أحكم بسيل ربط حذائِه إستعداداً للخروج من المستشفى بعد خمس شهور من المكوث فيها و شفاء كسر قدمه و ضلوعه و تحسن حالتهُ و عودة قدرتهُ على المشي بنسبة كبيرة .
أستلم أشيائه التي وُجدت معه خلال إنقاذه من تحت أنقاض منزلهم و معها خطاب من الحكومة يُبلغ كل من فقد منزلاً خلال أي عملية قصف قامت بها الحلفاء الجدد بمكان معيشته الجديد المؤقت حتى لا يبقى أحد فى الشارع .
ترك بسيل المستشفى من دون أن يُودع خطيبته يعتلي وجهه العبوس و الكآبة و اليأس متجها نحو العنوان الذي أخبروه به ، و عندما وصل تفاجئ بالمنازل الخشبية التى تشبه مساكن المشردين التي وفروها لهم ليشعر بِغصة فى قلبه و رغم هذا لا يوجد أي مكان أخر يذهب إليه فهو الأمر الواقع .
أندهش عندما عرف أنهم أنقذوا هاتفه المحمول أيضا ، لا يوجد أحد أتصل به إلا خطيبته التى توقف عن التكلم معها فهو لا يريد أن يرتبط بأحد و لا أحد يرتبط به ، يريد أن يكون وحيداً بعد فقد أُمه ، لا أحد يستيطع تعويض أُمه ، و يريد أن يبقى منتظراً مصيره أو تقضي عليه إحدي غارات الحرب .
كانت ساعات صيف يوليو 2039 طويلة على بسيل يقضيها بمتابعة الأخبار على مواقع التواصل الإجتماعي ، لا يتفاعل كثيراً لكن يري أراء الناس و الخبراء ، يرى صور الأشلاء و الضحايا بعد كل قصف و معركة ، و يسمع قصص الجنود على تطبيقات المحادثة التى تُقدم غرف دردشة سرية عن أرض المعركة و ما يحدث على أرض الواقع المؤلم العنيف ، يسمع تنفيسهم عما داخلهم عن غضبهم من عدوهم و سُخطهم على الحياة التى جعلتهم يُرسلون الى معركة موت محتوم و هم لا يعلمون مصير عائلاتهم بسبب صعوبة التواصل معهم من جهة أخرى .
أراد بسيل المشاركة فى هذه المحادثات التى كانت تجري تقريبا بعد منتصف الليل حتى ساعات شروق الشمس الأولى أكثر من مرة ، لكنه مسك نفسه عن ذلك كثيراً ، فهو لا يريد أن يفور بركان الغضب و الحنق من قلبه علانية حتى لو كانت على غرف دردشة سرية لا يمكن الوصول إليها ، لأن الكل أصبح جاسوساً على الأخر و الجار يتنصت على الأخر ، فالحكومات فى كل التحالفات تشك في شعوبها إنهم سيخونوهم بسبب وعود حياة أفضل في دول أخرى حيث كل شئ متاح فى وقت الحرب ، و هناك من يصدق هذا ثم يكتشف الحقيقة المرة ، أن الجميع أصبح على شفا حفرة من النهاية .
ظل بسيل يفحص مواقع التواصل الاجتماعي و غرف الدردشة السرية حتى ظهرت علامات شروق الشمس الأولي و وجد رسالة من خطيبته تشتكي من عدم التكلم معها و الرد على رسائلها و تسأل دائما : ( ما الخطأ الذي أقترفته ؟ )
تجاهل بسيل رسائلها كالعادة و رأى و هو يزيل رسالتها من رأس شاشة الهاتف المحمول أقتراح غرفة دردشة جديدة فى وقت غريب ، هذا غير معتاد فى ساعات الصباح ، و بدا أن الغرفة قد أُنشِئت منذ أكثرمن ثلاث أسابيع و تعمل يومياً كل شروق شمس يوم جديد .
أرسل إليهم طلب بالإنضمام و قُبِل الطلب فى لحظتها ، و أرتدى بسيل سماعات الأذن و بدأ الأستماع إلى الحوار .
عدد المشتركين أربعة و هو خامسهم ، فتاتان و رجلان كما يبدو من قائمة الأعضاء ، و بدأ العضو المُسمى لينور بالكلام : ( صباح الخير جميعاً .. أزداد أخيراً عددنا و تخلص أحدهم من الخوف )
و أُرسلت رسائل الترحيب من باق الأعضاء المُسمون إيرين و تارا و آسر ، و لم يرد بسيل عليهم ليكمل لينور كلامه : ( يبدو أن العضو الجديد يشعر قليلاً بالخجل ) و بعدها صورة تعبيرية مضحكة ، وتلاها رسائل بصور تعبيرية مضحكة أخرى تجاهلها جميعاً بسيل و أستمر بالإستماع .
- ( لقد أنشئنا هذه المجموعة لينضم إلينا كل شخص فقد أعزائه خلال جنون هذه الحرب اللعينة .. تَجْمعنا هنا لنخرج ما تُخفيه قلوبنا من حزن على أحبائنا الذين فقدناهم ، و نصُب غضبنا على من دمرونا و قضوا على حياتنا و مستقبلنا .. تجمعنا و نتمني أن ينضم إلينا المزيد من المكسورين فى العالم لنجد حلاً لنهاية هذه الكارثة التي حلت على البشرية )
أستمرت رسائل الصور التعبيرية عن الحماس و الغضب بالإرسال و لينور يكمل خُطبته : ( إذا لم نمت من الجوع أو العطش أو التشرد سنموت من نيران مدافعهم و قصفهم ، و لو نجونا من هذا لن ننجو من السلاح النووي الذي لن يمتلكوا غيره عندما تنفذ ذخيرتهم و تتوقف المصانع عن العمل لأن عمالها من النساء ماتوا و رجالهم سقطوا فى أرض القتال .. لذلك علينا أن نفكر كلنا و نتحد على طريقة لوقف الجنون و الدمار للحفاظ على ما تبقى من عائلاتنا و أحبائنا .. )
قاطعه صوت العضو آسر : ( و كيف تتوقع أن نوقفهم لينور ؟! هم دول و جيوش ، هل تريد أن نأخذ بنادق و نحارب جيوش ثمانية دول ونرغمهم على التوقف )
تدخلت العضوة إيرين فى الحوار : ( مستحيل أن نُشكل تغييراً .. نحن هنا لنُفضفض و نُخرج همنا ، كونوا واقعين )
لينور : ( حسنا .. دعونا نحزن و ننتحب و نفقد حتى ذرة الأمل الصغيرة منتظرين لحظة موتنا )
شاركت تارا معهم : ( الأمل و الأحلام لن يعيدوا الأحباب لكن الحزن و الفضفضة هى ما نملكه حاليا فدعونا نستغل ما بيدنا قبل أن نفقده هو الأخر )
قال لينور : ( حسنا كلاً فى بلده ، جهزوا فطوركم و قهوتكم و أجلسوا أبكوا و احزنوا و انتظروهم يأتون بالطائرات يقصفوكم و تموتون و تنتهي القصة .. وداعا سأغلق هذه المجموعة )
تدخل بسيل فجأة فى نقاشهم : ( ما هي جديتك فى التغيير ؟ )
رد لينور بسرعة : ( كبيرة جدا .. لا أريدهم أن يأخذوا مني حتى ذرة الأمل البسيطة داخلي حتى لو كان مستحيلاً أن يتحقق .. أموت و لا أفقد شيئا من حقى أن أشعر به و أملكه )
- ( و لماذا تريد أن تفعل ذلك ؟ )
- ( لدي أسبابي )
- ( ما هي أسبابك ؟ )
- ( لن أقول أسبابي الشخصية لأشخاص أعرفهم من ساعات )
- ( لا تريد أن تجبني على سؤال عادي و تريدني أن أقف بجوارك ضد العالم )
- ( لأنه واجبك و واجبي و واجب الجميع )
- ( واجب الجميع أن يحافظوا على حياتهم و يعتنوا بما تبقا من عائلاتهم )
أكمل بسيل كلامه : ( ربما أنت جاسوساً تريد الإيقاع بنا ، مُدعي بطولة )
رد لينور بلهجة غاضبة : ( لا أقبل أن تتهمني بذلك )
و بنبرة قاسية قال بسيل : ( هل تعرف ما يستحق أن نهتم به بدلاً من كلمات إنشائية لا أهمية لها ، صرخات أطفال فقدوا أهاليهم ، قبور أصبحت بلا أسماء و موت أصبح جماعياً بارداً ، ليل لم يعد مظلماً بل مشتعلاً بنيران الصواريخ ، كفاح الناس للبقاء أحياء و كفاحهم أكثر لحماية من يحبون ، حساب من قالوا لن نكرر الخطأ و فعلوا ما هو أسوأ .. تريد طريقة للسلام .. السلام اصبح حلماً مستحيلاً )
عم الصمت المحادثة حتى قطعته إيرين : ( أنت محق بسيل ، نرى الخراب حولنا و نسينا ما فى داخل كل واحد منا )
تارا : ( صرنا نموت بلا معني بسيل ، أنطفأنا ، أحياناً لا أعرف فى أي يوم أنا )
آسر : ( أنتم محقون .. لم يعد هناك مستقبل فقط ماضٍ مُكرر .. نحن فقط موتى مؤجلين )
عاد لينور بعد ثوان : ( أنا أسف لكم جميعا ، أنتم محقون هذه الحرب نزعت كرامتنا .. و من نحبه قد مات و لن يعود .. هذه حرب بلا نهاية و لا إجابة .. لو كان الموت انساناً لتعب و مل مِنا .. سأخبركم بحقيقتي .. أنا أبن أكبر ثالت بائع أسلحة فى العالم فى رقبتنا ذنب موت 30 مليون أنساناً على الأرض ، لهذا طلبت منكم التغيير لأكفر عما فعله أبي و رفضته و عنفني و عذبني أحياناً ، أردت أن أُثبت له إنه مخطئ و مذنب ، أردت عقابه عن جرائمه و جشعه و طمعه ، لم أشاركه لكنني شَهدت على أفعاله و بقيت أعواما صامتاً عنها لأعتبر نفسي شريكاً في زهق كل هذه الأرواح )
تارا : ( لا تثقل روحك بذنب ليس ذنبك ، لقد حررت نفسك عندما قلت ذلك ، لكننا عاجزون ليس لدينا القدرة على فعل أي شئ )
قال بسيل : ( لا .. يوجد فرصة لكن صعبة جدا و تكاد تبدو مستحيلة )
إيرين : ( ما هي ؟ )
بسيل : ( القوة لا تفنيها إلا القوة و لنغير يجب ان نكون مثلهم لدينا جيشنا و سلاحنا )
لينور : ( بما تفكر ؟ )
بسيل : ( الكلام هنا خطر ، يجب أن نفكر في طريقة لنتقابل لو كنا جادين و مستعدين للمخاطرة )
ردوا جميعا بصوت واحد : ( نحن مستعدين )
بسيل : ( إذا محادثتنا القادمة الواحدة بعد منتصف الليل و ستكون كتابة فقط بدون أحاديث صوتية )
أغلق بسيل المحادثة و فكر كيف يجعلهم يتقابلون و أين ؟ و متى ؟ و كيف ؟ و أيضا قد تكون بلد كلاً منهم موجودة فى منطقة الحلفاء الجدد و بعضها فى منطقة تحالف دول الردع ، كيف سيعبرون الحدود من من منطقة نزاع لأُخرى ، كل هذه الأسئلة دارت فى رأس بسيل مثل من فتح باب منزله أمام الطوفان .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدأ بسيل المحادثة فى الواحدة صباحا بالضبط برسالة : ( هل الجميع موجودون ؟ )
ليستقبل اربع رسائل : ( نعم )
أستهل بسيل الكلام و كتب : ( لدينا مشكلة ، يجب أن نعرف بلدان بعضنا أولا ، مستحيل أن نتقابل بسهولة لو كان واحد منا ضمن الحلفاء الجدد و أخر فى الردع )
رد لينور أولا : ( أنا من روسيا و هي من الردع إذا متساوون )
تلاه تارا : ( أنا أيضا من الردع أنا من إسبانيا )
آسر : ( أنا مثلك من مصر )
كتب بسيل لإيرين : ( ننتظر ردك إيرين .. لديك مشكلة فى الإنترنت ؟)
أجابت : ( يبدو إنني سأكون المشكلة هنا .. أنا من أمريكا )
كتب لينور : ( أمريكا .. الحلفاء الجدد .. نادر أن تجد منهم أحد يعترض على الحرب )
إيرين : ( بسبب هذا .. )
و أرسلت صورة إليهم تحتوي على بطاقتها الدولية ضمن أطقم أطباء الصليب الأحمر و أتمت إيرين كلامها : ( لقد رأيت ما يكفيني من المعاناة و الموت .. و الإنسان يتغير عندما يموت والديه أمام عينيه غارقين فى دمائهم .. )
توقف إرسال الرسائل لحظات ثم كتب بسيل : ( بهذه البطاقة تستطيعي دخول أي بلد شئت .. نحتاج الى بلد نجتمع فيها شخصياً كلنا )
لينور : ( لنفعل ماذا بالضبط ؟ )
بسيل : ( لا أستطيع أن أتحدث عن هذا هنا ، أظن من السهل أن تأتوا إلى مصر ، نجتمع جميعا هنا )
تارا : ( أستطيع أن أصل مساء غدأ )
لينور : ( أنا أيضا )
إيرين : ( كذلك أنا .. لكن سأتأخر ساعات عنكم )
رد عليهم بسيل : ( هل يمكننا الوثوق ببعضنا البعض ؟ )
أجابه لينور : ( نعم و نتمنى أن تستحق خطتك هذه المسافة .. أرجو أن يصيب إحساسي نحوك )
تارا : ( ملأْتني بالأمل بسيل .. أشعر أن ذرة الأمل بك )
توتر بسيل من كلامهم عنه و ثقتهم الكبيرة به و كإنه قائدهم فى ثورة و الأمر عكس هذا تماماً ليقول لهم : ( أنا لا أستحق كل هذا منكم .. أنا أكثر من عادي )
كتبت له إيرين : ( أنا أثق بك رغم إني لم أُقابلك و لم أرك و لكن ينتابني إحساس أن شعوري تجاه ما يحدث هو نفس شعورك .. أأستطيع أن أعرف من فقدت من عائلتك ؟ )
توقف بسيل عن الكتابة و نزلت قطرات دموع من عينيه و هو يتذكر والدته و يده تفلت من يدها عند إنهيار المنزل و لم يستطع أنقاذها ، تنادي عليه حيث كان أسمه أخر شئ نطقت به .
تأخر كثيراً فى الكتابة و أرسلت له إيرين : ( أعتذر بسيل ، لا أقصد أن أُعيد إليك آلامك )
بسيل : ( لقد فقدت أمي منذ خمس أشهر فى قصف.. كان يجب ان أموت و تعيش هيا )
تدخل لينور برسالة : ( أين سنتقابل ؟ )
أرسل بسيل رابط لموقع أحد محطات مترو الأنفاق و قال : ( هنا سنتقابل بعد يومين حتي نُعطي وقتاً لإيرين أن تأتي .. فى مترو الأنفاق لن نمتلك إشارات هاتف و سيُقلل من إحتمال تتبُعنا لو شك بنا أحد .. نجلس فى أحد الكافيهات الجديدة التى أُنشأت فى مترو الأنفاق و على وجهنا إبتسامة مخادعة ليظن الناس إننا سياح نستمتع بوقتنا ، و نتناقش فى خطتنا )
تارا : ( لقد حجزت تذكرة الطائرة و الإقامة من الإنترنت الآن )
لينور و إيرين : ( و نحن أيضاً )
قال بسيل : ( نتقابل بعد يويمن )
أجابوا جميعا : ( أتفقنا )
أغلق بسيل غرفة المحادثة و جلس غارق فى أفكاره ينظر فى السقف الخشبي و يفكر فى خطته و هل يستطيع أن ينفذها أم سيغامر بحياته و حياتهم فى هذه المغامرة المجنونة ، فلا يوجد خطة تسير كما هي مرسومة ، يجب أن تخرج عن النص فى مرحلة ما ؟
( هل يتراجع الآن ؟ ) هذا ما قاله عقله له ، هل هي حماسة اللحظة بسبب مشاعر مكبوتة داخله تُشعره بالغضب من كل العالم .
( لن يوافقوا ؟ ) هذا ما قاله قلبه له ، و وقتها سيتراجع بسلام عندما يسمعوا كلامه غير المعقول من وجه نظره .
( ماذا أفعل ؟ ) قالها لنفسه و هو يدفن رأسه أسفل الوسادة لا يعرف من يحركه قلبه أم عقله أم غضبه .
( الأمر حقيقي ، إنهم قادمون ) قالها بصوت مرتفع و كأن شخص معه يُحدثه عندما تَذكر إنهم حجزوا تذاكر سفرهم و سيقطعون هذه المسافة من أجله .
تذكر حينها أنه مُجرد شخص عادي وسط العالم ، كنملة صغيرة وسط حشود نمل على الأرض لا أحد يلاحظها أصلاً ، و رغم هذا عرف من يحركه ، أنها أمه ، يريد أن ينتقم ممن قتلها حتي يتخلص من ذنب موتها داخله .
Mahmoud Ahmed