الفصل العاشر

الفصل العاشر

13 0

أنجولا 2035 – بعد ستة أشهر من الحرب

كانت جماعة الأتحاد الشعبية تنقل المصابين و الناجين من كل قصف و هجوم إلى مناطق أمنة تحت سيطرتهم ، و في ليلة التاسع من ديسمبر وجهت دول الحلفاء الجدد ضربة قوية و قصفت ثلاث مناطق مأهولة بالسكان و قاعدتين عسكريتين عقابا لمساعدتهم دول الردع بأستخدام موانيهم .

سمها الحلفاء الجدد عملية القبضة الحديدية ، و سمها سكان البلد ليلة الدم و النار ، و الحرائق مشتعلة لا تستطيع سيارات الإطفاء السيطرة عليها و المسعفون لا يخرجون إلا جثث مقطعة من اسفل الركام و كانت جماعة الأتحاد تنقل من يبقى على قيد الحياة لأماكن بعيدة عن ساحات الدمار و القتال .

وصلت الدفعة الأخيرة فى الرابعة فجرا و أتت القائدة لفحص أخر الواصلين و وجدت بينهم شخصا لا يشبهم غريب عنهم معه سيدة عجوز تنام على كتفه و هو يحتضنها ، طلبت من الجنود إحضاره و توفير كل سبل الراحة و الطعام الدافئ و ملابس نظيقة للسيدة الكبيرة معه .

ترك الرجل السيدة تذهب معهم و إنصاع لأوامرهم و تبعهم لغرفة شبه مظلمة تضئ بنور أصفر خفيف ثم جلس في الجهة المقابلة للقائدة على طاولة معدنية بها طعام دافئ و شراب .

كان وجه مغطى بالتراب و ملابسه مقطوعة و جرح أعلى رأسه ينزل منه خطا من الدماء ، ينظر للطعام و حوله ثم يسمع القائدة تقول له : ( لا تقلق .. تناول الطعام و سنحضر ملابس جديدة لك .. و سنعتني بالسيدة معك .. ما صلتها بك بالمناسبة ؟ )

تكلم بصوت يخرج من حنجرته بمعاناة من هول الصدمة : ( إنها أمي )

- ( سنعتني بها جيدا .. أنتم هنا أمنين .. من أي بلد أنت بالمناسبة ؟ )

تحدث و الرجفة تسيطر على جسمه كطفل صغير : ( أنا من مصر )

ابتسمت القائدة و قالت : ( مصر .. الأهرامات .. سأزور بلدكم الجميلة يوما ما .. و ماذا تفعل هنا ؟ )

قال و هو يبدأ بتناول الشراب الدافئ و السائل يهتز من كثرة الأرتعاش : ( كنت أعمل في أستخراج البترول منذ سنتين)

أستمرت بسؤاله : ( و ماذا تفعل أمك معك هنا ؟ )

قال بعبوس : ( أحضرتها هي و زوجتي للعيش معي هنا )

- ( لديك زوجة ؟ .. أين هي ؟ )

ترك الشراب و سمح لقطرات الدموع النزول من عينيه و قال : ( لقد ماتت .. ماتت و هي حامل في الشهر قبل الأخير من الحمل .. و لا أجد جثتها حتى الأن )

وضع راسه بين يديه و بكى بحرقة شديدة و تأثرت به القائدة و بكت أيضا لبكائه و قالت : ( جميعا خسرنا .. بل هناك من خسر أكثر منك .. تماسك و أنظر لي .. أنظر لعيني )

رفع رأسه و وجهه غارق بين الدموع المختلط بذرات التراب المتناثر على وجهه و قالت له بجدية : ( أتريد الأنتقام ؟)

رمت تجاهه مسدسا و حدقت في عينيه و تركته يتخذ القرار و قال : ( نعم .. أريد )

ألتقط المسدس و تفحصه بغرابة حيث لأول مرة يمسك سلاحا في حياته ثم سألته : ( ما أسمك الذي ينادوك به ؟ )

رد ممسكا السلاح بقوة : ( أنا وسام .. و أنت ؟ )

صافحته و قالت : ( و أنا جوزفينا )

..............................................................

بعد أربعة سنوات من الحرب 2039

نادت جوزفينا على وسام المشغول بتوزيع المساعدات و الطعام على الناس ، و هب إليها لأنه حس من نبرتها بوجود شئ مهم جدا ، و عندما وصل إليها قالت : ( أنظر ما يحدث في مونيبوليس .. لا أصدق هذا كان حلمنا دائما )

سأل وسام : ( هل أحتُلت المدينة ؟ )

- ( لا مجموعة مسلحة ، سيطرت على المدينة و أخذت سكانها رهائن و قالوا أنهم يفاوضون لإنها الحرب .. هذا ما أردناه سابقا و أردنا أن نفعله و لم نتمكن )

تجمع الناس حول التلفاز و سمعوا المذيع يقول : ( .. لا نعرف مصير السكان الموجودين تحت يدي المسلحون الآن ، و قد أعلنوا أن المصارف و الهيئات الحكومية كافة تحت سيطرتهم ، و قد أعلن ما يبدو أنه قائدهم و يسمى بسيل .. )

تراجع وسام للخلف كأنه رأى شبحا من الماضي و ألتفت إليه جوزفينا و قالت : ( ما الأمر يا وسام ؟ )

أبتلع عروقه و قال : ( أين أمي ؟ يجب أن نحضرها الآن )

أحضروا أمه على كرسيها المتحرك و قال لها و هو يشير للشاشة : ( أمي ، هناك شخص أريدك أن تتعرفي على وجهه .. لا اعرف لو كان هو من في راسي أم لا .. لكن عندما سمعت اسمه عرفت أن ليس كثيرا يحمل هذا الأسم في مصر .. أنظري للشاشة و ركزي جيدا بالله عليكي )

أتسعت عيناها بدهشة ، لم تنسى الوجه الذي يشبه ابيه و زوجها أبدا و سألت أبنها : ( ما اسمه ؟ )

مسك يدها بلطف و قال : ( بسيل .. أسمه بسيل )

أتجه وجهها للسماء تتعجب من قدرة الله مجمع القلوب مهما كانت الظروف و المسافات و قالت و حنين الذكريات يطوف بها : ( أنه أخوك .. أخوك الذي طالما أخبرتك عنه يا وسام .. كن بجانبه لو كان في مأزق يا بني )

رفع سلاحه أمام صدره و قال إلى جوزفينا : ( جمعتنا معا ربما نستطيع أن نقام الحرب في كل العالم يوما ما .. سنحقق حلمك معك .. سنذهب و نكون معهم .. سنقف معهم في وجه العالم )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جلس بسيل و وسام وحدهما صباحا يتناولون الشاي ، يخطفان النظرات و لا ينطقان ، حتى وضع وسام كأسه و قال : ( طلبت أن أجلس معك منفردا لأجيبك على كل أسئلتك من دون قولها ، أبينا تزوج والدتك تحقيقا لرغبة أمي التي ألحت عليه كثيرا الزواج بأخرها بسبب تأخرها الطويل بالأنجاب و الكثير من التحاليل التي قالت أن نسبة حدوثه ضعيفة جدا لذلك تزوج والدتك بعد أمي بخمس سنوات ثم تأتي أنت و تشاء الأقدار التي لا يستطيع أحد الوقوف في وجهها أن تنجبني أمي بعدك بعام )

سأله بسيل بهدوء : ( و أين والدتك الآن ؟ )

نظر وسام إلى الأرض و قال : ( تركتها في أنجولا أمنة .. أتعلم أن والدك دائما كان يحدثنا عنكم ، أحببناكم كثيرا من كلامه ، على عكس أخرين يكرهون الزوجة الثانية و أولادها )

ابتسما و قال بسيل : ( ماذا كنت تفعل في أنجولا ؟ و من هؤلاء معك ؟ )

أسترسل وسام في حديثه : ( كنت سابقا أعمل مهندسا في أحد شركات البترول هناك .. مع الوقت شعرت بالضيق وحيدا و أحضرت أمي و زوجتي الجيدة للعيش معي .. و بعد ستة اشهر من الحرب ضربت قوات الحلفاء الجدد المدينة و سوتها بالارض و ماتت زوجتي و أبني في بطنها قبل شهر من ولادته ، لم أستطع إعادتهم لمصر بعد إغلاق المجال الجوي )

أخذ نفس عميقا و قال : ( جوزفينا هي قائدة قوات الأتحاد الشعبية هناك ، أعتنت بنا و وفرت لنا حياة أمنة و ضمتني لها ، و طالما راودها هذا الحلم أن تقف مثلكم و تطالب بوقف الحرب ، صنعنا الحلفاء في الخارج لكن تجمُعنا كان مستحيلا ، حتى ظهرتم أنتم و وحدتم الكل ، صدقني هناك الكثير مثلكم ... )

قاطعه بسيل : ( لكن لا أريد أن يتمادى الأمر أكثر .. هذا يزداد صعوبة علينا يوما بعد يوم )

قال وسام بثقة : ( لا يوجد صعب و نحن معا .. مونيبوليس أصبحت رمزا و سيأتي لنا الكثيرين ، الدعم قادم .. إنها معركة يجب أن نخوضها نحن أو غيرنا ..و لن أتركك وحدك أبدا يا أخي الكبير يا قائدنا )

طرقت إيرين الباب و دخلت و معها جوزفينا و قالت : ( بسيل لدي أخبار لك كبيرة قادمة من الخارج .. يريدون التفاوض و سيرسلون غدا وفدا للتكلم معنا )

عمت الفرحة المكان و أحاسيس النصر ، فالطرف المنكسر دائما ما يبدأ بالتفاوض و كبح ما يستطيع من الدماء ، و وضع وسام يده على كتف بسيل و قال بحماسة : ( أرأيت ؟ نحن من معنا الحق و لهذا النصر حليفنا )

رد عليه بسيل : ( لن يكون أقناعهم سهلا يا أخي )

دوت كلمة أخي في أذن وسام كسمنفونية جميلة و قال : ( إذا سنذيقهم المزيد من الآلم حتى أخر قطرة من دمائنا )

تدخلت جوزفينا : ( لا تهم أهازيج النصر الكاذبة ، مستعدة أن أموت و أنا ادافع عن قضيتي و كرامتي ، مستعدة أن أخسر و لكن لا يقول أحدإنني لم أحاول )

أعجب بسيل بكلمات جوزفينا القوية و قال لها مازحا : ( أنت تتحدثين الأنجليزية ببراعة )

أبتسمت و قالت بكبرياء : ( أتكلم خمس لغات يا بسيل ، البرتغالية و الاسبانية و الانجليزية و الإيطالية و العربية التي أتعلمها من وسام )

أزداد إعجاب بسيل بشخصيتها و كاريزمتها الطاغية و قال لها : ( أنت أيضا تشكلين صداقة مع إيرين من اليوم الأول؟)

ردت إيرين : ( نعم بيننا أنسجام عجيب ، لم يكن غريبا أن نصبح أصدقاء من اليوم الأول )

الفرح كان كالنور بينهم ، يضئ كل الزوايا المظلمة بسبب ما حدث سابقا ، لهذا أستمتعوا باليوم و تناولوا الطعام كفريق واحد ، متعهدين على البقاء معا حتى نقطة الدم الأخيرة ، وذهبوا ليستعدوا ليوم الغد الهام .

في صباح اليوم التالي تعطلت أسلحة الدفاع الجوية لتسمح بطائرة وفد التفاوض بدخول أجواء المدينة و الهبوط في مطارها ، و ما إن خرج المسئولون وجدوا في إستقبالهم صفين متقابلين من عشرات الجنود الأشداء المدججين بالعتاد ، وزعوهم على السيارات و فتحوا نوافذ سياراتهم ليشاهدوا وضع المدينة التى كانت خالية على عروشها ، الكمائن و الحواجز في كل مكان ، حظر التجوال فرض طوال اليوم بسببهم ، و سكان المدينة خائفين منذ خطاب بسيل الأخير ، و أحد المسئولين يسأل جندي مقنع يجلس بجواره في السيارة : ( أين ذهب سكان المدينة ؟ )

لم يجبه الجندي و ظل صامتا ، و هم مستمرون في مشاهدة كل شئ ، المحال و المنازل و حتى النوافذ مغلقة لا يوجد عين تتسلل النظر من وراء ستارة ، لا يوجد نفس يؤخذ في المدينة التي لم تتوقف عن الحركة و العمل يوما .

كان مثل أستعراض قوة من بسيل و زملائه ليظهرون لهم مدى سيطرتهم على المدينة و مدى صدقهم عندما قالوا أن سكان المدينة رهائن لديهم ، و مدي قوتهم في نشر قواتهم على الطرقات المؤدية إليهم .

وصلت السيارات العشرة إلى مقر قيادة الشرطة أو مقر قيادهم هم و نزل أولا رئيس الوفد و أكبرهم سنا و حياه بسيل بعبوس بينما الأخر أرتسم إبتسامة إحتقار خبيثة و قال : ( مرحبا سيد بسيل .. سعيد بمقابلتك أخيرا )

أتبع بسيل أسلوبا سياسيا لئيما في الحوار و قال : ( مرحبا بك .. نعتذر إننا لم نستقبلك في القصر الرئاسي لكن بكل أسف أنتم دمرتوه تدميرا بطائراتكم )

شعر رئيس الوفد بالخجل و قال : ( لا يهم .. يمكننا أن نجلس في أي مكان تشاء )

أتجهوا إلى قاعة الأجتماعات الكبرى و جلسوا حول طاولة مستديرة كبيرة ، بسيل و زملائه يمينا و الأخرين يسارا ، أغلقت الأبواب و أستهل رئيسهم الكلام : ( سندخل مباشرة للموضوع .. أديتم جيدا حتى الآن ، و لكن ماذا تريدون من وراء كل هذا ؟ )

تكلم قائدهم بسيل : ( نريد الأنهاء الفوري للحرب ، و قف المزيد من سفك دماء الأبرياء لأطماع معينة )

أمتعض رئيسهم و قال : ( هذا مستحيل .. الحروب تنتهي عندما يكون هناك منتصرين )

رد بسيل : ( أو مجرد إدراك الأطراف أن استمرار الحرب يعني خسارة متبادلة مدمرة ، و نحن أثبتنا قدرتنا أمامكم )

و قال لينور : ( أو أيضا الفناء المشترك عندما نشعل حربا نووية تؤدي إلى فناء الجميع )

أخرج وسام من تحت الطاولة حقيبة سوداء جلدية و فتحها ، ممتلئة بالأزرار من الداخل ، لفها نحوهم ليراها الجميع و قال : ( أصبحنا نملك زرا نوويا مثل البقية ، إذا كفتي الميزان متساوية الآن )

نظرات الرعب تخرج من أعضاء الوفد ، لا يجدون الكلمات المناسبة للرد ، لا يريدون أستفزازهم أو تهديدهم و هم يمتلكون تلك القوة حتى نطقت مسئولة فرنسية : ( لا نقبل بمثل هذه التهديدات )

ضحك بسيل و البقية و قال : ( يبدو من لهجتك إنك فرنسية و متأثرة بالهزيمة التى لحقتكم )

تدخل الرئيس قبل أن تشتعل الأجواء بينهم : ( لسنا هنا لمناقشة الماضي .. إلى متي ستظلوا صامدين ؟ مواردكم و أسلحتكم ستنفذ وقتا ما و حينها ستكون فرصة للأسد للأنقضاض على فريسته الضعيفة )

تذكر بسيل كلمات جوزفينا و قال : ( لا يهمنا أن نخرج منتصرين أو موتى .. لا نريد أن يقول العالم أننا بعناهم و لم نحاول ، سيكتبنا التاريخ في صفحاته البيضاء بينما سيكتبكم التاريخ قتلى و سفاحين )

تحدث الرئيس بصراحة : ( لكن التاريخ يكتبه المنتصرين يا بسيل )

رد عليه بسيل بثبات : ( و من أخبرك أنكم ستكونون المنتصرين ؟ )

أرادت إيرين إخراج كلمات في قلبها : ( سنخسر كلنا لو لم ننهي المجازر تلك و وقتها لن يكون هناك منتصرين يحكون و يسجلون ، سيكون التاريخ محايد و سيضع كلا منا في مكانه الصحيح )

نظر الرئيس لها و قال : ( سيدة إيرين .. كلامتك مؤثرة .. عيد مولد سعيد بعد خمس أيام .. نتمنى لو نستطيع أرسال هدية لك في مثل هذه الظروف الصعبة )

لم تفهم إيرين ما يلمح إليه هذا الرجل ربما يهذي بكلمات فقط ليؤثر في أعصابها ، و أكمل بسيل كلامه : ( لقد قلنا ما عندنا .. ننتظر ردكم )

تحدث رئيس الوفد : ( ما عندنا خروج أمن للجميع و تعويض على كل ما مررتم به في مقابل تسليم سلاحكم و أعلموا لا يمكنكم الصموت طويلا في وجه العالم )

وقف بسيل و قال : (الحرب لا تنتهي حين يسقط أخر جندي .. بل حين يرفض أول أنسان أن يكون واحدا منهم )

فهموا أن هذا تعبيرا عن رفض رشوتهم ، و خرجوا من القاعة يجرون ذيول الخيبة و فهموا أن هؤلاء لا يمكن شراءهم ، أنهم لا يخافون الموت و ليس لديهم شئ يخسروه ، و أفكارهم و قضيتهم هي ما تقودهم في هذا الطريق .. أستقلوا السيارات و قبل أن يركب رئيس الوفد نظر إلى بسيل كفرصة أخيرة لقبول العرض لكن بسيل أزاح وجهه للجهة الأخرى ، و تحركت السيارات ليستقلوا طائراتهم لتأخذهم إلى حيث أتوا .

سألت جوزفينا : ( ماذا سنفعل الآن ؟ )

أجابها بسيل : ( سنقف في وجه العالم و لو انهارت السماء فوق رؤوسنا )

في المساء ذهبت إيرين إلى غرفتها و تمددت فوق سريرها و تذكرت كلام رئيس اللجنة عندما أخبرها عن عيد ميلادها مما جعلها تفتح هاتفها و ألتقطت إشارة عن طريق الأقمار الصناعية بواسطة جهاز حصلت عليه من آسر ، تمكنت بذلك الجهاز بالأتصال بالأنترنت و كعادتها كل عام دخلت إلى حساب زوجها على الفيسبوك و كتبت له " كل عام و أنت بخير يا قلبي ، عيد ميلاد سعيد في الجنة يا حبيب عمري " ، أعادت كتابة المنشور على حسابه كلما أقترب عيد ميلادها الذي هو نفسه عيد ميلاده و كان هذا من الاسباب الكبيرة لنشأة حبهما و زواجهما .

تصفحت قليلا الأخبار و المنشورات عن الحرب و عنهم و رأت أراء الناس المختلفة من مؤيد للحرب و معارض لها و بالتبعية مؤيد لهم و ما يفعلوه في المدينة .

وجدت أشخاصا يصنعون جروبا خاصا ينشر الكلمات المؤيدة و المشجعة لهم ، حملات ضدهم و أخرى معهم ، هم حقا أثروا تأثيرا كبيرا في العالم و تمنت أن يحرك الرأي الشعبي قضيتهم و ينشرها لتحقق أهدافها .

خلال ذلك ظهر إشعار برسالة مرسلة لها منذ عدة أيام على تطبيق واتساب من رقم مجهول غريب ، غير مسجل على الهاتف ، مكتوب بها " عيد ميلاد سعيد يا إيرين " .

فتحت الرسالة و أكتشفت إنها مرسلة اليوم الثاني من وجودهم في مونيبوليس ، رد على الرسالة و كتبت له " من أنت ؟! كيف حصلت على رقمي ؟ "

أنتظرت قليلا و مرت دقيقتين و ظهر ردا على رسالتها يقول " أنتظرنا ردك طويلا يا إيرين "

كتبت " من أنتم الذين أنتظرتموني ؟ "

كان يخفق قلبها مع كل رسالة حتى ظهرت إجابتهم " نحن نحمل لك هدية بمناسبة عيد ميلادك "

قلبها كان ينبض كأنها في سباق و شعرت أن الهواء يثقل و كتبت " هدية ماذا ؟ من أنتم ؟ ماذا تريدون مني ؟ "

فكرت أن تغلق الهاتف و تتخلص من هذا كله حتى تلقت مكالمة هاتفية ممن يحادثها ، ترددت قليلا قبل الأجابة و مع ذلك رغبة داخلها حركتها للرد عليهم : ( ألو .. من معي ؟ )

رد رجل بصوت خشن يظهر من نبرته الغموض و قال : ( لا يهم من نحن يا إيرين ، المهم ما معنا لك )

- ( كيف حصلت على هذا الرقم ؟ و كيف تعرفني ؟ )

- ( و من لا يعرف البطلة الكبيرة التي تريد إيقاف الحرب العالمية ، و كنا نعلم إنك دائما تدخلين لحساب زوجك عندما يحين يوم عيد ميلادكم ، لكنك دخلت مبكرا هذه المرة )

قالت و هي تسمع دقات قلبها كالطبول وسط هدوء الليل : ( ماذا تريدون مني ؟ )

أجابها : ( نريد لك الخير و لكن في لمقابل سنطلب خدمة كبيرة منك و صدقيني الهدية غالية مقابل طلبنا )

كررت سؤالها : ( ماذا تريدون مني ؟ سأغلق الخط )

تحدث بصوت تعمه الضبابية : ( نريد أن نعيد لك أبنك .. أتتذكريه .. الذي كان في بطنك يوم الهجوم و ظننتيه مات )

كانت كلمات الرجل كرصاصة أخترقت قلبها ، مثل أحد نبش بيده في ذاكرتها المغلقة ، أختلط داخلها شعورا الأمل المستحيل و الرهبة المميتة ، اليدان ترتجفان، لكن الارتجاف ليس من الخوف وحده، بل من توق محموم: هل يمكن أن يكون هذا حقيقياً؟ ، و تشنجت عضلاتها ، و توقف عقلها عن التفكير ، و أحساس أن الغرفة تضيق بها .

شعرت بالضياع كأنها في متاهة و قالت : ( و ماذا يثبت إنه إبني ؟ ربما كذبة جديدة منكم ؟ )

رد : ( و لماذا نكذب ؟ تحليل الحمض النووي أرسلته لك الآن .. تفحصيه )

فتحت الملف و قرأت أن العينتين من المدعوان الأول و هي الأم إيرين و الثاني إيفيان تثبت أن الثاني هو أبن الاولى طبقا للأختبارات و العينات المستلمة .

خافت أن تُخدع مثل بسيل و قالت : ( هذا التحليل مزور )

أرسل بعض الملفات و قال : ( و الصورة التي أرسلتها الأن مزورة أيضا .. قارنيها مع صورك أنت و زوجك و الشبه بينكم )

نظرت للصورة و رأته يحمل عيونها العسلية و ملامح والده ، بشرته فاتحة صافية و أنفه و فمه و شعره الأسود الناعم مرسومين كأبيه تماما .

يختنق صدرها و عيناها تتسعان ، يسقط الهاتف من بين يديها كأنها رأت شبحا من الماضي ، مسكت الهاتف من جديد و فتحت فيديو و هو يلعب الكرة و تنهار من الدموع و تحمر عيناها ، شاهدت لقطة و هو يرد على رجل يسأله : ( قل اسمك ؟ و تاريخ اليوم ؟ )

قال : ( إسمي إيفيان و اليوم هو الثاني من سبتمبر 2039 )

سأله الرجل : ( ماذا تتمنى يا إيفيان ؟ )

رد بصوت طفل هادئ و برئ و هو يخرج صورة من جيبه : ( أريد أن أن تأتي أمي في الصورة .. لم أقابلها أبدا .. أعلم يا أمي أنك تنقذين الناس كما أخبروني .. لكنك تأخرت كثيرا و أنا مشتاق إليك كثيرا .. أنا هنا وحيد لا يعانقني أحد و لا يلعب معي الأخرين .. أنا احبك كثيرا و أحلم بك كل يوم )

أنتهى الفيديو و تمزق قلب إيرين تمزيقا و هي تراه يلوح بصورتها و ينتظرها ، هيمنت عليها مشاعر الأمومة و تحولت من إيرين القوية إلى أمرأة أخرى محطمة الآن ، تتساقط دموعها الغزيرة و الثقيلة على شاشة الهاتف و صورة إيفيان عليها ، نحيب مبحوح متقطع، أشبه بصرخات مكتومة يخرج معها الهواء متثاقلاً، تتخلله شهقات تهز الصدر وكأن كل نفس هو معركة للبقاء ، إنه بكاء لا يخفف الألم .

قالت في الهاتف بصوت منكسر : ( ماذا تريدون مني لتوعيدوا لي إبني ؟ )

رد الرجل : ( نريد شيئا بسيطا و تستعيدي إبنك و حياتك و إجابة أي أستفسار يدور في رأسك .. تقتلي بسيل و ترشدينا على نقطة ضعف أو ثغرة في المدينة تساعدنا على أختراقها )

قالت بصوت مبحوح : ( تريدوني أن أخونهم )

قال لها : ( يمكنك أن تظلي وفية لهم و لن تحصلي على إبنك أبدا .. أتخذي قرارك .. لديك 48 ساعة فقط و تكلمينا على نفس هذا الرقم )

أنتهت المكالمة ، يقع الهاتف من يدها و تقع هي على الأرض على ركبتيها و راسها على الأرض تضربها بيدها ، و تزيد من البكاء و الدموع الحارة ، صرخات مكتومة ترجها من الداخل .. ليل طويل سيمر عليها حتى شروق الشمس ، لا تفكر سوى في شئ واحد فقط أريد إبني ، أريده هو جزء مني .

ولد يوم جديد و أجتمع الفريق على طاولة الأفطار لمناقشة الجديد و معرفة خطوتهم التالية بعد فشل أجتماع الحوار الأخير ، فلا يجب أن تظل الأمور راكدة ، هذا وقت خطوة جدية حقيقية ، فنشوة الفوز و الأنتصار مازالت تملأهم .

بحث بسيل يمينا و يسارا و لم يجد إيرين و سأل عنها : ( لم يرى أحد إيرين اليوم ؟ )

قالت تارا يأستغراب : ( غير ممكن ، إنها تلتزم بالميعاد دائما .. سأذهب لإقاذها )

طرقت تارا على باب غرفة إيرين عدة مرات و لم تتلقى إجابة منها ، صرخت عليها " إيرين .. إيرييين ، أنتي متأخرة كثيرة "

طرقت الباب بشدة أكثر و نادت " إيرين .. لماذا لا تردي ؟ هل أنتي بخير ؟ "

قلقت تارا عليها كثيرا و ذهبت لتطلب النجدة من الأخرين : ( ساعدوني إيرين لا تجيب عليا .. طرقت الباب عليها عدة مرات و لم تستجيب و تغلق الباب بالمفتاح )

قاموا من مكانهم و هموا فزعين إلى غرفتها يطرقون بشدة و ينادون عليها بصوت عال .. تقدم لينور و جوزفينا و دفعا الباب عدة مرات بكتفيهما و أنكسر بعد المحاولة الرابعة ثم وجدوا إيرين ساقطا على الأرض قد قطعت شرايين معصمها بسكين ملقى بجوارها و غارقة وسط دمائها .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة