بعد ثلاث سنوات من الحرب :
أستيقظ بسيل فزعاً يوم جمعة ، يوم أجازته الذي ينتظه بفارغ الصبر على صوت غريب لم يعتاده في شارعهم ، صافرات إنذار لسيارات الشرطة تحيط بالمنطقة ، توجه بسرعة نحو الشرفة حيث تقف أيضاً والدته في حزن يشاهدون ما يجري و يسألها : ( ماذا يحدث يا أمي ؟ ما كل هذه الشرطة ؟ )
قالت بحسرة : ( إنها جارتنا ، قتلها زوجها فجرا و أولادها بدون سبب )
بكت والدته متأثرة بمشهد الجثث في الأكياس السوداء محمولة على الآسرة المتنقلة و تُحمل في سيارات الإسعاف ، و بسيل صُدم من هول ما يحدث ، جارتهم و جارهم الذين لا يبعدون عنهم مبنيين فقط يفعلون ذلك ببعضهم ، ألا يكفي القتل الذي يحدث في العالم كل يوم ؟
صمم بسيل أن يعرف سبب ما حدث ، و نزل إلى المقهى عند غروب الشمس و جلس مع صديق له و سأله : ( هل تعرف سبب قتل جارنا لجارته اليوم ؟ أنا مندهش جدا ؟ أمي مكتئبة منذ الصباح عليها فقد كانت صديقة عزيزة لها )
قال صديقه : ( في هذا العالم الأن توقع أي شئ يحدث من أي شخص مهما كان ، و ستندهش أكثر عندما تعرف المزيد ..... )
و بدأ يقص عليه القصة من البداية عندما أخبره أن جاره كان يعاني من ضائقة مالية كبيرة و خاصة وهو يملك ثلاثة أولاد يحتاجون لأموال طائلة للإنفاق عليهم حتى إنه أضطر أحيانا أن يشحت في الشوارع متخفيا ليجني المزيد من المال و هذا كان سبب عودته للمنزل متأخرا كل يوم .
أخبره أيضا إنه قيل إنه أصبح جاسوسا لأحد دول الحلفاء الجدد ، و الشرطة تقول إنه أختلس المال من عمله و أخرون يقولون إنه يبيع المخدرات و يعمل في المقامرة ، أشياء كثيرة و إشاعات متنوعة سردها صديقه له و لا يعرف أحد أي منها الحقيقة من الخيال .
و قص عليه ليلة الفجر الماضية حسب رواية الشرطة ، إنه عاد الرابعة فجرا و أولاده نائمون و زوجته ، فأحضر سكين مطبخ و دخل غرفة الأطفال و طعن كل واحداً منهم سبع طعنات و زوجته وحدها ستة عشر طعنة .
لم يصدق بسيل ما يسمع و كأنها قصة من فيلم و ليست حقيقة ، و سأل صديقه : ( هل أعترف للشرطة عن سبب فعل ذلك ؟ )
رد صديقه بوجوم : ( للأسف لم يعترف لهم بشئ .. و لن يعترف .. لأنه ذهب إلى محطة مترو الأنفاق و رمى بنفسه أمام أحد العربات فدهسته و تحول جسده إلى قطع صغيرة يُصعب جمعها )
أرتعد بسيل مما يُقص عليه من صديقه و شرب القليل من الشاي أمامه لعله يفيق من صدمة ما سمه و قال : ( هل من المعقول أن تصل الحال و الحرب بالناس إلى قتل بعضهم البعض ؟ )
قال صديقه : ( يا ليته قتل شخصا غريبا ، لقد قتل عائلته و أطفال لم تتجاوز العاشرة بعد .. أظن أن القادم أن يأكل الناس بعضهم من الجوع بعد أن ينفذ الطعام و تجف المياه و تُصبح الأراضي بوراً )
جلس بسيل واجمًا بعد أن سمع القصة. غامت عيناه بالذهول، وتقلّص وجهه بين الخوف والاشمئزاز , لا يصدق أن أباً و شخص ذو سمعة طيبة يتحول فجأة لقاتل أطفال حتى انعقد لسانه ولم يجد سوى صمتٍ ثقيل يعبّر عن هول ما سمع ، يتسائل بين نفسه عما سيجنيه الناس من الحال السيئة و الحرب الدموية في كل العالم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضرب لينور الحائط غضباً بقوة و قال صارخاً : ( كيف يتركنا بسيل الآن و نحن على مشارف الحرب ؟ )
و قالت جوزفينا : ( من سيقودنا الآن من بعده ؟ )
قام ريان و قال و هو يحاول تهدئة الموقف : ( من المستحيل أن يكون قد غادرنا بلا سبب )
تقدمت لورين أيضا و قالت : ( لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب الآن سنتعامل على ما نحن فيه ، الخارج يحشد لنا قوة كبيرة جدا ستهاجمنا عما قريب )
وقف آسر مكانه و قال : ( ماذا تقصدين بالضبط ؟ )
ردت لينور : ( أقصد أن نختار فيما بيننا قائد و الأن ، نوحد كلمتنا حوله و نستعد و ننظم صفوفنا بأقصى ما يمكننا )
قال وسام بهدوء و هو جالس في مكانه : ( و من يترشح للرئاسة إذاً ؟! )
فكرت لينور قليلا و قالت بعد أن واتتها فكرة : ( نختار أثنين منا و نعمل تصويتاً ، و من يحصل على الأغلبية يقودنا )
أنضم ريان إلى فكرتها وقال : ( هذه فكرة جيدة جدا ، و نبدأ بالترتيب الأبجدي و ستكون إيرين )
لم تشعر إيرين بالحماسة للمشاركة في هذا الأمر ، و بقيت صامتة طوال حوارهم ، و الآن أصبحت ملزمة أن تجيب ، يشغلها فقط سؤال واحد " أين ذهب بسيل ؟ " ، و مع ذلك نطقت بالأسم الذي تظن إنه يصلح لقيادتهم و قالت : ( أرشح لينور للقيادة )
لم يصدق لينور أُذنه ، هل حقا نطقت إيرين بإسمه ليرأسهم ؟ ، حتى أن عقله سخر من الأمر بأنها ليست إيرين الحقيقة التي كان يتبادل معها العداء طوال الوقت ، و ضميره كان يُذكره إنه كان الوحيد الذي خونها و لم يدافع عنها و طالب بالتخلص منها عندما غادرتهم المرة الأولى .
حان الدور على آسر الذي أخذ ينظر إليهم كلهم أولا ثم قال : ( أختار إيرين للقيادة )
أشتعلت الأجواء و أرتفع الضغط بعد ترشيحين فقط ، فكان إختيار إيرين غريباً و غير متوقعاً ، و تعجب البعض منه لأنها هي من تركتهم مرتين و خانتهم الخيانة الكبرى في المرة الأولى و يأتي أحدهم و يرشحها لأن يأخذ أوامره منها، و لكنها الديموقراطية و لا يمكن أن يحاسب شخص أخر على أختياره ، و جميعهم لم يعترضوا على الطريقة .
جاء دور جوزفينا التي قالت بسرعة دون تفكير : ( صوتي إلى إيرين مثل آسر )
الآن حصلت إيرين على صوتين مكنوها للوصول إلى الأقتراع النهائي ، و هي نفسها منذهلة كثيرا ، هي لا تريد القيادة بدلاً من بسيل و لم تعرف أن الثقة داخلهم ناحيتها ما زالت موجودة .
أوقفت لينور عملية الأختيار بعدما حست بوجود ميل نحو شخصين أثنين فقط و قالت : ( بدون إضاعة للوقت هل سيتقدم أحد لينافس لينور و إيرين أم نبدأ مباشرة بالتصويت ؟ )
لم يتحرك أحد و أغلقوا فمهم ، و أحضرت لورين ورقة و قلم و قالت : ( سنبدأ الآ التصويت حسب التريتب الأبجدي من جديد )
لم يغير كلا من الثلاثة الأوائل صوته ، لينتقل الدور إلى ريان وسط أجواء مشحونة بالقلق في منافسة غير متوقعة على رئاسة الفريق و مصيرهم و قال : ( أنا أعطي صوتي إلى لينور )
أصبحت النتيجة متعادلة ، صوتان مقابل صوتان ثم يحين تصويت لورين نفسها : ( بصراحة أنا أختار لينور .. أعتذر يا إيرين أنا لا أعرفك جيدا )
أبتسمت إيرين بسخرية فهي أصلاً لم تتوقع و لم تريد أن تدخل هذا الصراع و خاصة أن لينور دوره أتى و بالطبع سيعطي صوته لنفسه و ينهي الأمر ، و يحدث ما هو متوقع ، فهو الوحيد الذي يملك الشخصية المناسبة للقيادة ، طلبت لورين منه التصويت وقال و هو مبتسم بشكل غريب : ( يا للهول ، كيف وصلنا إلى هنا ؟ ... أنا أعطي صوتي إلى ...... إيرين )
و أشار بأصبعه نحوها وسط ذهول الحاضرين ، و من الصدمة لم يعلق أحد على الدراما التي تجري ، و لورين أيضا ظنت أن الأمور قد حسمت و لكنها وضعت بين يدي وسام حيث توجهت إليه كل الأنظار المتوترة تترقي لحظة الحسم ، ملامح الجميع مرسومة على الوجوه ككقصص لا تنسى خاصة لينور و إيرين .
ينهض وسام و ينظر مرة إلى إيرين و مرة إلى لينور و مرة يفكر و أخرى يسرح بخياله قليلاً و يقول في النهاية : ( أنا أختار .... إيرين )
بعد إعلان إيرين قائدة لهم ، ساد الصمت القصير المشوب بالذهول ، العيون تلاقت في لحظة استغراب، والحواجب ارتفعت دهشة ، و أنتشرت الهمسات الخفيفة و ابتسامات مترددة ارتسمت على بعض الوجوه بين سعيد مما أعطاها صوته و أخر مُتقبل للنتيجة كأمرٍ واقع لا مفرٍ منه .
أنخفضت حدة الأجواء و وقف لينور بجوار المكتب يشير للكرسي في المنتصف و يقول : ( أجلسي على مكتبك الآن يا قائدة )
تحركت إيرين نحو الكرسي و العيون تراقبها ، و قلبها يخفق بقوة و كأنه سيترك جسدها ، لم تتوقع إنها ستكون المختارة و ستجلس مكان بسيل ، ربما أُختيرت لأنها كانت الأقرب إلى بسيل و تعرف طريقة تفكيره و تخطيطه و قادرة على إكمال المسيرة بناءً على هذه الخبرة .
جلست على الكرسي ببطئ و هي تشعر بثقل المسئولية الهابطة عليها فجأة ، و هم يقفون أمامها مترقبين لقرارتها و خطتها ، و هي لا تستطيع أن تتراجع الآن فلا تريد أن تتخلى عنهم و هم مشتتين مرة أخرى بعد أن وثقوا بها بعد ما فعلته فيهم من قبل .
كانت واثقة أن بسيل لم يغادرهم هباءً في هذا الظرف ، تاركهم للموت و يهرب و هو كان أول المتطوعين لذلك ، و وثقت في عودته إليهم مجددا و هذا ما جعل بريق الأمل الصغير يلمع في عينيها ، كأن اللحظة غير المتوقعة قد أيقظت فيه قائدًا لم يعرف بوجوده من قبل.
................................................................................
عاد بسيل إلى معسكر المنشقين القديم بعد طريق طويل و تسلل إلى الداخل حيث القليل من الجنود للأعمال الأدارية ، و عدد من طائرات الشحن التي تعمل كموصل للمؤن إلى منطقة الحرب في مونيبوليس عبر دول أمنة كمصر و إسبانيا .
أرتدي قبعة و أنزلها ليخفي وجهه و قرأ التعليمات و خط سير كل طائرة معلق على بابها ، و وصل إلى الطائرة المتجهة إلى مصر ، دخلها و أختبئ خلف صندوق خشبي ضخم ، خلع قبعته و أرتجفت يداه و أنتظر أن تطير به الطائرة إلى بلده التي أشتاق إليها كثيرا .
عندما أرتفعت الطتئرة في السماء ، دخل بسيل صراعاً في نفسه بين الواجب الذي تركه في مونيبوليس و فريقه الباقِ في مصير مجهول هناك ، و المخطط الذي يحمله في أعماق نفسه و يعتقد أنه سيغير مسار الحرب ، و يظل يقول إلى نفسه أن ما فعله هو تضحية ضرورية ، لكن داخله يعرف أنه سيظل يسمع أصوات رفاقه المنادين باسمه كلما أغمض عينيه .
يتمنى أن يعلموا إنه لم يكن هروباً و لا خيانة ، بل هناك حربا أخره في نفسه أيضا يريد أن يخضوها و فكرة يريد أن ينقذهم أيضاً بها ، كانت كل دقيقة في السماء تمر كساعة طويلة عليه و تزيد من ثقل الذكريات التي يحملها هناك على عاتقه ، و ينظر من النافذة فيرى البحر المتوسط أسفله ، يعرف أن بعد مروره للجهةالثانية يكون قد وصل و دخل إلى اللعبة الجديدة التي سيخوضها .
أستيقظ بسيل من نومه عند أحساسه بهبوط الطائرة و تمسك بأقرب شئ لديه ، أرتطمت الطائرة بالأرض و أحتكت العجلات بالأرض ، و فُتح الباب الخلفي للطائرة و تسلل بسيل بسرعة قبل أن يتجمعوا لتفريغ الصناديق الخشبية .
كان وسط معسكراً في الصحراء ، لا يعرف موقعه بالضبط ، و لا في أي مدينة هنا ، فقط أسرع و ليخرج من المكان دون إحداث فوضى أو يلمحه أحداً .
بعد أن مر من الباب الرئيسي خلسة أكتشف أن المعسكر يبعد عن طريق سيارات قرابة كيلو متر واحد ، حيث سيارات تسير على مرمى نظره ، بدأ المشي تحت الشمس و حرارتها ، و وصل للطريق بعد 20 دقيقة أقترب فيها من فقدان أنفاسه من شدة الحر .
أشار لأول سيارة نقل كبيرة قادمة و توقفت له و سأله : ( السلام عليكم ، أين نحن ؟ أي محافظة نحن ؟ )
لم يتعرف عليه الرجل العجوز و رد عليه : ( و عليكم السلام يبدو إنك تائه هنا ، نحن في محافظة مطروح ، أين أنت ذاهب ؟)
تيقن بسيل إنه على مسافة مئات الكيلومترات من القاهرة و لم يجد سوى إجابة الرجل لعله يساعده في طريقه : ( أريد أن أذهب للقاهرة ، عدت مع الجنود و لم يخبرونا أين سنهبط ، هذا المعسكر هناك )
رمقه الرجل بنظرة من الأعلى إلى الأسفل و ما زال لم يتعرف عليه و قال : ( أنت من الجيش ، هذا يوم حظك ، أنا في طريقي للقاهرة أيضا ، و لكن أحذرك هذا طريق طويل )
هز بسيل رأسه بالموافقة و قال : ( لا مشكلة لدي ، موافق )
ركب بسيل بجوار الرجل و لم يفتح معه أي موضوع طوال الطريق بل نام من التعب الشديد في السيارة بعمق ، لم يتأثر بالمطبات و لا الوقت ، فقط بأهتزازه بقوة بسبب الرجل الذي أيقذه من غفوته بسبب وجود رجال شرطة على الطريق يفتشون السيارات القادمة .
أشار له الضابط بالتوقف و العساكر تحيط به في أيدي كل منهم بندقيته ، و سقط قلب بسيل في قدميه ، قد تفشل خطته أصلاً قبل أن تبدأ ، حاول السيطرة على أنفاسه و توتره و تعرقه الشديد ، و تظاهر بالثبات ، ثم طلب الضابط الأوراق و الرخص من السائق فأعطاها له .
تفحصهم الضابط جيدا و ألتفت إلى بسيل ، و تغيرت ملامحه عندما رأه ، طلب من السائق أن يضئ مصباح السيارة من الداخل ليراه جيداً وسط الظلام القاحل ، و لكن السائق أخبره أن الضوء لا يعمل ، و أحضر مصباحا و أطلقه في وجه بسيل لتؤلمه عيناه من شدة الضوء الموجه إليه .
سأله الضابط : ( من أنت ؟ و من أين أتيت ؟ و أعطني إثبات شخصيتك )
أعطاه بسيل جواز سفره غير الحقيقي الثاني ، قد صنعه لينور له في حالة هربهم و أختفائهم و حان وقت أستعماله الآن و رد بسيل : ( أسمي باسل ، و أنا طبيب أعمل مع الجيش و سأنزل إجازتي اليوم )
نظر الضابط لجواز سفره و وجهه مرتين و سأله : ( و أين يقع معسكرك ؟ )
رد بسيل و يده تمسك الكرسي من الأسفل بقبضة من حديد : ( معسكري خارج البلاد ، في السودان )
وجه الضابط المصباح ناحيته من جديد وقال : ( أنت تُشبه كثيراً )
سأل بسيلمدعيا الدهشة و كأنه لا يعلم شيئا : ( من تقصد يا سيدي ؟ )
رد الضابط و هو يتفحص وجهه جيداً : ( هذا الرجل الذي يقود تمرداً على العالم في مونيبوليس )
أبتسم بسيل و قال ساخرا : ( قد أذهب إليها بعد إنتهاء أجازتي ، و أرى ذلك الشخص ، أتمنى أن لا يخلطوا بيني و بينه هناك )
ضحك الضابط و نادى على أحد مساعديه و قال له : ( خذ جواز سفره و أعرف عنه كل شئ ، و لن تتحرك تلك السيارة من هنا قبل أن تصلنا كل المعلومات )
نفذ مساعده الأوامر و بسيل يكاد يموت و يتمزق من داخله ، يتمنى لو يملك آلة زمنية تُمكنه من التقدم في الزمن و ترحمه من عذاب اللحظات التي يعيشها الآن ، و هو عليه السائق العجوز و قال : ( لا تحزن يا بنى ، هذا يحدث كثيرا على الطريق ، أنت تعرف الظروف التي نعيشها )
هز بسيل رأسه له و وفر الكلمات ، و مرت الثواني كأيام لا ساعات ، تمر السيارات و هو لا يزال متوق منتظر النتيجة ، يخشى أن يخذله جواز سفره رغم أن لينور أكد أن كل الوثائق التي أصدرها لهم سليمة مائة بالمائة .
بعد أصعب خمسة و أربعين دقيقة على بسيل ، وصل الضابط و في يده جواز سفره و بسيل يده تمتد للأسفل ليحضر السكين الذي أخفاه في حذائه و سمع الضابط يقول : ( عليك أن تحترس في مونيبوليس ، قد تموت بسبب الشبه ، خذ جواز سفرك يا دكتور و غادروا الآن )
عدت يد بسيل إلى مكانها وقال : ( شكرا لك كثيرا )
عادت الروح إلى جسد بسيل من جديد ، لا يصدق أنه نجى من هذا ، لا يريد أن تُكتشف هويته قبل أن يفعل ما يريد أن يفعله في القاهرة ، و بعد ساعات السفر المرهقة و الطويلة وصولوا إلى مبتغاهم ، حاول بسيل أن يعطي الرجل مالا مقابل مساعدته لكنه صمم و رفض بشدة و دعى له بالتوفيق و السلامة في حياته .
أرتدي بسيل قبعته السوداء و أخفي ملامحه بما أستطاع و سار في طريقه نحو أول شئ أراد أن يفعله و أستعد أن يضحي بروحه أن يفعله ، شئ قد يعيد جزء من روحه المفقودة إليه .
وصل إلى المقبرة حيث دُفنت أمه و وقف أمام ضريحها و بكى بحرية كطفل صغير أمام التراب الذي أحتضن أعز إنسانة في حياته ، وكأن الأرض قد ابتلعت نصف قلبه معها ، و ركع أمام القبر و لامس التراب بيده و دغفن أصابعه فيه يبحث عن حضن و دفء لم يعودوا موجودين ، وقتها مرت أمامه كل لحظات طفولته و مراهقته و شبابه معها ، و الأبتسامات و الهموم ، فأشتد الألم بصدره و عَلِم أن أصعب معركة يواجهها هي معركة الفقد و قال : ( سامحيني يا أمي من فضلك .. فعلت كل هذا من أجل أن تسامحيني ... لم أتخل عنك و كان يجب أن أموت مكانك .. هذه الدنيا لا تساوي شئ أمام خسارتي لكي ، أخبريني ماذا أصنع ؟ ، أنا تائه .. أنا وحدي ، و لكن سأواجه العالم من أجلك حتى نلتقي و لن أقول وداعاً )
وقف و الدموع تتساقط على القبر ، دعا الله لها و قرا الفاتحة ، و لمح بعض الناس يتجمعون حول قبر قريب ، فأرتدى قبعته و مسح دموعه و غادر مسرعا ملقياً نظرة سريعة على القبر ، و مر في طريقه على قبور العائلة التي قُتلت على يد أبيهم خلال الحرب ، و تذكر كيف تغير الحرب الطيبين ، و سبب قتله الحقيقي لهم و رمي نفسه بعدها أمام أحد قطارات مترو الأنفاق و هو أنه أعتقد أنه سيخلصهم من الفقر و العذاب في الحياة بعد فقدانه و ظيفته الوحيدة و اضطراره أن يشحت المال من الناس في الشوارع ذليلاً ، و رغم هذا لا يملك ما يكفي من المال لشراء رغيف خبز واحد فقط و رفضه المساعدة من أي شخص كان .
تركهم هم أيضاً و لكن ذكراهم كذلك في قلبه ، و سار في دربه ، و تلك المرة بجراءة ، أختار أن يقف تحت أحد أعمدة الإنارة التي تحتوي على كاميرا مراقبة .. خلع قبعته و رفع راسه إليها و بقى متسمرا أمامها ، بعض الناس تنظر إليه و عرفته و أخرين يقارنون التشابه ، و لم تمر سوى دقائق و جاءت سيارات الشرطة من كل مكان ، فهرب الناس من الشارع و نزل الشرطيون ، و أنقضوا عليه بقوة و قيدوا يديه خلف ظهره و جروه إلى أحد سيارات الشرطة إلى أحد مراكز الأعتقال شديدة الحراسة .
هناك تُرك بسيل في غرفة تحقيق ضيقة ضعيفة الإضاءة لمدة ثلاث ساعات متواصلة ، بدون مياه و لا طعام .
نام بسيل على نفسه على الكرسي و يديه مقيدة خلف ظهره ، و بعد دقائق فتحها من الجديد عندما دخلت إمرأة شديدة الملامح ، ترمقه بنظرات جدية غاضبة ، تجلس أمامه و ترص الأوراق حولها و تقول : ( لماذا أنت هنا يا بسيل ؟ )
رد بسيل بثقة غريبة و بروح ساخرة : ( جئت لزيارة قبر أمي أشتقت لها )
تجاهلته المحققة و قالت : ( لا تظن إننا حمقى ، شريكتك سلمت نفسها للمسئولين في مونيبوليس و من ثم حدث ما حدث الآن .. أنت هنا لتُعيد الخدعة من جديد )
إبتسم بسيل و قال : ( و لكن شريكتي خططت لذلك مع أحد الأشخاص المسئولين في مونيبوليس ، سأفعل ذلك لو ستخوني جماعتك أيضا و تساعديني مثلها )
أبتسمت أيضا المحققة بسخرية و قالت : ( تملك حس مزاح رائع ، أتعلم كم دولة تريد تعذيبك ثم إعدامك ؟ )
قال بإستخفاف : ( كم ؟ هل هم كُثر ؟ أريد دخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية )
ردت عليه : ( ما لا يقل عن خمسة و عشرين دولة )
أخذت شهيقا عميقا ثم ضربت الطاولة المعدنية بقبضتها بقوة و قالت : ( لن أُضيع الوقت معك ، أخبرني بكل ما تعرفه ، عن خططكم ، عن المدينة و تمركزات قواتكم )
حافظ بسيل عن رصانته و قال : ( لا أعرف شيئا ، لقد تركتهم فجأة ، حققت ما أردت دمرت المدينة و شردت أهلها و الجميع سيهاجم مونيبوليس الآن و تدمرون بعضكم بعضا ، لماذا أبقى هناك لأموت ، جئت لأنني مللت ، مللت القيادة و الأوامر و قلة النوم من الخطر الذي لا ينتهي و حياتي التي لا أعرف متى سافقدها )
قالت المحققة بحزم : ( أمس تطلق خطابا حماسيا على القتال و اليوم تقول مللت منه ، هل تتعامل مع أطفال ؟! ، لن تعيش مرة أخرى يا بسيل ، كان عليك أن تموت بطلا هناك بدلاً من أن تموت و المشنقة حول رقبتك هنا )
قال بسيل : ( أقتلوني .. هيا .. في كل الأحوال سأظل بطلاً حاول إنهاء الحرب في نظرهم )
في الجهة المقابلة كان أحد القادة العسكريين يراقب التحقيق و طلب من المحققة الخروج و إنهاء الأمر و سمعت الأوامر في سماعة إذنها ، فهمت بالمغادرة و قبل إغلاق الباب أمرت الحراس بأخذه إلى الزنزانة الخاصة ، و هي عبارة عن غرفة كالقبر مساحتها متر في متر تنام فيها واقفاً و بها فتحة صغيرة في الحائط للتهوية فقط النملة تستطيع العبور منها .
ألقوه هناك ، و أشتد الظلام و كأنهم رموه في المجهول ، لا ضوء لا حياة و لا شئ ، فقط أصوات صدى لأصوات غريبة بدأت تدب الرعب في قلب بسيل ، كما لو دفن حياً .
في الصباح فُتح باب زنزانتهُ و ألقى أحد الحراس دلواً ممتلئ بالماء البارد على بسيل ليستيقظ فزعاً ، يرى أمامه المحققة و أمامها قائد عسكري برتبة عالية جداً يقترب منه بوجه مُتقطب و يعطيه ورقة و يقول : ( ستُسجل هذا البيان و سنُذيعه مباشرة على التلفزيون للعالم ، أعتبرها بادرة حسن نية منك لنتأكد من سلوكك )
أخذ بسيل الورقة وقرأها و أومأ برأسه موافقاً على كل كلمة فيها ، سحبه حارسان من ذراعيه لتجهيزه ، و ذهبت المحققة لتوضيب كل شئ للرسالة المُنتظرة من بسيل للعالم .
......................................................................................
بينما إيرين و شركائها متجمعين حول طاولة مستديرة عليها خرائط و أوراق خطط ، يُجهزون للمعركة الكبيرة المنتظرة في مونيبوليس ، لَمحت جوزفينا بسيل يظهر على شاشة التلفزيون ، أشارت بيدها و قالت للجميه : ( ما هذا الذي يبث على الأخبار ؟ )
توجهت الأعين ناحية الشاشة ليروا بسيل ظاهراً عليها يرتدي ملابس أنيقة و يلقى خطابا من مكتب رسمي ، بسرعة مسك آسر جهاز التحكم و رفع الصوت و أستمعوا إليه يقول : ( أتحدث اليوم من مصر و ليس من مونيبوليس ، أتكلم إلى شركائي القدامى هناك ، لقد أرتكبنا خطأً كبيراً عندما ذهبنا إلى هناك و فعلنا ما فعلنا ، لقد أشعلنا النيران أكثر ، أنا الأن تعلمت من خطئي القديم ، لقد علمت أن العالم كان على وشك الوصول إلى السلام و نحن أعقنا ذلك بدافع الأنتقام لأقربائنا الذين ماتوا كغيرهم كضاحية غير مقصودين للحرب ... أريد من كل ما يشاهدني في مونيبوليس أن يتوقف و يفكر فيما قد يعنيه قيام معركة كبيرة هناك ، أحقاً هذا ما تُريدونه قتل بعضنا البعض ؟ ، القتل ليس حلاً ، أطالبكم بخفض أسلحتكم فوراً ، لنوقف العنف ، من أجلنا جميعاً .. من أجل السلام )
مسك لينور كوب المياه الزجاجي أمامه و رماه ليصيب الحائط بجوار التلفزيون و ينكسر إلى شظايا صغيرة و يصرخ : ( الخائن .. اللعين .. لقد خدعنا جميعا )
تسائل ريان : ( لا أعرف لماذا قد يقول هذا ؟ )
أنشقت الغرفة بين غاضب و متسائل ، متهير و يغلي من داخله ، أهذا القدوة و القائد الذي كانوا مستعدين للتضحية بأرواحهم من أجله ، و أيرين تبكي بصمت و دموعها تنزل حزنا على فقدان بسيل الكبير ، لا تصدق عيناها ، و تقول في نفسها يمكن أن يكون كابوساً و سينتهي و تستيقظ منه .
تفتح الورقة التي تركها بسيل قبل أن يغادر ، تريد أن تقرأ كلامته لها كوداع بعد خيانته الكبيرة ، و تركهم وحدهم في الجحيم يقاتلون من أجل الأهداف التي وضعها لهم أول شخص .
مسكت الورقة تنظر إليها مطولاً دموعها تبللها ، وصلت إلى الكلمة الأخيرة ، أخر كلمات بسيل القديم الذي تعرفه و ليس ما ظهر أمامها منذ قليل ، و خلال هذا شعرت إنها أكتشفت شيئا في نهاية الرسالة ، تحس أنها تقرأ النقاط في أخر كلامه ، النقاط و الشرطات ليست عشوائية ، تتدق النظر أكثر ، هي تعرف ما هذا ؟ ، تعلمته من قبل ، إنها شفرة مورس ، الأمل ما زال موجود ، بسيل لم يختفي .
بدأت تتذكر تدريبها القديم " •− −−•− − •−•• •− •−•• •− ••−• •−•− •• " توزع الأحرف بقلم كان في جيبها لتُجمع في النهاية كلمة " أقتل الأفعى " .
ألتقطت إيرين الخيط الخفي في الكلمات ، و لكنها ما زالت لا تعرف معناها و مع ذلك تسائلت أولا ، بسيل خانهم أم لا ؟ أهي خطة منه لشئ لا يعلمه أحد إلا هو ؟ و كيف تقنعهم و هم يشتعلون ناراً منه خلفهم ؟ .
Mahmoud Ahmed