الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر

13 0

بعد ثلاث أعوام من الحرب – ألمانيا

أرسلت منظمة الصليب الأحمر 50 طاقما طبيا إلى ألمانيا و تم أختيار إيرين من ضمنهم ، كانت مستعدة للذهاب إلى مكان في العالم لمساعدة الناس و التخفيف من جراحهم فهذا يخفف من آلامها هي بعد أن فقدت عائلاتها قبل هذا بعام واحد و طلبت الأنضمام و التطوع إلى المنظمة بعد شفائها الكامل ، و كانت منطقة أوروبا المنطقة الأعنف في القتال ، و أخطر مناطق الحرب .

مرت الأسابيع عليها هناك في خطر مستمر ، القصف لا يتوقف ليل نهار ، و أصبح صوتا معتادا للجميع حتى أن البعض لا يستيقظ إذا سمع صوت أنفجار أو طائرات تمر فوقهم ، لكن الخطر الأكبر كانت في مشكلة الطعام التي أصابت معظم مناطق العالم ، الطعام غير متوفر و يجب أن ينتظر الناس فترة طويلة حتى تصل السيارات المعبئة بالمساعدات ، و أنتشرت وقتها إشاعات أن الناس أصبحوا يأكلون بعضهم في بعض المناطق .

المساه أيضا لم تعد موجودة فمعظم محطات المياه و الصرف قد دمرت ، و توفر بالقرب من مخيمهم في وسط ألمانيا ، مصدرا للمياه الجوفية ، يذهبون للحصول على المياه الشرب و التنظيف منه ليلا ، لأن الناس في الصباح تتجمع و تتقاتل من أجل الحصول على بعضه ، حيث سرت إشاعة جديدة أن مياه البئر هذه أيضا قد تجف .

الوضع كان مأساويا بل كارثيا ، لدرجة أن بعض المصابين يرفضون العلاج و يطلبون الموت لأنهم يجدوا فيه رحمة مما هم فيه أو الأسوأ يقتلون أنفسهم و خاصة لو فقد أحدهم أعزائه .

كانت إيرين ترى يوميا الكوابيس في نومها من المشاهد التي تشاهدها طوال اليوم ، فقط تحصل على ساعة نوم صافية ثم يبدأ عقلها في العمل و دمج كل أحداث اليوم في أحلام مرعبة ، في البداية كانت تستيقظ فزعا من هذه الأحلام التي تراودها لكن بعد أربعة أشهر من العمل وسط هذا الجحيم ، تتلقى الحلم من عقلها و تستيقظ و كأنها رؤيا و كأن عقلها و روحها تقبلت هذا الأمر و أصبح شيئا أعتياديا .

في الساعة الثانية بعد منتصف الليل أيقظ الضباط كل الأطقم الطبية ، فقد أتت رسالة أن شاحنتان من الطعام و المؤن في الطريق و الناس وصلهم خبرهم و سيتجمعون على مدخل المعسكر الشرقي للمدينة و يبعد عنهم قرابة ثلاثة كيلومترات و يجب أن يتحرك الجميع إلى هناك بما فيهم الأطقم الطبية أيضا .

نهضت إيرين فهي لا تتأخر عن الواجب أبدا رغم النعاس الذي يملأ عيونها و أرتدت ملابسها و جهزت معداتها الطبية مع صديقتها من أمريكا أيضا لورين ، شريكتها في طريق الخير و مساعدة الناس و هي تعرفت عليها في المستشفي ، و لورين أحد الممرضات اللاتي ساعدنها على الشفاء و ساعدت أيضا إيرين للأنضمام للصليب الأحمر .

ركبوا في سيارات الجيش التي حملت الجميع و سارت في نظام و ترتيب على الطريق ، تشاهد إيرين البؤساء على الطريق يحملون أطباقا نحاسية مع أطفالهم أملا في الحصول على فتات يقضي علي جوعهم ، يمشون و كأنهم ذاهبون إلى أرض المحشر ، أفواج كبيرة من البشر الجوعى ، مشهدا يشبه أفلام الموتى الأحياء وسط ظلام الليل الدامس تحت اضواء الكشافات .

وصلوا إلى معسكر الجيش هناك و فتحت الأبواب لهم و أغلقت في وجه الناس الذين ينظرون و ينتظرون لمحة لسيارات الطعام ، و في الداخل نزلت إيرين و لورين من السيارة و دخلوا أحد الخيام يرتبون معداتهم ، و عينها تلتفت و تراقب الجموع هناك حتى وصلت السيارة الأولي و ما إن رأي الناس صناديق الطعام تنزل و تُفتح ، صنع الجنود حاجزا بشريا من عشرين جنديا لمنعهم من كسر البوابة الحديدية و الدخول يمدون بأيدهم الحاملة الأطباق من بين القضبان الحديدية ، يصرخون " أطعمونا ... أطعموا أطفالنا " .

لم تستطع إيرين إطالة النظر و قلبها يتمزق عليهم و الجندي يعطي كل شخص علبة واحدة من البازلاء لأي يد يراها أمامه ، و يأخذها الشخص و يجري مخبأها في قميصه كأنه وجد قطعة ذهبية .

كيف ستكفي تلك العلبة الصغيرة عائلة صغيرة مكونة على الأقل من ثلاث أفراد ، و لكن الناس كانت تندفع عليها بجنون ، و الكمية لن تكفي الجميع و هناك سيئوا الحظ الذين سيعودون خالي الوفاض و العدد اليوم أكثر من كل الأيام السابقة رغم إننا بعد منتصف الليل بكثير .

الباب الحديدي يهتز ، إلى متي سيتحمل أمام الناس ؟ ، و الجنود لا يستطيعون التوزيع بشكل منظم و الناس لا تتوقف رغم إطلاق الأعيرة النارية في السماء لإسكاتهم ، يمسكون قضبان الباب و يدفعوها للخلف و الأمام فأنكسرت بعد دقائق فقط ن و أندفعوا هجوما على الشاحنات كالسيل الجارف لا يتوقف و الجنود غير قادرة على إيقافهم ، فقدوا السيطرة تماما ، و تحولت ساحة المعسكر إلى فوضى عارمة .

الناس تتقاتل على الطعام يضربون بعضهم كأنه صراع من أجل البقاء ، يقفزون أعلي الشاحنة ، من أعدادهم الهائلة أختفت أصلا وسطهم الشاحنة فقط أجساد من البشر الجائعة تغطيها ، ينهشون بالكراتين ، يبعدون بعضهم البعض للحصول على علبة طعام و من يحصل عليها كما الفائز بالجنة ، و الجنود يحمون الخيام و إيرين تشعر بالرعب الشديد ، تخشى أن يهاجموهم أيضا .

أي شخص كان يقترب من الأطباء و الخيام يطلقون عليه النار بلا تردد ، الأطفال تسقط بين الأقدام و لا يسأل عنها أحد كحجر على الأرض ، النساء لا يجدن فرصة وسط الرجال الأشداء ، أكياس الدقيق في الشاحنة الثانية تُمزق و تقع على الأرض و يجمعها الناس مختلطة بالتراب ، العراك أشتد و أخرج أحدهم سكينا صغيرة غرزها في بطن من يقترب منه ، يحددهم للحصول على طعام و أخر يحمل فأسا ينحر به رقبة رجل أخر من أجل حفنة من الدقيق ، لا أحد يرى الأخر كأنسان ، يراه فقط عائق بينه و بين الطعام .

الجنود لا تتدخل ، تراقب فقط حتى جاء الصوت المشؤوم زئير طائرات ، و إيرين تسأل نفسها " هل هم معنا أن علينا؟"

تتوجه الأنظار للسماء طائراتين يمران بسرعة الصوت ثم صمت تم ثواني ثم أنفجار وسط الحشود يهتز له الأرض أهتزازا ، و عمود كبير من اللهب يحرق الجميع ، ينزل الكل على الأرض ليحتموا ، الرؤوس متطايرة و الدماء تسيل كبرك ، صرخات و آهات يشيب لها الشعر عند سماعها ، و إيرين و لينور يركضون بحقيبة الأسعافات لأنقاذ من يمكن إنقاذه ، تحول المكان إلى جحيم حقيقي .

أنتشر الجنود في كل مكان يجبرون الناس على الخروج و الهروب ، و دقيقة و بينما الناس تهرب و الرجل العجوز الذي نجا بكيس دقيق لعائلاته يبحث عن ملجأ له ليصل لهم بالغنيمة سالما و إيرين تمسح دماء سيدة و صديقتها في وسط الساحة تضمد دماء رجل مسن تأتي الطائرات مجددا قبل أن يستوعب أحد الكارثة الأولى و تسقط قذائفها و تشتعل كتلة نار أنفجار جديدة تُرجه إيرين للخلف بقوتها و تصتدم راسها بعمود أحد الخيام و تفقد الوعي و أخر صورها تراها الرجل العجوز يشتعل و في يده كيس الدقيق و قد تفحم تماما .

فتحت عينيها ببطئ ، الصورة ضبابية في البداية ، أغمضت عينيها و فتحت مرة أخرى و رأت الاشلاء المبعثرة في ساحة المعسكر لم ينجو أحد من مجزرة الأمس إلا قليل ، رائحة الدماء و الغبار مختلطين ، المسعفين يجمعون الجثث في أكياس بلاستيكية و يلقوها في حفرة ليحرقوها ، الحي يرفع يده متوسلا أنقذوني ، المسعفون قليلون ، تريد أن تقوم إيرين و تساعدهم لكن ظهرها يؤلمها و ذراعها الأيسر قد يكون مكسورا و لا تستطيع الوقوف دون الشعور بألم رهيب .

الحياة أنطفأت في المكان ، لا أمل يلوح وسط هذا الخراب ، و لكن الافظع هو عندما وجدت لورين صديقتها ، صفها العلوي فقط ما تبقى و أمعائها تتدلى ، و بشكل تلقائي نزلت دموعها ،حزن طاغ سحق قلبها ، تريد أن تصرخ بأسمها و لكن ألم ثقيل في روحها يمنعها من الصراخ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( كم تبقى لنا من الوقت ؟ ) سأل ريتشارد بذعر الجندي الذي أخبره أن المفاعل النووي سينفجر بعد نصف ساعة .

أجاب الجندي : ( خمسة عشر دقيقة فقط سيدي )

أمر ريتشارد جنديين بالمجئ معه و أقتحما غرفة أحتجاز بسيل ، و أمر بفك أصفاده ، و مسكه جندي و الأخر ضربه بقوة في معدته ليسقط على ركبتيه من شدة الألم و ريتشارد يرفع رأسه و يقول : ( أتعرف أيها الوغد ، لو لم تخبرني كيف نوقف المفاعل النووي الآن ، ساذبح اصدقاءك أمامك و أقطعهم كالخراف و بعدهم أنت و سأحضر الفتاة التي كانت خطيبتك و أهلها و كل من له صلة بك و أذبحه كحيوان )

قال بسيل متألما : ( لا أعرف عما تتحدث يا رجل ، و لو أردت قتلي أفعلها ، أخبرتك من قبل لا يهمني )

لكمه ريتشارد بنفسه على وجهه يمينا و يسارا ليجعل وجهه يتورهم و يبصق دما ، و قال غاضبا : ( لا تريد أن تتكلم ، صحيح ؟ ، أنت من جنيت على نفسك بذلك ، أحضروا بقيتهم هنا )

أحضر الجنود تارا و آسر و لينور و وسام ، يرتجفون و يتبادلون النظرات الخاطفة و يرمقون بسيل بأعينهم يوصلون له رسال إنهم معه في الحياة و الموت و السراء و الضراء لم يغيروا ما تعاهدوا عليه .

رفع ريتشارد مسدسا فوق راس تارا و قال : ( السيدات أولا أيها السادة ، سأعد حتى ثلاثة و تخبرني كيف نوقف المفاعل و إلا فجرت راسها ؟ )

و ريتشارد يعد تعجب آسر مما يسمع فهم لم يفعلوا شيئا بالمفاعل ، هم حتى لم يصلوا إلى مستوى تحويله إلى سلاح بعد فتدخل قبل أن يتنطق ريتشارد بثلاثة : ( توقف أرجوك ، نحن حقا لم نفعل شيئا ، كيف عمل اصلا ؟ )

مسك آسر من قميصه و قال : ( أنقذكم الفتى ، الآن أخبرني بطريقة إيقافه قبل أن أفقد أعصابي و يصبح الوضع سئ علي و على أعدائي )

تكلم آسر بهدوء : ( نحن لم نصل أصلا لمستوى يجعلنا أن نحوله إلى سلاح ، كنا نحتاج لعدة ايام أخرى ، أنا أصلا لا أملك الخبرة في هذه الأمور )

شده من قميصه أكثر : ( إذا أنت الخبير وسطهم .. أخبرني إذا كيف نوقف المفاعل قبل أن يدمرنا و يدمر العالم ؟ )

قال آسر محاولا إقناعه : ( أخبرتك لم نستطع تحويله كسلاح ، كيف سنعرف طريقة إيقافه ؟ أقسم لك بذلك )

تحدث أحد الضباط بنبرة تحذيرية : ( تبقا دقيقتين فقط يا سيدي )

ترك ريتشارد قميص آسر و هو يرى شبح الموت يحوم حولهم و النهاية التى تجنبوها ستحدث الآن ، بسيل و البقية يسألون أنفسهم ماذا يحدث ؟ هل تعطل المفاعل ؟ ، صافرات الإنذار تدوي في المدينة ، كأن الموت نفسه يحضر متبخترًا بين أروقة الحديد والنار.

يراقبون عداد الوقت على الشاشة قد وصل 48 ثانية 47 46 45 44 ..... 5 ثلاثة أثنان واحد .

نظرات فزع و وجوه شاحبة و أنفاس متقطعة ، و بعدها صوت أنفجار عظيم و سحابة من اللهب ترتفع إلى حدود السماء تضيئها ليلا كشمس النهار ، يغمضون أعينهم يستقبلون مصيرهم الأخير و فجأة تنقطع الكهرباء عن المدينة كلها و في مبنى الشرطة و ثم صمت رهيب و لا شئ أخر يحدث حتى ظهرت ظلال من الخارج رجال ينزلون سيرا على الحائط مربوطين بحبلا متينة مثبت بأعلى المبنى يقتحمون المكان من النوافذ الزجاجية بعد أن ضربوها باقدامهم و كسروها و همو بإطلاق النار على أي شئ يتحرك ، تلاهم دفعة أخرى و المزيد منهم و أخرين يقتحمون الطوابق الأخرى ، يرتدون ملابس مقاتلين سوداء و ملثمين لا يظهر من ملامحهم شئ ، و ريتشارد حائر لا يعرف ماذا يجري يصرخ و يقول : ( من أنت ؟ ... من أنتم ؟ ) و تلقى رصاصة في الرأس مع مساعديه .

القوا قنابل دخانية ، صوت النيران يأتي من كل مكان ، يكسرون كل باب ، و وجدوا بسيل مع الأخرين يقفون مجتمعين معا في ركن الغرفة و قال له : ( لا نملك وقتا يا بسيل .. يجب أن نتحرك الآن )

سأله بسيل : ( كيف تعرفني ؟ و من أنتم ؟ )

أجابه : ( ليس الوقت مناسبا الآن ، سأخبرك كل شئ لاحقا .. يجب أن نغادر قبل فوات الأوان )

تحرك بسيل خلفه و الأخرون و الملثم يقتل و يصيب اي شخص يقابله بدقة كبيرة ، دقة مقاتل خبير ، و امام النافذة المكسورة أنخفضت طائرة هيليكوبتر موازية للنافذة بالضبط و قال لهم : ( أركبوا بسرعة الآن )

سأله بسيل قبل أن يغادر : ( ماذا عن جوزفينا ؟ هي أيضا معنا )

طمأنه و قال : ( هي بخير ، ستقابلوها قريبا )

ركبوا واحدا تلو الأخر و ارتفعت بهم الطائرة عاليا و ابتعد كثيرا مبنى الشرطة عنهم و هم يتجهون لأعلى و الرجل ينظر في ساعته و يقول : ( حان الوقت الآن )

أنفجرت العبوات المزروعة حول و في مبني الشرطة و تم نسفه عن بكره أبيه و أرتفعت النار الموهجة بلون أحمر و سقط كقطع الدومينو و النار تلتهمه و يتصاعد منه سحب غبار اسود كثيف .

عندما استقروا في السماء ، خلع قناعه و أظهر وجهه و قال : ( حمدا لله على سلامتك يا بسيل .. كانت مهمة إنقاذك مهمة شبه مستحيلة و لكننا نجحنا و أنتم معنا الآن )

تحير بسيل و تسائل : ( من أنتم ؟ و لماذا أنقذتمونا ؟ )

أجابه : ( أنا أسمي ريان .. و ما تريد أن تعرفه ستعرفه عندما نصل و نجلس و نستريح قليلا )

توقف بسيل و البقية عن الكلام و الأسئلة مؤقتا و أنتظروا حتى يصلوا و أعتبروها فترة راحة قصيرة قبل ما ينتظرهم في قادم الايام و أكتفوا بمشاهدة المناظر الطبيعية مع أقترابهم من الوصول لحدود مونيبوليس .

وصلوا منطقة في قلب الجبال الصخرية القاحلة ، ينتصب فيها معسكر عسكري تحيط بها أسلاك شائكة كطوق دفاعي ، تتخللها ابراج مراقبة عالية يتناوب عليها الجنود للحراسة ، يوجهون بنادقهم تجاه الممرات الجبلية الضيقة ، و داخل المعسكر حواجز ترابية في كل مكان مثبت عليها رشاشات ثقيلة على منصات معدنية ، و عربات عسكرية مصطفة جاهزة للتحرك في أي وقت .

طائرات عسكرية مقاتلة و ناقلة للجنود أيضا متراصة بدقة كبيرة يشرف عليها عدد من الضباط للتأكد من سلامتها و جاهزيتها للعمل وقتما يطلب ، الخيام موضوعة في صفوف مرتبة و الكاشفات المضيئة تكشف كل مكان داخل و خارج المعسكر ، الكل يذهب و يجئ و كأنها خلية نحل لا تهدأ ، تتجلى في المكان هيبة كبيرة و أنضباط ، رمزا للقوة .

أشار ريان لخيمة كل واحد منهم و قال : ( للاسف لا تتوفر خيم كثيرة هنا لهذا سيبقى كل أثنان معا وسام و بسيل ، و لينور مع آسر و أنت يا تارا ستبقي في هذه الخيمة مع جوزفينا تنتظرك هناك )

أتى الجنود لإرشادهم و لكن بسيل رفض التحرك و قال لريان : ( نحتاج أن نتحدث معا أولا )

ربط على كتفه و قال : ( لا تقلق سنتحدث عن كل شئ ، أنت تحتاج للراحة مما عانيته أولا )

تركه ريان و ذهب لغرفة القيادة و بسيل لم يجد سوى أن ينتظر حتى الغد فهو فعلا متعب بشدة و يحتاج لتغسر ملابسه البالية و غسل نفسه و إراحة جسده قليلا ، لا يعرف ماذا سيحدث غدا .

في الخيمة جلس بسيل على سريره يفكر و وسام يراقبه و هو يغير ملابسه القديمة بالجديدة فقد تركوا لهم نفس ملابس جديدة بنفس شكل القديمة التي كانوا يرتدوها في مونيبوليس ، لا يعرف من اين حصلوا عليها ، يفكر ربما أخذوها ايضا وقت إنقاذهم ، و خلال ذلك تمدد وسام على سريره ينظر بحيرة إلى بسيل و يسأله : ( ستظل جالسا للصباح ؟ أستمتع بالراحة قليلا قبل معركتنا القادمة )

لا يعرف بسيل عن اي معركة يتحدث أخيه بعد أن سقطوا و سقطت المدينة في أيدي الأخرين ، هم مصيرهم مجهول ، و هو حتى الآن لا يعرف من أنقذه ، من هؤلاء ؟ و لماذا يفعلون هذا ؟ لا يبدون طبيعيون ابدا ، تملكته الريبة و الشك و أخيه أيضا كيق سيخبره بما جرى في معسكرهم في أنجولا ؟ كيف سيقول له ما حدث لوالدته ؟ ، قلبه يتمزق و روحه لا يعرف كم ستصمد متمسكة بالسر حتى يجد طريقة و يجعله يعلم بذلك ، يجب أن يسيطر على مشاعره .

لم يجد مانع أن يستعمل الماء الساخن ربما تساعده على التفكير قليلا ، و عند كل قطرة تلمس جسمه كان يشعر بألم جسدي و نفسي ، الجسدي من الكدمات التي تملأه و النفسي بسبب ما وصل إليه ، لا يريد أن يتحمل ذنب فريقه ، لأنه وعدهم بالنجاة و الأنتصار و هم وثقوا فيه و وضعوا روحهم بين يديه و أيضا إيرين ، يتسائل هل هي هنا فعلا ؟ و كيف سيواجها و ستواجهم ؟ ماذا سيقول لها ؟ هل يؤنبها ؟ و كيف أصلا يسامحها بعد خيانتها الكبيرة لهم ؟

وضه رأسه على الوسادة و أطفأ المصباح و بدأ يُمرن نفسه على الكتمان و الامبالاة و التحكم بأحاسيسه و قلبه و عقله ، يكرر في رأسه " يجب أن أكون أكثر صلابة .. صلابة .. قوة " ، يتقلب على جنبه الأيمن و يراقب ظلال الجنود المارين من أمام خيمته و يسأل نفسه " من ستواجه الآن يا بسيل ؟ "

أقتربت الساعة الثانية عشر ظهرا و لم يفيقوا بعد من نومهم ، فأرسل ريان الجنود لإيقاظهم و الأجتماع بهم ، مر كل جندي بخيمة و عند بسيل نادى عليهم حتى فتحوا أعينهم و قال : ( أعتذر لكم .. لكن القائد في إنتظاركم )

مد وسام ذراعيه طولا و قال : ( كم الساعة الآن ؟ )

رد الجندي : ( تجاوزنا الظهيرة يا سيدي )

علما إنهم ناموا كجثث هامدة ليلة أمس ، قاوموا و نزلت أرجلهم تلامس الأرض و قاموا بصعوبة يغسلون وجوههم و يلبسون ملابسهم و بعد دقائق خرجا و طلب بسيل منه الأنتظار حتى يذهبوا كمجموعة واحدة معا ، تجمع معه لينور و آسر ينظرون إلى بعضهم بلا كلام ، و أتت تارا تسند جوزفينا المصابة كتفها ملفوف بضمادة سميكة تعلوه جبيرة و ذراعها مربوطة بحمالة قماشة تتدلى من عنقها فتجعلها معلقة بثبات .

قال لها بسيل عندما رأها : ( أن سعيد إنك بخير .. سنكون جميعا بخير .. أعدكم بذلك )

قرر بسيل ألا يقطع وعود مجددا حتى لو كانت تحقيقها أكيد فلا شئ أصبح مضمونا الأن ، و ساروا كفريق إلى خيمة القائد ، أفسح لهم الجنود الطريق و هم يبدون مختلفين عنهم بملابسهم و فتح حارسان الخيمة و ما إن دخلوا وجدوا طاولة ممتلئة بالطعام و ريان يرحب بهم : ( مرحبا بكم جميعا .. أتمنى إنكم بخير .. هذا بعض الطعام ، لا أعرف هل أقول عليه إفطارا أو غداءا )

توزعوا على الكراسي حول الطاولة بهدوء و مدوا أيديهم للطعام على أستحياء ، و ليكسر ريان هذه الجواء قال : ( بالتأكيد تريدون معرفة الكثير ، أولا أطمئنكم نحن اصدقاء و لسنا أعداء )

سأله بسيل : ( أنتم من إذا ؟ )

أسند ظهره في شموخ و قال : ( نحن المنشقون .. و لكننا لسنا مجرد جنود تركوا ثكناتهم ، بل جنود رفضت أن تكون كبيادق الشطرنج في لعبة الدول العظمى ، رفضنا أن نطلق النار على الأبرياء ، لم نريد أن المزيد من الدماء المهدرة مثلكم بالضبط )

سأله لينور : ( و لماذا لم تظهروا سوى الآن ؟ أين كنتم من قبل ؟ )

أجاب القائد وهو يثبت نظره على "لينور"، بنبرة هادئة تخفي خلفها صلابة التجربة: ( كنا بين صفوف جيوشنا ، ننتظر اللحظة المناسبة التى ينكشف فيها كل شئ ، كنا سنسحق لو رفعنا رؤوسنا مبكرا ، ننظم أنفسنا في الظل و نجمع من يشبهنا ، حتى كدتم تسقطون في مونيبوليس فعرفنا أن آوان التحرك ، أنتم كنتم أملنا و لم يكن واجبا أن نترككم )

تكلم و سأل وسام أيضا : ( و كيف دخلتم المدينة و بنيتم كل هذا ؟ )

ضخك ريان و قال : ( من الثغرة التي دمرتها بنفسك يا وسام ، بعد يوم توغلنا و راقبناكم عن قرب ، لأنكم ببساطة تركتموها بلا حمية فاستغللنا ذلك )

قالت تارا و الحزن مرسوم على وجهها : ( و ماذا سيحدث الآن ؟ ماذا ستفعلون بنا ؟ )

دار ريان بنظره للجميع و سألهم سؤال واحد : ( ماذا أنتم تريدون أن تفعلوا ؟ )

ضرب الصمت ، حتى قال بسيل بنظرة يأس : ( لا نعرف ! )

وقف و طلب منهم أتباعه خارج الخيمة و قال : ( لدي شئ لكم ، لا أعرف هل سيسعدكم أو العكس ؟ )

مشوا خلفوا حتى وصلوا أحد الخيمة ، الوحيدة التى تملك حراسة و رفع قماش المدخل بيده و تنحى جانبا حتى يمكنهم رؤية إيرين ، تجلس على فراشها بوجه شاحب ، لم تغير ملابسها القذرة ، حافية القدمين ، تتشابك اصابعها في قلق ، ترفع رأسها لترى من أتى لزيارتها و تشاهد أصدقائها القدامى في الخارج ، مشهدا تخيله بسيل كثيرا يتحقق الآن ، لا يتكلم الطرفان ، تعيد إيرين عينيها للأرض ، لا تبكي و لكن دموعها تسقط بلا صوت ، و هم يقفون بقلوب محطمة عليها كالزجاج ، بسيل روحه تنزف لمقابلتها في هذا الموقف ، قلبه لا يعرف هل يكرهها أم ماذا ؟ و قرر أن يتطوع و يتكلم معها وقال لريان : ( هل يمكن أن أتحدث معها ؟ )

رد ريان بلا تردد : ( بالتأكيد .. جميعكم تستطيعوا فعل أي شئ هنا )

دخل بسيل وحيدا و تركه الأخرون معها ثم أقترب ببطء شديد و جلس على الطرف البعيد من السرير ، يبحث كيف يجب أن يبدأ ؟ عن ماذا يسألها أولا ؟ ، عقله يبذل مجهودا كبيرا .

أراحته إيرين من معاناته و تكلمت بصوتها الباكي : ( لا تجهد نفسك بالتفكير فيما ستقول .. لقد خنتكم و لا غفران في ذلك )

سألها بسيل مباشرة : ( و لماذا فعلتي ذلك ؟ )

حينها رفعت نظرها إليه بوجه شوهه الغبار و التراب و أثار دماء عند شفتيها و قالت : ( لأنهم وجدوه و ظلوا محتفظين به كل هذا الوقت ، حرموني منه ، و عندما رأيته كان في الفيديو يرفع صورتي و يقول أنتظرك يا أمي )

تسارعت دقات قلب بسيل و أنفاسه و سألها : ( من تقصدين ؟ )

الآن أرتفع صوت البكاء مع الدموع و قالت : ( أقصد أبني الذي ظننت مات في بطني ليلة القصف .. أخبروني أنهم سيعيدوه إلى لو نفذت ما يريدوه مني )

تعثرت كلمات بسيل عند حنجرته و لكنه قاوم و قال : ( لماذا لم تخبرينا من قبل لنساعدك ؟ )

وضعت رأسها بين كفيها و أزداد نواحها و قالت : ( أعماني قلبي عن كل شئ ،، لم أفكر إلا فيه هو ، فلذة كبدي ، لا أطلب مسامحة أحد ، فقد فقدت كل شئ أنتم و هو ، الموت أهون لي الآن )

لم يجد بسيل المزيد ليقوله ن حاول أن يضع يده على كتفها ليواسيها و لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة و تركها و غادر الخيمة ، وقف جامدا مكانه مصدوما مذهولا ، ينظرون إليه من بعيد ، يحلل في راسه كل كلمة سمعها منها ، هل تستحق الغفران منهم ؟ أم ذنبها من الكبائر لا عفو عنه مهما كانت الظروف ؟

أقترب منهم و توسطهم و أنهالت عليه الأسئلة عما جرى بالداخل ، تارا تسأل " ماذا قالت ؟ " ، و بسيل تائه بين أفواههم ، و قال ليقطع الشك باليقين : ( فعلت ما فعلت لأنهم هددوها بإبنها .. وعدوها أن تحصل عليه مقابل تركها لنا و بعض المعلومات )

قال آسر : ( أي إبن ؟! أتملك اصلا أولادا ؟ )

رد بسيل : ( نعم ، كان في بطنها و بعد قصف منزلهم لم تجده و أخبروها إنه مات ، و الآن ظهر و كل هذا كان من أجل أن تحصل عليه منهم )

قالت جوزفينا : ( و لكنهم غدروا بها و أستغلوها )

شرد بسيل في افكاره و تساؤلاته بين نقاشهم عما سمعوه كأنه عالق في دوامة لا يملك منها خلاصًا ، لم يتسطع التحمل و قال و هو يهم بتركهم : ( أحتاج للبقاء وحدي قليلا )

ذهب لخيمته تتبعه نظراتهم العميقة و هم يتسائلون هل مازلت صالح للقيادة يا بسيل ؟

أعتكف بسيل حتى المساء ، معزولا عن اصدقائه و فريقه ، يفكر في الخطوة القادمة ، يفكر في إيرين ، يفكر في مصيرهم ، هو الآن في طريق مسدود بين المطرقة و السندان ، لو عاد لحياته و أستسلم لن يُترك بلا حساب على ما فعله في مونيبوليس و لو أكمل سيدخل نفق مظلم لا يعرف إلى أين سينتهي ، و ايضا واجه معضلة و هي إيرين ، لا يمكن أن يتركها هكذا و لا إبنها الصغير ، و لكن كيف سيقنعهم بمساعدتها ؟ ، الجميع ناقم عليها حتى تارا و جوزفينا لن يكون الود بينهم كسابق عهده ، و فكر بألا يطلق الأحكام مسبقا ، ما أداره بما يفكرون به .

أتخذ قراره الأخير و توجه إلى ريان سيرا إلى خيمته تحت أضواء الكشافات و سمحوا له بالدخول و جلس معه على مكتبه و كان معه ضابطان أخريان و قال مباشرة دون تحية : ( أحتاج مكالمتك على أنفراد )

أمر الضابطان بالمغادرة و طلب من بسيل قول أي شئ يريده : ( أنا مستعد أن أقاتل معك حتى أخر نقطة من دمنا لأجل هدفنا المشترك ، ولكن أريد فعل شيئا أولا )

قال ريان بهدوء : ( أطلب ما تشاء يا بسيل ، ستجدنا دائما بجوارك )

قال بسيل بعد تفكير سريع : ( أريد إستعادة إبن إيرين منهم ، سيوحدنا من جديد ، لا أحب وجود شقاق بيننا حتى لو كان فردا واحدا منا )

وقف ريان و أنتقل للكرسي أمام بسيل و سأله : ( و كيف ستفعل ذلك ؟ هل تعرف مكانه ؟ )

شعر بسيل بالحرج من سؤاله فهو لا يملك أي معلومات عنه و قال : ( لا أعرف إلا صورة له أستطعنا إستعادتها من هاتفها .. لا شئ أكثر )

صمت ريان قليلا ثم قال : ( ما رأيك أن نجمع فريقك و نناقش ذلك معا ؟ )

أجاب بسيل : ( نعم أنا موافق )

أرسل الجنود لإحضارهم للخيمة و عند وصولهم أجتمعوا حول طاولة مستديرة في خيمة ريان و بدأ لينور بالتسائل : ( ما سبب جمعك لنا خلال الليل هكذا يا ريان ؟ )

رد ريان : ( لست من طلبكم ، بل قائدكم بسيل )

تكلم بسيل سريعا و قال : ( نعم أنا من طلبتكم .. أعتذر لو أزعجتكم لكن هناك شئ مهم يجب مناقشته معا )

نظر حوله و بينهم و قال : ( يوجد فرد ناقص بينكم .. أريد أن تحضر إيرين هذا الأجتماع أيضا )

توقع بسيل الأعتراض الشديد منهم خاصة لينور و كانت المفاجأة ، لم يفتح أحد فمه دلالة على الموافقة .. نادى ريان على الحارس و أمره بإحضار إيرين و دقائق معدودة وصلت ، دخلت الخيمة على أستحياء مدلدلة الرأس لم تضع عينها في أعينهم و لينور يوجه نظره بعيدا و تارا و جوزفينا يمرقاها بالشفقة و ضعف الحيلة ، لا كلام و لا تعليق و لا تحيات فكسر ريان الصمت و قال لها : ( تعال أجلسي معنا على الطاولة هنا )

رمقت الطاولة بالنظرة الأولى و خشيت من أنضمامها لتجمعهم ، فهي تعتبر نفسها لم تعد واحدة منهم ، هي الخائنة في نظرهم ، و ليست كل خيانة تُغفر .

قالت بصوت ضعيف يكاد يسمع : ( لا .. أفضل الجلوس هناك بعيدا و سأستمع إليكم )

حمد بسيل الله أن هذه اللحظة مرت بسلام و أنتهت و أنتقل للمستوى الثاني و هو يعرف أن هذا ما سيشعل الخلاف بينهم الآن و قال : ( فكرت كثيرا في مستقبلنا ، نحن بين طريقين إما نترك هذا الأمر و حينها سنعيش مطاردين طوال حياتنا أو نعود و نكمل ما بدأناه )

أستمروا في الاستماع و أكمل بسيل : ( لا أطلب منكم أن نتناقش و ندخل في جدال فيما بيننا ، فقط سنصوت على مصائرنا و رأي الأغلبية سيسري ، هل توافقون هذا الأقتراح ؟ )

تمتموا بينهم بالموافقة ليكمل : ( يبدو إننا متفقين .. نحن ثمانية يجب أن يحصل كل قرار على خمسة أصوات ليحصل على الموافقة ، لنبدأ التصويت )

رفعوا جميعا أيديهم موافقة على قرار الأستمرار في القتال و المقاومة إلا إيرين التي لاحظ بسيل إنها لم ترفع يدها أيضا ثم أنتقل للموضوع الاصعب : ( الأمر الثاني الذي سنصوت عليه هو إنقاذ إبن أيرين ... )

قاطعه لينور قائلا : ( مستحيل لن أشارك بهذا .. )

و قبل أن يكمل تدخل ريان و قال بحزم : ( الأمر معروض للتصويت و لم يعترض أحد غيرك ، يمكنك عدم رفع يدك لو شئت )

أحس لينور بالخجل و لكنه قال : ( حسنا لكن بشرط ألا تشارك هي بالتصويت ، سيكون هذا عادلا أكثر )

أبدوا جميعا الرضا على أقتراح لينور و وضح ريان أن الأغلبية هكذا ستكون من أربعة أصوات فقط و بدأ التصويت رفعت تارا يدها موافقة أيضا جوزفينا و كذلك آسر .. رفض لينور بالطبع و عند دور ريان قال : ( أنا أسف ، أنا غير موافق و لكن لو وافقت الأغلبية سأكون أول شخص بجوارك )

و جاء دور وسام الذي نظر لجوزفينا التي هزت له راسها أن يوافق و قال : ( أنت أخي و دمائنا واحدة و لكن قلبي غير راض عن ذلك ، سامحني أنا لست موافق )

تقبل بسيل رأيهم و تطلع إلى إيرين بسرعة و رفع يده بالموافقة و قال : ( إذا القرار موافقة بالأغلبية )

رغم أن ملامح السخط ظاهرة بشدة على وجه لينور إلا أن بسيل تجاهلها و استمر بالأجتماع و أمر آسر أن يعرض ما يعرفه من معلومات أكتشفها من هاتف إيرين و خلال ذلك نهضت إيرين من كرسيها و خرجت من الخيمة بلا تفسير ، فهم يفعلون ذلك من أجلها ، و بسيل يريد هذا ليزيل الشرخ بينها و بينهم و لكنها تستمر في العند بأتخاذ قراراتها الخاطئة .

تبعها بسيل بسرعة و اوقفها من ذراعها و قال : ( إلى أين تذهبين ؟ نحتاجك بالداخل لتخبرينا بما تعرفين )

و بكل إحباط و خيبة أمل قالت : ( لا أريد منكم شيئا .. لا أريد أن تعرضوا نفسكم للخطر من أجلي .. لا أريد أن يموت المزيد بسببي )

تجمّد صوته للحظة، ثم قال وهو ينظر في عينيها مباشرة: (إذن اعتبري هذه فرصتكِ… فرصة ثانية. لا أحد يُمنَح فرصة لتعويض أخطائه مرتين )

غضت بصرها و قالت بصوت مكسور : ( فرصة ثانية ! و هل أستحقها ؟ )

خطت خطوة للوراء ثم أخرى و أدارت ظهرها و سارت إلى خيمتها و أغلقت الأضاءة بها ، و بقيت داخلها محملة بأوذار الذنب و اليأس و العذاب النفسي .

رأي بسيل أن يتركها تستريح الآن و تنام ربما تغير رأيها في الصباح ، الأنسان قد يغير تفكيره عندما يراجع المدخلات بشكل مختلف ، و لكي يثبت صحة نظريته توجه إلى خيمتها و أستاذن الدخول و لم يسمع إستجابة منها ، كررها مجددا و لا شئ ، و فتح الخيمة و وجدها فارغة تماما إلا ورقة على سريرها مكتوب عليها " إلي بسيل "

فتحها بسأل و بدأ يقرأ ما فيها : ( لا أستطيع البقاء هنا ، الذنب ينهشني ، و الجرح الذي سببته لن يلتئم ابدا بيننا ، هذه معركتي وحدي و سأخوضها بمفردي و لن أسمح لكم بالمخاطرة فيها من أجلي بعد كل ما حدث ، سابحث عنه حتى لو كلفني حياتي سأبحث عن إبني بنفسي فهو من يعطيني سببا للحياة ... سامحوني )

ضغط قبضته على الورقة حتى تجعّدت ، يشعر إنها خذلته مجددا ، طعنة جديدة منها ، و لكنها أختارت مواجهة المجهول وحدها ، شعر بوخز عميق في صدره، مزيج غريب من الغضب والحزن والخوف. كلمتها الأخيرة "سامحوني" ظلت ترنّ في رأسه كطعنة ناعمة، كأنها وداع لا عودة بعده .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة