الفصل السابع

الفصل السابع

12 0

قبل يومين من السفر

وقفت إيرين على شرفة منزلها تنصت إلى الهدوء و تراقب المارة و الأطفال القليلين الذين يلعبون الكرة في الشارع ، ذهب إليها بسيل ليقف معها بعد أن احضر بعض الماء من الثلاجة : ( لماذا تقفين وحدك ؟ فيما تفكرين ؟ )

عادت إيرين من خيالها و اجابته : ( لا شئ أقف فقط أشاهد الناس و الشارع )

أراد أن يغذي فضوله بالكلام منفردا قليلا مع إيرين التي تجيب على أسئلة الجميع بأختصار شديد و تسمعهم أكثر : (انت لا تتكلمين كثيرا ، أمازال الشك يتنابك ؟ )

قالت : ( لقد زال الشك كله لا تقلق .. أصبحت أريد هذا أكثر من أي وقت مضى )

- ( لماذا ؟ )

أبتسمت برقة و قالت : ( أتريدني أن أقص حكايتي و آلامي و أبدو عاطفية ثم نبكي جميعا )

أبتسم هو أيضا و قال : ( و ما المانع ؟ لدينا ما يكفي من الوقت ، أسنظل نحمل حزننا داخلنا ؟! )

نظرت له بعيونها الزرقاء اللامعة مع ضوء النهار و قالت : ( قصتي كبيرة يا بسيل كالجبل )

- ( قصصنا جميعا كبيرة .. و العالم ممتلئ بالقصص أيضا التي قد تجعل من قصصنا لا شئ أمامها )

تحركت خصلات شعرها مع الهواء المار من الشرفة : ( اذا لنرجع إلى الوراء عامين ليلة عيد الميلاد الكريسماس ، كنت أجلس أنا و زوجي و أخي و أمي و أمه و أبيه على طاولة واحدة ، و بيتنا مزين بأشجار العيد و الثلج يتساقط فى الخارج ، الأضواء في كل مكان و صوت الأطفال يغني و يلعب و يصنعون كرات الثلج ، و على المائدة كل أصناف الطعام ، و الأهم ما كان في بطني أبني الذي كان يحتاج إلى شهر واحد ليأتي إلى الدنيا )

تفاجئ بسيل أن إيرين أمتلكت زوج و ذات حمل سابقا حيث لا يبدو عليها كل هذا رغم ذلك سألها : ( ماذا بعد ؟ )

أكملت و هي ترفع راسها و تنظر للسماء الزرقاء الصافية : ( كانوا يوهمونا أن بلدنا أمنا و صعب الهجوم عليها بشتى الطرق ، لكننا خدعنا في وقت الأجازات هجوم جديد غير متوقع عندما قررت دول الردع التخلص من نفاياتها من الصواريخ ، فضربونا من البحر بصواريخ قديمة متهالكة محملة بمواد شديدة الأنفجار و لأنها نفاية أطلقوها بعشوائية حتى أنها حولت السماء المظلمة لنهار ، و سقطت علينا لتجعلنا نشاهد الألعاب النارية على الأرض بدلا من مشاهدتها في السماء )

أسندت ظهرها على سور الشرفة و قالت : ( المحظوظون كانوا ندرة من الناس الناجين ، بينما أنا كنت سعيدة و سيئة الحظ معا ، بالطبع تدمر منزلي ، حماني زوجي عندما إنهار سقف منزلنا علينا و تلقى هو الضربة و مات ، ماتت أمي و أمه و أخي و أبيه و فقدت الوعي حتى وجدوني شبه ميتة ، أستيقظت في المشفى وسط جرحي كل دقيقة ينقلون واحد منهم لثلاجة الموتى ، و مع ألم يفوق أي ألم شعرت به أكتشفت أن بطني لم تعد منتفخة سألت الممرضات أين أبني ، هل نجى ؟ و هن لا يجيبات ، ليأتي طبيب و يخبرني " لقد أنجبت طفلك " أبتسمت ثم " لكنه كان ميتا بسبب الضربات القوية التي تلاقها رحمك " ثم بكيت بلا صوت ، الدموع أنهمرت و سكبت على فراشي بلا نحيب و لا صراخ فقط بصمت ، لأن الدموع جاءت من قلبي لا عيني )

لم تستطع إيرين القوية التحمل و أستسلمت للدموع الغزيرة و بسيل يحتضنها و يواسيها و هي تتمسك بذراعه بقوة تقول : ( لقد مات في بطني يا بسيل .. مات و لم أرى وجهه و لم ألمسه و لا حتى اواريه التراب .. لقد كنت أنا نعشه )

سقطت دموعها على يديه و يجد الحزن طريقه إليه و يزيد على ما في قلبه من خلال جلده ، يسري في عروقه بصمت موجع .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أرتسم على وجوههم الغضب جميعا و يشتعل في أعينهم برق يوعد بالأنفجار ، و بقيت فوهات الأسلحة موجه نحو الجبهات ثم يأمرهم الغريب : ( أخفضوا أسلحتكم قبل أن تجدوا رصاصة في رأس قائدكم )

حرك لينور سلاحه مهددا : ( الرصاصة التالية ستكون في رأسك أنت )

وقفوا قبالة بعضهم على مسافة مترا بينهم يضغط الرجل على الزناد أكثر و لينور يغمز للبقية كأشارة سرية ، و تنطلق أصوات الطلقات ، و في وقت واحد إيرين أطلقت النار على قلب المرأة الغريبة و لينور أطلق على كتف الرجل ليتغير ميل ذراعه الذي يحمل السلاح و قد سبقه و أطلق النار لكن الطلقة تغير اتجاهها و يسمع صوت غير غريب عليهم بتألم : ( آه )

تارا تتحرك بسرعة أمام بسيل في اللحظة التى دوى فيها صوت الرصاصة و تندفع بجسمها أمامه لتتلقى هي الطلقة و تسقط على الأرض على ركبتيها ، و أرتجف الهواء حولهم ، و دخل الجنود المكتب مسرعين يحملون أسلحتهم و يحيطون بالمكان ، و تارا على الأرض قد أخترقت الطلقة جسمها في موضع قرب قلبها ، و تسللت الدماء لتصبغ الأرض بصبغة حمراء .

أنبطح آسر و إيرين إليها ، أحدهم يضغط على الجرح محاولا أنقاذ النزيف ، أنزلقت دمعة على خدها لتمتزج بالدماء الذي يحيط بها ، تحاول تارا تحريك شفتيها تريد أن تنطق بكلمات ، و أيرين تبكي عليها بحرقة و تلمس شعرها و تسندها على صدرها ، و آسر تائه لا يعرف ما يفعله ، و بسيل يصرخ أن يحضر المسعفون لنقلها إلى المستشفى حالا لأنقاذها ، و لينور يأمر الجنود أن يحتجز الغريب و يخرجوا المرأة الميتة من هنا .

أبتسمت رغم الألم و حدقت في وجوههم و نطقت بكلام أقرب للهمس : ( أخبروا الناس في بلدي ماذا كنت أفعل هنا .. أخبروهم كم كانت تارا شجاعة )

بكى أسر على حالة تارا و هي تكرر : ( عدوني بذلك )

يمسك آسر يدها بيأس و يقول : ( لا تارا ... لا )

يزداد بكاء إيرين أكثر و أكثر و و تنظر لها و تمسح الدماء عن خديها و تقول : ( تارا .. صديقتي .. أنت من ستفعلين ذلك .. أنت من ستخبريهم القصة .. أتتذكرين ماذا قالت أختك لك سابقا ؟ )

ابتسمت تارا من جديد و قالت بصوت خفيف : ( نعم .. أتذكر )

قالت لها إيرين بتأثر : ( طلبت منك أن توعدها أن تعيشي عنهم )

حولت نظرها إلى بسيل : ( بسيل ..... )

لم تقل كلمة أكثر أو اقل و هو يقف مرتجفا في حيرة من أمره ، فى دوامة من المشاعر المتصارعة ، العجز ينهشه و هو يرى رفيقته تتلاشى امامه ، يريد الصراخ ، يريد البكاء ، يريد إيقاف الزمن لكنه يمتلك ثوان قليلة ليقرر مصير فريقه ، بينما يسمع صراخ لينور قائلا بخوف : ( بسيل أنظر ... يرسلون 5 طائرات لقصفنا .. ماذا نفعل ؟ )

وقتها قلب بسيل بدأ يطرق ضلوعه و كأنه يريد الفرار منها ، حلقه صار جافا ، أنفاسه متلاحقة ، قدميه مغروستان في الأرض بثقل المسؤولية والخوف ، الصور تتلاحق ، رفيقته تحتضر ، فريقه سيقصف ، عقله يشتعل بألف فكرة متضاربة في آن واحد. شعر ببرودة حادة في أطرافه، وحرارة مشتعلة في صدره، وبينهما ارتجاف لا يمكن السيطرة عليه، فيما ظل سؤال واحد يطعن روحه: كيف أنقذهم جميعا .. قبل أن يسقط كل شئ ؟

خرج مسرعا مع لينور إلى غرفة العمليات العسكرية أسفل القصر الرئاسي و تستعمل لحماية الرئيس عند نشوب هجوم أو قصف و ترك تارا بين يدي آسر و إيرين و خلال سيرهم مر بجوارهم جنديان يحملان سريرا متنقلا لحمل تارا و نقلها للمستشفى للعلاج و أنقاذ حياتها .

نزلا تحت الأرض لمسافة بعيدة عبر مصعد موجود في غرفة خاصة يعمل عبر بطاقة أخذوها من الرئيس و وصلا غرفة بها عدد كبير من الشاشات و أجهزة الأتصالات و شغل لينور أحد الشاشات بالضغط على بعض الازرار و تواصل مع غرفة عملياتهم العسكرية في شركة لينور .

سأل بسيل : ( متى تصل الطائرات ؟ )

أجاب أحد الجنود العاملين : ( خمسة عشر دقيقة سيدي )

سأل لينور : ( ما هي خطتك بسيل ؟ )

- ( هل آسر و إيرين خارج القصر ؟ )

- ( نعم في الطريق الآن مع تارا للمستشفى ؟ )

فكر بسيل قليلا و قال : ( أخلي كل الجنود من محيط القصر .. سنتركهم يضربون )

قال لينور بحيرة : ( ماذا تقصد بسيل ؟ )

شرح بسيل : ( سنتركهم يضربون القصر .. نظهر نحن أحياء .. يبدون أمام الناس و العالم البادئين بالهجوم و الدمار .. لا أحد يموت هم يخسرون و نحن نفوز بالجولة )

قال لينور ناظرا إليه : ( لا أعرف فيما تفكر ، كني معك في أي شئ )

أمر الجنود بعدم الرد على الهجوم و السماح للطائرات بعبور المجال الجوي و دخول المدينة و الجنود الأخرين في الخارج بترك محيط القصر و المغادرة، و بعد مرور خمسة عشر دقيقة ، أخترق صوت هدير الطائرات أذانهم ثقيلا و مزلزلا يعيد لأذهان بسيل الليلة المشؤومة ليلة وفاة أمه .

بدأ الضرب ينهال من الأعلي يهز جدران مخبأهم ، و التراب يتناثر من السقف فوق رؤوسهم و الشاشات ، مه أهتزاز المصابيح ، صوت الصواريخ أشبه برعد يضرب السماء و يرجها ، يجاولون تجاهل الأنفجارات منتظرين وقت انتهائها ، و بعد عشرين دقيقة توقف الجحيم ، و عم الصمت ، و تحركا طبقا لخريطة إلى مخرج أخر يوصلهم إلى منتصف المدينة ، و أستقلا المصعد و وجدا نفسيهما داخل مترو الأنفاق و لينور يستمر بالسؤال : ( ماذا سنفعل الآن ؟ )

أجابه بسيل : ( سنذهب إلى المستشفى أولا للأطمئنان على تارا ، و هناك نقرر )

كانت تارا ممدة على سريرها موصولة بالعديد من الأجهزة لقياس ضربات القلب و التنفس التي تصدر صفريا متقطعا ، و انفاسها تتلاقها من انبوبا اصطناعيا عبر فمها ، و أنابيب تتسلل إلى ذراعها معلقة بمحاليل و أدوية تتجه إلى عروقها ، أصوات اللآلات الطبية مع وجهها الشاحب و رائحة المعقمات .

إيرين لا تترك يدها باكيا بلا دموع قد جفت من كثرة الحزن عليها و أسر و بسيل و لينور يقفون يراقبون و يفكرون كيف سينجون من هذا الموقف ، رغم تجنبهم سفك دماء إلا أنا هذا كان قدرا محتوما أصابهم و خلط كل أوراقهم .

همس بسيل إلى لينور : ( ماذا حدث مع الرجل الغريب ؟ مازال حيا ؟ )

أجاب لينور بهدوء : ( نعم .. أصبته في كتفه و عرفت أنهم عالجوه )

و بنظرة حادة قال بسيل : ( يجب أن نطمئن على صحته إذن )

رفع سلاحه و قال : ( سأذهب مع لينور لأنهاء بعض الأمور المعلقة ، اخبروني بالجديد أول بأول )

تحركا للخارج و أستقلا السيارة إلى مبنى الشرطة الرئيسي في المدينة ، أحد أكبر و أهم المباني في المدينة و قد كان مشدد الحراسة في الماضي حيث لا يجرؤ أنسان حي من الاقتراب منه على مسافة 100 متر فقط ، الأن يدخله بسيل و لينور كحكام المدينة شاء من شاء و آبى من آبى .

قادهم جندي إلى الغرفة التحقيق المحتجز بها الرجل فور وصولهم و في يد لينور حقيبة سوداء غامضة ، و دخلا على الرجل الجالس و معصمه مربوط بالكرسي و كتفه الأيسر مصاب نتيجة طلقة لينور ، و وجهه متعب و منهار ، يتصبب عرقا غزيرا و عيونه حمراء مثل من لم ينم منذ أيام ، لم يجعلوه يستريح و لو دقيقة ، أخرجوا الرصاصة منه بدون تخدير ، مقدمة صغيرة للمعاناة التي سيواجهها .

أحتوت غرفة التحقيق على طاولة و ثلاث كراسي مع إضاءة تنير فقط منتصف الغرفة و بقية الأركان مظلمة ، و جلسا أمامه ، و حارس أخر ضخم يقف خلف الرجل ليبدأ الأستجواب و يبدأ بسيل : ( حياتك مرهونة بحياة الفتاة التي أطلقت النار عليها ، عاشت أنت تعيش ، ماتت أنت تموت ، لعين بالعين كما يقال )

يحاول الرجل التكلم بصوت مبحوح ، يحرك نفسه ليستقيم ظهره المنحن قليلا ، الكلمات تخرج متقطعة من فمه : ( لم أقصدها هي .. بل قصدتك أنت )

- ( لماذا ؟ )

- ( لأننا أردنا التخلص منك و من شرك الذي جلبته علينا )

- ( أنتم .. من أنتم ؟ و عن أي شر تتحدث ؟ )

- ( نحن جماعة القرين .. المقاومة التي ستخرجكم من أرضنا ايها المحتلون )

أرتفعت ضحكات مهاب و لينور عاليا و قال بسيل بسخرية : ( أتصدق هذا الهراء يا لينور ؟ مقاومة تتشكل في يوم واحد و تحصل على أعضاء و أسلحة و دعم في يوم واحد ! )

قال بأستهزاء : ( و لا حرف واحد منه )

- ( ماذا برأيك يجب أن نفعل به ؟ )

فتح لينور الحقيبة التي أحضرها معه : ( نضعه بالتأكيد على جهاز كشف الكذب )

أخرج لينور حقنة بها سائل يميل إلى الأصفرار و قام من مكانه و حقن الرجل بها ناحية ذراعه السليم سببت ألما حارقا فيها ليقول : ( بما حقنتموني ؟ )

رد عليه بسيل محدقا بكل كره و غيظ : ( أنه جهازنا لكشف الكاذبين ، حقناك بسم عقرب ، أمامك تقريبا عشرين دقيقة و ربما اقل تخبرنا بها الحقيقة ، أو ماذا سيحدث لينور ؟ )

يرجع لينور ظهره للخلف : ( أو سيتوقف لسانه أولا عن الكلام و لو اراد الأعتراف لن يعرف ، و سنتركه يموت عندما ينتشر السم في عروقه )

حرك بسيل أصبعه يمينا و يسارا : ( تيك تاك .. الوقت يمر )

أخرج لينور حقنة أخرى من الحقيبة و قال : ( أتعرف هذا ؟ .. أنه المصل المضاد للسم )

ظل بسيل يحرك أصبعه يمينا و يسارا و قرنية الرجل تسير معها حتى أنهار و قرر الأعتراف بعد أن شعر بالتنميل ينتشر في أطرافه : ( حسنا حسنا .. لا يوجد مقاومة .. كانت مهمتنا إثارة السكان و شحنهم ضدكم ، نشر الفوضى و أرباككم )

وقف بسيل و أتجه خلف الرجل و أنحنى حتى وصلت رأسه إلى كتفه و سأله بجوار أذنه مباشرة : ( و من حرضكم ؟ )

لم يتردد الرجل و أجاب : ( الحلفاء الجدد و دول الردع )

ثقل لسانه و لم يعد قادرا على الكلام و مسك ذراع بسيل يترجاه أن يعطيه المصل ، بقى يتوسل حتى شلت يده و لم تعد قادرة على الحركة أيضا .

أستمتع بسيل بمشاهدته يتعذب بما فعله في تارا لكن لينور قاطعه : ( ماذا تريد أن نفعل به ؟ )

أزاحه بعيدا عنه و أمره : ( أعطه المصل و أعرف منه أماكن البقية منهم ثم ألقه و ألقهم في سجن حتى ننظر في شأنهم )

مسكه الجندي الضخم و حقنه لينور ليعود لحالته الطبيعية ثم يتلقى ضربة من الجندي على رأسه و يلقي لينور أمامه ورقة و قلم و يطلب منه أن يكتب أسماء كل شخص مشارك في هذا الأمر و أين يتواجدوا .

سار بسيل في طرقات المبني و على جانبي الحائط معلق العديد من الصور و الشعارات بشكل منظم و مرتب ، أمسك بسيل بسلاحه و شعر بطاقة سلبية تجري في عروقه تحاول الخروج من الضغط المتصاعد عليه ، ليكسر بمؤخرة سلاحه الأطارات المعلقة على الحائط و هو هائج و ثائر كبركان ، وجهه متوهج كالجمر ، يطيح و يكسر الصور و الزجاج ، و العاصفة في صدره لا تهدأ حتى جلس على الأرض من التعب و صرخاته المدوية تهز اركان المكان ، و فيضان من الدموع ينهمر دون سابق أنذار ، تغرق فيهما خداه ، تسقط القطرات ثقيلة من ذقنه على الأرض بحملة بهموم ثقيلة لا يستطيع أن يحملها وحده لفترة طويلة ، أحتاج بسيل لهذه اللحظة كثيرا لكنه أرادها وحده لكي لا تتكسر هيبته و منزلته وسط زملائه المتشبثين بالأمل بسببه و يقفون معه و يعتبرونه قائدهم و حاميهم .

هدأت روعته و جلس في مكتب رئيس الشرطة و وضع سلاحه على أقرب منضدة وجدها ، و تمدد علي الأريكة و أغمض عيناه ، أراد أن يستريح من كل هذا ، أراد ان يترك العالم قليلا .

فتح عينيه نصف فتحه و رأي ضوء القمر المتسلل من النافذة يضئ المكتب بنور خافت جميل ، و أمرأة تقف بجوار الباب لا يراها جيدا بسبب الظلمة ، تقترب منه أكثر و هو يفتح عينيه ، و يجدها تارا تقف أمامه تشبك يديها خلف ظهرها و تقول : ( خفت أن تكون قد أصبت بشئ .. أراقبك منذ مجيئي من المستشفى )

يمسح عينيه ليراها بشكل أفضل و يقول بتعجب : ( ما الذي أخرجك من المستشفى ؟ أنتي مصابة بطلق ناري )

- ( كانت إصابة خفيفة )

وقف أمامها و قال : ( لقد أصابوك بجوار قلبك )

أبتسمت و قالت : ( لكنني قطعت وعدا بسيل .. أنسيت ؟ وعدتهم أن أعيش عنهم )

شعر بدوار شديد يصيب منتصف رأسه و حس أنه سيفقد وعيه ، و هي تقترب أكثر منه و تقول : ( لكنني أتسائل .. لماذا لم تنفذ أنت وعدتك ؟ )

أزداد الألم في رأسه و قال : ( أي وعد ؟ )

( وعدتنا بعدم سفك الدماء ) أخرجت يدها من وراء ظهرها و الدماء تغطيها تماما ، صبغت كليا بالأحمر ، تسيل منها القطرات الكثيفة على الأرض و هي تسأله : ( من سيتحمل مسئولية الدماء التي سالت ؟ )

تراجع للخلف فزعا و شعر أن الأرض تبتعد من تحت قدمه و سقط على الأريكة و هي مستمرة في الكلام : ( أحمل لك مفاجأة ستخفف عنك )

ذهبت لتفتح الباب و تدخل منه أمه يدها أيضا ملطخة بالدماء تقترب و تسأله : ( لماذا تركتني أموت يا بني ؟ )

لم يستطع التنفس و يختنق كما لو كانت روحه تخرج منه و سيموت ، ثم ينهار المبني كما حدث في منزله و تسقط أمه و تارا و هو يمد يده ليلحقهما ثم أنتفض من نومه فزعا قلبه يدق بعنف و يداه ترتجفان و يصرخ : ( لاااااااا ) كان الكابوس لم يغادره .

لحسن الحظ تواجدت إيرين في الغرفة و قد هبت بالأقتراب منه تمسك يديه و تهدئه وتطالبه بتقليل أنفاسه ، تشعره بالأمان ، و يقول لها : ( أمازلت في حلم أم أستيقظت )

تجيبه بنظرة بريئة لطيفة تلمعان مع الضوء القمر الساقط على شعرها و عيونها : ( أنت مستيقظ .. أنا حقيقية )

فقد السيطرة على مشاعره و بدأ بالبكاء كالطفل الصغير لتضمه إليها و تواسيه و هو متمسك بذراعه بقوة كما حدث بينهم عندا حكت له قصتها فقدان أبنها و عائلتها .

أشرقت شمس صباح يوم جديد ، وعاد بسيل بعد أخرج بعض من همومه الثقيلة على قلبه و نادى على الجميع ليحضرون عبرجهاز اللاسلكي .

دخل لينور و آسر فقط و إيرين ذهبت لتكون بجوار تارا و تلقى بسيل الأخبار من لينور : ( صباح الخير يا بسيل .. فاقت تارا قليلا اليوم و أمورها تتحسن ، و أتخذنا قرارا بدونك و لكنه ضروري .. أذعنا الشريط المصور الذي أعدته إيرين سابقا )

فتح عينيه بالكامل و قال : ( حسنا فعلتم .. لقد تأخرنا في إذاعته عموما .. أريد الأتصال بهم )

قال آسر مندهشا : ( نحن !! )

- ( نعم نحن .. حققنا أنتصارا كبيرا قضينا على جواسيسهم هنا و أستعدنا زمام السيطرة )

نفذ آسر الأمر و جلس بسيل أمام الشاشة ينتظر ردهم حتى فتحت النوافذ و بدأ كلامه : ( أرى النوافذ أقل اليوم )

تحدثت مندوبة أستراليا : ( صباح الخير بسيل .. تفاجأنا لم نتوقع أتصالك .. أتمنى أنك فكرت في كلامنا و ستتخذ قرارا سليما هذا الصباح )

أستقام في جلوسه و رفع رأسه و قال : ( نعم فكرت جيدا .. فكرت إنكم لا تلعبون بشرف .. ترسلون أفرادا لإثارة الناس و نشر الفوضى و محاولة قتلي و قصفنا بكل ما أتيتم من قوة )

شغل لينور فيديو يحتوي صورا على أعضاء من جماعة القرين قبض عليهم الليلة الماضية و وضعوا في السجون و بسيل معلقا : ( أليس هؤلاء رجالكم الأشداء ؟ أستهترتم بنا كثيرا و اعتقدتم أننا ضعفاء لكننا مازلنا نملك الكثير في جعبتنا ، و من الآن سأغير ايضا قواعد اللعبة ، ستكون لعبة يأخذ الفائز فيها كل شئ و الخاسر يدفع ثمنا باهظا )

نزل كلامه عليهم كالصاعقة و لم يجد منهم ردا أو تعليق حتى تحولت نافذة روسيا للمنتصف و قال مسئولها : ( أريد أن اعرف لماذا تفعل هذا ؟ أعطني سببا واحدا مقنعا نوقف به الحرب )

تحدث بسيل بحرقة : ( أريد نهاية الحرب )

علق مسئول روسيا عليه : ( الحرب لن تنتهي مهما فعلت يا فتى ، كل هؤلاء يحاربون من أجل البقاء أيضا و لكي تغير تفكيرهم تحتاج أن تغير و تقنع الكثير لأنه صراع بين أفكار و ديانات و مذاهب ، بين مجتمعات تفسر مفهوم العدل و الحق بتفسير مختلف عن الأخر ، أن يبقى منتصر واحد يحدد الصحيح من الخطأ ، الخير من الشر )

تحدث بسيل و قلبه يتأكل يريد أن يثبت وجه نظره أمامهم : ( و من قال أن قتل الملايين يسبب بقاء الأنسانية ؟ )

تدخل مسئول أمريكا : ( بسيل .. لكي يوجد الأمان يجب أن تصنع الخوف .. و لكي ينتشر الحب يجب ان يكون هناك كراهية .. و لكي تبقا الحياة يجب أن يحدث موت )

لا يصدق بسيل و من معه هذا الكلام ، و كيف اصبحت قلوب هؤلاء مثل الحجر البارد القاس ، يريدون قتل المزيد لتحقيق وجهات نظرهم ودعايتهم المسمومة التي بثوها في عقول شعوبهم أيضا ، و تحركهم ليقبلوا أن يذهبوا للموت بايديهم و هم لا يعرفون نوايا من يقودوهم للجحيم .

أكمل مسئول أمريكا كلامه : ( و لأثبات ما قلته .. سأجعلك تقابل شخصا هو الدليل على كل هذا )

فُتحت نافذة جديدة على الشاشة جعلت بسيل يقف مذهولا و حاجباه ارتفعا في قوس حاد، وفمه انفتح قليلًا دون وعي في تلك اللحظة لم يعد يفرّق بين الحقيقة والوهم، كل شيء بدا أكبر من توقعاته، وأغرب من أن يكون صدفة، وكأن العالم أزاح ستارًا ليكشف مشهدًا لم يكن يظن أنه موجود أصلًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة