بعد عامين و نصف من الحرب :
أستقلت لورين القطار المتجه من إيطاليا حيث تعيش و مستقرة حياتها إلى مونيبوليس ، مستعيدة ذكريات ماضيها الأليم هناك و مصممة على الأنتقام ، و قد ذهبت مع وثائق مزورة و أسم مختلف لتتمكن من دخول المدينة التي طُردت منها سابقاً .
بينما تجلس وحيدة بجانب النافذة أقترب منها رجل يقف بثبات و اتزان ، تطفل عليها و هي غارقة في تخيلاتها و قال لها : ( هل تسمحي لي بالجلوس هنا ؟ )
كان معظم القطار خالٍ و بعض الأماكن لا تحتوي على ركاب ، ظنت أولاً أنه يريد مضايقتها ، و تحملت على نفسها و قبلت أن يجلس أمامها خجلاً من الرفض و عدم الدخول في نزاع لا تريده و هي تتخفى خلف هوية مزيفة .
نظرا معاً من نافذة القطار و هو يمر على بعض المناطق المدمرة من الحرب و خيام أُنشئت للاجئين و النازحين و الهاربين من ويلات الحرب و قال الرجل : ( أتعرفين لماذا تحدث حروب بذلك الشكل الهمجي اللعين ؟ )
لا تريد لورين ان تعطي الفرصة للرجل بإدخالها في حوار للتسلية خلال الطريق و لكنها أجابته فقط ذوقياً و قالت : ( للسيطرة بالتأكيد و فرض أراء سيئة على أخرين )
أشعل الرجل سيجارة متجاهلاً لورين و قال : ( لا ، هذه إجابة سطحية تماماً ، بل بسبب أنهيار القيم و لم يعد الأنسان قصة أو أسم أو وداع ، بل صار الموت يقاس بالأرقام لا بالآلم ، عبثية الموت الجماعي المقدسة ، بسبب وعود فارغة للناس بأوهام الأنتماء و القوة ، فألتفوا حول متطرفين يريدون صنع بحار من الدماء يسيروا عليها نحو أهدافهم )
تأثرت لورين بكلماته و قالت : ( و ما الذي يجعل الأنسان يتحول هكذا و لا يشعر بذنب موت الناس الجماعي ؟ )
رد الرجل : ( لأن بعض الأشخاص عجزوا أن يكونوا أنساناً و فشلوا في الأمر الصغير ففكروا أن يكونوا ألهة .. أذا ًماذا يحدث حين يحاول الإنسان أن يكون إلهاً دون أن يكون إنساناً؟ ، تصبح الحرب تجسيد لكلمة مأساة )
نظرت إليه بتعمق قليلاً و كأنها تنظر إلى داخله و قالت : ( لا أشعر أنك جئت لتجلس معي مصادفة )
أطفأ سيجارته و قال : ( أنتِ محقة ، أنا هنا قاصداً ، لأعطيك عرضاً بدلاً من الدخول للهاوية بهويتك المزورة التي تحملينها الأن )
صُعقت لورين من أنه كشف حقيقتها و تراجعت للخلف خائفة و قالت : ( من أنت ؟ ماذا تريد مني ؟ شرطة ؟ )
تحدث الرجل بنبرة هادئة و قال : ( أنا هنا لأساعدك لكي أضع من أذلوكي في الماضي بين يديك ، و تنتقمي منهم بالشكل المناسب الذي ترينه )
تحدثت بقلق و حذر و سألت : ( و من أنتم بالتحديد ؟ )
قال : ( نحن الجنود المنشقين من الحرب ، تركنا جيوشنا لتحقيق الهدف النبيل الذين يحاولون تدميره ، و أخترناك أنتِ بناءً على توصية من شخص قريب جداً لك من مونيبوليس بالتحديد )
سألت لورين مرة أخرى و قالت : ( و من أنت ؟ )
قال محافظاً على هدوءه : ( أنا أسمي ريان ، كنت ضابطاً و قائداً كبيراً في جيش ، هذا على الورق أما الحقيقة .... )
تغيرت ملامحه و توترت نبراته كالشخص الذي يستعيد ذكرى من أرشيف الماضي في عقله و قد أغلق عليها فترة طويلة و قال : ( .. الحقيقة أنني كُنت وسيلة و ألة لا تقل شيئاً عن البندقية التي كنت أحملها بشرف قبل أن أفقده )
سألت لورين ريان : ( و ماذا سنفعل الأن ؟ )
رد ريان عليها : ( سنذهب إلى مونيبوليس ، و لكن ليس لنفس المكان و الخطة اللذان كانا في رأسك ، بل نصبر و نراوغ و نضربهم حيث يُوجعهم )
أستمرت أسئلة لورين : ( و ما المطلوب مني معكم ؟ )
أجابها و هو يشد على يدها : ( أن تنضمي لنا ، و تخططي جيداً لأنتقامك عندما نضعك في مواجهة العالم )
حمل وجه لورين هالة من الحزن و الغضب المكبوت ، تغض بصرها قليلاً ثم ترفع رأسها في عزة كما لو أنها تواجه شبحاً لا يُرى و قالت : ( سأنتقم منهم جميعاً على ما فعلوه حتى لو أضررت أن أقلب الكون كله رأساً على عقب ، حتى لو كان فيها نهايتي و نهاية العالم كله )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلست إيرين فوق صخرة و الحزن و الأحباط يكسو وجهها ، و أصوات الألم و المعاناة لا تتوقف و صوت الأقدام يزداد جيئاً و ذهاباً ن كل أنسان يحاول أن ينجو بنفسه الأن بعد رأى ما لم يكن يتخيله و لا يتوقعه ، دب الرعب في قلوب الجميع بلا استثناء حتى إيرين و لينور ، فقد الجميع الأمل .
تحت أضواء المصابيح رأت إيرين ظلاً لرجل يقف أمامها رفعت رأسها و رأت بسيل فقامت و أحتضنته و قالت و هي تبكي بحرقة : ( كنا نظن أنك مت تحت القصف .. لقد أنتهى أمرنا يا بسيل .. لقد هُزمنا )
رد عليها بسيل متأثراً : ( لا .. لم نُهزم بعد طالما نحن ما زلنا على أقدامنا )
أتى لينور إلى إيرين و رأي بسيل و قال : ( بسيل .. أهذا أنت ؟ أما زلت حياً )
حياه بسيل بحرارة و ضمه إليه و قال : ( نعم يا صديقي .. أنا هنا .. و لن أعيش أو أموت إلا معكم )
سأله لينور : ( و أين البقية الذين ذهبوا خلفك لمساعدتك ؟ )
رد بسيل مطأطأ الرأس : ( لقد مات وسام و هو يحاول أن يحميني من ريان ثم أطلقت لورين الناس على ريان و سقط أيضاً )
سألت إيرين : ( و ماذا عن لورين ؟ )
رد بسيل : ( ستبقى في المفاعل النووى لتنفيذ الخطة التي جئت أحدثكم عنها )
أقترب لينور منهم و قال : ( عن أي خطة تتحدث ؟ لا سبيل للنجاة الأن )
قال بسيل : ( بل هناك سبيل واحد للنجاة من هنا ، و هو عبر نفق سري تحت أحد محطات مترو الأنفاق بالتحديد الخط الثاني النقطة بالتحديد الخط الثاني النقطة B3 ، سيهرب الناس منه ثم ستُفجر المدينة بمن عليها السادسة صباحاً عندما يدخل جنود الخارج بكامل قواتهم )
فكر لينور و قال : ( هذا جنون و مستحيل ، هل تعرف عدد الأشخاص المتبقين ؟ ، لا يغُرنك برك الدماء ، ما زال عددنا بالملايين ، تقريباً 2 مليون شخص و من نفق واحد تحتاج أن تنقل تقريباً سبعين شخصاً كل ثانية ، يمكنك أن تفعل ذلك لو كنت ساحراً )
علقت أيضاً إيرين : ( دعونا لا ننسى أننا لسنا في منطقة واحدة بل موزعين على كامل مساحة المدينة ، هنالك أشخاص على بعد ألاف الكيلومترات ، يحتاجون لساعات طويلة للوصول لهنا )
كان بسيل جاهزاً بالأجابة و قال : ( سننقل المصابين و العجائز و النساء أولاً و ما نستطيع من البقية ... )
مسكت إيرين بسيل من ذراعه و سألته : ( و ستترك البقية يلقون حتفهم ؟ )
رد بسيل : ( لن أُخفي على الناس شيئاً ، سأخبرهم بموقفنا و ما نملك في الوقت الحالي ، ليس أمامنا حلول أخرى ، لنُنقذ حتى روح واحدة بل من زهق كل الأرواح ، أنها ذرة الأمل التي كنا نتكلم عنها في الماضي )
تدخل لينور في الحوار و قال : ( بسيل محق ، سيسحقونا مع شروق الشمس ، على الأقل تلك الأرواح التي سننقذها ستشفع لنا و تحكي قصتنا )
سكتت إيرين و لم تتكلم و لكن بسيل سألها خارج الموضوع : ( أين آسر و جوزفينا ؟ لا أراهم معنا )
أعطت إيرين ظهرها لبسيل و لم تتمكن من أخباره بمصيرهم و نظر للينور الذي قال له بنبرة مكسرة : ( لقد مات آسر و جوزفينا خلال القصف .. أنا أسف جداً )
أنصدم بسيل من كلامه و أغمض عينه ليحبس دموعه التي تسللت من بين جفونه و لكنه تمالك نفسه و أختار مكاناً عالياً وقف عليه ليقول للناس كلمة ، أخذ نفساً عميقاً و قال بصوت عالِ حتى يسمعه الجميع : ( أيها الناس .. أيها الرجال .. أنا بسيل و أريد أن أقول لكم كلمة أخيرة ، سأكون صريحاً معكم تماماً ، الأمل في الأنتصار صغير ، و العدو سيهجم علينا بكل ما يملك من السماء و الأرض مع شروق الشمس ، لا أقول لكم ذلك لأُخفض من معنوياتكم ، بل لأخبركم أننا نملك حلاً و هو نفق سري في المدينة لم يكن أحد يعلم عنه شيئاً و لكنه لن يتسع للجميع ، سنُنقذ النساء و العجائز و المصابين أولاً و بعدهم أي شخص يريد تركنا ، لا أريد منكم الفزع و لا الفوضى .. نعم اليوم ليس يوم النصر و لكنه سيكون يوم الشرف ، ربما لا نخرج من هنا أحياء، لكننا سنخرج أحرارًا، مرفوعي الرأس ، العدو يملك العدد والسلاح، أمّا نحن فلدينا ما لا يُشترى الإيمان، والإخلاص ، من ينجو منكم، فليحمل حكايتنا معه، قولوا إننا قاتلنا حتى آخر رمق، لا طمعًا في الحياة بل من أجل كل روح عزيزة ماتت في هذه الحرب الملعونة ، لقد كنت صادقاً معكم ، و أنتم من تملكون قراركم في النهاية .. )
عم صمت مُطبق المكان حتى تقدم رجل قد أقترب من الستين من العمر من بسيل و قال له : ( اتظن يا فتى أننا جئنا و لا نعرف أنها حرب و قد نموت فيها و لكن هل في موتنا نجاة لأولادنا بعدنا ؟ )
رد بسيل بصوت مرتفع و قال : ( نعم في موتنا نجاة لكل الأجيال القادمة ، لأننا لن نموت وحدنا بل سيموتون جميعاً معنا عندما نجذبهم وسطنا و نفجر مفاعل كاشفيرنا النووي و نتخلص من الشر للأبد )
لم يكن بسيل و الأخرين متأكدين لو كانت فكرة التضحية ستنال الرضا الجميع و لكن على العكس تماماً أرتفعت الأيادي تحمل الأسلحة للأعلى تهتف بحماسة و قوة رغم معرفتهم أنهم سيموتوا و لكن بشرف و عزة و سيأخذون أعدائهم معهم و ينقذون العالم منهم ، أعاد ذلك الثقة لبسيل و أخبر الجميع بموقع النفق و بدأت التحركات و أعلم الكل أن السادسة ستكون ساعة السفر و الأنفجار العظيم .
بدأ الناس يحملون المصابين في السيارات و يأخذون الاسلحة من النساء لنقلهم لهناك أيضاً ، و تحول المكان إلى خلية نحل كبيرة ، لا يريد أحد أن ينام أو يرتاح ، يريدون تحقيق هدفهم و إنقاذ مستقبلهم من الدمار الشنيع الذي طالهم طوال أربع سنوات من العذاب و الألم و الحسرة على فقدان الأحباب .
أقترب بسيل من إيرين و قال لها : ( أنتِ أيضاً يجب أن تخرجي من المدينة و تنجين بحياتك يا عزيزتي )
نظرت إليه بعدم رضا و قالت : ( لن أتركك في هذه الحياة ابداً يا بسيل و لا في الحياة الأخرى ، روحي ستتبع روحك في اي مكان ... )
ثم قالت برقة : ( لأول مرة تناديني عزيزتي .. ) و أحمرت وجنتيها خجلاً
قال بسيل لها بلهفة : ( أريد أن أناديك بشئ أخر ... هو ... حبيبتي )
توترت إيرين و أرتبك كلامها و هي تقول : ( هذه كلمة كبيرة .. يجب أن اساعد الأخرين الوقت ضيق )
تركته و ذهبت بسرعة من أمامه بأستحياء بعد أن خطفت نظرة سريعة له و هي تسير لمساعدة البقية ، و بسيل قلبه يدق بقوة بسببين ، لأعترافه بحبه لإيرين و أستعداده للحظة الموت المرتقبة .
.....................................................................................
في مفاعل كاشفيرنا النووي جلست لورين تراقب عقرب الثواني و هو يسير و يعلن عن مرور كل قيقة من الزمن و تُخرج صورة قديمة من جيبها و تنظر فيها حيث والدها و والدتها و هي و لوجين و أخواتها الأربع الأُخريات ، و قد ماتوا جميعاً و لم يبق سوا هي و لوجين فقط .
وضعت الصورة أمامها خلف زر الأطلاق ، و نظرت لجثة ريان الملاقاة على الأرض و قالت لها : ( لقد أرتكبت خطأ كبيراً يا ريان لقد كنت دمية و بقيت دمية حتى بعد أنشقاقك عن الجيش و لا يمكنك أن تكون سوى دمية )
سمعت لورين صوت خطوات أقدام يأتي من الخارج فوقفت و حملت سلاحها ، و دخلت عليها أمرأة ترتدي قبعة سوداء تخفي بها وجهها و خلعتها لتجد أختها لوجين في مفاجأة صادمة و كبيرة لها لا تتوقعها ، فقد ظنت أنها أختفت للأبد و لن تعود لتقابلها من جديد ، و قالت لها لوجين : ( مرحباً يا أختي ... كم من السنين مرت لم نرى بعضنا فيها ؟ )
قالت لورين بحدة : ( ما الذي تفعلينه هنا يا لوجين ؟ و كيف دخلت المدينة و وصلت إلى هنا ؟ )
أجابتها و هي تقترب منها و تمر من جوار جثة وسام : ( أنسيتي إنني أعمل رسمياً مع الطرف الأخر و يمكنني الولوج إلى أي مكان أريده )
أنزلت لورين مسدسها إلى جانبها و قالت : ( و ماذا تريدين مني ؟ لقد أنتهى الأمر )
جلست لوجين على الكرسي الوحيد في المكان و قالت لأختها : ( أرى إنك قد وضعت صورة عائلتنا هنا )
لم تجيب لورين و استمعت فقط للوجين التي أكملت : ( أتتذكرين كيف ماتوا ؟ .. سأخبرك أنا بالقصة الجديدة التي أكتشفتها عن موتهم ، عندما ضربت أنتِ النار عليهم و قلت أن الجنود من قتلوهم ، عندما سممت والدك و قلت أنه مات بسبب مسيرة الموت و الطريق الطويل و الطقس و صدقناك للأسف في كل هذا .. )
رفعت لورين مسدسها في وجه أختها وصرخت بغضب : ( كذب .. أنتِ تكذبين )
ردت لوجين بغضب عليها : ( لست أكذب ، أنتِ تدعي القوة كجزء من شخصيتك الخائنة النرجسية ، لطالما كنتي فتاة سيئة الطباع و مغرورة ، خفت من التهجير فخُنت أهلك ثم وطنك ، ظننتك تغيرتي لهذا أخبرتريان عنك ليضمك لنا و نأخذ معاً بثارنا و لكنكِ بقيتي نفس الثعبان اللعين )
صرخت بمزيد من الغضب و قالت : ( توقفي .. اصمتي .. أصمتي )
أكملت لوجين : ( لا لن أصمت .. قتلتي أهلك بدم بارد كجزء من أختبار الولاء للمستعمرين ، و لم تتألمي طالما أنتِ منتفعة ، و بعدها تعودتي الخيانة ، تحولتي للأنتماء مما فيه مصلحتك بدل من الدفاع عن القضية ، فرغت روحك و فقدت معنى كل شئ و لم تعودي تشعري بأي تأنيب ضمير ... )
نظرت لوجين إلى جثة ريان و قالت : ( لقد كان ريان دمية حقاً يمكن برمجتها ، و الدليل أنكِ خدعتُه و عطلتِ المنشقين عن دورهم ، و كنت سبب هزيمة بسيل و من معه أكثر من مرة ، بنقلك أخبارهم للقيادات في الخارج .. )
ظلت لورين تهددها بمسدسها و سألتها : ( ما أدراك بكل هذا الآن ؟ )
أجابتها لوجين غير خائفة منها : ( كان آسر عندما ساعدته لأختراق ملفات سرية محفوظة على أجهزة مونيبوليس ، و لكنه الآن ميت بعد القصف العنيف هذا اليوم )
ضحكت لورين بتكبر و قالت : ( كل هذا غير مهم ، لأن أنتِ و هم و كل غبي أتى للقتال هنا سيتم القضاء عليه عندما يأتون لأخذي ، ثم يضربون المفاعل و يحرقون المدينة بهم و يتخلصون من هذه النفاية و نبني عالماً جديداً حديثة على يد المنتصرين و أنا منهم . )
عقدت لوجين حاجبيها و قالت : ( لقد رميت بسيل و الأخرين في التهلكة و أنتِ تعرفين أن هناك طريق أخر للنجاة و أن الجنود قد أنسحبوا من بعد القصف و لم يعودوا موجودين في المدينة و سيموتون وحدهم )
ظلت ضحكتها الممتلئة بالغرور و قالت : ( ألست مخططة بارعة ، سيكرموني كبطلة عندما ينتهي كل هذا )
أرتسمت ملامح غضب و أستحقار على وجه لوجين و قالت : ( و لكن أنا هنا لأمنعك من كل هذا )
أندفعت لوجين نحو أُختها و أبعدت يدها التي تحمل المسدس فأنطلقت الرصاصة بعيده عنها ثم لكمت لورين بقوة على وجهها فسقط سلاحها ، و هجمت لوجين عليها بقوة و مسكتها من رقبتها تخنقها و تقول : ( سأقتلك من أجل روح كل شخص مات بسببك ، من أجل أبي و أخواتي الصغار الذين لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا يعيشوا مع شيطانة ملعونة )
.......................................................................................
الرابعة فجراً - مونيبوليس
بقيت عمليات الأنقاذ مستمرة للمصابين و النساء كما أمر بسيل عبر النفق السري تحت محطة مترو الأنفاق ، و البقية من طلبوا البقاء حتى الموت و النفس الأخير تولوا مسؤولية عمل متاريس و حواجز بما هو متاح لديهم لصد ما يمكنهم من قوات العدو و لا يعطوهم الفرصة لقتلهم بسهولة بل بعد أن يذوقوا الويل أولاً .
بعد مرور ست ساعات بلا راحة يتابع فيها بسيل و إيرين كل شئ و يساعدون كل واحد بما يقدرون ، ذهب بسيل ليسأل لينور عن أحوال الناس الذين أخذوا طريق النفق و قال : ( كم وصل عدد الناس الذين خرجوا من النفق ؟ )
رد لينور بخيبة : ( لم نتجاوز ثمانمائة ألف حتى الأن ، الأمر صعب ، و النفق ضيق و لا يستوعب أعداد كبيرة )
شعر بسيل بالحزن و غصة في قلبه أخفاها عن لينور و قال له : ( ما زلنا نملك ساعتين ، لننقذ ما يمكننا من الأرواح ، كل روح تساوي الكثير )
تلقى لينور التعليمات من بسيل و وعده ببذل ما يمكن من جهد لتكن الأرواح المُنقذة أكثر ، و بالرغم من الأرهاق كان الجميع يحاول أن يبذل ما في وسعه و يؤدي المطلوب منه على أكمل وجه لأن الراحة لا أهمية لها الأن و الموت سيُقابل كل واحد منهم و لكنهم سيقابلوه بصدور رحبة و بشرف و كرامة يتحاكى عنها التاريخ إلى نهاية العالم .
كانت إيرين تحمل المصابين إلى السيارات لنقلهم للنفق ، و تحمل أيضاً الجثث حيث حفروا لها في الأرض ليدفنوها مجتمعة و طلب منها بسيل طلباً قبل أن تعود لمساعدتهم : ( أريد أن أرى آسر و جوزفينا قبل دفنهم )
أخبرته بمكانهم بالضبط وسط الجثث المرصوصة ، و مر بسيل بين عدد كبير من الأجساد على الأرض تفوح من بينهم رائحة الدم و الموت و وصل إلى جوزفينا ، نظر بسيل لها مطولاً بحزن مكتوم داخله و أعطاها تحية عسكرية تقديراً لشجاعتها و أنقاذها له من قبل فهو مدين لها و لا شئ يستطيع أن يفعله يمكنه أن يرد لها هذا الدين و تحدث إليها : ( عندما ترين وسام أخبريه ... أنه كان أفضل أخ في الدنيا ... و أنتظروني ، سنجتمع قريباً يا زملائي )
بينما جثة آسر موضوعة بجوار جوزفينا ، وقف بسيل أمامها و بكى كثيراً ، أمامه لم يتمكن من الثبات و كبح حزنه أكثر من هذا و سقط على ركبتيه و الدموع تنهمر و هو يضع يده على صدره و يقول : ( سامحنى يا أخي .. لقد خذلتك .. لن يضيع حقك هباءً .. أنا في الطريق إليك )
لمح بسيل صور و أوراق يخرج جزء منها من جيب آسر ، فمسح دموعه و أخرجها و رأى صورة له و هو بين طلاب و زملاء له في مدرسته القديمة و الكل سعيد و مبتسم ، كانت صورة تُدخل البهجة و الطمأنينة على النفس .
الصورة الأخرى كانت له مع فتاة جميلة و مكتوب خلفها " حبيبتي في هذه الحياة و ما بعدها " ، أعاد بسيل الصور إلى جيبه و فتح الورقة التي كانت معهم و بدأ يقرأ ما فيها : " إلى القائد بسيل .. لو أنت تقرأ هذه الرسالة الأن فهذا يعني إنني مُت ، ما في هذا الخطاب أردت أن أخبرك به شخصياً و لكني كنت خائفاً و متوتراً ، أتمنى أن تسامحني و أنت تقرأ السطور التالية .. لم أستطع أن أفعلها و تتلطخ يدي بالدماء ، لا أريد أن أكون سبباً في موت أحد مهما كان مظلوماً او مذنباً ، هذا ليس سهلاً بالنسبة لي ، سامحني عندما تعلم إنني لم أجعل مفاعل كاشفيرنا كالقنبلة قابل للأنفجار ، ضميري و كل حواسي منعوني من فعل ذلك ، ربما أخطأت و أتمنى أن تتفهمني و لا تكرهني داخلك و تظُنني تخليت عنكم ، و لكنني قد توصلت لحل أخر قد يُساعدكم على الأنتصار ، فبدلاً من تفجير المفاعل و المدينة و التضحية بكل شئ ، قد حولت المفاعل إلى ما يشبه قاذف نبضات كهرومغناطيسية سوف يُوقف كل جهاز و سلاح مهما كانت قوته و تتحول المعركة إلى معركة بدائية و تقترب كفتّي الميزان من المساواة و لو قليلاً ، للأسف لا أعرف إلى أي مدى قد تصل تلك النبضات و تأثيرها ، قد تتعدى حدود المدينة أو أبعد من ذلك ، إن لم نلتقِ بعد اليوم، فاعلم أنّني ما خنتك، فقط أردت أن أظل أنساناً وسط هذا الجحيم "
تجمد بسيل في مكانه و الرسالة بين يديه ، و أغمض عينيه قليلاً ، و رفع نظره للسماء ، يقرأ الرسالة مجدداً و كلماتها الخارجة من قلب رفض أن يصدأ من الدماء ثم ركض بسرعة إلى إيرين و لينور و قال لهم ببهجة غريبة في وقت و موقف غير مناسبين : ( لقد كنت أعرف أن العناية الآلهية ستكون معنا لأننا أصحاب حق من البداية ، كنت أعرف أن كل روح ماتت ظلماً تقف معنا حتى و لم نراها )
قال لينور مندهشاً من حالة بسيل : ( هل أصابك جنون أو صدمة ؟ ماذا جرى لك ؟! )
أعطي بسيل الرسالة للينور و إيرين و قال لهم : ( لقد ترك آسر هذه الرسالة .. لم يمت ، روحه تساعدنا حتى و هو ميت )
قرأوا الرسالة و اعترى وجوههم الذهول و قالت إيرين : ( ماذا يعني هذا الكلام ؟ )
رد لينور : ( يعني أن الطاولة قد أنقلبت عليهم ، و معجزة كبيرة حدثت الآن )
قال بسيل بثقة كبيرة : ( لقد جاء هؤلاء الناس ليقاتلوا باسلحة بدائية و يشاء القدر أن يجعلهم يستعملوها )
قال لينور و قد أزال ضمادة على رأسه : ( عندما يأتون يحملون أسلحتهم الثقيلة و يحاولون أطلاق النار منها علينا ، سيجدون خناجرنا و فؤوسنا قد نحرت أعناقهم )
وقف بسيل على نفس الصخرة التي كلم الناس منها منذ ست ساعات و قال عليها هذه المرة : ( أيها الناس .. أسمعوني .. لا موت ، نعم لن نموت اليوم ... بل سننتصر ، ننتصر من أجل أولادنا الأحياء و أحباءنا الأموات )
....................................................................................
الرابعة فجراً – مفاعل كاشفيرنا
أستيقظت لورين من أغماءها و رأسها ثقيل و الرؤية لديها مشوشة ، و آلام كدمات تؤلمها من أكثر من مكان في جسمها ، و وجدت نفسها مقيدة بأحكام في كرسي و أمامها أُختها لوجين تنظر إليها بأحتقار ، و سألتها لورين : ( لماذا لم تقتليني يا لوجين ؟ )
ردت لوجين بنبرة أشمئزاز لها : ( لو قتلتك ، سأتحول لحقيرة مثلك ، و لن أكون مثلك أبداً )
ضحكت لورين بأزدراء : ( و ماذا ستفعلين الأن بي و أنا مقيدة هكذا ؟ )
قالت لوجين : ( سأتركك كما أنتِ هكذا ، حتى يأتي أصدقائك الحلفاء الجدد او قوات الردع و لا يجدوكي ، فيفجرون المفاعل و أنتِ بداخله ، و تموتي على يد من خنتنا من أجلهم )
أختفت الضحكة من وجه لورين و قالت و الرعب يتملكها : ( لا يمكنك فعل ذلك .. فكي وثاقي أنا فقط من تعرف كيف توقف المفاعل عن الأنفجار ، سأكلمهم ألا يقصفونا )
أقتربت منها لوجين و قالت : ( أنتِ كاذبة لعينة .. و ستنالين ما تستحقينه ، أنتقاماً لعائلتي التي حرمتيني منهم )
لورين تشد يدها المربوطة و سيقانها و تحاول التحرر و لكن بلا فائدة لقد أحكمت لوجين ربطها جيداً ، و لورين تصرخ و تقول : ( أنتِ ترتكبين خطأً كبيراً ، و ماذا ستفعلين ؟ أستموتين أيضاً ؟ )
قالت لوجين بهدوء : ( لا لن أموت ، سأذهب لأنقاذ بسيل و زملائه و ما أستطيع من الأبرياء هناك )
قالت لورين بغضب : ( لن ينجو أحد اليوم .. لا مكان للهروب .. أنا فقط من أستطيع أن أنقذ الجميع )
مسكتها لوجين من شعرها بشدة و قالت : ( أتظنين نفسك إلاه ؟ ، تقررين من يموت و من يعيش و متي ، انتِ مجرد نكرة و حشرة سيفعصها الجميع قريباً و ستُمحى ذكراكِ للأبد )
بدأت لورين تبكي و تتوسل و تقول : ( من فضلك ، لا أريد أن أموت .. سأفعل أي شئ لك )
قالت لها لوجين دون أن تنظر لوجهها : ( لن تُفيدك دموعك المُخادعة ، و لكن أُريدك أن تقابلي أبي و أمي و أخواتنا في الحياة الأخرى و تخبريهم بما فعلت بك حتى تستريح ارواحهم ف سلام )
أخذت لوجين معطفها الأسود و قبل أن تغادر أقتربت مرة أخرى من لورين و صفعتها بقوة على خدها الأيمن و جعلت الدماء تنزل من لثتها ، و تركتها و غادرت الغرفة و ستُغادر المبني بأكمله ، و لورين تصرخ : ( لا تتركيني وحدي .. عودي إلى هنا .. تباً لك )
ظلت لورين تحاول التحرر و التحرك لتجد وسيلة لتفك الحبال حتى سقطت على الأرض بالكرسي و أصابت رأسها و دموع الآلم و الندم تنزل منها بعد فوات الآوان .
....................................................................................
05:50 صباحاً – مونيبوليس
وقف بسيل بين لينور و إيرين في الصفوف الأولى من الحشود التي تجمعت للمعركة الأخيرة الحاسمة ، الكل يفكر فيما قاله بسيل لهم ، لن يموت أحد و ستكون المعركة بدائية بالكامل ، مسكت إيرين بيد بسيل الباردة و شاهدوا جميعاً لحظات شروق الشمس على المدينة ، و القلوب تخفق بقوة ، و الأيادي تمسك بأسلحتها بشدة .
تمر على رأس بسيل كل لحظة حدثت له في حياته منذ صغره إلى وفاة أمه ، أقتحام مونيبوليس ، موت أحباء و أقرباء له كدارين و تارا و آسر و وسام و جوزفينا ، يشعر جسده بطاقة الأرواح المظلومة التي ذاقت الموت هباءً في حرب عشوائية ، و لكنه أخيراً يجد في قرارة نفسه إجابة على سؤال حيره كثيراً ، لماذا نحارب ؟
الحرب أحيانًا تصبح مخرجًا لشحنات نفسية لا تجد متنفسًا آخر، فتُسوَّق على أنها كبرياء أو مُهِبة، وتُلبَس بطانة معنوية لتبريرها ، و لكن كثيرًا ما يبدأ صراع بدوافع دفاعية أو شريفة ثم يتحول بفعل مشاعر الانتقام إلى حلقة عنف متصاعدة ، و السؤال الأهم مهما تعددت أسباب الحرب ، ما الذي سنصبح عليه بعد أنتهاء الحرب ؟
هل ستختفي قيمنا الأنسانية الأساسية ؟ ، و نتحمل أعباء أخلاقية داخلنا مهما كان من سينتصر و يقول عن نفسه بطلاً ، هل سيصيبنا الندم ؟ ، أنه أمتحان للضمائر و لا تُعرف النتيجة إلا بعد نهاية الأختبار .
تبقت دقيقة على السادسة صباحاً و لينور يهمس لبسيل : ( لقد حان الوقت الآن )
رفع الناس أسلحتهم و أخذوا وضع الأستعداد و تعالت أصوات الأنفس شهيقها و زفيرها ، لتدق الساعة السادسة بالضبط ، ساعة الحسم ، ساعة تحديد المصير .
رغم ملامح التعب على وجوه الجميع نتيجة تجهيز التحصينات و نقل الجرحى و محاولة أخراج أكبر عدد من الناس من المدينة بلا نوم ، ترقبوا بعيون متيقظة هجوم أعدائهم عليهم ، و مرت دقيقة .. دقيقتين ... ثلاث دقائق ، حتى خمس دقائق ، يّعم المكان الهدوء الغير طبيعي ، لا صوت طائرات و لا جنازير دبابات و مدرعات ، و لا وقع خطوات عسكرية ثقيلة على الأرض ، لا أحد يأتي ، لا يظهر أي شئ أمامهم .
نزلت الأيادي التي تحمل الأسلحة ، و نظر الناس بعضهم إلى بعض لا يفهمون ما يجري ، يتسألون بهمسات مسموعة ، أين جنود الخارج ؟ أين جحافل القوات و معداتهم ؟ أين ذهبت الجيوش ؟ هل أنشقت الأرض و ابتلعتهم ؟ أم قوي خارقة جاءت و قضت عليهم ؟
بسيل يقول إلى لينور و إيرين : ( هل يخدعونا ؟ لماذا لا يهجم أحد ؟ لماذا لا يصدر المفاعل النبضات التي تحدث عنها آسر في خطابه ؟ )
أنتشرت الحيرة على وجوه الجميع خاصة لينور و إيرين الذين لم يجدوا إجابة مناسبة يردوا بها على بسيل حتى توغلت بين الجموع أمرأة غريبة ، ظلت تسير حتى وصلت إلى بسيل و زملائه و قالت له بعد أن خلعت تلثمها : ( لن يأتي أحد يا بسيل )
قالت إيرين و هى تنظر بتمعن في المرأة : ( أنا أعرفك ، أنتِ لوجين ، المحققة التي كانت معي )
قالت لوجين : ( نعم أنا و أيضاً أخت لورين التي كانت تخونكم منذ اللحظة الأولى لتَعرفكم عليها ، و قد خططت مع قوات الخارج على الأنسحاب مقابل أن تُبقيكم هنا فينقذوها و يفجرون المفاعل فيدمر المدينة و من عليها و يتخلصون منكم ، و تنتهي الحرب لصالحهم )
قال لينور و هو لا يصدق ما يسمع : ( لورين خائنة ، لقد كانت أكثر المؤيدين لنا ، كيف يمكن ذلك ؟ )
ردت عليه لورين : ( لم تخونكم أنتم و حسب ، بل خانتنا أيضاً و قد ماتت أخوتي و والديّ بسببها ، و الآن ستموت معنا أنتقاماً على أفعالها )
تدخل بسيل و قاطع كلامها و هو يمسك خطاب آسر : ( لن يموت أحد ، لم يُحول آسر المفاعل إلى سلاح ، بل إلى مولد نبضات قادر على تعطيل أي تكنولوجيا ، كنا سنحارب كالقدماء )
قرأت لوجين الرسالة و قالت : ( قد تكون هذه النبضات مميتة ، لا نعرف تأثيرها )
سحب بسيل الرسالة منها و رماها على الأرض و قال : ( لا فائدة من كل هذا الآن ، نحن هنا وحدنا و فشلنا )
كانت العيون تائهة تبحث عن شئ لم يكن موجوداً ، الإنتصار الذي أرادوا أن يحققوه ذهب أدراج الرياح ، لا يعرفون ما مصيرهم الآن أو ماذا يفعلون ، كان الإحباط مثل غيمة ثقيلة تحوم فوق رؤوسهم ، تذكّرهم بما ضاع، و ما لن يعود.
و خلال هذا يسمعون صوت محركاً يأتي من السماء ، فترتفع الأعناق لأعلى يبحثون حولهم ليجدوا نقطة بعيدة تحلق فوق منطقة المفاعل ن تدور فوقه لدقائق قليلة ثم ترتفع لأعلى و تُطلق صاروخاً و تغادر مسرعاً يصيب المفاعل ليتحول لأعمدة من النيران و الدخان يخرج من بينها شئ ما يشبه البالونة الشفافة تتسع ببطء مريب ، و تتمدد حتى شاهدوها و هي تقترب منهم بفزع ، لتعم فوضى و هيجان و يهرب الناس إلى الخنادق و هم أمام عدو بلا صوت و لا شكل ، الكل يركض بلا أتجاه ، يدفعون بعضهم بعضاً ليجدوا مكان لهم يختبئون فيه و ينجون بروحهم ، و كأن نهاية العالم بدأت فعلاً و يوم الحساب قد أقترب .
كبرت الفقاعة أسرع و توسعها كاد يغطي المدينة و هي تتضخم أكثر و أكثر بلا توقف و لا أحد يتحكم بها ، و بسيل يركض ممسكاً بيد إيرين و خلفه لينور و أخرين .
دخلت الفقاعة الضخمة منتطقتهم و من لم يجد مكاناً في الخنادق المزدحمة أبتلعته الفقاعة أو دفعته كريح عاتية بعيداً ، و أصبحت خلف بسيل مباشرة الذي دفع إيرين بسرعة و ألقاها في أحد الخنادق و قبل أن ينزل أيضاً تلامس جسده مع جدار الفقاعة لتدفعه مسافة بعيدة و يسقط في أحد الخنادق بين أقدام الناس الذين لا يهمهم إلا أنفسهم في تلك اللحظة الغير عادية تحت صرخات إيرين التي أخفض الناس رأسها : ( بسيل .. بسييييييل ) في لحظة توقف فيها الزمن .
خاف الناس أن ترفع رؤوسها أو تنظر للخارج خوفاً من أن يُقتلع رأسها ، ثم ساد السكون و كأن العالم قد أنسحب منه الزمن ، كل شئ تحول صورة باهتة من نفسها ، كأنّ الفقاعة التي تكونت نتيجة النبضات الكهرومغناطيسية لم تدمّرها، بل مسحت جزءًا من روحها، وتركتها معلّقة بين الوجود والعدم .
................................................................................
بين هدوء غريب لا يشبه الهدوء المُعتاد ، مثل شخص عاد بالزمن مائة عام ، فتح بسيل عينيه ليُعلن عن نجاته مرة أخرى ، و لكن هذه المرة لا تُشبه أي مرة ، فتح عنيه على أشعة شمس تتسلل من بين الفراغات الضيقة لمنزل من القش ، و رائحة هواء نقي لم يتنفسه منذ فترة طويلة لتعوده على رائحة الغبار و النار و الدماء ، و الأهم على وجه إيرين و هي تبتسم و سعيدة و تنادي على لوجين و لينور .
دخل لينور مع لوجين و البهجة على ملامحهم بينما التعب يظهر على بسيل و مع ذلك تكلم بضعف و قال : ( أين أنا ؟ و ماذا جرى ؟ )
أقتربت لوجين منه و قالت : ( أنت في بلدك يا بسيل ، أنت في مصر ، و الحرب قد أنتهت ، و كنت في غيبوبة منذ ثلاث أسابيع )
سألها بسيل بصعوبة : ( كيف أنتهت ؟ )
ردت لوجين : ( لم تؤثر النبضة التي حدثت من مُفاعل كاشفيرنا على مونيبوليس و حسب بل على العالم كله ، توقف كل جهاز حديث و كل سلاح عن العمل ، فوجدها الناس فرصة للأنقضاض على فلول جنود الحلفاء الجدد و الردع و من هرب منهم و قضوا عليهم و أنتهت الحرب و وقع ميثاق " ما بعد النبضة " ليعم السلام و تنتهي الحرب رسمياً )
عندما سمع بسيل أن النبضة قد أثرت على العالم كله تذّكر تحذير آسر في رسالته ، و أراد أن ينهض ليعرف شكل العالم بعد هذه الكارثة و قالت له إيرين : ( لا تتحرك يا بسيل .. لم تُشفي بالكامل )
صمم بسيل على النهوض و الخروج و مشاهدة الوضع للحظات ، و أسنده لينور و خرجا ليجد بسيل الناس تمسك سيوفاً مثل الأزمنة القديمة و مجموعة تطهو طعامها بشكل بدائي على نار مشتعلة ببعض الخشب ، و أعمدة الكهرباء محترقة و سلوكها تتدلى بلا طاقة فيها ، كأنه يعيش في كتاب تاريخ قديم .
قالت إيرين لبسيل المصدوم مما يراه : ( هناك شئ أخر يجب أن تعرفه يا بسيل ، رغم أنتصارنا و محاولة إعادة تصليح ما أفسدته النبضة ، إلا أن ثمناً باهظاً دفعناه )
نظر بسيل إليها يطالبها أن تخبره بالمزيد و قالت بعد تردد : ( لقد سببت النبضة مرض غريب يتحول إلى وباء و ينتشر كالنار في الهشيم في العالم و يحصد الأرواح ، أعراضه طفح جلدي أحمر ، و عطش لا يُروى ، و تزايد العدوانية و 99 في المائة من المصابين يموتون و الغريب أن أجسادهم لا تتحلل بسرعة بعد الموت )
أغمض بسيل عينيه من جديد، كمن يتمنى لو عاد إلى الغيبوبة ، شعر و كأن الكلمات قد سرقت روحه ، سقط من بينهم منهاراً على الأرض ، لم يفقد وعيه و لكن عيناه معلّقتان في الفراغ لا تريان شيئًا إلا الفراغ ذاته ، يوجد صراخ خفي داخله لا يسمعه أحد ، تسللت دمعةٌ واحدة على خده، دمعةٌ بلا بكاء، كأنها آخر ما تبقّى من إنسانيته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى اللقاء في الجزء الثاني
Mahmoud Ahmed