العام الأول من الحرب
أنضم ريان إلى قوات الحلفاء الجدد في الحرب و اصبح أحد الضباط المساعدين للقائد ، و كان أحد المشاركين في معركة الباسك بالقرب من إسبانيا عندما ضرب الحلفاء الجدد قوات دول الردع المتمركزة هناك بقصف جوي ومدفعي عشوائي على العسكريين و المدنيين لمدة أسبوع كامل ، أحتل بسببها قوات الحلفاء الجدد مناطق هناك و تم أخذ الآلاف من الجنود و الضباط أسرى .
كان ريان مسئول عن أحد المعسكرات التي أحتوت على 2500 شخص عسكري وقعوا تحت الأسر نتيجة هزيمتهم و أستسلامهم و لكنه لم يفعل بهم شيئاً حتى قدوم قائده و أخذ الأوامر منه .
و بعد ساعات قليلة هبطت طائرة عسكرية تحمل القائد و حرسه و في تحية مهيبة جهزها ريان له أستقبل قائده بحفاوة الأبطال المنتصرين ، و الجنود يشكلون ممراً له بتحية عسكرية بأسلحتهم و الأسرى العسكريين متراصيين راكعين بأنتظار تحديد مصيرهم على يد القائد .
رحب القائد بريان و هنائه على نجاحه الساحق و أتجه بعده إلى الأسرى ينظر إليهم بإستحقار شديد و يسأل : ( من كان قائد هذا المعسكر ؟ )
وقف أحد الرجال ببدلة عسكرية ممزقة معلق على كتفيه رتبة عالية ، رفع رأسه عالياً بشموخ و قال : ( أنا قائد هذا المعسكر و هؤلاء جنودي و قد أعلنا أستسلامنا )
رد عليه القائد : ( و أين إعلان الأستسلام هذا ؟ لم يصلني شيئاً منك )
أجابه : ( لقد أسقطنا أسلحتنا و سلمنا أنفسنا لكم و قبلنا أن نكون آسراكم )
ضحك القائد بسخرية و قال موجهاً كلامه للعامة : ( هل يملك أحدكم دليل هنا أن هؤلاء أستسلموا لنا ؟ هل لديك واحد يا ريان ؟ )
رد ريان بصوت عال : ( لا سيدي ، لا أملك )
قال القائد بحزم : ( أذاً أحضروا قائدهم هنا بجواري ، و قوموا برصهم صفوفاً 20 و خلفهم نفس العدد )
أخذ الجنود ينفذون الأوامر و يرتبون الأسرى طبقا للأوامر و أحضر حارسان قائد المعسكر واقفاً بجوار القائد و همس له : ( الأن سترى نتائج تسليم سلاحك لنا ، ليكن درساً لك أيها القائد ) قالها بسخرية و هو يأمر جنوده يتجهزوا ببنادقهم للقيام بعملية الأعدام الجماعي بحق الأسرى .
لّمح إلى ريان بأعطاء الجنود الأمر بأطلاق النار عليهم ، و في لحظة شعر ريان بخطأ ما ، أن لا يجب أن يفعل ذلك ، لقد أستسلموا و أنتهى الأمر و يجب أن يتم وضعهم في معسكرات الأ‘تقال أو أستبدالهم بأسرى لهم و لكنه كان بين مطرقتين إما القبول و الرضوخ و إما مواجهة عواقب عصيانه ، فأختار التخلي عن مشاعره و مبادئه خوفاً من العقاب.
أمر الجنود بالتصويب و الأستعداد و ثم أمرهم بأطلاق النار على الأسرى العزل ، و دوي صوت النيران يخرج من فوهات البنادق متوجهاً تجاه صدورهم ليسقط الصف الأول غارقاً في دمائه و الصف الثاني ينتظر مصيره بعضهم يبكي و أخرون يرتجفون و القليل منهم ثابتون يريدون إظهار شجاعة ، و ثم يعطي أمر أخر لتسقط جثث الصف الثاني فوق الأولى و يكرر هذا مع كل مجموعة و مع كل طلقة تخرج يضرب قلبه بقوة و يرتجف كيانه من الداخل و هو يرى الجثث متراصة فوق بعضها بأوامره التي قتلتهم كالذباب ، تهتز مشاعره و يتدمر من الداخل و قلبه يقترب من الأنفجار و لكنه تعلم تنفيذ الأوامر مهما كانت و تحت أي ظروف .
تم إعدام 2500 من الأسرى العُزل بلا ذنب سوى أنهم أستسلموا و أعلنوا هزيمتهم للمنتصر الذي لم يحترم هذا طبقاً لقوانين الحرب و قد غطت الجثث ساحة المعسكر بالكامل في منظر مرعب ، حيث لا يوجد موطئ قدم وسط أكوام الأجساد الميتة .
وقف ريان متجمداً في مكانه ، ينظر إلى وجوه الموتى الذين لن ينساهم أبداً ، و كل طلقة خرجت ستترك عليه ندبة تبقى معه العمر كله ، و عينيه بقيت معلقتين على الجثث كأنهما تنتظران شيئاً لن يحدث ابداً ، غفران لن يأتي أبداً من ضميره و مِن مَن ماتوا تحت يديه .
أمر القائد بأن يتم العفو عن قائد المعسكر حتى يحكي للأخرين عن الرعب و المجزرة التي حدثت أمامه و أقترب من ريان و قال له هامساً : ( يجب أن نضحي بالبعض يا ريان ، لكي نمنح الحياة لأخرين يستحقونها )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصل ريان إلى مفاعل كاشفيرنا بعد أن تسلل من وراء زملائه و وقف أمام لوحة مفاتيح عملاقة و شاشات كثيرة و عدد لا يحصى من البيانات أمامه ، يحاول أن يستنتج كيف يقوم بتفعيل الفاعل للأنفجار .
ضغط على عدة مفاتيح و كتب بعض أوامر الأدخال و بينما يفعل ذلك ،فُتح الباب و دخل منه بسيل بخطوات لا تُسمع و قال : ( ماذا تفعل هنا يا ريان ؟ )
ألتفت إليه ريان في فزع و صدمة و قال : ( ماذا تفعل أنت هنا يا بسيل ؟ لا يجب أن تكون هنا )
أقترب منه بسيل و مسكه من ياقة قميصه بقوة و قال : ( أتريد أن تسيل دماء الملايين ؟! لماذا ؟ .. لماذا تفعل ذلك ؟ )
رد عليه و نظراته تقتحم بسيل من الداخل : ( لأننا يجب أن نضحي بالبعض ، لكي نمنح الحياة لأخرين )
قال بسيل : ( و لكننا فعلاً كنا سنضحي بأنفسنا .. لقد تغير الوضع ، لقد أتى الناس لتحديد مصيرهم بنفسهم )
أبعد ريان بسيل عنه و دفعه بقوة للخلف و قال : ( الناس يقودها العاطفة لا التحليل المنطقي ، و قد حددوا مصيرهم بالفعل عندما وطأت قدمهم منطقة حرب خطرة )
عاد ريان إلى إدخال البيانات و إكمال المهمة متجاهلاً وجود بسيل ، أغضب هذا بسيل كثيراً فمسك ريان من كتفه و لكمه في وجهه بقوة و لكن ريان كان أكثر خبرة كونه ضابط في الجيش و تدرب على المواجهة و القتال فضرب بسيل بلكمة أشد قوة أسقطت بسيل أرضاً ، و مسك ريان بسيل من ملابسه و أستعد لكي يضربه مرة أخرى و قال له قبلها : ( أنا أسف يا بسيل و لكني مضطر )
و لكم بسيل مجدداً حتى تورمت عين بسيل اليمنى و نزل الدم من فمه و أنفه ، و أستعد ليوجه له لكمة جديدة و لكن بسيل دفعه بقدمه للوراء و سقط على ظهره مسبباً ألماً شديداً له ، و بأسطوانة معدنية أخذها بسيل من الأرض سدد ضربة لمعدته جعلت ريان يسقط راكعاً على ركبتيه و يمسك بطنه من شدة الألم و بسيل يرفع الأسطوانه المعدنية للأعلى ليضربه على رأسه و قال : ( أنت محق يجب أن نضحي .. لا بل نتخلص من البعض لينال الأخرين فرصة للحياة )
و قبل أن تقترب الضربة من راس ريان سمع بسيل صوت يناديه و يقول : ( لا يا بسيل ... لا تفعل )
و يد تمسكه تمنعه ، نظر بسيل للخلف و وجد وسام هو من منعه و معه لورين تقف على الباب في خوف و توتر ، و قال له بسيل : ( ماذا تفعلون هنا ؟ لماذا تركتم الأخرين ؟ )
رد وسام : ( جئنا نمنعك من الجريمة التي كنت ستفعلها منذ قليل )
سحب بسيل يده منه و قال : ( أتركني .. هو لا يستحق ، أنه يفعل شيئاً أنانياً من أجل رضا نفسه فقط )
قال له وسام : ( و منذ متى و نحن نقتل من يخوننا يا بسيل ؟ )
وقف ريان مسكاً ببطنه التي تؤلمه و قال : ( جعلتوني خائناً لأنني لم أتبعكم ، أنتم لا تعرفون شيئاً و لا تعرفون ما مررت به في حياتي (
أخرج ريان مسدساً كان قد أخفاه تحت ملابسه و صوبه تجاه بسيل و قال : ( كنت أظنك الأمل المنتظر و لكنك عقبة كبيرة جداً في طريقي )
و قبل أن يضغط ريان على الزناد بثوان وقف وسام أمام بسيل و تلقى هو الرصاصة بدلاً من بسيل في قلبه ، لتسيل الدماء من صدر وسام من بين يديه و يسقط بين ذراعي بسيل و بسرعة أخرجت لورين مسدسها و أطلقت النار على رأس ريان و يسقط صريعاً على الأرض ، و يقول بسيل و الدموع تنهمر من عينيه : ( أخي .. لماذا فعلت ذلك ؟ لماذا يجب أن يموت فرد أخر من عائلتي بين يدي ؟ )
رفع وسام ببطئ يديه الملطخة بدمائه نحو وجه بسيل و قال له بصوت تخرج منه الحياة : ( لا تجعل تضحياتنا تذهب هباءاً .. أرواحنا ستراقبك ... يا أخي )
فارق وسام الحياة و أغلق بسيل عينيه بحسرة و هو يضم جسد أخيه الميت بين يديه المرتعشة ، و صرخ صرخة لم يفعلها أبداً من قبل خرجت من أعماق روحه ، و قلبه ممتلئ بحزن تهتز له الجبال ، و أنحنى إلى صدر أخيه و بكى بكاءً لا يشبه بكاء الرجال بل بكاء طفلٍ وجد العالم فجأة بلا دفء ، دموعه لم تكن تسيل من عينيه فقط، بل من قلبه، من كبده، من كل ما عاشه وفقده .
الصمت هو من أجاب عليه ، و جلس بين الدماء طويلاً و وضع أخيه برفق على الأرض و مسح دموعه و حاول التماسك ، يعلم أن الحزن الأن لن يعيد أحداً و لن يعود به للماضي ليمنه ما حدث ، و أن عليه تحقيق طلب أخيه و وعده له ، هو لن ينسى و لكنه سيعيش .
أستدار بسيل و جاءته صدمة جديدة لم يكن يتوقعها و لا يصدقها إنها تحدث أمامه ، لورين تلوح بمسدس إليه أيضاً و قال لها : ( لماذا توجهين سلاحك نحوي يا لورين ؟ )
رد لورين و هي تقترب بمسدسها و بسيل يتراجع للخلف : ( لأحقق العدالة و أُعيد الأرض لأصحابها )
قال بسيل و قلبه يخفق بقوة : ( الحق لا يعود بقتل الناس عشوائياً .. موت الكل لن يعود عليك بشئ لأن لن يكون هناك منتصر وقتها )
رفعت المسدس لرأسه و قالت : ( لا تعرف كم أنتظرت لحظة كهذه لأنتقم من كل شئ )
قال بسيل : ( ستقتلين أبرياء كُثر لا ذنب لهم يا لورين )
قالت لورين : ( لا يوجد أبرياء اليوم يا بسيل )
........................................................................
في وسط مدينة مونيبوليس التي تبدو من الأعلي مثل الخطوط المبعثرة العشوائية المرسومة على ورقة من كثرة الخنادق المحفورة في المدينة ، و تم ذلك خلال الأيام السابقة ،لكن إيرين لم تنزل للخنادق و تختبئ فيها مثل البقية بل بقيت تنظر حتى نهاية بصرها تنتظر عودة بسيل و الأطمئنان عليه و كل دقيقة تمر عليها قلقها عليه يزداد ، فقد تأخر أكثر من اللازم و تخشى أن الأسوأ حدث له .
أقترب لينور منها و قال : ( لا يجب أن تقفي في العراء هكذا ، هجومهم أصبح وشيكاً )
قال إيرين بنبرة مضطربة : ( أنا قلقة جداً على بسيل و الأخرين ، أخشى أن يُصيبهم ريان بأذى )
قال لها لينور مطمئناً مُهدءاً لها : ( لا تقلقي لا لن يصيبهم أذى ، لقد نجو مما هو أسوأ من هذا .. الأن من فضلك يجب أن تنزلي في الخندق ، الأشارات تقول أن طائراتهم في السماء إلينا )
أنصاعت إيرين لأوامره و نزلت بين البقية في الخندق القريب منها ، تمسكت بسلاحها بقوة و خاطبت قلبها لعله يخبرها بمصير بسيل في هذه اللحظة الصعبة و الموقف المهيب الذي تركها فيه .
كانت السماء غائمة ، ضوء الشمس يظهر قليلاً ثم يختفي رغم أعتدال المناخ و لكن يبدو أن الطبيعة تشعر بالرهبة من المعركة أو السماء حزنت على الأرض من كثرة ما أبتلعت من الدماء البريئة ، و إما الخنادق فحُفرت بعمق كبير و على مسافات طويلة ، بعضها متشابك كأنها عروق تحت الأرض ، تربط بين مواقع المقاتلين .
الخنادق أُزدحمت من كثر الناس فيها ، فمن يستطيع أن يحمل سلاحاً أعطوه مما تبقى معهم أو تم أخذه من جنود ميتين من الطرفين ، و الأخرين باسلحتهم البدائية أصبحوا خط الدفاع الأخير لو حدثت الكارثة و هم من بقوا تحت الأرض في الأنفاق و محطات المترو .
لو نظرت للناس ستجد وجوه متعبة و مغطاة بالتراب و الغبار ، و أيادي متشققة ، لا تسمع صوتاً سوي سعال مكبوت و الهمسات بين الحين و الأخر ، الكل ينظر للسماء يعرف أن الضربة الأولى ستأتي من هناك ، و إيرين تجلس على الأرض و تضع راسها بين ساقيها و تأخذ أنفاسها بقوة و توتر شديد .
الخوف موجود، لكنه خفيّ وراء الإيمان بالفكرة أو الهدف يُمسك بهم من الانهيار ، ثم يظهر صوتاً خافت أشبه بزمجرة غائرة في الغيوم ، يرفع الناس رأسهم للسماء فيرون نقاط سوداء قادمة من بعيد ، فينادي أحدهم بصوت عالٍ : ( تحذير ... طائرات العدو أتت .. طائرات العدو أتت )
ما إن أنتقلت الرسالة من فم إلى أخر و أرتفع صداها في الأجواء اُخفضت الرؤوس لأسفل و أختفوا مختبئين في خنادقهم ، في تلك اللحظة، تتغير ملامح الجميع. لا صراخ ولا فوضى، فقط استعداد تام ، يتبادل الناس النظرات ، أحدهم يجهز سلاحه و أخر يُغمض عينيه لكي يتهيأ داخلياً ، و تنشق السماء بصوت المحركات العنيف للطائرات الحربية و بعدها تنفجر السماء و تشتعل بنيران الصواريخ الهابطة على الأرض و كأنها خطوط من نار ستضرب الأرض .
أصابت الصواريخ و مع كل ضربة تُسبب رجة كبيرة في الأرض و يهتز الخندق بالناس ، و التراب يتصاعد من المناطق المصابة و و يتساقط على الناس في الخنادق ، من يملك خوذة يضعها و من لا يملك يكتفي بوضه يده فوق رأسه للحماية ، و أيرين و لينور و جوزفينا من مواقعهم يدعون الناس للثبات و البقاء في أماكنهم و التحلي بالقوة .
الضربات تتوالى بعنف و لا تتوقف و كأن الطائرات لا نهاية لها ، و بعضها يضرب و يعود و يضرب مرة أخرى و تنضم لهم أسراب أخرى ، جحيم فُتحت أبوابه في السماء و جحيم على الأرض من النيران و الدمار و الناس تشعر أن الزمن أيضاً يُقصف ، البعض أصبحت ترتعش أصابعهم ، مع ضجيج الصواريخ الذي لا يتوقف .
أنسلت رائحة النار و الدخان إلى الخنادق بل و أصابت أيضاً بعض الصواريخ الخنادق لترتفع الجثث في السماء و قد أنفصلت أطرافها عن بعضها و هبطت على الأحياء تمطرهم بالدم و النار ، و الدخان الأسود يُشكل سحابة فوقهم ، و الصواريخ تنزل كماء المطر فوق رؤوسهم ، جعلت الرجال تصرخ و الجميغ ينخفض بما يستطيع ليحتمي أكثر في خندقه ، لا يتجرأ أحد أن يرتفع راسه ليرى ما يحدث ، كل متر من المدينة يتم ضربه بكل قسوة و غل ، يدعو الناس أن ينجو من هول ما هم فيه حيث أيضاً أنضمت المدفعية البعيدة للضرب تحصد ما تحصد من الأرواح .
الطائرات لا تكتفي بالصواريخ بل تشكيلات مختلفة تطلق النار من رشاشاتها المُعلقة بها ، تقتل ما تلقاه من الخنادق ، ليضطر الناس و الجنود للتحرك و تغير أماكنهم و تعم الفوضى من يتحرك يميناً فتأتيه النيران فيُغير الأخرين الطريق فلا ترحمهم رصاصات العدو يساراً أيضاً لا مفر من الموت من كل الأتجاهات .
كان على القادة التصرف و إلا فقد الناس روحهم المعنوية و ماتوا من خوفهم و فوضاهم ، لهذا مسك لينور قاذف أر بي جي و صوبه تجاه الطائرة المنخفضة التي تطلق النيران و ضغط و أطلق الصاروخ ليصيب الطائرة و تصتطدم بأخرى و يسقطان مشتعلتان ، ليعود الأمل و لو بسيطاً ، و يزأر لينور كالأسد و يطالب بالمزيد من الطائرات و يقول : ( سأحرقهم و لو تبقى لي أصبع واحد )
أعطى لينور دفعة معنوية للصمود أكثر تحت العدوان الغاشم القاسي عليهم ، و تمر الساعات و السماء تظل ترسل جحيمها ، الطائرات تضرب ما لديها و لو قنبلة صغيرة ، و الناس تزحف على الأرض يحاولون النجاة من غضب السماء ، و أغماءات متعددة من الأرهاق و التعب ، و صوت أنفجارات يصُم الأذان ، لم يتبقى شخص لا تسيل منه قطرة دماء ، مع كل قذيفة تطاير الصخور و الحطام و الشظايا و تسقط عليهم داخل خنادقهم ، و قذائف أخرى تأخذ الأرواح .
و في مكان تواجد إيرين ن تحتمي هي تحت الجثث الميتة تبكي و لا أحد يسمع صوتها من ضجيج الضربات ، ترتطم بها سيقان المهرولين الهاربين ، و لينور يحاول أن يجد مكاناً أمناً أكثر و قد مات الكثير حوله و أصيب هو في ساقه و نفسه تقول له أنها النهاية الشريفة له في هذا القتال ، و جوزفينا و آسر يرفعون الموتى مع الأخرين و يرصوهم كسواتر تشبه وظيفة أكياس الرمل و نقاط دمائهم تنزل عليهم دافئة ، و هم جميعاً لا يعرفون متى يأتي دورهم وسط الأشلاء التي ترتفع للسماء و تهبط عليهم .. الناس تموت كالذباب بلا رحمة في مونيبوليس .
1300 طائرة لم ترحم أي ركن من المدينة و عدد قتلى لم يسقطوا في اي معركة في ليلة واحدة من قبل ، جثث قد تجاوزت المليون ، و بعد ثمان ساعات من التعذيب و القتل و المذابح أنتهى الصوت و سكنت الأرض و في ظلام الليل لا يُسمع سوى صوت الناس و صراخهم و ألامهم ، و خرج لينور من خندقه و لمست كلتا يداه دماء لزجة ليراها تسير في قنوات صغيرة كفروع نهر لينقبض قلبه من رعب المشهد و يشاهد أيضاً أمعاء تتدلي و بطون ممزقة ، و قلوب خارج أجسادها ، و رؤوس لا وجه لها ، و حذائه لا يجد مكان بلا دماء ، بدت الأرض و كأنها هي من تنزف ، كأنها كائن حي طُعن مرات كثيرة و خوذات ممتلئة بالدماء مثل طبق الحساء ، و بين كل هذا نادي : ( إيرين .. جوزفينا ).
أتفقوا أن يبقوا قُرب بعضهم ، و بعد نداء مرات كثيرة لم يجد رداً عليه ، و ظل يسير بتعرج حتى وصل الخندق حيث رأى إيرين تنزل فيه و نادي من جديد و قبل أن يفقد الأمل وجه مصباحه لليسار و وجد جثث تتحرك و ذهب هناك ليجد شخصاً يريد أن يصعد من تحت الجثث ، و نزل و ساعده و كانت أمرأة و قال : ( إيرين .. إيرين )
لم تكن ملامحها واضحة من خليط الدماء و التراب و السواد على وجهها .. ساعدها بسيل عن النهوض وشفتيها ترتجف و لسانها متجمد تحاول فك عقدته التي أصابته و بنبرة متقطعة حاولت قوّل : ( أ..نا .. أنا .. إيرين )
سندها لينور و حاول مساعدتها على الوقوف و قال : ( أعرف يا زميلتي .. حمداً لك يا رب على نجاتك )
على أضواء المصابيح الخافتة شاهدت إيرين أكوام الموتى فى خندقها و صرخات من فقد يده و أُصيبت ساقه إصابة خطرة ، و البعض يستخدمون أدوات نجارة لإزالة شظايا في أجسام مصابين مع أصوات الآلام التي تُقطع القلوب ، و من مات بين أيدي أخر لا يعرفه ، و الناس يرفعون الجثث من الخنادق و يرصونها خارجاً ، و شعرت بقطرات من الدم يتساقط من الحافة على رأسها و قالت و فمها تسلل إليه ذرات من الغبار : ( أريد أن أخرج من هنا يا لينور ، دعنا نبحث عن جوزفينا و أسر و بسيل )
صعد لينور أولا و مسك يد إيرين و بصعوبة من الأرهاق و تعب الأصابات تمكن من رفع إيرين للأعلى ، و ساروا جوار بعضهم و رائحة الدماء الحديثة ثبتت في الهواء و رائحة الموت منتشر في كل مكان ، و إيرين تمسك بذراع لينور بقوة على جوانب الطريق أنصاف أجساد و عظام بلا لحم و أشياء لم ترها من قبل طوال تلك المعركة منذ بدايتها ، تجعل سيقانها ثقيلة تسير عليهم بصعوبة بالكاد تستطيع أن تحملها .
توقفت إيرين فجأة بينما لينور يبحث حوله و سألها : ( لماذا توقفت ؟ )
أشارت باصبعها نحو أجساد مرصوصة و قالت : ( لقد وجدناهم .. جوزفينا و آسر وسطهم )
عرفتهم من وسط الجثث جوزفينا من شعرها المُضفر و آسر من ملامحه المميزة و أنهارت في البكاء على كتف لينور بحرقة و غضب ، لا تستطيع أن تنظر لهم في هذا الوضع مرة أخرى ، أصدقائها و أخوتها و دعمها بعد موت تارا .
قالت باكية : ( لقد هُزمنا يا لينور .. لقد هُزمنا )
و لأول مرة يبكي لينور و تنزل منه دموع حزينة ساخنة و هو ينظر إلى جوزفينا الميتة بشرف كما كانت تتمنى وسط القتال الذي تمنت أن تشارك و تكون فيه ، و سقط على ركبتيه و معه إيرين وسط الوحل الذي تكون نتيجة برك الدماء الغزيرة على الأرض .
....................................................................................
في مفاعل كاشفيرنا و في غرفة التحكم ربطت لورين بسيل في الكرسي تحت تهديد السلاح و خلفه تقع جثة ريان و على يساره جثة أخيه وسام ، و هي تجلس أمامه و أزيز الطائرات يحوم فوقهم ، و صوت الأنفجارات يصل إلى مسامعهم كل هذه المسافة .
قالت لورين و هي تفكر في أحداث من ماضيها : ( يضربون المدينة بلا رحمة و مع ذلك لا يتجرؤون على الأقتراب من هذه المنطقة يا لهم من جبناء )
أشاح بسيل بعينه بعيداً و هي تنظر إليه و قالت له : ( تنتابني رغبة أن أخبرك بما حدث لنا عندما تم طردنا من بلدنا نحو الجنوب للبحر .. )
نظر لها سريعاً و عاد إلى ما كان عليه و أكملت هي : ( .. منعونا من أخذ أشيائنا ، و منعونا من أستعمال أي وسيلة مواصلات أو سيارات حتى الدراجة ، سمحوا لنا بأخذ زجاجة مياه واحدة و علبة بازلاء فقط ، و تركونا نسير طويلاً تحت أشعة شمس الصيف الحارقة .. )
عاد أهتمام بسيل للأستماع لقصتها شيئاً فشيئاً و أستمرت في السرد : ( .. كنا نسقط كأوراق الشجر ، نفدن من نستطيع دفنه و بعدها لم يعد لدينا القدرة لذلك فنتركه على جانب الطريق ، هكذا مات أبي و نجوت أنا و أختي بعد أن تعودنا على أكل أوراق الشجر و الحشرات .. )
نطق بسيل للمرة الأولى و قال : ( و الآن أنتِ تريدي الأنتقام و قتل الجميع للأخذ بالثأر ؟ )
ردت لورين : ( شئ كهذا .. لا مانع من وجود بعض العبثية للوصول لهدفك )
قال بسيل بخذلان : ( ستصلين إذاً لهدفك فوق جثث أبرياء )
أقتربت لورين من بسيل و جلست أمامه مباشرة و قالت له : ( ما هو صحيح لي ربما هو خطأ بالنسبة لك و العكس )
قال بسيل و هو يرمقها بنظرات قوية : (القتل العشوائي ليس علامة على القوة و الثأر، بل على فقر روحك ، حين يعجز الإنسان عن احتواء خوفه وعبثه، فيحاول إسكاته بصوت الموت )
أرتسمت أبتسامة غريبة على لورين و قالت : ( أنا لا أتحول لنسخة أحد يا بسيل ، و لا أتبع أحد و لا أكون مثل أحد و أعيش وجوداً زائفاً .. )
أصابت الحيرة بسيل و سألها : ( لا أفهم لما تُلمحين .. ماذا تقصدي ؟ )
أجابته بعد أن وقفت أمام الشاشات و لوحات التحكم : ( لو أردت قتل الملايين من الأبرياء لكنت أنت ميت قبلهم و نفذت ما أردت .. و لكنك ما زلت حي و نتكلم معاً )
قال بسيل : ( ما زلت لا أفهم .. )
قال لورين و هي تمسك بمسدسها و تزيل الرصاصات منه : ( ريان أثّر عليه ماضيه الأسود و مع تفكيره العسكري البحت ، كانت المصلحة لديه أهم من أي روح ، أراد ثأراً لروحه و نفسه من كل شخص مذنب أو لا ... )
ألقت لورين الرصاصات على الأرض أمام بسيل و تابعت : ( .. أنا لست أنانية مثله ، و أنقذتك لتنقذ الأبرياء قبل أن أفعل ما سأفعله )
قال بسيل و عقله غارق في الأفكار : ( و ماذا ستفعلين ؟ و كيف أنقذهم ؟ )
وقفت لورين خلف بسيل و قالت : ( ستنقذهم من الطريق الوحيد المتاح ، النفق الأخير الذي لم يتعرض للأذى ، تحت مترو الأنفاق في النقطة B3 الخط الثاني ، نفق تحته نفق يؤدي الى الشرق ، تهربون جميعاً و أُفجر المفاعل و المدينة و أقضي كل شخص فيها و تنتهي الحرب .. )
سمع بسيل كلامها و ذُهل و قال : ( و كيف أجمع ملايين البشر في حفرة صغيرة في وقت قصير و نهرب ؟ )
توقف صوت القصف و ضجيج محركات الطائرات و قالت : ( لقد أنتهى القصف ، هذا يعني أنهم يضربون منذ ثمانِ ساعات و بحسبة عسكرية بسيطة و مع الخنادق يُحتمل أن يكون قد مات ما يُقارب مليون شخص و تقريباً تبقى مليونان .. )
قطعت لورين الحبال التي ربطت بها بسيل و تحرر و نظرت في ساعتها و قالت : ( الساعة الآن العاشرة ، و سيعودون مع أول شروق شمس ، أنت تملك أقل من ثمانِ ساعات لتنقذ الأبرياء من هنا .. )
قال بسيل و هو ضائع تائه في دوامة : ( و كيف أُحضرهم من كل أطراف المدينة و كل هذه المسافات في هذا الوقت الضيق ، هذا مستحيل ... مستحيل )
مسكته من كتفيه و قالت له بعنف و شدة و قسوة : ( سيهاجمونكم مجدداً جواً و بحراً و براً ، و يفرموكم تحت جنازير دبابتكم حتى لا يعرف أحد لحم من هذا ، أتريد هذا أم تحاول فعل المستحيل ، المستحيل هو شئ يسكن في عقولنا فقط ، لا تجعل وجودك زائفاً يا بسيل ، أذهب و أجعلنا نُحقق ما جئت و جئنا معك من أجله .. السلام و العدالة )
وقف بسيل و ألم يضرب رأسه ، يشعر أنه سقط في بئر عميق و أمامه حبل قصير هو سبيله الوحيد للنجاة حتى صرخت فيه لورين : ( أذهب الآن .. كل دقيقة تجعلهم يقتربون من أجلهم بلا فائدة .. لأن لو أتت السادسة صباحاً ، سأفتح أبواب الجحيم مهما كان من تبقى في مونيبوليس .... أذهب )
قبل أن يتحرك بسيل سألها سؤالاً اخيراً : ( لماذا تفعلين هذا يا لورين ؟ )
ردت لورين و عقلها يعود لزمن قديم : ( لأنني أملك حساباً قديماً معهم و قد حان وقت تسويته )
أستمع بسيل لكلام لورين و ركض بلهفة ، يدفعه رغبة تحقيق هدفه ، معه بصيص من الأمل هو من يعطيه القوة ، و عندما خرج من مفاعل كاشفيرنا رأي الدخان و النيران تعكس لون الدماء الأحمر الذي يكسو كل بقعة من الأرض ، و ركب السيارة و قاد بسرعة جنونية يريد أن يستفيد بكل ثانية لديه ليحقق أي شئ متجهاً نحو مركز المعركة ، ميدان مونيبوليس المركزي .
Mahmoud Ahmed