قبل ثلاث أيام من السفر
( اللعنة على الكرة .. كيف تمر هكذا بجوار المرمى ) قالها بسيل و هو يلعب البلايستيشن ضد آسر و لينور يشاهدهم على الأريكة .
قال آسر و هو متحمس : ( الدقيقة الأخيرة .. أنتهت المباراة .. لن تهزمني أبدا بسيل )
قال لهم لينور و هو يتناول الأرز : ( الفائز سيلعب ضدي )
يرد آسر بتعب : ( دعني أستريح قليلا .. بسيل كان خصم عنيد )
يضع بسيل ذراع اللعب على الطاولة و يقول : ( أنت بارع جدا يا آسر لكن سأهزمك يوما ما .. أتعلم من دون الجميع هنا أنا لا أعلم ما دوافعك و ما قصتك لتخاطر و تتواجد معنا هنا )
ضحك آسر ضحكة صغيرة و أجاب : ( نعم لأن تيتمت و أنا فى الخامسة من عمري .. قبل الحرب و قبل كل هذا .. ماتوا و هم عائدون من السفر ، حادث على الطريق السريع كما حكوا لي ثم بقيت في دار الأيتام حتى الثامنة عشر ، لم ترد أي أسرة تربيتي ، بدوت غريب الأطوار المهتم بالحاسب الألي و الدراسة طوال الوقت .. العائلات لم تحب هذا النوع من الأطفال ، أرادوا المرحين اللطيفين قليلي الكلام )
سأله لينور : ( ماذا أثر فيك إذا ؟ )
خلع آسر نظارته الطبية و مسح عينيه و أكمل : ( سياسة الدار التي عشت فيها قضت أن تخرج كل من أتم الثامنة عشر للأعتماد على نفسه في الحياة مع مسكن مؤجر و مبلغ صغير كبداية و هذا كرم منهم ، تعلمت بعض الأمور و عملت أعمال حرة ثم وجدت وظيفة مدرسا للحاسب الألي في أحد المدارس )
وجه آسر وجهه للسقف و قال : ( ثلاث أعوام في هذه المدرسة الأبتدائية .. ثلاث أعوام حتى .. حتى هذا الهجوم الوحشي على المدرسة و الحي كله .. دمرت المدرسة و الأطفال في طابور الصباح .. تناثرت الدماء على الصخور المدمرة .. أطراف صغيرة يجمعها الأهالي و هم يبكون بحرقة يجمعوها ليدفنوا أطفالهم )
خلع نظارته من جديد و رماها على المنضدة و قال : ( مات تسعين طفلا و عدد فقد أخر فقد أحد أطرافه و جثث صغيرة تحمل فى أكياس القمامة البلاستيكية لأن أكياس الجثث نفذت ثم تسألني ما الذي أثر بي لأخاطر معكم هنا .. )
عم الصمت المكان حتى قطعه لينور و قال : ( هيا آسر أمسك ذراع اللعب و لنرى هل انت قادر على هزيمتي أم لا ؟ )
ضربه بسيل على ذراعه و بدلا مكانهما ليتمكن من اللعب ضد لينور و يخرج من هذا الشعور الحزين المدمر بسرعة و ضعطا على زر بدء اللعب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أجتمع بسيل مع البقية في قاعة الأجتماعات لمناقشة الحوادث الأخير التي حدثت و بدأ بسيل بحديث غاضب للجميع : ( أين كنتم و هم يعلقون الجنود على الجسر .. أين قواتنا يا لينور؟! .. أين رادارتنا يا تارا؟! .. ألم نعزل المدينة يا آسر و نقطع شبكات الانترنت و الاتصالات ؟! )
لم يجب أحد حتى تكلم آسر : ( لقد فعلت هذا بالفعل يا بسيل لكن لا أعرف ربما يتواصلون بالأقمار الصناعية أو شبكات أتصال يصل ماها إلى هنا .. بالتأكيد لديهم تقنية متقدمة عنا )
ثم تكلم لينور : ( الحدود مغلقة ومدججة بالجنود و ثمانين بالمئة من دبابتنا تحيط بمداخل المدينة على طول الحدود )
تارا : ( لم نسجل أي حالة أختراق .. يمكنني أن أحضر لك كل تقارير الليلة الماضية نمت فقط ساعتين أمس )
ضرب بسيل الطاولة بقبضته مرتين و قال بغضب أكبر : ( إذا هم أشباح دخلوا و خرجوا و أختفوا كالجن )
ردت إيرين : ( أو ربما هم من أهل المدينة .. فعلوا ذلك من دافع وطني أو حرضوا من الخارج )
ظل بسيل يتحدث بلهجة حادة : ( أريدكم أن تجدوا الفاعلين فتشوا المدينة كلها ، أجعلوا عاليها سافلها )
قاطعهم آسر : ( هل أستمتعت إلى الأخبار يا بسيل ؟ )
رفع آسر صوت التلفزيون و استمع إلى مذيع الأخبار : ( أفتحت بورصات العالم على خسائر مدوية تقترب أن تكون الأكبر فى الأقتصاد عبر التاريخ ، و يعود ذلك للأقتحام الذي حدث أمس لمدينة مونيبوليس حيث لا يعرف أحد مصير أحتياطات الدول النقدية و أحتياطات الذهب المودوعة في مؤسسات مونيبوليس المالية و الواقعة تحت أيدي المسلحين هناك ، و يرجح الخبراء أن هذا سيؤثر ايضا علي حركة البيع و الشراء و التصنيع و توافر المنتجات الغذائية و غيرها في الاسواق و مع مراسلتنا ... )
أكملوا استماعهم للأخبار : ( نعم زميلي .. عدد من المتاجر اليوم في عدد من بلاد العالم تعرضت لأقتحامات و سرقات و الأمر معرض للزيادة مع الوقت بعد تسرب أنباء شح المنتجات الغذائية و غيرها من الأسواق و عدم توافرها بسهولة مستقبلا بسبب الهجوم المسلح على مونيبوليس المستمر منذ الأمس )
سأل المذيع المراسلة : ( و ماذا عن أخبار مونيبوليس ؟ )
أجابته المراسلة : ( وضعهم سيكون أكثر سوءا .. هم أصلا سيتعرضون لنقص كل البضائع بسبب الحصار الواقع عليهم من المسلحين و غلقهم كل الطرق المؤدية إليهم و صعوبة إدخال أي مواد غذائية و معيشية إليهم )
عض بسيل على شفتيه و قال مزمجرا : ( الحقراء يريدون صنع مشكلة لنا بين الناس )
مسكته إيرين من ذراعه و قالت له بلهجة عنيفة : ( تماسك بسيل ، أنها لعبة شطرنج كما قلت و هم لعبوا لعبتهم و حان دورنا .. سنجد حلا إذا ثار الناس علينا و سيعمل كل شخص هنا واجبه... )
تدخل لينور : ( و ماذا ستفعلين أنت إيرين ؟ أنت الوحيدة بيننا بلا مهمة معينة ؟ )
دارت وجهها نحو لينور و قالت : ( ماذا تقصد بكلامك هذا ؟ )
- ( أنت باقية هنا بجوار بسيل طوال الوقت و كل واحد منا لديه مهمة يؤديها )
- ( و ماذا تريد مني أن أفعل لينور ؟ نحن هنا نتبع بسيل )
- ( نعم لكن أنت تبدين بلا فائدة )
ازدادت حدة كلام غيرين : ( أحترس لكلامك معي يا لينور )
نظرا في عيون بعضهما و الشرار يخرج منهما حتى قاطعهما أتصالا من قادة البلدان الخمس عشر الذين تكلموا معهم أمس ، و أمرهم بسيل جميعا بالخروج ليتحدث معهم ، بدأ يهدأ و يزيل التوتر و الغضب من ملامح وجهه و ضغط على دخول المكالمة .
- ( مرحبا سيد بسيل ..أنا ممثلة أستراليا من دول الكتلة المحايدة ، رشحت للتحدث و التفاوض معك اليوم)
تماسك بسيل و قال : ( أي كلام و نقاش بعد ما حدث )
قالت ممثلة استراليا : ( ماذا جرى أستاذ بسيل ؟ )
قال مستهزءا : ( يبدو أن المسئولة أستيقت من غفوتها قبل الأجتماع بخمس دقائق و لم تملك الوقت لمشاهدة الأخبار)
ضرب بقبضته الطاولة و تغيرت لهجته للحدة : ( التلاعب بالمشاعر و أختلاق القصص و نشر الشائعات و تضخخيمها أعلاميا ، افتعال حادثة مدبرة لأشعال الشارع و قتل جنود و تعليقهم على الجسور كما لو كنا في العصور الوسطى )
أجابته بهدوء : ( نحن لم نفتعل مشاكل أو ننشر شائعات ، أنت تحاصر أموالنا و تركات دولنا التي أحتفظنا بها في دولة آمنه محايدة و سيؤثر بشكل طبيعي على نظام العالم الاقتصادي و لن يجد الناس لوازهم الأساسية أكثر من أي وقت سابق ، أما حادثة قتل الجنود فهو رد فعل طبيعي للشعب الذي تتخذه أسيرا لا دخل لنا فيه )
قال بضيق : ( لا اصدق هذا الهراء )
قالت ممثلة استراليا : ( لا تصدق لكن لديك حالين فقط .. أما أن تسلم سلاحك و نوفر لك ملاذ آمن و قد حققت هدفك الحرب هدأت و الدول مجتمعة معا كما ترى و هذه خطوة جيدة ، أما سيكون تدخلنا العسكري لا رجوع عنه )
ابتسم و قال باستهتار : ( لا تستطيعوا .. سيكون الخراب علي و على أعدائي عندما أدمر مفاعلكم النووي هنا )
ردت عليه بطريقة لئيمة : ( ليس لدينا وقتا للعب بسيل ، و لا أظن أنك تمتلك القدرة أن تتحمل يديك سفك كل هذه الدماء عندما تدمر المفاعل النووي ، و لا أظن أن أمك كانت ستريد ذلك ، فكر و أتصل بنا العالم لديه فرصة فدعه يستغلها )
أنقطع الأتصال و فكر بسيل في جملتها الأخير " لا اظن أن أمك ستريد ذلك " وقعت على نفسه كالصاعقة لكنه عاد و نادى على إيرين و لينور ، و ما إن دخل لينور حتى تكلم مباشرة : ( الناس تقتحم المتاجر و تنهبها و الفوضى تعم الشوارع و قد أغلقت كل الطرق المؤدية إلى هنا قبل أن يثوروا علينا )
قال لينور : ( إنها حرب لينور و ليست كل الطرق في الحرب ممهدة و ليس على الشخص أن يلتزم بكل عهد في الحرب لذلك أفرض حالة طوارئ في البلاد كون مجموعة كشرطة ، أنتشر في كل مكان أفرض حظر تجوال و من لا يلتزم به ضعه في سجونهم المظلمة ، أعتقل المشاغبين أقمع من لا يلتزم و استعد النظام ، أظهر لهم قوتنا لأن الطرف الأخر يريد أن يظهرنا ضعفاء ، و لا تنسى مجموعة القرين اللعناء )
ثم تحدث إلى إيرين أمام لينور و قال : ( حان دورك إيرين .. لعمل ضربة أستباقية يجب أن نبث رواية مضادة تظهر الحقيقة و نشوهم بها ، علينا أن نلعب مثلهم و بما أنه دورنا في لعبة الشطرنج سنحرك القطعة التالية ببراعة )
نظرت إليه إيرين و قالت : ( فهمتك بسيل )
رد لها النظرة و أمرهم بالذهاب إلى مهماتهم ليفكر في الخطوات التالية لأن عدوه لن يلعب معه بشرف و في الحروب يجب أن تتخلى قليلا عن البوصلة الأخلاقية لتصل لهدفك ، المهم الهدف و الأهم أنه هدف أخلاقي .
أستقل بسيل أحد المركبات و أمر السائق بالقيادة الى مفاعل كاشفرينا النووي لمتابعة التطورات مع آسر ، ف الطريق وجد الحواجز تنصب و الجنود تهدد الناس و تعيد النظام بالقوة بالعصي و الدروع دون رصاص ، و على جانب الطريق المقابل أطلق الجنود الماء على الجموع الغاضبة لتفرقتهم و طلقات النار تطلق فقط في الهواء لأخافاتهم ، نعم سيظنون أنهم مجرمون و لكن بسيل كان مقتنعا أنهم سيفهمون مع الوقت .
وصل بسيل إلى المفاعل النووي في منطقة كاشفيرنا ، و وجد مبني ضخم له قبة خرسانية هائلة بجواره عدد من المداخن الاسطوانية العملاقة يخرج منها الدخان الأبيض الكثيف يصعد ببطء نحو السماء ، المكان كله محاط بسيج حديدي ، الكاميرات و المراقبة لا تترك سنتيمترا واحدا و قد تم تغطيته ، كل الأراضي في الخارج فارغة و خالية من البشر و النبات و الحيوان ، كل شئ يوحي بالأنضباط و الألتزام و كأنهم وضعوه وسط عالم أخر صامت .
دخل إلى مكتب آسر مباشرة حيث يشرف على عدد من العمال و المهندسين و المبرمجين ، الجميع يعمل بجد و أهتمام لأن الخطأ يساوي حياة البشر و تشيرنوبل أخرى لكن اسوأ ، أنزل آسر رأسه خجلا من بسيل و قال له : (مرحبا بسيل .. لو أخبرتني لأستقبلتك بالخارج )
- ( لا داع لهذا آسر ، كيف يسير العمل ؟ )
- ( بخير بسيل كل شئ على وشك الأتمام .. و أردت التكام معك أيضا )
- ( تكلم آسر ... ما بك ؟ )
تكلم آسر بنبرة هادئة خجلة : ( لقد خيبت أملك لكن أقسم لك أستخدموا خطوطا عبر الأقمار الصناعية كان من الصعب تتبعها و معرفتها في وقت قصير لكن أنا قمت بأستغلال الأطباق اللاقطة هنا و أرسلنا أشارات تشويش و أيضا تكلمت مع تارا و قاموا بهذا من هناك أيضا )
مسك بسيل كتف آسر و قال له مشجعا : ( لا يا آسر لم تخزلني و لن تخزلني أبدا .. أنهم اقوى منا و لديهم طرقهم الملتوية و نحن أيضا سنواجهم المهم التعلم من أخطائنا و لا نكررها )
فرح آسر بكلات بسيل و أخبره بخبر كان ضمن مخططهم : ( لقد فعلت ما خططنا له سابقا )
أبتسم بسيل و قال : ( حقا .. مقاطع الفيديو من داخل قلب المفاعل تم تصويرها )
و بسعادة أجابه آسر : ( نعم بسيل الآن يمكنهم أن يروا كم نحن جديون هنا )
مشي معه عبر ممر طويل على جانبيه صفوف من المكاتب : ( أرسل المقاطع إلى إيرين حالا ، نحن نعمل على رد قاطع عليهم )
دخلا المكتب في نهاية الممر ، مكتب كبير ممتلئ بالملفات و الأوراق و الخرائط يخص مدير المنشأة ثم جلسا على الأريكة و سأل آسر : ( ماذا حدث مع جماعة القرين ؟ )
رد بسيل بخيبة أمل : ( ما زلنا لا نعرف عنهم أي شئ .. أولا نخمد الفوضى في الشوارع التي أشعلوها ، و أنا أثق بلينور سيجد أحدهم لا محالة )
- ( أستلمت إيرين المقاطع يا بسيل )
- ( جيد جدا .. أتتذكر تلك الطريقة لصنع عدد كبير من حسابات التواصل الأجتماعي ، نحتاج هذا لنشر المعلومات المضادة ، هذا وقتها )
أشار أسر إلى جهاز على مكتب المدير به العديد من أجهزة الهاتف المحمول و الشرائح الألكترونية و قال : ( نحن نتحكم بأكثر من 100 صفحة مختلفة و ننشر و نكتب العديد من الأشياء و نبذل ما في وسعنا )
قال بسيل و هو ينظر إليه نظرة أخ : ( أثق بك ثقة عمياء يا آسر )
أكتفا آسر بالأبتسام و بقيا يتحدثان لثلاث ساعات حتى سمه بسيل صوت إيرين على جهاز أرساله : ( بسيل نحن مستعدين .. و نحتاجك هنا )
نهض من مجلسه و ودع آسر بحرارة و تركه و أخذته السيارة رجوعا للقصر الرئاسي ، و في طريق العودة لاحظ الشاحنات تحمل عدد كبير من الناس تم أعتقالهم لفض الشغب ، الحواجز نصبت في الشوارع بدقة و الدبابات تغلق الطرق ، لا تهاون مع أحد يسير في الشارع خلال حظر التجوال ، و أيضا شاهد دخان حرائق الأطارات و شم رائحة تشبه دخان القنابل المسيلة للدموع التي أستعملت لفض الأحتجاجات و الشغب .
وصل بسيل إلى مكتبه في القصر الرئاسي و راي إيرين واقفة مع سلاحها و امامها شخصان رجل و أمرأة و سألها : ( من هؤلاء يا إيرين ؟ لماذا هم هنا ؟ )
ردت و هي تضع يد على مقدمة سلاحها و الأخرى في نهايته : ( هؤلاء سيلين و باتريك يخرجون برامج و نشرات الأخبار و قد صنعوا الفيديو الرائع الذي ستشاهده )
ألقا بسيل عليهم التحية و لكنهم أكتفيا بهز الرؤوس و على ملامحهم تترسم الخوف و الرهبة منهم ، لكن بسيل طمأنهم : ( أنتم لستم مخطوفين أو أسرى فأسترخوا من فضلك )
جلسوا جميعا و بدأ الفيديو بمشاهد نهارية لشوارع و ميادين مدينة مونيبوليس ، الجنود مصطفين في الشوارع و مشاهد تمثيلية للجنود يساعدون الناس العجائز للوصول لمنازلهم و الحصول على الطعام و الماء تم تجهيزها من ساعات ، و مشهد لرجل في منتصف العمر ذو لحية خفيفة يقول " لا أحد يسئ إلينا ، هم يوفرون الطعام و الماء و احتياجتنا الأساسية ، يعاملونا بأحترام و أخبرونا أنهم هنا كوسيلة للتواصل مع العالم و أظن أنهم محقون " ، و خلال المشاهدة سأل بسيل إيرين : ( أين وجدتي المواطنين الذين وافقوا علي قول هذا ؟ )
ضحكت إيرين : ( عندما توجه فوهة البندقية إلى رأس أحدهم يكون لذلك تأثير السحر يا قائد )
أكمل المشاهدة برؤية لقطات لأشخاص يتناولون الطعام و يتبادلون الحديث مع جنود في الشارع مما يوحي بالسلام و التفاهم بين الطرفين و بسيل سعيد جدا بما يرى و بما أنجزته إيرين ، الفيديو خال من مشاهد العنف و كله صور في قلب شوارع مونيبوليس بأشخاص حقيقين من سكان البلد .
ثم ظهر رئيس المدينة قائلا بشكل هادئ " نحن محتجزون لكنهم لا يجبرونا على شئ ، يحترمونا و شرحوا لنا سبب أحتجازهم لنا ، ليس لإذائنا بل لإيصال رسالة للعالم عن الظلم و الموت الذي يتعرضون له بشكل يومي ، و أعتقد أن العالم يجب أن ينصت لهم )
قفز بسيل مسرورا من الكرسي و قال : ( لا تخبريني أنك وجهتي فوهة بنديقتك إليه ليتكلم هذا الكلام )
وقفت إيرين و قالت مسرورة لسرور بسيل : ( لا بل جعلته يري الصور التي وصلتني من قلب مفاعل كاشفيرنا النووي و ما نفعله هناك )
ثم ظهرت مشاهد العمل في مفاعل كاشفيرنا النووي و تحكمهم في قلب المفاعل و قدرتهم على تحويله إلى سلاح دمار شامل و كتب تحتها " نتخذ كل طرق الأمان اللازمة للحفاظ على المفاعل سليما بعيدا عن أي هجوم قادم من الخارج "
تحولت ملامح بسيل قليلا الى القلق و تسائل : ( ألن يعرف الناس أننا نحوله إلى سلاح ؟ )
أجابت واثقة من نفسها : ( و هل يفهم السكان العاديين في علوم الذرة والأسلحة النووية ؟! لكنها رسالة لقادة الدول الذين سيكتشفون ذلك من تلك المشاهد )
أقتنع بسيل بكلامها و أكمل مشاهدة لقطة النهاية أطفال و نساء يلوحون للكاميرا سعداء و مكتوب على الشاشة " نريد أن يسمعنا العالم " مع موسيقى حماسية .
صفق بسيل طويلا جدا لإيرين التى أحمر خديها من الخجل و قال : ( لو كنت أملك طريقة لأعطائك جائزة الأوسكار لفعلتها )
مسكت يديه ليتوقف عن التصفيق و قالت : ( بل الفضل أيضا لسيلين و باتريك )
أتجه لهم لتحيتهم : ( شكرا لكم جزيلا على العمل الرائع .. يمكنكم العودة الى منازلكم )
قالت سيلين بتعجب : ( حقا نعود ! .. يمكننا )
رد بسيل مبتسما : ( نعم بالتأكيد ، أنتم أحرار لم نخطفكم ... لو أحتجناكم سنحضركم مجددا )
ساروا بخطوات سريعة و خرجوا مع احد الجنود و ما هي لحظات حتى دخل لينور غاضبا و الدماء تغلي في رأسه ، و رأه بسيل و قال له و أسنانه ظهرت من حجم الأبتسامة الكبيرة المرسومة من اليمين لليسار : ( لماذا وجهك محمر يا لينور ؟! لو شاهدت التحفة الفنية التي صنعتها إيرين ستتحسن )
رمي بهاتفه على المنضدة أمامه و قال بغضب : ( بل هناك تحفة فنية أخرى نشرت على الأنترنت يجب أن تراها )
مسك بسيل الهاتف و فتحه و راي نفس تطبيق المراسلة الذت تعرف فيه على المجموعة و شغل الفيديو الموجود فى أحد المحادثات ليرى نفس الشخص الملثم ذي الزي الأسود من جماعة القرين يتحدث و يقول : ( يا أبناء مونيبوليس ، يحاولون أخافتنا و كسرنا و السيطرة علينا و سلب كرامتنا .. نعم لسنا جيوشا مدربة و لا قوة كبيرة و لكن هذه مدينتنا .. هل سنترك نسائنا و أطفالنا يموتوا جوعا و عطشا عندما ينفذ الطعام و الماء .. لن اقول شعارات و لن أطالبكم بالدفاع عن أرضكم و بلدكم .. لا لا .. أحموا أسركم و أطفالكم المسئولون منكم او موتوا جوعى ثم يقولون لكم نحن لسنا السبب لم نسفك الدماء كما وعدنا .. لن يتغير شئ لو أنتظرنا المساعدة من الخارج لأنهم مرهقون من حربهم .. لن يتغير شيئا إلا بنا و القرار الأخير لكم )
وضع الهاتف أعلى الطاولة و الحيرة عليه و سأل : ( كيف يصلوا إلى شبكة الأنترنت ؟! )
أجابه لينور : ( هذا الفيديو يتادول بين الناس هنا الآن عبر البلوتوث يكفي أن يمتلكه واحد فقط و يرسله للبقية ، أن ألتقطت طلبا لأرسال ملفات خلال طريقي لهنا )
دخل آسر فجأة و في يده ملف و قال : ( أنا اسف لمقاطعتكم لكن يا بسيل نحن أنتهينا نتحكم بنسبة 100 % بالمفاعل الآن .. سيطرة كاملة و كل المعلومات و الشفرات في هذا الملف )
ألتقط منه الملف و قال : ( لا يخرج أحد من العاملين يبيتون داخل المفاعل .. لو خرجوا لن يعودوا )
- ( بالطبع يا قائد )
وصلت تارا أيضا فجأة بأخبار جديدة : ( أنتم كلكم مجتمعون جيد .. يوجد أشخاص يريدون مقابلة بسيل شخصيا )
تكلمت إيرين : ( أي أشخاص .. غرباء )
لينور : ( ماذا يريدون منا ؟ )
شرحت تارا : ( هم من السكان و قد أعطوا كلا منهم ذاكرة تخزين USB و خطفوا أطفالهم و أجبروهم للمجئ لتسليمها لك شخصيا ، هم رجل و أمرأة يبكون بحرقة بالخارج )
قال لينور بحزم : ( لن يدخل أحد إلى هنا إلا بعد تفتيشه بالكامل )
تارا : ( فتشوا لقد جعلوهم يخلعون ملابسهم أيضا )
قال بسيل : ( يمكنهم الدخول الآن )
دخل الرجل و يبدو في منتصف الثلاثينيات يرتدي قميصًا بأكمام طويلة مطويّة قليلًا عند المرفقين، وبنطال جينز مريح، مع ساعة معدنية قديمة على معصمه ، إما المرأة ترتدي كنزة صوفية ناعمة فوق قميص قطني، وبنطال داكن، وفي يدها خاتم زواج بسيط وأنيق ات قوام متوازن لكنه يعكس حياة مليئة بالمسؤوليات .
أقترب الرجل يبكي بحرقة شديدو الدموع تتساقط و يصرخ مكسورا : ( لقد خطفوا أبني و التسع سنوات ، لا يعلم شيئا و طلبوا مني أعطيك هذه شخصيا ... من فضلك خذها و أنقذنا )
و قالت المرأة و هي منهارة : ( و أنا ابني سبع سنوات أخذوه من منزلنا سيدي ، قلبي موجوع عليه )
تحاول إيرين تهدئتهم و أستلمت منهم ذاكرات التخزين و أعطتها لبسيل و تجمعوا ليشاهدوا ما بها و بينما بسيل يوصل الذكرة بجهاز الكمبيوتر المحمول كان الرجل و المرأة يخلعون أحذيتهم بهدوء و ينزلان إلى الأسفل ليلتقطوا المسدسات الصغيرة التي أخفوها فيها و الأخرين مشغولين بمتابعة جهاز الحاسوب .
رفع الغريبان سلاحهما في وجه بسيل و ثانية واحدة كانت أربعة بنادق موجهة في أتجاههم أيضا ، حولت المرأة الغريبة مسدسها لرأس لينور و هو و تارا سلاحهما نحوها ، و الغريب مسدسه لرأس بسيل و نحوه سلاح آسر و إيرين ، تعقد الموقف و الموت اصبح يخيم فوق راس الجميع .
تكلمت الغريبة : ( من الأفضل ألا ينادي أحد على الحراس لو كان حياة قائدكم تهمكم )
قال الغريب : ( لا رسائل يا سيد بسيل على الذاكرة .. الرسالة الحقيقية سأوصلها لك الأن )
بدا الجميع و كأنهم في وسط عاصفة الفوضى ، الأنفاس تتسارع، وأصواتها تختلط بخفقان القلوب، فيما العيون تتشابك في تحدٍّ وريبة ، كل يد تمسك بسلاح و كل رصاصة تبحث عن رأس تستقر فيه ، إلا بسيل بلا سلاح و بلا حراك مشدود من الخوف و العناد ، يتبادل النظر مع من يريد قتله برهبة و تحد مثل وحوش جائعة تنتظر الفرصة لألتهام بعضها ، كان هدوءه في قلبه و يقول في عقله " أطلقوا النار لو كنتم تجرؤون " ، كان الجميع يرقص على حافة الهاوية التي لا يرى أحد عمقها .
Mahmoud Ahmed