الفصل التاسع

الفصل التاسع

12 0

قبل تسع سنوات

ودع بسيل أخر المعزيين في وفاة والده أمام المنزل بعد أن رفضت أمه إقامة سرادق في شارعهم طبقا لوصية والده المتوفي و أكتفوا بتشغيل بعض آيات القرآن و وضع بعض الكراسي أمام المنزل فقط ، و صعد للمنزل يريد أن يتناول شربة ماء .. هو منذ الصباح مشغول في تغسيل و تكفين و دفن والده ، لا يجد وقت و لو دقيقة للأستراحة حتى المدة التي عاد فيها للمنزل بعد دفن والده أنشغل في تهدئة أمه من بكائها و نحيبها المستمر على أبيه .

فتح بسيل الباب و وجد الإضاءة في غرفة الضيوف مشتعلة و والدته تجلس مع أمرأة غريبة لم يرها من قبل أبدا ، وضع أذنه على الباب و سمع الغريبة تقول لأمه : ( خذي الورقة تشرح لك كل شئ .. سامحيني أرجوكي .. لست هنا لأطلب منكم شيئا لي لكن أنتي تستحقين معرفة كل شئ )

أبتعد بسيل عن الباب عندما همت المرأة بالخروج و ما إن فتحت الباب حتى وجدت بسيل في طريقا ، مدت يدها إليه و قالت له : ( أعتني بأمك جيدا يا بسيل ، أنت رجلها الآن .. البقاء لله يا عزيزي )

تركته المرأة و غادرت و جلس هو مع أمه و سألها : ( من هذه ؟ و ماذا تريد منا يا أمي ؟ )

أمه كانت منهارة ، منهكة من البكاء ، تشعر داخلها بعدم القدرة على الأستمرار في الحداد و لا على عدم كره أبيه بعد ما عرفته ، لا تعرف كيف تفسر ما عرفته .

طوت الورقة و وضعتها بجوارها ، و أحتضنت بسيل و قالت و دموعها تنزف من عينيها : ( أنت رجلي الآن يا بسيل ، لا أمتلك غيرك في هذه الدنيا )

ضم بسيل أيضا أمه بين ذراعيه و كرر سؤاله : ( ماذا قالت لكي تلك المرأة يا أمي ؟ )

ردت و هي غارقة في حزن الصدمة : ( جاءت تخبرني شيئا عن والدك يا قرة عيني )

- ( ماذا عنه ؟ )

دموعها لا تعرف التوقف ، تسيل على خديها بغزارة تمزق قلب بسيل المراهق ، أجابته و كأن صخرة قد وقعت على قلبها : ( أبيك كان متزوج هذه المرأة )

لم يعلق على كلامها ، قلبه شتان بين عدم إستيعاب الآمر ، و التصديق بكلام أمه ، الرجل الذي كان يثق به و كبر في عينيه يخفي سرا كبيرا كهذا عنهم طوال سنوات .

نزلت منه الدموع غصبا بصمت أيضا بين يدي والدته ، و أراد أن تنشق الأرض و تبتلعه بعد سماعه هذا الخبر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصلت إيرين إلى المكتب حيث تركوا مهاب مكبلا ، أختلطت المشاعر داخلها عندما رأته يجهز نفسه للمغادرة ، أرادت أن تعانقه و في نفس الوقت أرادت أن تلومه لأنه السبب الأول لما هم فيه .

لم تقل شيئا و آسر خلفها مع تارا و سألها بسيل بأستغراب : ( ألا يجب أن تكونوا في المطار الآن تنتظروني ؟! )

لم تتكلم أيضا و أكمل بسيل : ( آسر أخبرني بذلك لكي نخرج من هنا )

خطت إليه خطوات و مدت يدها بالهاتف المحمول تجاهه و قالت : ( يجب أن ترد على هذه المكالمة يا بسيل .. إنها لك)

مد يده مترددا متوجسا و أخذ منها الهاتف و وضعه على أذنه : ( ألو .. من ؟ )

رد صوت الشاب الهادئ و قال : ( مرحبا بسيل .. كم أشتقت لسماع صوتك .. أنا من سيخرجك من هذا المأزق )

- ( من أنت ؟ )

- ( ستعرف عما قريب .. الأن يجب أن نتصرف قبل أن تسقط المدينة )

أنتظر ثواني و قال : ( لا أريد أن أكمل هذا .. و لن أستمع للمزيد قبل أن أعرف من أنت بالضبط ؟ )

بقي على رزانته في الكلام : ( لماذا لا تريد أن تكمل ما بدأته بنفسك ؟ )

أضطر بسيل للإجابة : ( أريد أن أعود لأمي و البقاء معها )

- ( والدتك ماتت يا بسيل في القصف )

قال متعصب : ( لا لا أنتم كاذبون أمي حية ، لقد رأيتها )

- ( ما رأيته سوى ممثلة خدعوك بها ليفرقوا بينكم .. و لدي الدليل )

عاد بسيل إلى هدوئه و قال : ( و ما دليلك إذا ؟ )

توقف الشاب عن الكلام قليلا كأنه سيقول شيئا مؤلما : ( لقد زارت أمي أمك سابقا و أخبرتها أن أبيك تزوجها يوم وفاته ، أسأل المرأة الآن و أكتشف إذا كانت تعرف شيئا عن ذلك الموقف أم لا )

أتسعت حدقتا بسيل و فتح فمه فتحة صغيرة و سقط جلوسا علي الكرسي قبل أن يقول : ( أنت أخي )

تحولت وجهوهم جميعا نحو بسيل في ذهول غير طبيعي عن التحول الكبير في الأحداث ، بسيل لديه أخ ، كيف ؟ ، و الشاب يستمر في كلامه مع بسيل : ( نعم .. أنا .. أسألها الآن و خلال ذلك سأنقذكم جميعا و سنتقابل )

أغلق الخط و الصدمة تغطي وجه بسيل ، و يطلب من آسر : ( أتصل بهم من فضلك )

أوصل آسر بسيل بقادة الدول عبر الفيديو ، ظهر فقط القليل منهم و البقية يقودون معركة سقوط مونيبوليس ، سأل أول سؤال قبل أن يضيعوا الوقت معه : ( أريد التكلم مع أمي )

ردت مسئولة أستراليا : ( يجب أن تعلم أن الموقف لم يعد في صالحك لتراوغ و رغم ذلك سنجعلك تتكلم معها ، ربما تقنعك بالأنسحاب و منع سفك الدماء القادم )

أنتقلت الكاميرا إليها و قالت له بلهفة : ( بسيل يا عزيزي .. لا أنام يا قرة عيني .. من فضلك أنت بيدك أن توقف كل هذا )

جمع شتات أفكاره و قال : ( سأسلك سؤالا واحدة و من خلاله سأحدد ساستسلم أم لا )

تابع بسيل : ( أتتذكرين المرأة التى تحدثت معكي على أنفراد يوم عزاء ولدي ؟ )

أرتبكت المرأة و حاولت تأليف إجابة و رد بشكل متقطع : ( نعم .. نعم إنها أظن أحد اقاربنا جاءوا لتعزيتنا و .. و أظن أتت من بلد بعيد لهذا جلسنا وحدنا )

تيقن بسيل أنه تعرض لخدعة كبيرة شتتت شمل فريقه و عرضتهم لخسارة كبيرة و كادوا يخسرون جميعا حياتهم هباءا بسبب مكرهم ، و قبل أن ينهي طلب دارين وجلست أمام الكاميرا بجانب المرأة و سألها : ( هل أنت على دراية بهذا يا دارين ؟ )

ردت بنفس صوتها البرئ : ( على علم بماذا يا بسيل ؟! )

- ( أن المرأة بجوارك مخادعة و ليست أمي )

نظرت يمينا و يسارا لا تجد الإجابة المناسبة حينها علم أيضا أن خطيبته السابقة شريكة في خداعه معهم ، و تدخل مسئولة استراليا و تقطع الأتصال بينهم و تقول : ( ما الهراء الذي حدث ؟ مرأة ماذا ؟ أخبرني أنا بما تريد الآن )

عادت الثقة و الروح الحماسية له و رفع سلاحه و قال بكل ثبات : ( نعم ، أريد أن يعلم الجميع أنهم سيتعرضون للذل و الفشل الذريع و سيسجل في كتب التاريخ كأول معركة في مونيبوليس ننتصر فيها )

أنهت كل الدول الأتصال معه ، و ضغط هو زر الأتصال بأخيه و قال له : ( يمكنك فعلها الآن )

ستون دقيقة و زلزلت الأرض تحت اقدامهم ، و بسيل مستقر في مكانه .. الأنفجارات دوت في الأنفاق الي أنشأت لتهريب المال منها عند الخطر تمزق احشاء الصخر بسبب المتفجرات التي زرعت في الماضي من نفس الدول التي حفظت أموالها في مونيبوليس لتفجيرها في حالة أحد حاول دخول المدينة من خلالها ، و ينهار السقف فوق رؤوس الجنود المحتشدين فيها ، تبتلع من تبتلع و تتحول إلى مقبرة جماعية لا يسمع منها سوى صوت الأستغاثات و الآلم و خروج أرواح الموتى .

في جانب الغرب ظهر سرب طائرات من العدم فوق منطقة الثغرة التي عبرت منها القوات الفرنسية و بلا مقدمات تلقي بقنابلها و صواريخها فوق الجنود و الكباري المائية و المعدات تحولهم إلى أشلاء ، و يليها السرب الثاني و ترتفع النيران أمتار عالية يظن الناظر لها أنه أنفجار نووي .

في الشرق أبتلعتهم الأرض و في الغرب كانت الدماء و قطع اللحم متطايرة على أوراق و جذوع الشجر من هول الهجوم ، و من نجي هرب رجوعا على قدميه سيموت عطشا في الطريق قبل أن يصل إلى وجهته .

اكد آسر لبسيل أنتصارهم الكبير و وصف له الأحداث هناك و نقل له تقارير الجنود هناك و أراه الصور التي تصلهم ، و أنسحاب من تبقى من الجيش الفرنسي ، و فقدان كامل الجيش الإيطالي أسفل الأنفاق و أستحالة الوصول إليهم .

لمح بسيل إيرين تخرج من الباب فنادى عليها و لحقها و قال خجلا : ( لا أملك تفسيرا لك عن أفعالي ، فقط أستطيع أن أقول أن انت الشخص الوحيد الذي أثق فيه في هذا العالم ، الشخص الوحيد الذي سأتخلى عن حياتي لأجله )

مسك يدها برفق ، و أشتعلت وجنتاها بحمرة رقيقة و قالت : ( أنا معك للنهاية حتى لو كانت للجحيم )

شاهدتهم تارا و هي تراجع بعض الأوراق مع آسر و شعرت بسعادة لم تمر عليهم منذ زمن و خافوا أن يفقدوها و هونت عليها كثيرا في هذه الظروف المعقدة .

أنتبهوا إلى صوت السيارات التي تقف امام المبني ، و ذهب بسيل ينظر من خلف الستار عليهم ، وجد خمس سيارات محملة بالجنود تحيط بالمنطقة و ينتشروا في كل مكان و سيارة في المنتصف ينزل منها شابا في منتصف العشرينات عريض الكتفين، يتمتع بجسد متناسق ، شعره أسود قصير، مرتب بعناية ، وعيناه سوداوان واسعتان ، هو أخيه ، و يتخيل اللحظة التي سيقفوا فيها أمام بعضهم .

عبروا الباب الرئيسي في دخول مهيب و الجنود خلفهم ، و بسيل في الأعلى ينتظر أن يفتح الباب و يراه ، ذلك الأخ الذي لم يعلم عنه شيئا طوال حياته و عندما أحتاجه ظهر له في الوقت المناسب تماما .

فتحت إيرين الباب لهم و ألقى عليها التحية أولا و قال لها : ( شكرا لثقتك بي )

ردت عليه متأثرة : ( بل شكرا لك أنت على إنقاذنا )

سار تجاه بسيل لا يعرفان ماذا يفعلان ، يدوران بنظرهما يمينا و يسارا ، صامتان ، يوجد الكثير من الشبه بينهم ، تمنيا لو ألتقيا في ظروف أفضل ليتعرفا على بعضهما بشكل أحسن ، و لأنهاء التوتر قال : ( أنا وسام .. أنا أخوك )

و في لحظة مؤثرة عانقا بعضهما لدقائق و الكل حولهم يراقبون الأخوة الذين جمعتهم الحرب و أرسلته أقدار السماء لتخرجهم من هول ما كانوا فيه ، و همس وسام لبسيل : ( أعرف أنك تملك الكثير من الأسئلة .. و أعدك سأجيبك عليها كلها )

أنفصلا و عادا إلى ما كانوا عليه و قال له وسام : ( أولا هناك شخص عليك مقابلته )

و أشار نحو أمرأة سمراء جميلة ، ملامح وجهها تجمع بين القوة و الأنوثة ، وعيناها واسعتان داكنتان تلمعان بذكاء ، لديها ضفائر طويلة تصل إلى منتصف ظهرها و عرفه عليها : ( هذه جوزفينا ، تمتلك 30 عاما من أنجولا ، تشاركنا نفس الأحلام و الأفكار )

حياها بسيل و سلمت عليه بقوة دالة على حضورها و كاريزمتها الطبيعيتين ، ثم قال له مجددا : ( هناك شخص أخر يجب أن تقابله )

فتح الجنود الباب و خلفه كان لينور ، عيناه على الأرض من الخزي ، لا يستطيع رفعهما في وجه بسيل ، يحاول أن يتماسك أمامهم لكن مرارة الهزيمة المؤلمة التي تلقاها تطغي عليه ، الهزيمة تلتهمه من الداخل ، يظنها وصمة عار ستظل عالقة في الأذهان لن يمحوها الزمن .

ذهب بسيل إليه و رفع راسه و قال له : ( لا تحني راسك يا لينور و أرفعها عاليا )

قال بحياء : ( لقد خذلتك يا أخي )

رفع بسيل صوته ليسمعه الجميع و قال : ( جميعنا أخطئنا ، جميعا خذلنا بعضنا البعض حتى أنا خذلتكم أيضا و سرت خلف أهوائي .. هل سنبقى نفكر فى هذا ؟ أم سنفكر في المهم .. لماذا نحن هنا ؟ هل لتحقيق أنتقام و غرض شخصي ؟ أم لهدف واحد يجمعنا يأتي بحق من فقدنا و يشفي صدورنا و يوقف أنهار الدماء المتدفقة و يعيد السلام و الطمأنينة للباقين على هذه الأرض ؟ .. أختاروا هدفكم الآن )

تحدث أولا وسام : ( نحن معك يا بسيل لأن موتانا لن يستريحوا بقتلنا المزيد بل سيستريحوا عندما عندما نكسر دائرة الدم ونبني حياة تليق بتضحياتهم ، عندما ننتصر للحق ونصون ما ماتوا من أجله ، عندما نصمد ونثبت أن دماءهم لم تذهب هباءً )

إيرين : ( أنا معك دائما في السراء و الضراء .. في الحياة و الموت )

تارا قالت : ( أنا معك يا بسيل .. أنا أومن بك )

أسر : ( أنا معك يا أخي حتى لو طلبت منا أن نلقي أنفسنا من فوق جبل عال )

أنتظروا رد لينور حتى نطق : ( أنا معك يا أخي حتى تشعر كل نفس في هذه الحياة و الحياة الأخرى بالراحة عندما نثبت أن الدماء التى سالت على الأرض بذرة حياة لا صرخة موت )

جلس بسيل على الكرسي خلف المكتب ، و اصطفوا أمام بعضهم أمامه و قال لهم : ( أنتهى وقت المعاملة باللين و السياسة الأن .. حان وقت الطريقة الوحيدة التى يفهموها حتى لا يستهتروا بنا مرة أخرى )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجمع القادة و الزعماء معا سرا بعيدا عن الإعلام و شعوبهم لمناقشة الهزيمة المزلة التي تلقوها في مونيبوليس ، كانت الحرب الصغيرة التي أشعلوها هناك قد أوقفت نيران الحرب الكبيرة لبعض الوقت مما جعل الأعلام و السياسيون يظنون أن المسلحين هناك يحققون أهدافهم مع الوقت و أن ظهور مفاعل كاشفيرنا في الفيديو الدعائي المتسرب من هناك هو السبب ، و لكن في الحقيقة التي علموها أن هزيمتهم في مونيبوليس و هجومهم الكبير هناك قد يثير الشكوك عند الكثيرين أن زعماء العالم الذين يحاربون دفاعا عن الحياة و العدل و الحق و الحرية يخفون أشياء مظلمة لا يريدوا أن يظهروها في العلن .

بدأ الأجتماع بتوتر من روسيا : ( كنا نعتقد إننا نجرهم لفخ لكنهم هم من جرونا لمصيدة فئران ثم أنقضوا علينا من جهتين .. بعض الصغار أنتصروا على دولتين كبيرتين على جبهتي حرب في يومين .. عار علينا )

تابع ساخرا منهم : ( علينا أستشارتهم بعد ما حدث في أمورنا العسكرية )

ألمانيا : ( علينا أن نوقف الهراء الآن و نهدأ و نفكر بحكمة .. هم أمر واقع و علينا الجلوس و التحدث معهم )

فرنسا : ( لن أتحدث مع مجموعة من اللصوص الأرهابيين ، لقد كانت مذبحة مروعة و علينا الأنتقام )

أنجلترا : ( أذهب ببقية جنودك و أنتقم ليقودوك لفخ جديد و يقضوا على ما تبقى )

أميركا : ( لقد أستهترنا بهم كثيرا .. أخطأنا و سنصحح الخطأ بالحوار و حل الأمور بدبلوماسية )

إيطاليا : ( و ماذا عن جنودنا الذين دفنوا أحياء في الأنفاق المنهارة فوق رؤوسهم )

اليابان : ( لم يمنعك أحد من الهجوم بعشوائية ليفتكوا بك أيضا )

أستراليا المحايدة : ( يجب أن نهدأ فعلا و نجلس على طاولة المفاوضات معهم حتى لو عاملونا بوقاحة و فرضوا شروطا مستحيلة بدلا من الفضائح ، روحهم المعنوية مرتفعة جدا الآن و قد يتخذوا قرارات أخرى مدمرة )

الصين : ( نعم ، نعم يجب أن نتكلم .. بالتأكيد هم يتلقون مساعدة من الخارج و كل هجوم عليهم أو محاولة أختراق ستبوء بالفشل .. هم لا يمزحون )

وقف مسئول فرنسا غاضبا بشدة و أعترض : ( لا أوافقكم الرأي .. هم هناك الآن يصنعون دولة وسطنا و يزيدون من قوتهم ، بالتأكيد بعد هجومهم خسروا الكثير من مخزونهم للأسلحة ، علينا الهجوم بقوة أكبر الأن أم ستجلسوا معهم و يظهرونكم بمظهر الحمقى )

سادت الفوضى القاعة ، و عم الجدال ، المهزومون يريدون الأنتقام و الفائزون يريدون الحوار ، أحدهم يريد أن يشعل المزيد من النار و الأخر يريد أن يطفئها و لو مؤقتا لينقذ ماء الوجه .

تدخلت بعض دول الكتلة المحايدة أستراليا و البرازيل و جنوب أفريقيا لفض الأشتباك الدائر بينهم و أقترحوا أن يعرض الأمر للتصويت و إذا قرر الأغلبية على الحوار فسيكون ، و لتهدئة الدول المهزومة قالت مسئولة أستراليا : ( كلمة لقادتي فرنسا و إيطاليا ، ماذا لو عرفت شعوبكم و إعلامكم بأمر الهجوم المذل .. لا أظن أن أهل الموتي سيتركوكم تبقون في مناصبكم لليوم التالي بعد أن قدتم أبنائهم لهجوم فاشل لا يغني و لا يسمن من جوع )

صمت المسئولان و رضخوا لقرار التصويت ، و تم الأتفاق و الموافقة على قرار المفاوضات و أرسال وفد رسمي للتفاوض معهم هناك و التحاور و أنتهت جلسة الأجتماع .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مونيبوليس عرض بسيل وجهة نظر مختلفة على فريقه بعد تجمعهم يد واحدة من جديد و قال : ( علينا أستغلال ما حدث و السيطرة علي سكان المدينة .. فشلنا في كسب ودهم بقضيتنا .. سنرهبهم قليلا لأن مخزون الطعام و المؤن سيقل مع الوقت و حينها الناس سيثورون ليأكلوا )

تحدث وسام : ( لكن أخبرتك أن الشاحنات في الطريق ممتلئة بما يكفي المدينة لدينا الكثير من الحلفاء في الخارج )

- ( نعم لكن الوضع كارثي و قد تعرضت المدينة لسرقات و نهب من اليوم الأول و الشاحنات ستأخذ ايام لتدخل المدينة و لا نعرف كم سنفقد منها تحت القصف و بسبب قاطعي الطريق اللصوص ، العالم جائع و سيفعلون أي شئ للحصول على طعام و لا أريد الناس تعتقد أننا نستعمل الجوع كسلاح ضدهم ، لا أريدهم أن يرونا خنازير بدون رحمة في قلوبنا )

قالت إيرين : ( و ماذا عن الخارج ؟ بالتأكيد سيسعون للأنتقام )

رد عليها بسيل : ( لا يا إيرين من ينتقم في الحرب يهجم و الغشاوة على عينيه فيتلقى المزيد من الخسائر ، لكنهم هادئون ، لم يدلوا حتى بتصريح ، يبدو أن الهجوم كان مخططا سريا و سنستغل هذا ضدهم )

قال لينور : ( كيف سنفعل هذا ؟ )

نظر إلى القمر البدر في السماء و قال : ( سنخاطب الناس و نعرض لهم ما حدث و نعيد إشارات بث التلفزيون ، و ليس هذا فحسب أيضا آسر سيمكنهم من ألتقاط إشارات قنوات العالم ، سنشغلهم بالأخبار و ما لم يكونوا يعرفونه عن الأيام السابقة القليلة من أحداث مع الأستمرار بقطع خدمات الأنترنت و الهاتف )

وافقوا جميعا على القرارات التي عرضها بسيل بالإجماع ثم قاموا إلى غرفهم للنوم و الراحة بعد يوم شاق و طويل قد يكون أنتهى بقضاء حتفهم في عالم موازي أخر بأحتمالات أخرى ، إذا هم محظوظون بتواجدهم في عالمهم هذا .

بسيل قليل النوم بقى يتأمل البدر في السماء تنمو في داخله روح القيادة و العزيمة ، أعاد ترتيب أفكاره و عقله ، لن يسمح لأحد أن يتلاعب به في أي مرة قادمة ، سيشتير قلبه و عقله معا ، سيضع درعا على روحه ، لن ينكسر و يسقط و سيقق ما آتى من أجله هنا أما النصر أو الموت .

أشرقت الشمس لتعلن عن ولادة يوم جديد هادئ على غير العادة ، الأجواء تساعد على تصفية الذهن قليلا ، تبدأ الطيور زقزقتها كأول موسيقىفي اليوم ، و الشمس ترسل أشعتها لتنير الأرض لأهالي مونيبوليس الذين وجدوا تلفازهم يعمل ، قنواتهم عدت للعلم ، أنتهت عزلتهم بشكل جزئي و الآن هم مستعدون لسماع خطاب بسيل .

أستيقظت إيرين من الفجر و طلبت إحضار سيلين و باتريك مخرجا التليفزيون ، من قاما بتصوير الفيديو الدعائي المنتشر على الأنترنت كالوباء ، و جهزا الكاميرات و أجهزة البث يتبقى فقط بسيل .

حضر بسيل مع البقية و ارواحهم تشع ثقة و عزة و أفتخار ، جلس بسيل خلف المكتب مثل الزعماء و البقية خلف الكاميرا ، و ابتدأ العد 3 ..2 .. 1 .. الآن على الهواء تحدث : ( سكان مونيبوليس .. أنصتوا لنا جيدا .. لم نأتي لمدينتكم لهدم حياتكم أو تغيير اسلوب معيشتكم أو فرض وضع لا ترضوه و لا حتى لجلب الدمار عليكم ، جئناكم بهدفا ساميا و أعتقدنا إنكم قد تكونوا مختلفين و تفهمونا ، و لكم وضح لنا أنكم لا تأبهون .. لا تأبهون لأربعة ملايين طفل و رضيع قدت عليهم الحرب قبل أن يعرفوا معني الحياة و لا تهتموا بملايين الرجال و النساء و العجائز و الشباب الذين لم يحصر عددهم حتى الآن و قد قضوا نحبهم برصاص النار ، لم تعرفوا كم أسرة تركت طفلة لن تعرف والديها أبدا إلا في العالم الأخر و كم أم فقدت رضيعها قبل حتى أن تراه و كم شاب رأى موت والديه أمامه بأبشع الطرق ، كم أب عجز عن إحضار لقمة خبز صغيرة لطفله فمات جوعا و كم من مراهق شاهد جنديا يصيب أمه العجوز لأنها تطالب بحقها البسيط في الحياة شربة ماء تروي بها عطشها .. لم نرد أن نذيقكم ذلك الهلاك .. حلمنا أن تعمر بيوت العالم كما تعمر بيوتكم .. لم نطمع في مالكم و لكن أنخدعتم بأصوات الفتنة التي جلبت لكم الدمار على أبواب مدينتكم العظيمة .. أهالي مونيبوليس لقد قررنا عودة أرسال القنوات إليكم و وقف التشويش عليها و الآن يمكنم أن تروا ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية ، ماذا فعلت دولكم الصديقة بكم من تستأمنكم على ثرواتها و تركاتها ، سنريكم كيف أرادت دولكم الجارة أن تحتلكم و تخرب بلدكم لتقضي علينا .. نعم هوجمنا خلال يومين من الجيشين الفرنسي و الإيطالي من الشرق و الغرب و نحن من تصدينا لهم لنحميكم و نحمي أنفسنا من بطشهم و أتحادهم أن ينكروا ذلك ، وسنثبت لكم بالدليل كيف قادوا ابناء الفقراء فى بلدناهم إلى معركة عنوانها الغرور و الكبرياء الفارغ سببت لهم الموت ، سنتركهم لشعوبهم تحاسبهم على أفعالكم و لن نطلب منكم حتى شكرا على تضحياتنا لكم ، و لكن عليكم أن تعلموا جيدا يا أهالي هذه المدينة الغنية إننا حاولنا أن نعاملكم بكل ود و لم نخطط أن نقحمكم في أي صراع نخوضه موفرين لكم الأمن لحياتكم كما قلنا في أول خطاب لي لكم .. لقد خنتم العهد بيننا و بينكم و لا أملك إلا أن نقول أنتم الآن رهائن لدينا و بنوكم و ما تحتويها تحت سيطرتنا المطلقة ، يجب أن تفهموا أن النظام لا يقوم إلا على الطاعة ، و نعلن إننا اليد القوية التي ترسم الطريق لكم و لمدينتكم و صرامتنا أقسى مما تتخيلون ، و من يفكر أن يشعل نارا و لو بسيطة سيحرق نفسه قبل أن تصل شررها إلينا .. و نحن الآن لا نطلب إذنكم بل أعلن ما صار أمرا واقعًا نحن من يقودكم من اليوم فصاعدًا )

أنتهى البث و طلبت سيلين مع باتريك المغادرة و سمح لهم ، و أنقسم الفريق جزء يؤمن بأنه عصر جديد و الأعجاب الشديد و الفرح ، و صاروا يرون أنفسهم أقوى مما كانوا بالأضافة بالثقة التي غمرتهم و إحساس السلطة و السيطرة، و نصف أخر و معه إيرين التي تبادلت النظرات الصامتة مع بسيل بعد كلماته المؤثرة التي اصابت قلبها ، و ما اصابها مع أخرين بالأرتجاف و الرهبة ،و خوفا من أن الفاصل الذي يضعوه الأن بينهم و بين الشعب يمكن أن يكون هشا قائم على طاعة مؤقتة تنتهي مع أبسط الظروف لو شعر الناس بالخوف على أرواحهم و أرواح من يحبونهم ، و رغم كل هذا أجمعوا أن الوقت غير مناسب تماما بالأنتشاء بنشوة الفوز و الأنتصار لأنها ليست سوى معركة ضمن معركة كبيرة ستسجلها صفحات التاريخ لم تكشف عن وجهها المظلم بعد .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة