ظل بسيل يحدق فى كوب الشاي أمامه و هو جالس منتظر فى مقهي مترو الأنفاق الذي اتفق على مقابلة زملائه الجدد من الأنترنت عليه ، و حوله أصوات تحرك عربات المترو و أحاديث الناس تأتيه من كل حدب و صوب ، و شباب يركض يريد ان يلحق بالمترو قبل أن يغادر ، كثيرون حوله يعيشون ما تبقا من حياتهم القصيرة أو الطويلة كما هي مما يجعله يعيد التفكير فى فكرته التى لا يعرف إلى اين ستقوده ، و من العقاب الذي سيناله لو فشلت.
أشارت ساعته الى الثانية بعد الظهر ، الوقت المتفق عليه تماما ، ليحس بشخص يضع يده على كتفه فيدور بسرعة خائفا و يجد شاب يبدو أنه فى أواخر العشرينات من عمره ، طويل القامة مع جسم رياضي و بشرة بيضاء شاحبة ، و ملامح حادة توحي بالهدوء مع عيون تميل الى الزرقة و شعر أشقر ناعم يميل إلى الذهبي تحت أشعة الشمس ، و يرتدي قميصا أبيضا مع سرول جينز ضيق .
أبتسم الى بسيل و قال : ( سأقول الأن شيئا غريبا ، أنت لست قصيرا كما تخيلتك )
بسيل : ( لينور ؟ ) لينور : ( نعم )
أحتضنا بعضهما و جلسا و قال لينور : ( ألم يحضر البقية بعد ؟ )
أجاب بسيل : ( لا .. ليس بعد )
قال لينور بأبتسامة : ( ما رأيك ؟ أبدو سائحا .. لا شئ مثير للجدل )
أقتربت منهم فتاة متوسطة القامة ، ممشوقة القوام ، بشرتها قمحية اللون ، تمتلك عينان عسليتان واسعتان جميلتان محاطان برموش سواداء طويلة ، تبدو فى منتصف العشرينات مع شفتان ورديتان ترتدي فستان زهري قصير حتى ركبتيها ، حول عنقها سلسلة صغيرة علي شكل نصف قلب قديمة متهالكة يبدو انها تحمل قيمة و ذكرى عاطفية قديمة مع قرطين فضيين فى أذنيها .
وقفت أمام الطاولة و قالت : ( مرحبا .. أنا تارا .. هذه الطاولة رقم 36 ؟ )
اجابوا معا : ( نعم )
سلم كلا منهم عليها و جلست على الكرسي بينهما على الطاولة و قالت : ( اووه بسيل أنا سعيدة جدا بمقابلتك .. أنت تبدو أجمل مما توقعتك مع هذا الشعر الأسود الناعم القصير و العيون البنية )
شعر بسيل بالخجل و قال : ( شكرا لك بل أنتي فائقة الجمال )
أحمرت وجنتيها وقالت : ( شكرا لك .. )
دخل عليهم تاليا شاب يميل الى النحافة متوسط القامة لديه عيون سوداء قاتمة مع شعر اسود يسرحه الى اليمين مع نظارة طبية ، يرتدي تيشرت رمادي اللون و بنطلون جينز .
أقترب منهم و قال : ( مرحبا جميعا .. أنا آسر )
حياه بسيل تحيه كبيرة و أحتضنه و هنأه على وصوله بالسلامة و سلم على البقية الجالسين و قال : ( نحن أربعة .. أظن شخصا ينقصنا )
كانت إيرين أخر الواصلين التى عرفوها قبل أن تقترب منهم ، طويلة القامة بسبب الكعب العالي الذي ترتديه تمشي بثقة و ثبات مع كتفين مرفوعين ، بشرتها فاتحة بلون عاجي ناعم مع عيون زرقاوان مائلتان للرمادي ، فقط لمسة صغيرة من مستحضرات التجميل تبرز جمالها الطبيعي ، شعرها بني فاتح طويل حتى منتصف ظهرها مربوط كربطة ذيل الحصان ، مرتدية نظارة شمسية سوداء ، جسمها منحوت بشكل طبيعي لا تميل للنحافة الزائدة و لا البدانة ، ترتدي فستانا قصيرا حتى منتصف الساق بلا أكمام من الأعلى .
و قف بسيل ليرحب بها قبل ثانية من أقترابها من الطاولة ، شعر أنها هي دون أن تقول هي ذلك ، مد يده مبكرا إليها و قال : ( مرحبا بك من الرائع وصولك بالسلامة إلى هنا )
أجابت : ( شكرا لك .. أظن انك بسيل )
- ( نعم أنا )
وقف الجميع لتحيتها و هي تنتقل من شخص لأخر بنظرتها الدالة على الثقة و الذكاء و الجاذبية و الغموض ، و تختار أن تجلس فى المقد ما بين بسيل و آسر .
تناول الجميع الطعام فى فنادقهم فطلبوا مشروبات و عصائر ثم بدأ لينور الكلام و قال : ( نحن نعرف بلدان بعضنا البعض ، لنتعرف أكثر عن أعمارنا و وظائفنا .. و نرجو أن نوحد لغاتنا سنتكلم الأنجليزية فقط لنفهم جميعا )
بدأ آسر التحدث : ( انا أملك 24 عاما ، أعمل فى مجال البرمجة و حديثا فى عمليات الأختراق الألكتروني الأخلاقي )
قال لينور : ( هل كنت تعمل مع الحكومة فى عمليات الأختراق الأخلاقي هذه ؟ )
- ( لا .. أنا اعمل حرا لأكسب مالا من من يريد أن أعيد له حساباته على مواقع التواصل ، مع البنوك ، هذه الأشياء فقط )
- ( و أنت تارا ؟ )
تجيب تارا : ( أنا فى الخامسة و العشرون من العمر .. لا أعمل .. أكتب بعض القصص فقط .. يمكنكم أن تقولوا عاطلة)
- ( و أنت بسيل )
قال بسيل بصوته الهادئ الثابت : ( أنا لدي 26 عاما .. كنت محاسبا فى الماضي و فقط )
نظر لينور إلى إيرين مبتسما بغرابة و قال : ( و أنتي يا عزيزتي ؟ )
ردت إيرين النظرة عليه بتحدي و قالت : ( أنا لست عزيزتك )
ضحك محرجا لينور : ( أنا أمزح معك )
ردت إيرين بهدوء : ( انا أملك 24 عاما .. و أنا طبيبة كما تعرفون )
جاء دور لينور للتعريف عن نفسه : ( يبدو إنني الأكبر عمرا هنا .. لدي 28 عاما و تعرفون عملي جيدا .. ليس عملا بل شيئا كنت مجبرا أن أعيش معه )
أحضر العامل المشروبات لهم و وضعها على الطاولة و عند مغادرته سألت إيرين : ( لنتحدث عن المهم الأن ، لماذا جمعتنا معا هنا اليوم يا بسيل )
صمت بسيل قليلا و شرب القليل من مشروبه و قال : ( عندما تريد أن تجبر شخصا على فعل شيئا ما فعليك أن تأخذ منه شيئا مهما و تساومه به ، حينها يكون مستعدا لتلبية أي طلب لك مقابل أن تعيد إليه هذا الشئ مرة أخرى )
قالت له إيرين بتعجب : ( أتقصد مثل سرقات البنوك ؟! )
قال : ( نعم .. مثل هذا )
قال له لينور مبتسما : ( أتريدنا أن نقتحم بنكا ؟! )
أجابه بسيل : ( بالطبع لا .. سنسطو على شئ و لكن ليس بنكا )
شهرت تارا بالحيرة و قالت : ( أنا لم أعد أفهم .. ماذا تريد منا بالضبط ؟! )
عاد بسيل بظهره للخلف و قال : ( سنسطوا على مدينة و نأخذ سكانها رهائن لدينا .. و نتفاوض بعدها )
سقط الشراب من فم لينور من الضحك و قال : ( ما تقوله يتجاوز حدود المألوف يا رجل )
قالت إيرين مندهشة : ( هذا هو الجنون بعينه )
خلع آسر نظارته و قال : ( ما تتحدث عنه مستحيل تماما )
لم تقل تارا أي كلاما على ما سمعته وبقيت صامتة ، ليعلق لينور : ( و كيف تريد أن نفعل هذا يا رجل ؟ )
أجابه بسيل : ( أنت تعرف كيف سنجلب الرجال و السلاح , و آسر سيتعامل مع أي شئ ألكتروني و معنا الطبيبة و تارا ستخطط معنا و تساعدنا )
نظر لينور فى عين بسيل مباشرة و هو يسأله : ( و ما المدينة التي تفكر بها ؟ )
قال بسيل مبتسما : ( أنها المدينة الوحيدة المحايدة التى لا تمتلك جيشا .. أنها مونيبوليس )
أرتفعت ضحكات لينور المتحمس و قال : ( أكنت تجلس أمس تخطط مع الشيطان .. أنت عبقري )
قاطعتهم إيرين : ( أنت مجانين .. هذا أنتحار .. ما أن ندخل لو أستطعنا أن ندخل سيدكونا بطائراتهم .. أموال العالم كله محفوظة هناك لهذا لا يقربوها )
قال بسيل : ( لهذا أخترتها )
قال لينور بحماسة : ( أخبرني يا أخي كيف سنفعلها ؟ )
و قفت إيرين غاضبة و قالت : ( لن أشارك فى هذا الهراء .. لا اعرف رأي البقية )
قالت تارا بتوتر : ( أنا لا استطيع أن أفعل ذلك .. ظننت سنعترض بالتظاهر أو كتابة مقالات ضغط )
قال بسيل لتارا برقة : ( لقد كتبوا خلال سنوات آلاف المقالات و ملايين الكلمات نشرت و عشرات آلاف من البشر خرجوا معترضين و النتيجة ان الموت أصبح عادة يومية حتى كدنا نفقد أنسانيتنا )
قال آسر لبسيل : ( كيف ستسيطر على بلد تعدادها 800 الف نسمة ، أن تتكلم عن ضرب من الخيال )
قال لينور بحدة : ( لنسمع خطة الرجل و نحكم و بعدها من يريد أن يذهب ليذهب على الأقل نكون قد أستفدنا بالمسافة التى قطعناها إلى هنا )
هدأت إيرين و الأخرين و نصتوا إلى كلام بسيل : ( لنفترض أننا سنغزو المدينة كم سنحتاج لجنود و أسلحة يا لينور ؟ أنت الخبير )
فكر لينور قليلا و قال : ( بالنسبة لبلد بلا جيش أو حماية مممم .. الحد الأدني خمسة آلاف جندي مع قوة برية من 70 دبابة )
سألت إيرين : ( و كيف نحمي أنفسنا من قصفهم ؟ )
رد لينور : ( نحضر نظام دفاع جوي من رادرات و نظام انذار مبكر مع خمسين صاروخا مضادا للطائرات متوسط المدي و 20 مدفع مضا للطائرات ، سيكون كاف لأشعال حرب صغيرة )
عض آسر على شفتيه و قال متوترا : ( أنهم جيوش مدربة و مجهزة فرقة واحدة منهم ستخترقنا و تقتضي علينا )
ربط بسيل على كتف آسر و قال : ( كل هذه الجنود و المعدات لحماية المداخل و المخارج للمدينة ، لكن أنا لم أتحدث عن الشئ الذي سنساومهم عليه ليس المدينة بل شئ أخر )
أخرج هاتفه من جيبه و بحث فى معرض الصور و عرض صورة عليهم و قال : ( هدفنا هو هذا مفاعلهم النووي السلمي لتوليد الكهرباء )
ضرب لينور على كتف بسيل و قال مبتهجا : ( رائع يا رجل رائع .. أنت عبقري .. أرسلتك السماء لنا )
لكن إيرين كانت غير مقتنعة و جهها متضايق و قالت بأستياء : (أهذه خطتك ، لا فرق بيننا بينهم الأن .. ما أن نبدأ نهددهم بالمفاعل حتى نتحول إلى مجموعة أرهابيين تريد تدمير العالم و الأسوء سيتهمونا بسرقة أموال العالم )
أشار بسيل ناحية آسر و قال : ( هو معنا سيساعدنا على السيطرة على محطة الأذاعة و التليفزيون ، و سيتولى أمر وسائل التواصل الأجتماعي ليجعل العالم على تواصل معنا طوال الوقت ، مهما شوهوا صورتنا سنخبرهم نحن الحقيقة )
أزداد سخط إيرين على كلام بسيل و أزداد أستياءها فى كلامها : ( أخطأت عندما قدمت كل هذه المسافة إلى هنا .. أستبقون أم نودع بعضنا و نغادر )
قال لينور : ( أنا مع هذا الرجل حتى نهاية العالم )
آسر : ( هذه فرصة جيدة و خاصة أننا سنكسب تعاطف الناس بوسائل الأعلام التى ستكون تحت سيطرتنا )
قالت تارا بدون أن تنظر إلى إيرين : ( أريد أن أشارك حتى لو كان فيها متي )
أندهشت إيرين من ردودهم و قالت : ( أنا لا أصدق .. لماذا تفعلون هذا ؟! .. أنا سأغادر )
أدارت لهم ظهرها و غادرت بدون كلمة وداع و قال لينور : ( ماذا سنفعل الأن يا أخي ؟ )
شاهد بسيل إيرين و هي تسير و تتركهم و قال : ( لنؤجل الحديث عن التفاصيل قليلا .. أشعر أنها ستعود )
أتفقوا أن يلتقوا غدا فى نفس المكان و التوقيت عادت أو لم تعد إيرين ، لكن بسيل كان يشعر من أعماق قلبه أنها ستعود ، لم تقطع إيرين مسافة قارتين و المحيط الاطلنطي هباء بل هي تخفي الكثير داخلها و كانت تعتقد أنها فرصتها لتريح صدرها مما يحتويه ، كان واثقا بشدة أكثر من أى وقت مضي ، ستعود إيرين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمسك بسيل بأمل عودة إيرين إليهم ، يشعر أنها تخفي أكثر مما تظهر ، ربما آلمها يفوقهم جميعا لهذا بقى يمسك هاتفه ينتظر مكالمة منها رغم أنه سيكمل مهمته فى جميع الأحوال ، أنتظر و أنتظر كحبيب يرجو أن ترساله محبوبته .
مرت ساعة و أثنين و تأخر الوقت ، و أخذ الأمل يتلاشى ، قال فى رأسه ربما هي على متن طائرة العودة الأن و هو يضيع الوقت ، فوضع هاتفه على سريره و نهض ليغسل وجهه .
فتح بسيل مياه الصنبور و ألتقطت أذنه صوت تنبيه هاتف ، ذهب مسرعا و تفحص اشعاراته ، هاهي إيرين ترسل إليه تطلب مكالمة صوتية معه ، الأمل عاد ، لم يصيب شعوره منذ زمن طويل ، الآن عليه أن يقول الكلمات الصحيحة لأقناعها بالعودة معهم.
ضغط بسيل زر الأتصال و قال :
- ( ألو إيرين .. كيف حالك ؟ )
- ( بخير بسيل .. ماذا تفعل الأن ؟ )
- ( لا شئ أخطط ليوم غد مع البقية )
- ( أمازلت متمسك بهذه الخطة المجنونة ؟ )
فكر بسيل قليلا و قال : ( أنت محقة أن هذا جنون محض لكن في كل الأحوال سنموت ، أنموت تحت نيران قنابلهم ، أم نموت و نحن نقاتلهم ؟ و ليس أي قتال ، أنه قتال للسلام .. للثأر لأعزائنا الذين رايناهم يموتون بين أيدينا و كنا عاجزين عن مساعدتهم ..أنحن أقل منهم لنموت ؟ .. لكننا سنموت بهدف .. هدف سيحافظ على أنسانيتنا باقية .. هدف يعيد للناس أحساس أن النزعة للأقتتال ليست من طبيعتنا .. لم نولد لنقتل بعضنا البعض كل فترة من الزمن و نخطئ نفس الخطأ كل مرة )
سمع بسيل أنفاس إيرين عبر سماعة الهاتف عندما قالت : ( أيستحق ؟ )
قال بسيل : ( بالفعل .. لن نستخدم خطاب الكراهية مثلهم ، لن نذهب خائفين منهم كما يخافون هم من بعضهم البعض بسبب الشك المتبادل ، لن نحشد الناس من أجل قرارات متطرفة بل سنحشدهم لنحرر أرضنا ، كل الأرض الأن أرضنا ، إذا فنا جزء منا ستليه البقية ، إذا سقطت الأرض سقطنا معها )
قالت إيرين بصوت متأثر : ( جعلتني أشعر إذا لم أشارك فسأكون خائنة لمن من مات من جهتي )
و أكملت : ( أين ستتقابلون غدا ؟ )
فرح بسيل فرحة غامرة و أرتسمت على وجهه أبتسامة لم تظهر عليه من فترة طويلة و قال لها : ( نفس المكان و التوقيت )
- ( لا .. فى هذه المرحلة يجب أن ننتقل إلى مكان أخر أمن )
- ( أتعرفين مكانا ؟ )
- ( بالطبع .. سأرسل لكم موقعه الأن )
أرسلت إيرين الموقع على غرفة الدردشة السرية الخاصة بهم و كتبت تحتها ( غدا نلتقي هنا لنغير العالم ) ، لتنهال عليها وابل من التهاني للعودة للمجموعة ، و سيل من الرسائل التى تتنبأ بالكثير للمستقبل ، أنه الأمل عندما يصيب البشر هل يجعلهم يفعلون المعجزات حقا ؟ سؤال جديد في عقل بسيل ينتظر إجابته من الأيام .
وضع بسيل رأسه على الوسادة و لأول مرة سينام بقليل من الطمأنينة التى فقدها منذ فترة ، مع صورة أمه تدور فى رأسه و لم ترافقه للحظة .
Mahmoud Ahmed