتلك و تلتقوا معا في الجنة )
أجبرت وقاحة لوجين أن تجعل إيرين تبصق عليها ، و تمسكها من رقبتها لتخنقها و تصرخ : (أيتها الحقيرة المتعجرفة! يا عديمة الشرف والكرامة، سألقّنك درساً يجعلك تندمين على كل كلمة تفوّهتِ بها )
أبعدها الحارس بالقوة عنها ، و لوجين تمسك عنقها من الآلم تنظر إليها في غضب و خرجت هروبا من المكان و أغلقت الباب بعنف شديد ، و أيرين تتجه الباب تطرق عليه بقوة و تقول : ( سأدعسك كما تُدعس الحشرات يا عاهرة )
و تتجه إلى الزجاج ناحية إبنها الذي تأخذه لوجين من يده و يغادرون و تقول صارخة و تبكي بحرقة شديدة : ( أعيدوا لي إبني .. أعيدوه إلي .. سأمزقكم جميعا .. كاذبون حقيرون ... إيفياااااااان )
سقطت إيرين مغشيا عليها من الصدمة الشديدة فقد خانت أصدقائها مجددا ، وشت بهم و هي في كامل وعيها ، فعلت بهم ذلك رغم ما كانوا سيفعلوه من أجلها و غفرانهم لها علي خيانتها الأولى .
حملها الجنود و ورموها في أحد العنابر و أغلقوا الباب الحديدي عليها و تركوها فاقدة الوعي وسط الظلام .
.................................................................................................................
في صباح يوم الهجوم ، دوت صافرات التجمع وسط معسكر المنشقين في الخامسة فجرا ، استيقظ الجنود و الضباط و اصطفوا وسط القاعدة ، و خرج ريان و لورين وبسيل و الأخرين من خيمة الأجتماعات ، و الجميع متراصون بزيهم العسكري و الشمس لم ترسل أشعتها بعد للأرض ، صوت الأنفاس فقط يُسمع وسط الصمت الصارم و المنضبط .
مر القادة على الصفوف و قالت لورين بحزم و قوة : ( نعلم إننا أيقظناكم في وقت غير وقت الأستيقاظ و لا الهجوم ، لأننا أخبرناكم أن موعد الهجوم ليلا في السادسة بعد أثنى عشر ساعة ، و لكن و لأن الحرب خدعة غيرنا موعد الهجوم سيكون في الثانية ظهرا ، اليوم هو يومكم… اليوم تُختبر شجاعتكم وولاؤكم ، نحن لا نحارب من أجل أشخاص و لا سياسات ، نحن نحارب من أجل ضمائرنا ، من أجل دماء من ماتوا ظلما و أرادوا فقط أن يحيوا فوق أرض أجدادهم في سلام ، من أجل من زهقت أرواحهم من حفنة من الدقيق لأولاده ، من أجل الأطفال الذين سالت دماؤهم و جفت دموع أمهاتهم حزنا عليهم ، من أجل كل أخ جمع رفات أخيه في كيس بلاستيك لأن أشلائه قد تفرقت في كل مكان ، من أجل من طردوا و هٌجروا من أرضهم زورا و بهتانا ، لن أحصر كل شئ نحارب من أجله و لكن سأختصرها في جملة واحدة من أجل إنسانيتنا ، من أجل أن نشعر إننا بشر و لسنا حيوانات في غابة ، لتكن خطواتكم على أرض المعركة كالرعد، ورصاصكم كالصواعق، وصيحاتكم كالصقور في السماء. تذكّروا أن العدو أمامكم ليس أقوى من إيمانكم، ولا أصلب من عزيمتكم )
ازدادت حماسة الجنود و أصبحت معنوياتهم تلامس السماء بعد كلمة لورين الحماسية ن التي خرجت من قلبها و تذكرت بها معاناتها القديمة خلال حرب الأنفصال في مونيبوليس ثم تقدم بسيل بخطوات معدودة على وجهه الجدية و الصرامة و القوة و قال مخاطبا الجنود : (اليوم، لن نقاتل بأجسادنا فقط، بل بقلوبنا وعقولنا وإرادتنا ، قد يسقط بعضنا اليوم، لكن كل قطرة دم ستنبت شجرة حرية للأجيال القادمة .. قد يقولون عنا منشقين و خائنين ، فاليوم لا عودة للوراء و لا مكان للضعفاء ، سنعود إليهم لننتقم لأنفسنا و العالم ، سنثبت إليهم إننا اقوى ، و نجعلها معركة لا تنسى ، قد اليوم هو أخر ايامنا عل هذه الأرض و لكن موتنا لن يكون هزيمة ، بل بداية نصر يولد من دمائنا ، فلتتقدّموا بصدور ثابتة، ولتجعلوا كل رصاصة تذكّر العدو بأننا لن نُهزم )
دوت هتافات النصر في المعسكر و أرتجفت الخيام الجامدة من قوة الأصوات ن و نادى فيهم ريان : ( فلينطلق الجميع الآن ، و جهزوا الطائرات للضربة الأولى )
أنطلق الجميع منتشرين في كل الأتجاهات مع بداية شروق الشمس و نشر اشعتها في المعسكر ، و تحول المكان إلى خلية نحل ، يسابقون الزمن لأنهاء كل ما يلزم للهجوم ، و الطيارون يتلقون تعليماتهم بدقة و المواقع التي سيقصفوها ، و القادة يوزعون الأوامر التي أتفقوا عليها على الجنود و الضباط ، يشرحون كل كبيرة و صغيرة ، كل طلقة أين ستضرب ، كل قذيفة اين ستضرب ، لا يتركون شيئا للصدفة هذه المرة .
و بما أن لينور هو الأكثر خبرة في الأسلحة ، وقف ايضا يوجه بعض التعليمات الفنية و التكتيكية للطيارين و الجنود ، و آسر يتفحص أجهزة الأرسال و الاتصال ، و تارا و جوزفينا بتعاونون على تنظيم الذخيرة و الأسلحة ، كل يعرف مهمته جيدا ليتحقق هدفهم المنشود في النهاية .
و بسيل يقف مع لورين يشاهد في صمت حتى حدثته لورين و تقترب من تفكيره أكثر و قالت : ( ماذا يشغل تفكيرك الآن يا بسيل ؟ )
أنتبه لها بسيل و رد بهدوء : ( لا شئ .. فقط افكر في المعركة القادمة و خاصة عندما يحين دورنا )
ابتسمت لورين و قالت : ( قد لا أعرفك كثيرا يا بسيل و لكني كنت أراقبك منذ أتيت هنا و رايت علاقتك مع كل شخص في فريقك ، و أعذرني على صراحتي أنت تفكر في إيرين الآن )
أصيب بسيل بالذهول و كأنها تقرا الأفكار و حاول أن يظهر عدم الأهتمام لكي لا تغوص معه في الموضوع أكثر و قال : ( بالطبع لا .. أنا أفكر في المعركة فقط .. هي ذهبت و أنتهى الأمر )
لم تصدق لورين أي كلمة منه و كانت بارعة في قراءة الأشخاص و قالت : ( إيرين تركت المكان و هناك هدف يحركها ، و صدقني لقد اتخذت قرارا صحيحا مهما كان الطريق الذي أتخذته )
نظر بسيل إليها بضيق و قال : ( لماذا تخبريني بذلك ؟ أنا لا يهمني )
تركها بسيل و ذهب إلى ريان و عدد من الضباط يتحدثون ، و لورين لا تزيح نظرها من عليه تعرف أن بسيل يخبئ داخله أكثر مما يظهر ، و أن ما مر به قد غيره كثيرا و قد يأتي يوم و يتعرض بسيل في الوقوع بين أختيارين أحدهما أصعب من الأخر فلا يعرف ماذا يختار .
مع مرور الوقت أصبحت الساعة الواحدة و نصف بعد الظهر ، أصطف الجميع على الجانبين و صنعوا بينهم ممرا و الطيارون الذين سيقومون بالضربة الأولى يمرون بينهم و الأخرين يؤدون لهم التحية العسكرية و أيضا القادة الثمانية ، صعدوا السلم و لبسوا خوذهم و جهزوا أنفسهم جيدا و ركبوا طائراتهم و تلقوا إذنا بالمضي قدما ، و سارت الطائرات على المدرج و أزيزها هذه المرة يشعل القلوب حماسة يجعل الجميع يتشوق للدخول للمعركة فكل شخص منهم يحملا عبئا ثقيلا و ثأرا عميقا يريد أن يأخذه و يريح به قلبه و روحه .
أرتفعت الطائرات في السماء و أختفت بين السحاب و بدأت الأشارات و الأتصالات التبادلية بين الطيارون و القيادة في المعسكر و يقودهم آسر ، الخبير و قائد سلاح الأشارة ، ينقلون الأوامر أول بأول لريان و بسيل و الأخرين .
كان صباح مونيبوليس هادئا عاديا و مطمئنا ، الناس تذهب إلى أعمالها و الجميع يقضي مصالحه بشكل طبيعي مثل كل يوم ، و القيادات الموجودة من كل دول العالم مطمئنة تعرف أن الهجوم سيتم في وقت متأخر و أن التجهيزات لصده ستكون قد أنتهت منذ فترة ، لا شئ يقلق .
و لكنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة ، مرت الطائرات من سماء مونيبوليس كسرت حاجز الصمت في السماء و أرتفعت كل الرؤوس للأعلي تريد أن تعرف ماذا يجري هناك ، ظنوا إنها طائرات تدريب للجيوش الموجودة على أرضهم و لكنها شيئا أخر .
أقتربت الطائرات من أهدافها و أطلقت أول قذائفها تصيب الهدف مثل الصقر الذي ينقض على فريسته ، و في لحظة خاطفة دوت صافرات الأنذار متأخرة ، و قد أنطلقت الصواريخ على مراكز المدينة الحيوية ، مبنى الشرطة و محطتا الكهرباء و المياه الرئيسيتين ، مبنى التلفزيون و مقر الحكومة ، صوبات القمح و أنابيب ضخ الغاز و الوقود .
توالت الأنفجارات الواحدة تلو الأخرى ، كل واحدة كانت أعنف من سابقتها ، لتجعل الأرض تهتز تحت أقدام الناس الذين هبو بالفر و الجري ، أمتلأت الشوارع بالصراخ و الفزع و هم يرون ألسنة اللهب ترتفع و قد تلامس السماء ، أنقطع بث الشاشات في الشوارع و الكهرباء ، و الناس تهرب بكل قوة تاركين سياراتهم مصطفة على الطرقات ، موجات بشرية مندفعة ، الجميع يجري في كل أتجاه .
منهم من تعثر وسقط ، و أخرين يحملون أطفالهم أو والديهم الكبار في السن على أكتافهم ، يعرفون أن لا مكان أمن الآن في المدينة ، من كانوا يكلموهم بالحسنى و الرفق و لم تكن في نيتهم أذيتهم ، الآن يهجمون بكل ما أوتوا من قوة أنتقاما من كل فعل حدث فيهم و رغم ذلك تم الألتزام بعدم الهجوم على المدينين .
القصف لا يتوقف و قد تم ضرب المطارات و الطائرات حتى المدنية منها ، و السكك الحديدية و الكباري ، ترتفع النيران من كل جانب و مكان ، المدينة تشتعل مثلما اشتعلت روما في زمن نيرون .
لم تكن المدينة جاهزة بعد لصد الهجوم الجوي الأول حيث أن اسلحة الدفاع الجوي لم تصل كافية و لم تسقط ما معهم أي طائرة واحدة من طائرات المنشقين ، و لا الجنود على الأرض أفادوا أحدا ، فقط ساعدوا الناس على الوصول إلى أماكن أمنة ، سادت الفوضى في كل مكان و دخلت مونيبوليس رسميا الحرب العالمية الثالثة .
أرتفعت حرارة المدينة من كثرة النيران و الأنفجارات ، و السماء غطت بالدخان ، و الناس لا تتوقف اقدامها عن الركض يبحثون عن طريق النجاة و هم يروا ما حولهم في ذهول كبير ، الرعب اصبح محسوسا و مرئيا و مسموعا ، و الهروب ليس ملجأ بل عذابا لا يقل عن البقاء .
ذاقت مونيبوليس لأول مرة ما ذاقته الأمم الأخرى خلال سنوات الحرب الأليمة ، ذاقت فقط ذرة منه ، عاشت منه ثلاثين دقيقة من القصف المتواصل و لكن بعد أنتهاء الموجة الأولى ، لم تسكت صافرات الأنذار و كأن موجة ثانية قادمة بنفس السرعة ، و أعتقدوا أن دورهم قد حان ، قضوا على القيادة و حان وقت الشعب حيث يعلمون ماذا فعلوا جيدا في بسيل و من معه .
و على القرب من مداخل المدينة قد أقتربت جيوش المنشقين من أبوابها بكل عتادهم ، دبابات و مدافع و مدرعات و قوة خمسة و خمسون ألف جندي مستعدين لغزو المدينة في لحظة لن ينساها التاريخ أبدا .
جاءت سيارة عسكرية يركب فيها بسيل و لورين و ريان و تتبعهم سيارات أخرى تحمل الأخرين .. نظرت لورين إلى ساعتها و أمرت السائق بالتوقف و قالت : ( سنحتل المدينة بعد ساعة من الآن )
قال بسيل : ( و لماذا يجب أن ننتظر ساعة ؟ )
نظرت لورين إلى الأفق البعيد و قالت : ( حتى يتمكن رجلنا هناك من تعطيل فخاخهم و ندخل المدينة أمنين )
فهم بسيل مقصدها ، و قد أخبرتهم عن جواسيسها هناك ، و أنهم لو عبروا بوابة المدينة الآن سيتكبدون خسائر تؤدي لهزيمة ساحقة لهم ثم اشار بسيل من بعيد لآسر في السيارة الأخيرة و أخرج كمبيتوره اللوحي و أرسل من إشارة .
كانت الأشارة هو عبارة عن رسالة صوتية ستبث عبر مكبرات صوت على مداخل المدينة محمولة على الدبابات المحاصرة للمدينة على كل الجهات ، تحذر السكان من التواجد من المدينة و أن عليهم مغادرة المدينة و التوجه لأقرب مكان أمن .
ظلت الرسالة تردد نفسها طول فترة الأنتظار و بسيل و لورين خاصة يتوقون للعودة لمونيبوليس لتسوية حسابات قديمة هناك .
.............................................................................................................
في زنزانة تحت الأرض حيث وضعت إيرين سمعت أصوات عنيفة قادمة من الأعلي ، تتكرر بشكل مستمر ، سارت بين النافذة الصغيرة التى لا تكاد ترى شيئا منها و بين بابها الحديدي ، لا تسمع صوت بشريا في الخارج ، و دقائق و أنقطعت الكهرباء و غرقت في بحر من الظلمات لا ترى حتى فيه كف يدها .
شعرت إيرين بالخوف الشديد و بدأت سيقانها في الأرتجاف و يديها في التعرق ، و هي وحدها وسط العتمة طرقت مرات على الباب و نادت " هل هناك أحد ؟ " ، كررت ندائها و لا إجابة ، في هذه اللحظة شعرت إيرين إنها أنتهت وحدها هنا ، تنظر لكل الأتجاهات و لا ترى شيئا و كأنها دخلت حيز مجهول .
بدأت دموعها تنزل بصمت ككل مرة لا تصدر صوتا تريد أن تتظاهر بالتماسك و الصلابة لعلها تجد حلا ، و لكنها فقدت السيطرة و بقيت تطرق على الباب و تنادي و يرتفع صوتها تطلب المساعدة ، حتى احست بخطوات في الخارج و شعاع نور يتسرب من تحت الباب إليها ، ابتعد إلى الحائط مبتعدة عن الباب تراقب ما سيحدث لها .
صوت دوران قفل الباب بالمفتاح كان يزيد من قوة ضربات قلبها ، تفكر كيف تتصرف لو هو شخص يريد أذيتها ، حتى فتح الباب ببطء و ترأى إلى أذنها صوت أمرأة غير غريب عليها تقول : ( إيرين ؟ )
نظرت إيرين لها جيدا و المرأة توجه المصباح إلى عينيها و تقول : ( يجب أن تتحركي بسرعة الآن ، الوقت ينفذ يا إيرين )
وجهت ضوء المصباح إلى وجهها و شاهدت إيرين وجها رأته منذ فترة قصيرة ، كانت لوجين المحققة التى كانت معها من قبل ، اقتربت منها إيرين قليلا و لوجين تقول : ( يجب أن تعطلي الفخاخ يا إيرين ، إنهم على الأبواب )
لم ترفع إيرين عينيها من عليها لتتأكد مما تراه و سألتها : ( هل كانت أنتي دائما من أخبروني إني سأقابلها ؟! )
ربضت على كتفها و قالت : ( نعم هي أنا ، و ليس هنالك وقت لأشرح كيف و لماذا ، ابنك في نفس المكان الذي يكون فيه مهمتك ، خذيه و ساعديهم )
خرجت إيرين و اسرعت لأنها تملك أقل من ساعة الأن ، و توقف فجأة عندما طلبت منها لوجين أن تحمل رسالة لشخص ما و قالت : ( إيرين .. من فضلك وجهي التحية إلى أختي .. لورين .. قولي لها لقد قمت بواجبي )
أومأت إيرين راسها بالموافقة ، و رمقتها النظرة الأخيرة و أخذت تسرع لتنقذ إبنها و أصدقائها و روحها ، و تعوض الجميع و العالم عن أخطائها ، كأنها تركض ضد الزمن نفسه، تحمل في خطواتها ثقلاً من الندم وأملًا أخيرًا ، تريد أن تكون شعلة تضئ طريق الظلام الذي ساعدت في صنعه .
Mahmoud Ahmed