بعد ثلاث أشهر من الحرب – إسبانيا
جلست تارا مع خطيبها في الحديقة العامة التي تبعد عن منزلهم شارعين ممسكين بأيدي بعضهم برومانسية ، يتبادلان النظرات ، كلما لمحت عينه عينها شعرت بخجل و أحمرت وجنتيها ، كانت تبدو جميلة جدا كملاك في فستانها الأصفر المُنقط بالابيض .
سألها خطيبها : ( ما رأيك أن نغادر بلدنا إلى مكان أخر أكثر أمانا بعد زواجنا ؟ )
رفع كتفيها لا تعرف و قالت : ( إلى أين مثلا ؟ )
أجابها : ( إلى مونيبوليس ، البلد الوحيدة ليس بها حرب ، أمنة و يحميها الجميع و قد نستطيع إيجاد عمل و معيشة جيدة بها بعيدا عن هذا القلق الدائم هنا )
قال تارا بشكل يدل على عد الرضا : ( لكن مونيبوليس ليست جيدة كما تظن ، إنهم لا يحبون أي أحد جديد عليهم ، يعتبرون إنهم أفضل من البشرية كلها ، لا أستريح لهم )
قال لها : ( و ماذا سيفيدنا شعبها أو طباعهم ؟ نحن فقط سنحتمي بها حتى نهاية الحرب ، الناس تموت هنا كل يوم )
تركت تارا يده و شبكتها مع يدها الأخرى و قالت : ( لا أظن إنها ستكون في آمان دائم .. كما إنها مدينة غريبة الكل يعرف إنها بلا تاريخ و نشأت بطريقة ملتوية ، شعبها غير مقبول و يتعاملون مع الجميع بغرور ، و فقط أهميتها يعود إلى ما تمتلك من مال العالم عندها )
أكملت تارا تترجاه : ( من فضلك دعنا هنا ، نحن بعيدا عن الخطر ، لا أريد أن أترك أهلي و اصدقائي )
استسلم لرغبة تارا و قال : ( حسنا كما تريدي ، فقط أردت أن نعيش حياة جيدة معا )
فرحت تارا بكلامه و قالت له : ( شكرا لك يا حبيبي .. ن نبقى في بلدنا أفضل أن نذهب لبلد من ظاهرها الذهب و من باطنها السواد. مدينة لا تعترف إلا بأبنائها الجدد، وتغلق أبوابها في وجه كل مختلف. هناك الناس لا يُقاسون بإنسانيتهم، بل بأصلهم ودمهم )
مسكت بيده من جديد و شدت عليها و قالت : ( سنبقى مرفوضين هناك دائما ، سنكون غرباء طوال الوقت ، الأمان في القلوب، وفي الأرض التي ولدتنا. هنا، بين أهلنا، وإن ضاقت بنا الحياة، فهي أرحم من أن نكون غرباء في مدينةٍ لا ترى فينا إلا أرقامًا في دفاترها )
أبتسم خطيبها و أقتنع بكلامها و وعدها بالبقاء هنا مهما كانت الظروف ، تأثر قلبه بها و بسبب حبه لها العميق كان مستعد أي يفعل أي شئ من أجلها ، حتى لو يقدم روحه تضحية لها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقف بسيل بلا حركة أمام خيمة إيرين ممسكا بخطابها التي تركته له قبل مغاردتها ، رأه وسام و هو خارج من خيمته ثابتا سارحا في عالم أخر ، ذهب إليه و قال : ( ما بك يا بسيل ؟ لماذا تقف هكذا ؟ )
عاد بسيل إلى أرض الواقع و أعطى الخطاب إلى وسام و قال : ( لقد غادرت إيرين لتبحث عن إبنها )
مسك منه الورقة و قرأ ما فيها و تسائل : ( إلى أين ؟ هل تعرف ما تفعله ؟ )
تركه بسيل و قال : ( لا أعرف .. سأذهب إلى ريان ، أريد الجلوس معه قليلا )
وصل بسيل إلى خيمة ريان و طلب من السماح بالدخول و بالطبع تركه يدخل إليه و جلس أمامه على مكتبه ، و طلب من كل الحراس تركهم وحدهم ثم قال بسيل : ( أحتاج أن أتكلم معك ، أنت الشخص العقلاني فينا الآن ، لقد تركت إيرين المعسكر و غادرت لا نعلم إلى أين للبحث عن إبنها )
قال له ريان : ( أتريد شرب شايا ؟ )
أومأ بسيل براسه موافقا و قام ريان يحضر الكوبين قائلا : ( أعلم أنك تائه قليلا يا بسيل بعد كل ما حدث ، و فريقك ينتابه الشكوك و الحيرة )
أكمل كلامه و هو يضع السكر و الشاي في الكوبين : ( أرى أن إيرين حرة في قرارها ، هي تشعر إنها أرتكبت ذنبا يمزق روحها و تريد أن تتحمل عواقب ذلك )
صب الماء الساخن في الكوبين و ناول أحدهم إلى بسيل و قال : ( ما حدث قد حدث في الماضي ، الأهم هو المستقبل و هدفنا الذي يجب أن نكمل طريقه معا )
أرتشف رشفة صغيرة و أسترسل في كلامه : ( لم تُهزموا في مونيبوليس بسبب إيرين ، إيرين هو السبب الظاهر لكم , و لكن كنتم ستٌهزمون في مطلق الأحوال لا محالة )
أستشعر بسيل غرابة في كلامه و سأله : ( ماذا تقصد بكلامك ؟ كنا نسيطرعلى الوضع ؟ )
أبتسم ريان أبتسامة صغيرة و قال : ( كم مرة ثار الناس عليكم ، مرتين ، مرة بعد كلامكم معهم بالحسنة و مرة بعد تهديدكم و وعيدكم لهم ، لا أقول أن أختيار مونيبوليس لخطتكم سيئة بل كانت ممتازة ، و لكنك لم تدرس المدينة بشكل عميق و دقيق كفاية )
ظلت ملامح عدم الفهم تظهر على بسيل و سأل : ( ماذا تريد أن تصل بكلامك ؟ لا أفهمك )
قال ريان : ( مونيبوليس ذلك الكيان الدخيل الذي أستيقظنا و وجدناه قد نشأ فجأة و علينا أن نتقبله غصبا ، أليس من الغريب أن تشتعل الحروب في كل بقعة على الأرض عدا هم ، بل ترك العالم قتالهم و ذهبوا للدفاع عن هذه القطعة الصغيرة من الأرض ، يتحكمون بأقتصاد العالم كله و يمتلكون ثروات الكوكب في خزائنهم ، ألم تلاحظ إنهم لا يهتمون بإنتهاء الحرب بل بإستمرارها لمصلحتهم ، فالدولة التي تسقط سيمتلكون هم ذهبها و مالها و يعتبرونها ملكا لهم بكل وقاحة ، وجودهم هو الفوضى بعينها )
بدأ بسيل يعي ماذا يقصد ريان و سأله مجددا : ( و ماذا عن شعبها ؟ )
أجابه ريان : ( ببساطة يا بسيل لو أردت أن تصنع وطنا يجب أن تحضر أشخاص يعيشون عليه ثم تجبر الجميع للأعتراف به ، تربوا على عدم تقبل الغير و إنهم المختارون على الأرض و أن بقائهم ضرورة لهذا لم يفكروا اصلا في سبب وجودكم بل نبذوكم و أرادوا التخلص منكم بأي شكل ، لم يهمهم من يقتل أو يذبح ، و في المرة الأخيرة كانوا يرفعون لافتات يطلبون من الخارج أن ينقذهم )
تنهد بسيل و شعر أنه تعرض لأكبر عملية خداع في التاريخ و لكنه من سمح لنفسه أن تُخدع ، قال لريان : ( لقد قيمت الأمور بمقاييس خاطئة تماما ، ستعود الأمور لنقطة الصفر الآن )
هون ريان عليه و قال : ( لم يفت الأوان يا بسيل ، يجب أن نخطئ لنفعل الصواب ، و ها هو وقتها ، لديك جيش حقيقي و أسلحة و طائرات ، و عشر قواعد مثل هذه حول العالم ، الجميع يؤيدك و لكنك لم ترى سوى حيز ضيق فقط و هو مونيبوليس ، إعطي الأشارة فقط ، فالسلام الحقيقي لا يُمنح بل يُنتزع بالقتال حيت يُغلق باب التفاهم ، و هذا ليس حبا بالدماء بل كراهية للأستسلام )
و خلال كلامهم اقتحمت تارا أجتماعهم حزينة بائسة محطمة و قالت : ( هل تركتنا إيرين و ذهبت ؟ )
أجابها بسيل دون أن ينظر إليها مباشرة : ( نعم .. لقد أختارت أن تذهب للبحث عن إبنها بنفسها )
تغيرت تارا و اصبحت تكتم حزنها داخلها و لا تظهر دموعها بسهولة و قالت بصوت مثقل بالآسى و الوجع : ( و ماذا سنفعل الآن يا بسيل ؟ )
خرجت كلماته لها راسخة لا تهتز : ( سنكمل الدرب الذي بدأناه معا و نعود و ننتقم )
هزت رأسها بالموافقة و قبل أن تغادر طلب منها ريان أمرا : ( ما رأيك يا تارا أن تجمعي بقية الفريق و نجتمع معا ؟ ما رأيك يا بسيل ؟ )
أكد بسيل على كلام ريان و قال : ( نعم ، نحن بحاجة أن نجتمع و نتحرك بسرعة )
وسط طاولة تجمع عليها أفراد الفريق الستة مع ريان و عليها خريطة كبيرة لمونيبوليس ، لم يعطي بسيل فرصة للمقدمات و قال : ( لا وقت للعزاء على الماضي ، بل علينا أن نعيش و نحقق هدفنا و أملنا الذي جئنا من أجله هنا بدلا أن نقدم نفسنا هدية للموت ، ما فائدة أن تموت و لا تنقذ العالم ؟ )
وقف بسيل بكبرياء و أعتزاز القائد و قال : ( ماذا كنا قبل أن نأتي هنا ؟ كيف تغيرنا بعد ما مررنا به ؟ ، قدرنا أن نفعل ذلك ، قدرنا أن نعود إلى مونيبوليس و نقاتل ، و لكن بمفاهيم جديدة ، العيب لم يكن فينا أو في إيرين ، العيب في مونيبوليس نفسها ، إنهم يحتفلون مع محتليهم الآن ، سافكي الدماء ، يدعوهم لشن حرب أكثر قسوة على العالم لأنهم ساندونا و فهمونا و أرادونا أن نغير )
وقفت تارا أيضا تقول بنبرة قوية غير معتادة منها : ( خسرنا الرهان على الأنسانية في قلوب الشعوب ، لكن لم يكن أبدا في قلوب شعب مونيبوليس أنسانية تجاه أحد ، ظننا الحرب غيرت الناس ، و لكن زادت أحدهم قسوة ، مونيبوليس التي نشأت غدرا بسبب أنقسام بعض الدول تخشى على زوالها لهذا جمعت مال العالم لديها لتجبرهم على حمايتها )
نهضت جوزفينا أيضا و قالت رغم التعب في كتفها : ( الضغط على العالم بأموالهم و المفاعل النووي في مونيبوليس كانت فكرة عبقرية ، لكنهم لن يتغيروا أبدا ، لهذا يجب أن نكشفهم أمام العالم ، نثبت إنهم كيان هش )
قال لينور بحماسة : ( يجب أن تكون نهاية القصة هناك في مونيبوليس ، و لكن ليس ضد أهل مونيبوليس فسوف يتركوها عند نشوب القتال ، هم مجموعة من خليط دول مختلفة لا يملكوا إنتماء سوى للرفاهية و المال ، بل ضد من أشعل الحرب في العالم و صنعتهم مونيبوليس )
وضع وسام خنجره على الطاولة و قال بثبات : ( يجب أن نقتلع النبتة السيئة من جذورها حتى الرأس ، خُدعنا فيهم و باعونا و لن نسقط في الجحر مرتين ، كلنا معك يا بسيل ننتقم لأنفسنا و العالم أجمع )
وقف ريان الذي كان يجلس على رأس الطاولة و قال : ( يبدو إننا نمتلك هدفا مشتركا واحدا ن و لن تكتمل خطتنا إلا بوجود شخص أكثر خبرة ، و أريد أن أعرفكم على شخص ما )
نادى على أحدهم في اللاسلكي و طلب منه الحضور ، فتح باب المدخل للخيمة و دخل منه أمرأة في أواخر العشرينات ، بيضاء البشرة و عيون عسلية ، يلمعان كعيون ذئب ، شعرها الأشقر ينسدل حتى كتفيها على هيئة ضفيرتين ، قوامها ممشوق متناسق، يجمع بين رشاقة رياضية وصرامة الجندية؛ كتفان مستقيمان، خطوات واثقة .
أشار إليها ريان و قال : ( أعرفكم على لورين ، من أهالي مونيبوليس الأصليين ، تركت بلدها بعد حرب الأنفصال ، أفضل من يعرفكم على البلد و خباياها ، تشترك في نفس الهدف بيننا )
جلست في وقار الجندية ، خليط بين الصلابة و الجاذبية في آن واحد و قالت بصوتها العسكري الحازم : ( كنت أقول دائما أن نهاية العالم ستكون في مونيبوليس ، الشقاق الأكبر حدث فيها و سينتهي فوق أرضها ، بدأت بحرب الأنفصال و ستنتهي بما لا يعلمه سوى الله )
رمق لينور بسيل بنظرة كما لو أنه يستأذنه ليسأل و قال : ( منذ متى و أنتي تركتي مونيبوليس ؟ و ما الذي ستفيدينا به ؟ )
أجابته بإختصار و قالت : ( تركتها منذ مدة ، و سأفيدك إنني سأجعلك تعلم كيف تهزم العالم هناك )
ضحكت بسخرية و قالت : ( أتعلمون إنهم يقيموا أحتفال ضخم في ميدان المدينة المركزي بمناسبة أستقلالهم عنكم )
ألتفت إليها بسيل و سألها : ( و كيف نهزم العالم ؟ )
سكتت قليلا و قالت : ( عليكم أن تعرفوا أولا إنهم يدربون مجموعة من السكان المختارين للدفاع عنها ضدنا نحن الأرهابيون في نظرهم ، و قد فخخوا المدينة بأكملها ، أي هجوم بري سيبوء بالفشل ، مليون لغم موزعين في أماكن لا نعلم مواقعها كلها بعد ، إنهم يحولون المدينة إلى فخ كبير )
أشارت بعصا معدنية على الخريطة على حدود المدينة و قالت : ( لا ننسى أن هناك 750 الف جندي سيتركون كجيش لها أي أكثر من نصف عددنا ، و الكثير منهم سيتمركزون في المدينة )
علق وسام على شرحها : ( هذا يعني أن محاولة دخول المدينة سيكون مثل ألعاب الفيديو ، عليك أن تتجاوز الفخاخ و الصعاب لتصل للوحش و تقتله و تفوز )
قال لينور معلقا على كلام وسام : ( لكن في الألعاب أنت تمتلك محاولات ، لو فشلت تعيد من حيث توقفت و تتجنب الخطأ الذي أرتكب سابقا ، هنا لو أخطأت نتحول إلى رماد )
سأل بسيل بهدوء : ( ما الحل من وجهة نظرك ؟ )
قالت لورين و هي تشير على عدة مواقع على الخريطة : ( الحل الجوي بما أنهم لا يملكون دفاعا جويا بعد ، نحن أشباح غير موجدين بالنسبة لهم ، سنهاجم بكل طائرة لدينا و نلقي بما عندنا و نقصف بنوكهم و مصارفهم و مبني التلفزيون و مبنى الشرطة و مقر الرئيس الجديد و الحكومة و محطة الكهرباء و الماء و شبكات الأنترنت ليعيشوا في عزلة و بينما الظلام يحيط بهم نهجم بقواتنا المحاصرة المدينة سرا و نبغاتهم )
سأل بسيل و هو ينظر للخريطة بترقب : ( ماذا عن الفخاخ ؟ و المدنيين ؟ )
تبتسم لورين ببرود و تقول : ( هم ليسوا أبرياء بل متورطين معهم ، و لكننا لسنة قتلة بلا قلب مثلهم ، لن نقصف مستشفى و لا مدرسة ، نركز على مقرات السلطة، المال، الإعلام، والدفاعات العسكرية. نريد أن نسقط دولتهم لا أن نفني شعبهم )
تدخلت جوزفينا و قالت : ( إذا ستسمحين للسكان بالخروج وتهجيرهم ، لا أتمنى أن يكون الأنتقام القديم ما يحركك )
نظرت إلى جوزفينا نظرة ثاقبة و قالت : ( لو كان الأنتقام القديم ما يحركني لجعلت عاليها سافلها ، و لكن بعد الحرب يمكن لأي شخص العودة الجميع و يأخذ كل شخص حقه المسلوب منه )
أغمضت لورين أعينها لتهدأ و توازن الكلمات التي تخرج منها و قالت و قد سرحت روحها في زمن ماضي : ( عليكم أن تبحثوا و تعرفوا ماذا فعلوا في الماضي بالضبط فينا ، و بالنسبة للفخاخ سأتولى أمرها وضعت خطة مع ريان ستعرفوها عما قريب )
أستمع آسر للحوار قلقا و لم يرد أن يتدخل بينهم بينما يضعون خطة حرب كبرى و رغم ذلك أراد أن يسأل سؤالا بسيطا مهما لم يمر على رؤوسهم : ( و متي سيبدا تنفيذ الخطة ؟ )
ردت لورين على سؤاله : ( بعد يومين )
تكلم ريان بعد أستماع طويل و قال : ( سيكون قائدنا بسيل ، هو من بدأ هذا و أعطانا الأمل و هو من سيكمل بنا الطريق حتى الأنتصار )
أعترض بسيل و قال : (لا .. لست قائد ، كلنا قادة ، و قرارنا لن يكون مركزيا بل بالتصويت دائما كما فعلنا سابقا )
أُعجب ريان برأي بسيل و وقف و مد يده إلى منتصف الطاولة فوق خريطة مونيبوليس و الكل يضع يده فوق بعض ، و بسيل يقول : ( بدأ العد التنازلي الآن ، ولما ينطفئ الضوء هناك ، نحن وحدنا من سيبقى مرئيًا )
..........................................................................
لعلى مداخل مدينة مونيبوليس المدججة بالجنود و المدرعات ، يتم تفتيش كل شخص يمر ، ينظرون إلى أثبات شخصيته ، يصادرون أي شئ يشكون إنه خطر ، لا يترددون في القبض على أي شخص يشكون إنه مشتبه به بينهم ، كانوا يفعلون كما فعل بسيل و فريقه و جنوده مع أختلاف الأهداف بالطبع .
أوصلت سيارة إيرين إلى مدخل المدينة فأوقفها الجنود و سألوها : ( أوراقك )
خلعت القبعة التي ترتديها و ظهرت بكامل وجهها و ملامحها و قالت : ( لا أظن إنك تحتاجها ، قل لهم إيرين هنا )
رفعوا البنادق لراسها و أمروها بالنزول على ركبتيها و رفع يدها عليا و لكنها لم تنفذ و قالت : ( قلت لك ، أخبرهم أن إيرين هنا و تمتلك معلومات هامة لكم )
تردد قائد الحراس قليلا و بعد تفكير عميق أمرهم بأنزال أسلحتهم و التحفظ عليها في السيارة العسكرية و ذهب لمكتبه على الجانب و أتصل بقائده و قال له : ( سيدي .. إيرين هنا و تقول إنها تمتلك معلومات هامة لكم )
سأله قائده : ( هل تقصد إيرين ؟ ... إيرين التي كانت مع هؤلاء الأرهابيين ؟ )
أجابه بثقة و تأكيد : ( نعم هي يا سيدي )
أغلق معه الخط ليتحدث مع القيادة العليا و يعرف ها يسمح لها بالدخول بعد ما جرى أم يتخلصوا منها ؟
نصف ساعة مرت و إيرين تجلس في السيارة تنتظر قرارهم ، مستعدة للموت لو خشوا الأستماع إليها و قرروا قتلها ، و من ناحية أخرى هي لا تشعر هذه المرة إنها تخونهم ، تخلصت من شعور الذنب عندما مرت من باب معسكر المنشقين و تخلصت من النظر في وجوه فريقها القديم ، و الاهم من نظرات بسيل إليها التي تطعنها في القلب ، هي تفعل هذا من أجل إبنها الذي ستحصل عليه بكل تأكيد هذه المرة .
أتى الأمر لقائد الحراس و توجه إلى إيرين و قال : ( ستذهبين لمقابلة القائد الآن )
نادى إلى السائق و أخبره أن يأخذها إلى مبنى الشرطة و في صحبتها جنديين للحراسة معها ، كي لا تقوم بفعل متهور أو تهرب منهم داخل المدينة .
كانت أشباح أيامهم في مونيبوليس تطاردها و السيارة تمر بين شوارعها و الناس تمشي فيها ، قد عادت الحياة إليها تحت حماية القوى الأجنبية التي دخلتها ، المدينة التي دخلتها يوما محملة بآمال و أهداف مع رفاقها ، فارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة؛ ابتسامة من يعرف أن الماضي لا يعود، لكنه يترك دائمًا جذورًا تنبت من جديد.
وصلوا مبنى الشرطة و أعمال الأنشاء تتم فيه لتجديده ، نزلت من السيارة و أطالت التحديق في المبنى يعيد إليها ذكريات الماضي ، شدها الحارس كمجرمة من ذراعها لتسير معه و تصعد السلالم حتى المدخل ، و ما إن دخلت شمت هواءا جديدا ، قصة جديدة سترويها إيرين بين جدرانه .
أقتربت من مكتب القائد ، مكتب بسيل القديم ، و دخلت مع الحارس الذي وقف ثابتا مؤديا التحية العسكرية ثم خرج و تركها معه وحده ، و أطال القائد التمعن بها بإحتقار و قال لها : ( ماذا تريدين منا يا سيدة إيرين ؟ هل أتيتي لنقوم بإعدامك لخيانتك ؟ )
أبتسمت إيرين بإستهزاء و قالت : ( خنت من ؟ أنتم ؟ أنتم من خنتوني عندما لم تعطوني إبني )
وقف و اقترب منها مسافة سنتيمترات و قال : ( ألست أنتي من سببتي ذلك مع اصدقائك وقت هروبك ؟ )
تحولت الأبتسامة إلى ضحكة ساخرة و قالت : ( حتى هم لم يعرفوا أن هناك من سيأتي لينقذهم )
أزداد أنتباه القائد لها وقال : ( ماذا تقصدين ؟ أن كل هذا تم بدون علمهم أو تخطيطهم )
ردت بإختصار : ( لا .. )
- ( من إذا فعل يا غيرين )
- ( المنشقون )
لم يفهم القائد ردها و سألها : ( من ؟ )
أعادت إيرين الأجابة و قالت : ( المنشقون يا قائد .. كل ضابط و جندي تركوا جيوشكم أعتراضا على الحرب )
سألها القائد بأهتمام : ( و أين هم بالضبط يا إيرين ؟ )
قالت إيرين بدهاء : ( لن افتح فمي بكلمة جديدة عن مكانهم و تسليحهم و وقت هجومهم قبل أن أستلم إبني بيدي )
جلس القائد على أقرب كرسي إليه و مسك راسه من التفكير و قال لها : ( و كيف نعلم أن ما تقوليه هو الصدق ؟ )
قال إيرين بنبرة واثقة و بغرور و كبرياء و خليط من السخرية اللاذعة و الأزدراء : ( لا شئ .. الدليل الوحيد أن ننتظر و نرى ما سيحدث ، هل كلامي حقيقي أم لا ؟ )
شعر القائد إنها تقلل من شأنهم و تلوي ذراعه لتحقق ما تريد و لكنه ردخ غلى طلبها في النهاية فهو لا يستطيع أن يخاطر ، و أتصل بقادته و أخبرهم بمطلبها ، و هي واقفة تظهر القوة و الثبات و في داخلها قلبها قد يتحرك من مكانه من شدة الخوف ، ليس مما ستقول عن اصدقائها أو كشف مكانهم من جديد ، بل أن يرفضوا أن يعطوها إبنها و تفشل خطتها و مجازفتها و تذهب أدراج الرياح .
وضع القائد الهاتف منتظر رد القيادة الأعلى منه ، و هي تجلس بعيدا على الأريكة ، تحاول السيطرة على أرتعاش يدها و قدميها ، تبتسم ابتسامة تهكم تخفي وراءها خوفها ورعبها ، كل دقيقة تمر كساعة ، و كل لحظة تعني مئات الأحتمالات الجديدة في رأسها ، تبذل ما في وسعها حتى لا يظهر توترها .
رن الهاتف و رد القائد و تلقى من قيادته الأوامر و نظر إليها بريبة و قال : ( لقد وافقوا على إحضار إبنك إليك ، هو في طريقه إلى هنا الآن ، و لكن لو قلتي شيئا غير مفيد لنا ستموتين أنتي و هو )
رقص قلبها من الفرحة لسماعها الأخبار السعيدة ، أرادت أن تقوم و ترقص ، أخيرا سترى إبنها حبيبها وقلبها ، سيكون بين يديها ، بين ذراعيها تحتضنه و تقبله على خده ، إبنها الذي أتي من بين الدمار ، لم تمنع الصواريخ و القذائف أن تفرقهما عن بعضهما البعض ، و مع هذا جلست مكانها تحتفل في نفسها مع روحها ، تحافظ على كبريائها أمام القائد .
و في الجهة الأخرى وافقوا أن يعطوها إبنها لأن المنشقين هم الخطر الأكبر عليهم ، جنود غاضبين ساخطين ضد الحرب و الدمار و ضد كل نظام اشعلها ، هم ضباط و جنود مدربون يعرفون فنون الحرب و قد يكونوا عثرة كبيرة امامهم يصعب التخلص منها ، لأنهم سيجابهوهم بكل قوة ، و التخلص منهم خطوة على تحقيق مرادهم و رسم طريق الحرب و العالم بالشكل الذي يريدونه .
و على مسافة ثمانية عشر كيلومترا من مقر الشرطة و تحديدا في مطار مونيبوليس الدولي تصل طائرة خاصة بعد رحلة أستغرقت ست ساعات و نصف تحمل على متنها طفلا صغيرا سيتم قريبا الخامسة من عمره ، هو نقطة التحول في أكبر قتال شهدته البشرية على الأطلاق .
هو يمكن أن يكون سبب نهاية البشرية أو تغيير صورتها او نهاية ماساة يعيشها الناس كل فترة ، أخذته أمرأة شابة ترتدي ملابس رسمية و هو يحمل دميته الصغيرة رأسه ما زال لا يعي ما يجري من حوله ، لا يعرف كم أهميته الأن ، مصير أمم تعتمد عليه ثم ركبا سيارة سوداء و انطلقا إلى مبنى الشرطة إلى إبرين والدته .
Mahmoud Ahmed