الفصل الثالث و العشرون

الفصل الثالث و العشرون

12 0

قبل ثلاث أعوام من الحرب :

حضرت لورين محاضرتها الثانية عن الأساطير القديمة في كلية التاريخ و الحضارة في إيطاليا حيث تعيش بعد أن تركت مونيبوليس و أسست لنفسها حياة و عمل و دراسة و رّمت الماضي الأليم خلف ظهرها .

جلست في مكانها بجانب صديقيها و عم الهدوء المكان عندما بدأ مُعلم المادة بالكلام : ( اليوم سنتكلم عن واحدة من أشهر الاساطير الأغريقية ، أسطورة بروميثيوس ، واحدة من أكثر الأساطير عمقاً في الفكر الإنساني ، لأنها تتحدث عن التمرد، والعقاب، وحب الإنسان للحرية والمعرفة ، فطبقاً للأسطورة و بعد أنتصار زيوس على التايتنز و أصبح ملك الآلهة كلف أبنه إيبيميثيوس بخلق البشر و بقية الكائنات و لكن أبنه وزع كل الصفات الحسنة على الحيوانات كالفراء و القوة و السرعة و ترك البشر عراء و ضعفاء و يعيشون في ظلام دامس ... )

همست صديقة لورين في أُذنها وقالت : ( لماذا يعلمونا هذا الهراء اللعين .. ؟ )

أشارت لورين لها بالصمت و أكملت تستمع إلى المعلم : ( .. كان بروميثيوس يحب البشر و أشفق عليهم فسرق النار من جبل أوليمبوس ، و أعطاها كهدية للبشر ، و لم تكن للبشر مجرد مصدر للضوء و الدفء بل كانت بداية الحضارة الأنسانية كلها .. و لأن كل عمل عظيم يقابله تضحية عظيمة ، فعندما أكتشف زيوس السرقة قرر معاقبة بروميثيوس عقاباً قاسياً حيث رُبط بالسلاسل في صخرة و كان نسر يأتي كل يوم و يأكل كبده ثم ينمو كبده خلال الليل فيأتي النسر في اليوم التالي و يأكله ، لتعود المعاناة و تبقى للأبد ... )

تكلمت أحد الطالبات و قالت : ( و هل بقي يعاني للأبد ؟ )

أجاب المعلم : ( لا .. فقد كان هرقل في أحد مهماته للبحث عن تفاح الهسبيريدات الذهبي ، و سمعه يصرخ و يعاني خلال عبوره الجبال ، استعد هرقل، وسحب قوسه السحري، وأطلق سهماً مميتاً قتل النسر العملاق و استخدم هرقل قوته الخارقة لكسر السلاسل الحديدية التي قيدت بروميثيوس بالصخرة ... )

وقفت لورين لتسأل سؤالا و قالت : ( و هل وقف زيوس يشاهد هذه الإهانة له بصمت ؟ )

رد المعلم على سؤال لورين الذكي و قال : ( بالطبع بلا .. هرقل طلب من زيوس أن يسمح له بتحريره و تخليصه من معاناته و وافق بشرط أن يتمكن من قتل النسر و أن يجد بديلاً خالداً ليأخذ مكانه في العذاب .. )

بقيت لورين واقفة و سألت : ( و هل وجد ؟ )

قرب المعلم مكبر الصوت منه و قال : ( كان هرقل في أحد مغامراته في أشتباك مع قناطير و هي كائنات خالدة لا تموت و بالخطأ أنحرف منه سهم مسموم و أصاب شيرون و هو قنطور طيب و حكيم و معلم لكل الأبطال و منهم هرقل و لأنه خالد دخل في حالة من العذاب الأبدي و من الألم المبرح تمنى الموت ليتخلص من عذابه فعرض صفقة أن يتخلى عن خلوده و يذهب لعالم الموتى مقابل تحرير بروميثيوس ، و وافق زيوس على الصفقة و تحرر بروميثيوس رسمياً بعد آلاف السنين من العذاب و وضع زيوس شيرون بين النجوم تكريماً له ليصبح برج القوس )

جلست لورين تفكر و سألت صديقها و قالت : ( لماذا قد يضحى شخص ما من أجل أخرين لا يعرفهم و هو يعلم العواقب ؟ )

رد عليها هامساً : ( التعاطف أو الشفقة يؤثران على النفس )

قالت صديقتها : ( أو لأنه أراد أن نذكره كثيراً في المستقبل و يظل أثره موجوداً )

قالت لورين بعدهم : ( لا هذا و لا ذاك .. بل أراد أن تكون روحه حرة أكثر من زيوس نفسه الجالس على عرشه .. لم يكن قادراً أن يعيش بلا مبالاة في فردوس أوليمبوس )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصل الجميع إلى مفاعل كاشفيرنا النووي و بدلاً من تجهيز المفاعل للأنفجار الكبير ، جلسوا يناقشون المعضلة التي هم فيها و وقف لينور يتحدث و يكتب على لوحة بيضاء أمامه : ( المدينة الأن مقسمة إلى ثلاث طبقات نحن النواة في الداخل يحيط بنا جنود الخارج بكل أسلحتهم المميتة و ورائهم جموع من الناس .. الملايين منهم ترسوا مراكبهم و سفنهم بينما نتحدث )

قالت جوزفينا بصوت يشوبه الخوف : ( ستكون مذبحة لم يحدث لها مثيل لو هاجموا الناس )

وسام : ( الناس تتوقع أن نقف معهم نهجم من المدينة و هم من الخارج و نطوقهم و نهزمهم ، لا يعرفون خطتنا )

قالت لورين بغضب : ( لم يكن عليك أن ترسل الفيديو اللعين )

قال ريان رأيه أيضاً : ( ربما لو تحدثنا للناس و أقنعناهم بالرجوع و قتها يمكننا العودة لخطتنا الأصلية )

وقفت إيرين أمام بسيل و قالت : ( فكرة جيدة ريان و تتراجع جيوش الخارج أيضاً و تفشل الخطة بالكامل .. أرى أن يسكت الجميع و يدعو بسيل يتكلم )

بقى بسيل صامتاً رأسه مطأطأ إلى الأرض يضغط على أصابع يديه لا يجد كلمات لقولها حتى قالت له إيرين : ( بسيل قل لنا ما علينا فعله في هذا الموقف .. أنت القائد )

رفع بسيل رأسه قليلاً و نظر للحائط و قال بصوت شاحب : ( لا أعرف ... لا أعرف ، ربما لا يهاجمون الناس و يجبروهم على الأنسحاب و تنتهي الحرب )

أقتربت لورين من بسيل مع أبتسامة و قالت : ( ينسحبوا و من ثم يعودوا من جديد ، حلقة مفرغة لا تنتهي )

قال لينور بخيبة : ( كانت خطتنا بالتضحية مثالية ، كالقنبلة النووية على هيروشيما في الحرب الثانية ، ستنهي الحرب في لحظتها )

وقف بسيل امام أحد الحوائط يستند بيده عليه و لورين خلفه و كلماتها تمر عبر أُذنيه قائلة : ( ما الخطة إذاً أيها القائد؟ )

أستدار إليها و واجهها و قال : ( سنفعلها بطريقة قديمة جداً جداً كما في روما القديمة و لكن لن نشعل النار فيها )

ظلت عيون لورين تراقب عيون بسيل و هو يستكمل : ( سندخل جميعاً إلى المدينة و نتقاتل كلنا نحن و الناس و الجنود و كأنها حلبة قتال مجالدين ، من ينتصر يأخذ كل شئ )

قالت لورين بصوت هادئ : ( و ما أدراك إننا سننتصر ؟ )

شد بسيل على كتفها و قال : ( ألم تسمعى عن العوالم المتوازية ؟ .. ربما خسرنا معارك كثيرة في عوالم أخرى و قد تكون خطتنا حدثت و فشلت أيضاً و أعطانا الله فرصة جديدة و أرسلهم لنا لننتصر )

ضحكت لورين بصوت عال و قالت : ( أنت لديك مُخيلة كبيرة اليوم .. كيف تملك وقتاً لمشاهدة أفلام الخيال العلمي ؟! )

صرخ بسيل : ( هل لديكم أنتم أفكار أفضل ؟ .. هل تريدوا قتل الملايين و منذ ساعات كنا سنموت من أجل حياتهم ؟ )

لم يفتح أحد فمه و بقي يصرخ : ( لن أُلطخ يدي بقتل الأبرياء .. جاءوا لهنا لنفس الهدف الي أتى بنا .. من يريد أن يغعلها و يمتلك القوة فالزر أمامه ليفعلها )

مسكت إيرين بسيل و هدأته و قالت : ( أنا معك في أي شئ تُقرره ، كل شئ متوتر و علينا الهدوء و المُراقبة و نرى إلى أين ستسير الأمور )

قال ريان بأعصاب مرتخية : ( هي محقة .. لنستريح قليلاً و عقولنا ستأتي لنا بالأفكار )

بينما بسيل ينفث الهواء الساخن من فمه ، تفرقوا كلاً منهم إلى مكان مختلف و بقيت إيرين إلى جوار بسيل و هو ينظر إلى شاشة الحاسوب المحمول و يرى الناس تنزل من المراكب على شواطئ مونيبوليس يحملون سكاكين و أدوات زراعة و بنادق شخصية قادمين للقتال من أجل إنهاء الحرب .

...............................................................................

في هدوء القاهرة كانت هميس قد وصلت بالطفل منذ ساعات طويلة أغلقت هاتفها و بابها و قررت الأختفاء عن الأنظار ، الريبة تحتل قلبها و الأحتمالات أن أحد قد كشف ذهابها إلى مونيوبوليس ، بقيت في منزلها و السكين تحت وسادتها ، كل حركة تخيفها و حفيف أوراق الشجر يرعبها و مع ذلك تحاول الأهتمام بالطفل و الوفاء بوعدها .

طرق الباب بشدة في العاشرة مساء في أحد الليالي و خرجت من غرفتها تمسك السكين في يدها ، و رأت الطفل يخرج من غرفته فأمرته بالعودة و غلق الباب و أستمرت تتقدم نحو باب منزلها ، و الطرق ما زال مستمر ، فتحت الباب ببطء و أشعلت الضوء و وجهت كل قوتها نحو صدر الرجل غلا أنها توقفت في اللحظة الأخيرة و هو يصرخ : ( لا لا تقتليني ، أنه أنا )

تراجعت هميس بسرعة بعد أن رأت زميلها في العمل باسل يقول لها : ( لماذا تحملين سكيناً في يدك ؟ )

هدأت هميس و جلست على الأريكة و تركت السكين و قالت : ( لحمايتي ، ربما من فّجر المؤتمر يعرف إنني على قيد الحياة فيأتي ليكمل مهمته )

قال باسل : ( لقد كنت قلقاً عليك كثيراً ، جئت عدة مرات و لم يجبني أحد ، أين كنتِ ؟ )

أجابته و هي تختلق قصة : ( لقد كُنت في المشفى ، و صمموا أن أبقى هناك بعض الوقت )

أخرج باسل سيجارته و أشعلها و قال : ( يجب أن تعودي للعمل يا هميس ، الفوضى في كل مكان )

ردت هميس : ( لن أعود للعمل ، لقد تركته ، سأبقى في منزلي )

ترك باسل السيجارة و قال مندهشاً : ( تركت العمل ! كيف و لماذا ؟ )

ردت بهدوء : ( هذا قرار نهائي ، لن أعود بعد الموت الذي عشت فيه )

مسك سيجارته من جديد و أخذ منها نفساً طويلاً و قال : ( أظن أن الجميع أُصيب بالجنون و ليس أنتِ فقط ، هل تخفين عني سراً ؟ )

ردت هذه المرة بغضب : ( كنت سأموت و تدمرت نفسيتي و أعصابي و أُصاب بالكوابيس و لا أريد إكمال العمل ، و تسألني أخفي سراً )

أطفأ السيجارة و قال مهدءأً إياها : ( أنا أعتذر نحن شركاء دائماً و يهمني أمرك بعد وفاة زوجك في الحرب ، لهذا أردت الأطمئنان عليك )

لم ترد هميس و أكمل كلامه : ( لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك ، فقط أحترسي الأيام القادمة ، ستشتعل حرب كبيرة في مونيبوليس ، ثلاثة ملايين شخص غير عسكري تحركوا نحوها سيراً و عبر زوارق ، نصفهم على الأقل وصل هناك و مع وجودهم مع المنشقين و الجيوش الأخرى ستحدد المعركة بينهم مصير للحرب للأبد )

وقف باسل و هم بالخروج و سألته هميس : ( من يقود كل هذه الجيوش الآن ؟ )

أبتسم باسل و قال : ( لا أحد يقود أحد الأن ، تُحركنا غرائزنا في الأنتقام و الغرور )

خرج بسيل و أغلق الباب خلفه ، و أسرعت هميس و دخلت غرفة الطفل و أحضرت حقيبته و وضعت فيها ملابسه ، و جهزت ملابسها كذلك و سألها الطفل : ( هل سنذهب إلى أمي ؟ )

توقفت هميس عن ترتيب الملابس عند سماع صوته و نزلت على ركبتيها و قالت له : ( لا يا عزيزي .. سنذهب إلى مكان أخر أتفقت مع والدتك أن تلتقينا فيه بعد أن ينتهي عملها )

كذبت هميس على الطفل الصغير و صدقها ببراءة الصغار ، و أكملت ما تفعله و في نيتها الأتجاه جنوباً و الأختباء حتى تجد طريقة لترك البلاد و التوجه إلى أبعد نقطة ممكنة في كوكب الأرض لينجو بأنفسهم من ردة فعل الخاسر في معركة مونيبوليس النهائية حتمية الحدوث حيث الخاسر لن يتحمل الخسارة حتى لو كانت النتيجة أن يدمر العالم و البشرية كلها رأساً على عقب .

......................................................................................

في مونيبوليس و مع أقتراب دخول المدنيين المدينة أجتمع بسيل بفريقه و حمل سلاحه و هو يتكلم معهم و قد تبدلت حالته تماماً و قال بحماسة : ( اليوم سينضم العالم إلينا ، لو كتب أن نموت في كل الأحوال لنموت لا يهم )

رفع الجميع أسلحتهم تحية إلى بسيل و دعماً له ، و سأله لينور : ( ما خطة الهجوم إذا ؟ )

رد بسيل : ( لا خطة للهجوم ، فقط سنتقدم و نتقدم ، إما أن يقضوا علينا أو نحن نفعل ذلك )

أرتفع صوت ريان وسطهم فجأة و قال : ( أنا أعترض )

أتجهت نحوه أعين الجميع بينما كان الوحيد الذي لا يحمل سلاحه بينهم و وقف في منتصف الغرفة و قال : ( ما الفرق بين موتنا عندما نفجر المفاعل و موتنا مع البقية في قتال ؟ )

هدأت روح بسيل و فهم ان ريان يمتلك رأياً يخالف الجميع و عليه التعامل مع هذا ، فوقف أمام مكتبه و رد عليه : ( الفرق أننا كنا سنقدم أنفسنا تضحية مقابل أن يتخلص الأخرين من معاناة الحرب ، و الان هم يريدون أن يفعلوا ذلك بيدهم و لو كنا سنموت في الحالتين سنموت و نحن نقاتل لأننا سابقاً كنا سنموت لأجلهم )

سأل ريان بطريقة غريبة خارجة عن حدود هدوءه المعتاد : ( و قد يهزمونا و حينها نكتشف ان الخطة الأولى أفضل ، لماذا نجازف بتلك الطريقة ؟ )

قال بسيل بصوت يقف على حافة الغضب : ( و لماذا نفكر هكذا ؟ ن قد يكون الناس هم الشرارة و النار التي أرسلت لنا لننتصر ، النصر ليس بالخطط و كثرة الأسلحة فقط ، ماذا جنينا من الأسلحة و التكتيكات ؟ )

وقفت لورين حائلاً بينهم و سألت ريان : ( ماذا بك ؟ ، ما الذي يجعلك تتفوه بهذا الكلام ؟ )

كانت نظرات لورين الحاسمة في أعين ريان شديدة اللهجة و القسوة مما جعلته يتراجع و يقول : ( لا شئ .. فقط أردت توضيح وجهة نظري ، أنا معكم عموماً في كل شئ )

أيتعد ريان نحو الحائط و عاد بسيل يركز على أهدافه و قال للأخرين أمراً : ( سننزل الشارع و نختلط بهم و هم قادمون ، سنجمع كل قطعة سلاح ما زلنا نستعملها و نقاتل معهم حتى النهاية عشنا أو موتنا ، أنتصرنا أو خسرنا .. )

توقف بسيل فجأة عن الكلام لثوان ثم أكمل : ( .. حتى لو خسرنا ، فلن يكن الأنتصار مقدراً لنا ، و سيأتي من بعدنا و يكمل المسير و سيكونون أقوى منا أضعافاً هكذا هو التاريخ و الطبيعة )

حمل بسيل سلاحة بقوة و أتجه للسيارات للتوجه لوسط المدينة لأستقبال الناس و الأختلاط بهم و تحرك البقية بعده يحملون بنادقهم في شموخ و عزة و خرج ريان أخرهم ملامح التهجم تظهر عليه بوضوح تام ، و الشمس تنير المكان على غير العادة في هدوء غير طبيعي كأنه يوم عادي بدون وجود حرب .

وصلت السيارات إلى منتصف المدينة في الميدان القديم قبل أن يتم محوه تماما ، و رأي بسيل و البقية تدفق الناس للمدينة ، يدخلون في مجموعات يحملون عصى و سكاكين و أدوات أخرى تصلح لحرب قديمة في العصور الوسطى ، شعر بسيل بروح أمه و روح تارا و دارين تدخل مع الأخرين مما جعل الغضب يشتعل في أعماق صدره ، يريد أن يفرغ كل الرصاصات في جيش العدو من الخارج ليتمكن من الراحة أخيراً .

كان الناس تمر بجوار بسيل و تُحيه بحرارة و يهتفون أنهم معه ، أنهم محررون ، تحول إلى رمز بينهم ، بطل يلتفون حولنه ، يرونه بطل وقف أمام العالم و تحداهم و لم يخاف منهم ، و شعر الناس أنهم تأخروا عليه كثيراً و تركوه وحيداً ما يكفي أمام الشر الرهيب الذي يسمي الحرب .

مشيّ بسيل تجاه مكان مكشوف و الناس تمر من كل جوانبه و يزدادون عدداً كالسيل ، كأن المدينة عادت لها سكانها و لكن الأصليين منهم ، أصحاب الأرض و ليس من أغتصبوها و صرخ بأعلي صوت له و العرق يتصبب من جبينه بسبب الشمس فوقه ، و أعصابه متوهجة و عروقه منتفخة من تدفق الدماء فيها و قال : ( ليس هناك قادة اليوم ، لا أنا و لا غيري ، أنتم القادة ، أنتم من ستقودونا ، أقسم إننا كنا سنموت من أجلكم لو جاء وقتنا ، و لكننا لم نتغير و مستعدين للموت الآن من أجلكم و معكم ، أنا لست مميزاً عن أي أحد بل عانيت مثلكم ، ماتت أمي و هي واحدة منكم و ماتت تارا البريئة التي حلمت بالسلام ، و ماتت دارين خطيبتي السابقة ، ماتوا كلهم غدراً ، لكن الثأر لا يُنسى مهما طال الدهر )

رفع الناس ما معهم للأعلي و هتفوا بالكلمة الأخيرة التي قالها بسيل في مؤتمر السلام : " الوطن أو الموت .. الوطن أو الموت "

وقف بسيل فوق ركام مرتفع قليلا و قال أيضاً : ( هم يملكون أسلحة فتاكة متطورة ، لن يترددوا ثانية بضربنا بها ، من يخاف منكم ليتراجع من فضلكم (

تقدمت أمرأة في الأربعين من عمرها تحمل فأساً و أخرجت صورة أبنها من جيبها و قالت : ( و هل أنا أفضل من أبني الذي تلقى صواريخهم بصدر رحب و لم يخاف و لم يتجاوز الثامنة عشر ؟ )

تعالت صرخات الجمهور : " الموت لهم ... الموت لهم "

صوت الهتاف يتصاعد كأمواجٍ عاتية تهز الأرض من تحت قدميه. شعر بحرارة الإيمان تشتعل في صدره، وبقوةٍ خفية تسري في عروقه مع كل صرخة تشجيع ، أمتلأ قلب بسيل بعزيمة و شعور غريب لم ينتابه منذ بداية هذا الصراع ، و كأن وجودهم و صوتهم منحهم روحاً جديداً ، في تلك اللحظة، لم يعد يرى أمامه إلا النصر، أو موتًا يليق بالمحاربين .

أقتربت إيرين من بسيل و هم وسط الحشود و نادته و ألتفت إليها و قالت : ( بسيل لا أعرف مصيرنا في الثانية القادمة و لا أعرف متي و أين سألقاك في الحياة الأخرى لهذا سأستغل ما نملكه من وقت و أخبرك بشئ هام جداً لا ينتظر )

لمعت عينا إيرين و أحمرت خدودها و أرتجفت شفتيها و نظرت إلى بسيل نظرة غريبة لم تنظرها إلى شخص منذ زمن طويل ، و مسكت يديه برقة وقالت : ( بمناسبة ما قلته عن مشاعرك لي من قبل .. أريد أن أقول لك أن .. أن نفس المشاعر اشعر بها أيضاً لك يا بسيل )

كان أعتراف إيرين كفيل أن يجعلهما ينسيان الصخب حولهما و الحرب ، كأن الزمن توقف أحترامأً لنظرة جمعت بين قلبين متحابين صامتين يعانين و حب خالد في الدنيا و سيبقى و ينتظر في الآخرة .

أشعلت الحظة فيها ألف شعور ، لا يجدون الكلمات للتعبير ، فقط يتركون العيون تتكلم و دقات القلوب تتلقى المشاعر و تترجمها للعقل و الروح ، و ثم سحبت إيرين يدها بسرعة من يد بسيل و تركته سريعاً من الخجل ، و بسيل يراقبها و يراقب خصلات شعرها المتطايرة ، و عقله توقف عن التفكير عن الحرب و الموت و الدم و كأنه سافر إلى عالم أخر .

أحس بسيل بيد تضرب كتفه فنظر خلفه فوجد آسر يقول له : ( بسيل لقد أختفت أحد سياراتنا أخذها أحد بدون علمنا ، و كذلك لا أجد ريان معنا لا أعرف إلى أين أختفى ؟ )

صُعق بسيل من هول ما يسمع ، و بدأ يفكر و تدور في رأسه أفكار معظمها بعد ما سمعه منه في أجتماعهم .

جرى بسيل إلى السيارات و عدها و وجدها فعلاً ناقصة واحدة فهم أتوا بأربعة سيارات يوجد فقط ثلاثة ، تجمع الفريق حوله و قال لهم : ( لقد غادر ريان بأحد سيارتنا سراً )

قال وسام : ( و لماذا يغادرنا وحده هكذا ؟ )

رد لورين بحنق و قالت : ( لأنه يريد تنفيذ الخطة الأولى )

أكمل بسيل على كلام لورين و قال : ( يريد أن يفجر مفاعل كاشفيرنا و يقتلنا جميعاً نحن و المدنيين و جنود الخارج )

قالت جوزفينا : ( اللعنة عليه ... لا شرف فيما سيفعله الحقير الخائن )

قالت إيرين إلى بسيل بنظرة حانية : ( يجب أن نوقفه يا بسيل ، لا يجب أن نسمح له أن يفقدنا أملنا )

ضرب بسيل سقف السيارة بيده بعنف حتى أنبعج و صرخ : ( لماذا ؟ لماذا ا ريان ؟ )

فتح باب السيارة و قبل ان يمد قدمه داخله مسكته إيرين و سألته : ( إلى أين ستذهب ؟ )

رد بسيل : ( أنا من البداية السبب بإحضار كل هؤلاء الناس لنهايتهم ، و أنا من أقترحت فكرة تفجير المفاعل و التضحية بالكل مقابل الناس العادية و هذا ما نتج عنه و يجب أن أحله بيني و بينه بنفسي )

حرر بسيل نفسه من إيرين و ركب السيارة و تحرك بسرعة كبيرة نحو مفاعل كاشفيرنا ، و لم تستطع إيرين منعه أو صده ، فقط بدأت دموع جديدة تنزل من عينيها و هي دموع الحب ، لا تتحمل أن تموت أو تعيش أو تقف الآن بعيداً عن بسيل .

............................................................................

في شمال مونيبوليس حيث الفلول المنسحبة من المعركة الأولى كانت قد أنضمت إليها جيوش خمسة دول أخرى و تضاعفت قوتها مئات المرات و في غفلة الأخرين دخلت العديد من الأسلحة و المعدات والطائرات كافية لتدمر قارة كاملة بما عليها .

وقف أحد القادة ذو الرتب العالية يحدق للأمام فقط حتى أتاه أحد الضباط مع رسالة قادمة من القيادة المشتركة للقوات تقول : ( أضرب كل من يحمل سلاح من كل نوع ، أقضى على أي مهاجمين ، أقتل أي شخص يتم الشك فيه أنه من المنشقين أو مُتعاون معهم ، استعمل كل الطرق اللازمة مهما كانت )

أمر الضابط أن يُحضر الجنود و الأسلحة و الدبابات و يتواصل مع المدفعية و تجهيز الطيارين و أعطاء أومر لهم بالأستعداد و نشر رسالة القيادة للجميع لكن الضابط أرتبك و سأله بتردد و خوف : ( هل سنهاجم المدنيين أيضاً ؟ )

رد عليه القائد : ( المدني هو أي شخص لا يحمل في يده تهديد لنا حتى لو كانت قطعة زجاج صغيرة )

صمت الضابط و أنصاع إلى أوامر قائده الذي قال له أيضا : ( قبل أن نهجم على المدينة بعشر دقائق و لكي نكون اشخاص جيدين ، أستعمل مكبرات الصوت و أدعوهم لمغادرة المدينة بسلام و الخروج من منطقة الحرب )

سأل الضابط الصغير مجدداً : ( و لو لم يستجييبوا ؟ )

دار القائد إليه بملامح خشنة غليظة أختفت منها الرحمة : ( هذا يعني أن المدينة اصبحت خالية من المدنيين تماماً )

أعطى الضابط التحية لقائده و لم يكن أمامه خيار سوى تنفيذ الأوامر ، لذا توجه نحو غرفة العمليات و بدأ بأرسال الأشارات و الأوامر لتتحرك السيقان و الأيدي لتشغيل آلة القتل القادمة .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة