قبل الحرب بشهر واحد
وصل بسيل المنزل مبكرا من العمل و على غير العادة كانت المواصلات متاحة بشكل ملحوظ ذاك اليوم حيث عودته للمنزل كانت تعتبر مغامرة يخوضها يوميا، و تسأل في رأسه : ( أهي نهاية العالم أم ماذا ؟! )
خلع حذائه و وجد والدته في المطبخ و ضوضاء كثيرة صادرة منه و صناديق و أكياس بلاستيكية منتشرة في كل مكان .. سلم بسيل عليها و قال : ( ما كل هذه الأشياء ؟ هل سنستضيف ضيوفا هنا ؟ )
قالت له و هي ترتب المؤن : ( لا ، فأنت لا تعلم شيئا ، هذه الأشياء ستنفذ من الأسواق .. يعطون كل فرد كيس أرزا و سكرا و ملحا و زجاجة زيت واحدة لكل شخص يشتري من متجر ، أضررت الذهاب لأكثر من متجر و للشراء منهم .. الناس تتشاجر في الخارج على الطعام و الدواء .. و الفاكهة و الخضروات نادرة في الأسواق ، أنا أخزن للزمن )
قال و هو يساعدها : ( لكن لن يحدث شئ .. مجرد تهديدات و كلام مثل كل مرة )
توقفت ألتقطت أنفاسها قليلا و قالت : ( لا أعرف .. المهم أن نمتلك أشيائنا للأيام القادمة حتى تهدأ الأزمة ، لا أعلم إلى أين تتجه حياتنا يا بني )
كان بسيل يحمل الهم دائما عندما تتحدث والدته عن مشاكل توافر الطعام في المتاجر و الأسواق فهو يشعر بالمسئولية منذ وفاة والده ، و لا يريد لوالدته الكبيرة في السن أن تتعب كثيرا و هو شاب قوي ، لكنه لا يفهم في أمور الطعام و الشراء مثل النساء ، بالرغم من ذلك يحاول المساعدة .
غير ملابسه و تناول العشاء و تفحص الأخبار و المواقع على حاسوبه المحمول كما يفعل كل ليلة ، و يرسل بعض الرسائل القليلة لأصدقائه الذين لم يعد يراهم بسبب أنشغالات الحياة .
يقرأ عناوين الصحف التي تزداد فظاعة يوم بعد يوم :
" أزداد الصراع على مناطق البترول المستكشف حديثا في منطقة المحيط الهادي و بوادر صراع جديدة تتصاعد بين أمريكا الشمالية و روسيا "
" صراع المياه يشتد .. قلة الأمطار و الجفاف تجبر الدول المتضررة على الدخول في صراعات مع دول المنابع "
" بدأت دولا أوروبية إرسال قواتها إلى وسط أفريقيا في مناطق النزاع على اليورانيوم و الفحم "
" الشتاء القادم قد تجد أوروبا نفسها في عصر جليدي جديد بسبب قلة واردات البترول "
" التهديد العلني بالصراع المسلح و القتال يشتعل بلا خجل ، و التهديدات قد تصبح جدية "
" وصول عدد سكان العالم أكثر من ثمانية مليار و نص مليون نسمة متخطيا التوقعات التى ظنت وصول السكان إلى هذا الرقم في عام 2050 "
" كيف نحمي أنفسنا من الحرب العالمية الثالثة ؟ "
" تفجير أنتحاري و 83 قتيل في الهند و ذلك أعتراضا على سياسة الحصار المائي التي تفرضها البلاد عليهم ، بتوزيع حصص متساوية على السكان و قطع المياه عشر ساعات يوميا "
" أنقطاع الكهرباء في أوروبا و توقف واردات البترول و اليورانيوم بسبب صراع وسط أفريقيا يتسبب في موت 7 أطفال حديثي الولادة في أحد مستشفيات إيطاليا "
" مناوشات الحدود في أمريكا الجنوبية ، و الحكومات تعلن حالة الطوارئ وتطالب المجتمع الدولي بـ'تحمل مسؤولياته"
" قتلى على الحدود الصينية بعد أن فتح الجيش النار على المدنيين الراغبين في عبور الحدود هربا من المجاعة في بلدناهم ، و منعها تصدير أكثر من 5000 منتج للخارج "
فتح بعض فيديوهات الرأي و أستمع لشاب على الأنترنت يقول : " هذه أول مرة نسمع خطابا سياسيا يستخدم فيه كلمة (( نحن و هم )) هل بعد ذلك سنسمع كلاما من له الحق في الحياه و من لا "
و فيديو لشيخ كبير يقول : " الحكومات تقولها بشكل غير مباشر لم يعد هناك ما نقدمه لكم ، إنهم يبنون مناطق توزيع للمياه مثلها مثل المواد الغذائية ، قريبا سنعود للعصر البدائي و نصطاد أكلنا بنفسنا "
فتح فيديو أخر : " نحن نتجه لعصور أكثر ظلمة .. شبح مجاعة ينتشر كالوباء .. مياه ستجف على الأرض .. نباتات لا تنمو .. لاجئين في كل مكان و أخرين يقتلون لتوفير طعامهم لفم أخر .. تغيرت نفسيتنا و إنسانيتنا تختفى مع الوقت و عندما يحدث ذلك لن نجد أمامنا سوى أن نقتل بعضنا مثل الحيوانات في الغابة "
أغلق بسيل هاتفه و فكر ، هل كل هذا مجرد شرارات في العالم و تنتهي أم هي مقدمة لما سيحمله الغد مما هو أسوء ، هل هي حافة الهاوية ؟ و متي سيشتعل الحريق الذي لا يمكن إخماده .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنتظر الجميع خارج غرفة إيرين عدا تارا و جوزفينا بقيا معها بالداخل مع الطبيب المعالج ، فزعين و قلقين و مصدومين مما فعلته إيرين و خائفين أن يحدث لها شيئا بعد أن فقدت الكثير من الدماء .
ضرب بسيل الحائط بيده و قال بغضب : ( لماذا فعلت ذلك ؟ أنتهت ليلة أمس بخير ثم ذهبنا لغرفنا )
تحدث وسام : ( يجب أن يكون هناك سبب جعلها تفعل هذا ، لا ينتحر الشخص بدون سبب )
قال لينور : ( و أيضا إيرين لا تفعل شيئا بدون سبب ، سندخل غرفتها بعد مغادرة الطبيب و نعرف )
فُتح الباب بعد خمسة و أربعين دقيقة و ألتفوا حول الطبيب ينتظرون منه معرفة أخبار حالتها و قال : ( لقد نجت .. فصيلة دمها متوفرة .. ستفيق بعد ساعتين أو ثلاثة يجب أن تأكل جيدا لتعويض الدماء في جسمها )
أخذ لينور الطبيب ليتحدث معه منفردا : ( أنت تعلم أن ما رأيته سرا ، أليس كذلك ؟ )
أرتعب الطبيب و توتر و قال : ( نعم نعم يا سيدي .. أنا لم آتي هنا أصلا )
أبتسم له لينور و قال : ( جيد جدا ، لأن لو أنتشرت همسة في المدينة سأحضرك مع عائلتك إلى هنا )
هز الطبيب راسه و تعهد بعدم البوح بشئ ثم خرج مع جنديين ، و دخل لينور للغرفة مع البقية يقفون جميعا حول سرير إيرين ، و هي مغمضة العينين شاحبة الوجه ، يدها محاطة بضمادات بيضاء و يدها موصولة بمحاليل طبية علقها لها الطبيب ، تبدو كفراشة محبوسة في شرنقة اليأس ، ليست إيرين القوية ذات الشخصية .
تارا أحتضنتها و هي حزينة عليها و جوزفينا ترتب المكان حولها و تعتني بها ، و بسيل واقفا بين الرجال قلقا و خوفه يتتبعه كالظل و يلاحقه في أكثر الأماكن أمانا و هي إيرين و يسأل : ( هل وجدتم شيئا يدلنا على ما قادها للأنتحار ؟ )
رد تارا بصوت حزين : ( لا شئ سوى هاتفها الذي كان ملقى بجانبها )
- ( أين الهاتف ؟ )
أعطى بسيل الهاتف إلى آسر و فتحه و بحث في الرسائل و تطبيقات التواصل الأجتماعي عن النشاطات الأخيرة فقط منشورها على حساب زوجها بمناسبة عيد الميلاد ، أنتقلوا إلى سجل المكالمات و أكتشفوا المكالمة الوحيدة التي تلقتها الليلة الماضية و قال آسر : ( هذا ليس رقم هاتف ، أي رقم هاتف يتكون من 20 رقما ؟! )
مسك بسيل الهاتف و نظر للرقم و قال : ( أنه رقم مميز و بالتأكيد ورائه سر خطير لن نعرفه إلا عندما تفيق .. آسر أبحث خلف هذا الرقم و جد أي أثر له )
تكلم لينور : ( هل تظنهم يدبرون مؤامرة لنا هنا ؟ )
أجابه بسيل : ( لا أعرف .. من تملك الأجابة غير موجودة معنا الآن )
جلس بسيل في مكتبه مكتئبا مشتتا ، ينظر لساعة الحائط بأستمرار ، عقاربها تسير للأمام و هو يتمنى لو كان يستطيه إرجاعها للخلف فيعود به الزمن و يعرف ما اصاب إيرين و أوصلها لتلك الحالة .
مرت الساعتين الذين تحدث عنهم الطبيب و هي لم تفيق من غيبوبتها و تارا و جوزفينا لا يتركانها لحظة ، و هو لا يقلق عليها فحسب بل من الخارج أيضا .. الهدوء هذا لا ينم عن أطمئنان و ما سيتبعه ليس عاصفة لأنها مرت عليهم و نجو منه مرة لكن القادم هو بركان سيفور في وجوههم جميعا .
لم يأكلوا شيئا من الصباح و الساعات تمر عليهم ببطء شديد ، و بسيل و وسام و لينور يجلسون ينظرون في وجوه بعضهم بلا كلام ، و آسر يحاول الوصول إلى أي شئ من هاتفها بلا طائل .
تسأل بسيل بينه و بين نفسه لماذا قلبه يخاف على إيرين بهذا الشكل ؟ ، يجعل عقله يتوقف عن كل ما هم فيه ، كلما فكر في شئ تأتي صورة إيرين في رأسه ، غيابها يشعره بالعجز و الضعف كأنها هي الطاقة التي تدفعه للأمام ، و يشعر بإشتياق لأبتسامتها و نظراتها ، و مع ذلك لا يريد تفسير هذه بالمشاعر بصورة أخرى لأن وقتها غير مناسب الأن .. من يعلم من سيبقى و من سيفنى في نهاية الطريق .
و مع ظهور الشفق نادت تارا على بسيل بالمجئ عبر اللاسلكي ، و قفز من كرسيه مسرعا إلى غرفتها و خلفه البقية ، و رأها تفتح عينيها ببطء تستوعب المكان حولها أولا ، و جوزفينا تمسح راسها و وجها بقماشة مبللة بماء دافئ ، و هو يجلس بجانبها على السرير و يقول : ( الحمد لله على سلامتك .. سبع ساعات و ننتظرك أن تفيقي )
بدأت ترى بوضوح مع قليل من التشويش على عينها ، و جسمها ثقيل لا تستطيع الحركة ، تنظر حولها و تجدهم جميعا معها ، سعداء لأنها أفاقت ، و سألتهم : ( هل أنا ما زلت حية ؟ )
أجابت تارا و هي تحتضنها : ( نعم أنت حية .. لماذا فعلت ذلك في نفسك ؟ )
لم تبالي إيرين لكلامها و لا لعناقها و أنزلت يدها من عليها و قالت : ( لماذا أنا حية ؟ )
ردت جوزفينا : ( ماذا تقصدين ؟ كدت تقتلين نفسك يا فتاة )
كررت سؤالها : ( لماذا أنا ما زلت حية ؟ )
قال لينور : ( أتمزحين أم ماذا ؟ لقد حاولتي الأنتحار بدون مبرر و أنقذنا حياتك )
بدأت بالبكاء المفاجئ و أحمر وجهها و قالت بغضب : ( لا يجب أن أكون حية )
أحضر وسام بعض الماء و ناولها ليد إيرين فأخذتها و قذفت بها على الأرض و كررت مجددا بغيظٍ أكثر : ( لماذا تركتموني أعيش ؟ )
شدت التوصيلات الطبية من يدها و حاجبيها مقطبان و متجهمان و وجهها يملؤه الشرر و تقول : ( أنا كان يجب أن أموت )
حاولت ترك سريرها و النهوض لكن منعتها تارا و جوزفينا ، قاومتهم و لكن مسكوها بقوة من ذراعيها و كتفيها ، ظلت تصرخ " أنا يجب أن أموت " ، كان الغضب يخرج من كل شهيق و زفير ، و خطوط بارزة تخرج من جبتها و تستمر في الصراخ " لا يجب أن أبقى حية " .
أشتعل بكاءها أكثر و تشنجت فجأة ، جسمها كله يهتز بعنف و يديها ترتعشان دون سيطرة ، تحاول أن تفلت من بين يديهم ، الكل في حالة صدمة ، لا أحد يصدق أن هذه إيرين ذات الشخصية القوية صاحبة الكاريزما ، يتسألون بين نفسهم " ماذا جرى لها ؟! " .
تطلق صرخات حادة و كانها قد فقدت عقلها ، تقول بأستمرار لا يتوقف " أنا يجب أن أموت " ، الموقف يصبح صعبا عليهم و يفشلون في تهدئتها ، و يطلب بسيل من لينور حقنها بمنومات ، تمسكها الفتيات من ذراعها و الرجال يثبتون قدميها و لينور يأتي مسرعا يمسك في يده حقنة ممتلئة بمادة منومة و يغرزها في زراعها ، و تمر عشر ثواني بعد العاصفة التى أفتعلتها و يبدأ جسدها بالأرتخاء و تغلق عينيها و تغرق في غيبوبة صغيرة و نوم عميق .
تتركها تارا تنام و تبكي على حالها و جوزفينا تعانقها و تواسيها و تخبرها : ( ستكون بخير عندما تفيق )
تُخرج جوزفينا تارا من الغرفة و بسيل يقترب من آسر و يقول بحزم : ( يجب أن تفعل أي شئ .. أي شئ لتعرف ما قصة الرقم الذي تكلمت معه أمس ، أنا متأكد أن له علاقة بحالتها الأن )
أرتبك آسر و قال : ( أقسم لك أنا أبذل ما وسعي )
خرج بسيل من الغرفة غاضبا حنقا ، يمنع نفسه من البكاء و تفريغ صدره مما رآه الآن ، و يقسم أنه سينتقم من أي شخص مهما كان تسبب لها بهذه الحالة ، سيجعله يتلقى عذابا شديدا يجعله يطلب الموت منه و لا يطوله .
وقف بسيل في الشرفة الكبيرة المطلة على الشارع الرئيسي ينظر للسماء و يجد القمر مختفي و النجوم منطفئة و السماء حالكة السواد تلك الليلة ، يشعر بالعجز عن مساعدتها ، يريد أن يعرف فقط ماذا حدث الليلة السابقة لمساعدتها ، ثم يضع رأسه بين يديه و يستسلم للبكاء ، قلبه ممزق كالأحباء المفترقين ، لا يريد أن يفقدها أيضا ، يريدها أن تكون معه ، و يقول بصوت هامس : ( لا أستطيع أن افعل ذلك بدونك يا إيرين ، لا أستطيع أن اكمل و أنتي لست معي ، لا أستطيع أن اعيش و أنتي بهذه الحالة )
ظل طوال الليل يجلس على أرضية الشرفة و رأسة بين ساقيه يفكر كثيرا ، و دخل عليه الرجال الثلاثة ، جلسوا بجواره و سأله وسام : ( هل أنت بخير ؟ )
رفع وجهه الشاحب المتعب و شاهدهم جميعا يلتفون حوله فقال : ( نعم أنا بخير )
قال له لينور : ( لست وحدك يا بسيل القلق ، نحن جميعا أيضا و نتمنى أن تعود بخير لنا )
وجه بسيل كلامه إلى آسر : ( أنا أعتذر على الطريقة التي كلمتك بها يا آسر ، لم أقصد )
أبتسم آسر له و مسك يده و قال : ( لا تعتذر يا أخي ، حالتنا جميعا يرثى لها و قلوبنا مثقلة بالحزن عليها ، نحن جميعا عائلة و لافرق بيننا )
سند لينور بسيل لينهض و قال : ( هيا لتنام قليلا ، نحتاج أن نكون مركزين جيدا ، و هي لن تفيق قبل الصباح لقد أعطيتها جرعة تستطيع أن تنوم عشرة أحصنة )
ساعده بقية الفريق و توجه إلى غرفته معهم و وضع راسه فوق الوسادة و تخيل حياته كلها تمر أمامه اليوم منذ ولادته حتى أول يوم في مدرسته و وفاة والده و و موت أمه و خيرا إيرين أخر من فكر بها و مرت على عقله قبل أن يغمض جفونه و ينام يتمنى أن يعوضه اليوم التالي عن آلام اليوم الحالي .
في الساعة الثالثة و النصف فجرا فُتح باب غرفة بسيل ببطء شديد محدثا صريرا خفيفا جدا يكاد يُسمع و ظل أسود يعبر من خلاله لا يرى في الظلام ، يحمل شيئا في يده ، يقترب خطوة خطوة من بسيل الغارق فنوم عميق من التعب الشديد ، الضوء الخافت يلمع في عينيه ، يمشي بخفي حنين حافي القدمين يسلك طريقه تجاه هدفه جيدا .
أصبح بينه و بين بسيل سنتيمترات قليلة فقط ، رفع ما يشبه السكين بيده عاليا و استعد لينقض على فريسته ، تلاحقت أنفاسه كأمواج مضطربة، لا تعرف هدوءًا ولا انتظامًا ، تردد في تسديد الطعنة و بقيت يده مرتفعة ، هناك صراع خفي داخله حتى أتخذ القرار النهائي و نزل ليطعن ضحيته و بينما إيقاع أنفاسه السريع يفضحه ، يقلق بسيل من نومه و يستيقظ و يرى نصلا حادا متجها تجاهه ليبتعد في الوقت المناسب و ينجو من الطعنة و يشعل الأضواء .
وقف بعيدا تجاه الحائط و قد تجمد الدم في عروقه ، لا يصدق هذا ، لا يصدق أن الوجه الأقرب إلى قلبه هو من يحمل سكينا و أراد أن يقتله ، إنها إيرين ، تقف حاملة الشر كله في يدها مصممة على إنهاء حياته ، تقترب كوحش يستعد للهجوم مرة أخرى و بسيل بصوت يرتجف : ( مستحيل .. أنتِ ؟! ماذا فعلت لكي تريدي قتلي )
تحولت ملامحها الصلبة إلى بريئة و مجبرة و قالت : ( أقسم إنني لم أختر هذا يا بسيل .. لم يُترك لي خيارا .. سامحني .. يجب أن أقتلك )
بسيل يقول و هو ينظر إليها بعينين مذهولتين : ( أخبريني بما حدث و سأساعدك )
تقترب أكثر ملوحة بالسكين و تقول : ( أنا أسفة أنا مضطرة .. أنا محاصرة )
أندفعت نحوه بسرعة و السكين تلمع في يدها ، فقبض على معصمها قبل تغرسه في قلبه و هي تدفع بقوة لتصيبه بينما بسيل قوي يحاول ان يشد يدها بعيدا عن صدره و عيناهما تتبارزان بالنظرات الحادة ، و هو يلوي معصمها ليسقط السكين منها و لكنها تمسكه بقوة كأن كل حياتها تتوقف عليه .
تجمع كل قواها و لكن بسيل يضربها بقوة في صدرها و تسقط على الأرض على ظهرها ، فتقوم بعزم و تشهق بصوت عال كالوحش الجريح ، و شعرها يتطاير و تصرخ صرخة تخترق الجدران و لكن بسيل يمسك ذراعها هذه المرة و يضغط على يدها بقوة عنيفه و ينزلق السكين منها على الارض ، و تمد يدها لتحضره بسرعة البرق لكن بسيل يسبقها و يضرب السكين بقدمه و يرميه بعيدا و يحاصرها بكل جسمها يمسكها من يدها ، و هي تحاول الأفلات من قبضاته و تقول و عيناها كالجمر : ( دعني .. كان عليكم تركي أموت .. الآن يجب أن أقتلك )
تجمعوا على صوت الأرتطام و الصراخ و يجدوا بسيل يمسك بإيرين على الأرض و هي تحاول توجيه الضربات لها بساقيها ، حاصروها و أنتزعوها من يد بسيل ، تصرخ و تركل الجميع كأن قوى شيطانية سكنتها ، تتلوى بين يديهم كالمسعورة ، شعرها المبعثر غطى نصف وجهها، لكن عينيها ظلّتا مثبتتين على بسيل ، ممتلئتين بالغضب و الجنون ، و صدي صوتها يملأ الأرجاء : ( أتركوني .. كان عليكم تركي أموت .. الآن يجب أن أقتله .. يجب أن أقتلك يا بسيل )
بينما بسيل وقف مكانه ينظر إليها مأخوذًا بين الخوف والشفقة، والعرق يتصبب من جبينه كأن الموت كان يبعد عنه لحظة واحدة فقط ، يشعر أنه حلم لا حقيقة ، يغرق في الضعف و يعجز عن المقاومة ، لم يكن يعلم أن السقوط المؤلم سيكون بهذا الشكل في إيرين .
لم ينم أحد حتى الصباح ، تارا تجلس بجوار جوزفينا مكتئبة لما وصلت إليه حالة إيرين ، و بسيل عقله خارج العالم في كوكب أخر ، و وسام و لينور لا يستوعبون ما يحدث ، و آسر في مفاعل كاشفيرنا يحاول الوصول إلى أي شئ من هاتف إيرين و الرقم الغريب الذي تواصل معها و لا يكف عن شرب القهوة .
بدأت السماء تستعد لأستقبال الشمس و لينور يسأل : ( هل نحن بدأنا نسقط الآن ؟ كل الجيوش عبر التاريخ سقطت بمثل هذا الشكل )
قالت جوزفينا : ( ماذا تقصد يا لينور ؟ )
قال لينور : ( أقصد أن جيوش كثيرة سقطت بسبب الخيانة )
وقفت تارا متعصبة و قالت في ملوحة بأصبعها في وجه لينور : ( إيرين ليست خائنة ، إياك أن تقول عنها هذا الكلام من جديد )
دفع لينور يدها بعيدا و قال و هو يواجها : ( إذا ما تفسيرك عن تصرف صديقتك ؟ لقد حاولت نحر رقبته في الليل .. الله أعلم ماذا كانت تخطط لنا أيضا ؟ )
تدخلت جوزفينا بينهم و قالت : ( أختر كلامتك بعناية يا لينور في هذا الموقف .. لا نعرف ماذا حدث لها بالضبط )
ضحك لينور إبتسامة ساخرة و قال : ( الآن هو تحالف النساء )
ابعد وسام لينور عنهم و قال : ( يجب أن نهدأ قليلا .. لا تسكب زيتاً على النهار )
أزاح يده عنه أيضا و قال : ( أأنت معهم أيضا ؟ أنضممت لتحالف النساء ؟ )
أراد أن يلكمه في وجهه حتى صرخ بسيل فيهم : ( ليخرس الجميع هنا الآن .. لا اريد أن أسمع أصواتكم )
و سأل : ( ماذا فعلتم بها ؟ )
تكلم لينور : ( إنها في غرفة التحقيق مقيدة بالأصفاد هناك )
- ( خذوني إليها )
قبل أن يتحركوا سمعوا صوت آسر يتكلم فى اللاسلكي ، أجابه بسيل : ( معك بسيل .. هل توصلت إلى شئ ؟ )
قال آسر : ( لا شئ يا بسيل لكن أكلمك من أجل شئ أخر ، أفتح التلفزيون الآن و شاهد الأخبار )
أحضروا قناة الأخبار و شاهدوا مؤتمرا صحفيا مع مسئولين بعضهم له وجه مألوف كالذين كانوا يتواصلون مع بسيل عبر الفيديو و قال : ( ما الذي جمع هؤلاء معا الآن ؟ هل سيعلنون نهاية الحرب ؟ )
ركز الجميع نظره و أستمع لحرص لتصريحاتهم : ( .. منذ أقتحام مدينة مونيبوليس لم نخرج للأعلام و نتحدث ، أنتم تستغربون الوضع كيف يقف مسؤولين من الحلفاء الجدد مع دول الردع و ذلك بسبب الوضع الذي وصلت إليه المدينة هناك و سيزداد الأيام القادمة ، و لكي نصبح أكثر شفافية معكم أيضا ، و لا نخفي عليكم إننا حاولنا التفاوض مع المسلحين هناك و جلسنا معهم أيضا و مع ذلك رفضوا كل العروض التي عرضناها عليهم من خروج أمن و تسليم السلاح و أصروا على طريقهم نحو العنف و الدمار ، فقط أكتشفنا أنهم يريدون أبتلاع المدينة بالدم و النار ،و صورت اقمارنا الصناعية صور تثبت أنهم بدأوا فعلا في عملية سرقة الذهب و احتياطات بلداننا و إخراجها سرا إلى موقع غير معلوم عبر الحدود التي يسيطرون عليها بالكامل من خلف ظهور الجميع .. )
صعقتهم الصدمة و هم يستمعون لهذه الأفتراءات و قال وسام معلقا : ( اللعنة على الكاذبين الحقيرين ، كم هم بارعين في تلفيق الحقائق ، كل هذا مزور لم يحدث )
علق لينور أيضا : ( إنهم يشهون صورتنا أمام الناس ، سنفقد السيطرة بسببهم ، يجعلونا لصوصا نسرق البنوك )
لم يعلق شخص أخر و لا حتى بسيل و أستمعوا إلى بقية المؤتمر : ( ... لكن الحقيقة المؤلمة التى يجب أن يعلمها الجميع و خاصة أهالي مدينة مونيبوليس أن الموقف الآن أصبح معقدا أكثر من أي وقت مضى ، الدخول لمواجهتهم سيجعل المدنيين يسقطون و خاصة لو استعملوهم كدروع بشرية و لا نضمن ردة فعلهم قد تصبح أكثر عنفا بسيطرتهم على مفاعل كاشفيرنا .. لا نريد الانجرار إلى العنف معهم و ندرك حجم المعاناة الأنسانية التي تمرون بها بسببهم ،ونؤمن بقدرتكم على التماسك والصمود حتى تجد الأزمة مخرجها الطبيعي ، و أعلموا إننا لم و لن نتخلي عنكم أبدا ..)
قالت جوزفينا بحيرة : ( ماذا يعني هذا بالضبط ؟ )
قال بسيل بخيبة أمل : ( يعني إنهم تخلوا عن مونيبوليس ، و هم اصحاب من سيقرروا مصيرهم )
مسك وسام بكوب زجاجي و قذفه على الأرض بغضب شديد و قال : ( الويل لنا .. أعدنا بث القنوات للسكان من جديد و هاهم الآن يستمعون لهذا الكلام )
ترقبوا ريثما يعطي بسيل تعليماته في هذا الوضع و قال : ( أريد زيارة إيرين الآن قبل فوات الآن .. أنا واثق أن كل الأحداث التي نتعرض لها مرتبطة ببعضها .. الآن )
بخطوات سريعة ساروا نحو غرفة التحقيق حيث يحتجزنوها هناك ، و عندما وصلوا رأوا صدمة صاعقة جديدة ، الحارسان المكلفان بحراستها مغشى عليهم من الضرب على الأرض كدمي محطمى و على أجسادهم نقاط دم صغيرة مبعثرة و باب الغرفة مفتوح على مصراعيه و الغرفة نفسها خالية ، الكرسي في مكانه و الأصفاد تتدلى مفتوحة ، لم تترك إلا فراغ أنفاسها ، و صدي سؤال بسيل يرج الجدران : ( أين هربت يا إيرين ؟ )
Mahmoud Ahmed