الفصل الثامن عشر

الفصل الثامن عشر

13 0

قبل الحرب بأربع أعوام – إيطاليا

دخلت لورين منزلها الصغير في ضواحي روما الذي حصلت عليه بعدما تركت مونيبوليس قبل عام مع أختها لوجين التي وجدتها تجهز حقيبة ملابسها و سألتها : ( ماذا تفعلين يا لوجين ؟ إلي أين أنتي ذاهبة ؟ )

رد عليها و هي تنظم ملابسها في الحقيبة : ( سأذهب إلى أمريكا )

تعجبت لورين من كلام أختها و سألتها بدهشة : ( أمريكا ؟! منذ متى تخططين لذلك؟ و متى موعد السفر ؟ )

أجابتها لوجين بهدوء : ( سأسافر منتصف الليل ، و أخطط لذلك منذ فترة ، لقد قبلوني كلاجئة لديهم )

مسكتها لورين من ذراعها لتتوقف عن توضيب الملابس و تنصت إليها و قالت : ( لاجئة ! متى أصبحنا هكذا ؟ )

وقفت لوجين أمامها تشهق بضجر و تقول : ( منذ أن خسرنا الحرب و تركنا بلادنا و لا نستطيع الرجوع إليها ، و أنا أختك الكبيرة و سأفعل ما أريد )

قالت لورين بغضب : ( نعم خسرنا و لكن ليس الحرب إنها معركة فقط في صراع طويل ، لو غادرنا و عشنا في مكان أخر سنفعل حينئذ ما يريدونه )

عادت لوجين لحقيبتها و قالت مبتسمة بسخرية : ( أنت تتوهمين ، أتريدين للقتال معهم ليقضوا على بقيتكم ؟! توقفي عن الحلم لقد أنتهى كل شئ )

أزداد حنق لورين و هي تقول : ( نعم سنعود و نستعيد أرضنا ، لن ينسى أي أحد أرضه و منزله في مونيبوليس يا لوجين و لا حتى أنتي ، أموت و لا أعيش كما تريدين )

أكملت لوجين توضيب حقائبها و أغلقتهم و ألتفتت إلى لورين و قالت : ( عيشي حياتك يا أختي و لا تضيعيها في التفكير في شئ مستحيل ، العالم كله يحميهم الآن ، أأنتي مستعدة لمواجهة العالم ؟ )

نظرت لورين إليها خائبة الأمل و قالت : ( نعم أنا مستعدة أن أواجه العالم يا لوجين ، و وحدي لو لزم الأمر )

أقتربت لوجين منها و أحتضنتها بقوة و قالت لها : ( لو حدث ذلك صدقيني .. سأكون أول شخص يقف بجوارك ، و و لكنه لن يحدث أبدا )

أحتضنتها لورين أيضا و كأنها لا تريدها أن تغادر و لكنها ظلت متشبثة برأيها بقوة ، و شعرت بأحاسيس الوداع و الفراق عن أختها و قالت لها : ( هل ستتركيني وحدي يا لوجين ؟ )

نزلت دموع لوجين و رأسها على كتف لورين و همست في أذنها : ( لن تكوني وحدك أبدا يا عزيزتي ... أبدا )

تبعتها دموع لورين أيضا مع عناقهما المستمر و مشاعر الفراق تمزق قلبيهما ، و لكن لكل منهما طريق أختارته في حياتها من أجل أن تعيش براحة و مستريحة البال .

سحبت لوجين حقائبها و سارت بها من أمام لورين و هم يتبادلون النظرات الأخيرة بينهما لا يعرفون هل سيتقابلوا مرة أخرى أم لا ، و في اي موقف سيكون لقائهم الثاني ، و يلعنون الحرب التي فرقتهم بهذا الشكل داخلهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غُطت جثة تارا و حُملت في إحد السيارات العسكرية الكبيرة ، و ركب الجميع مركباتهم لينطلقو نحو مبنى الشرطة بعد أنتهاء المعركة الدموية التى جرت في الميدان ، تكسو وجوههم الشاحبة الحزن و الصمت و الغضب .

كان بسيل يكتم الصراخ داخله ، يخفي بكائه في جفونه و لكن ملامحه تفضحه ، تحاول لورين التهوين عليه و لكن لا تستطيع فقد ماتت زهرتهم ، مات قلبهم النابض بالحياة .

إما آسر فكان الأسوأ حالا من البقية و الأكثر حزنا ، شفتيه تتحرك بدون كلام ، اصبح يمتلك ثأرا كبيرا داخله أكبر مما أتى به لهذه المعركة من البداية ، فقد عزيزته الأخيرة في الحياة ، التي لم يلحق أن يخبرها بما كان داخله نحوها حيث لم تكن أبدا الأجواء مهيأة لذلك ، يمسح دموعه بطرف كمه بأستمرار و لينور يؤيد أن يخفف عنه و لكنه فقدانها جعله هو الأخر يحمل هما كبيرا و ثقيلا على صدره .

و جوزفينا الصديقة أيضا ، بدت ضعيفة و كأن جزء منها غال فقدته رغم معرفتهم القصيرة ببعضهم البعض ، كان قلبها ينهار و هي تفكر في جسد صديقتها الميت الملفوف بقطعة قماش ملطخة بالدم .

وصلوا جميعا إلى مبنى الشرطة ، و صعدوا إليه من جديد منتصرين و لكن بألم ، توجهوا إلى المكتب الذي طالما تجمعوا فيه لوضع الخطط و كانت لوجين في أنتظارهم هناك ، أقتربت من أختها و عانقتها بقوة كبيرة ، تمسك لورين وجهها لا تصدق إنها تقف أمام أختها بعد هذه السنوات الطويلة .

وضعت لوجين يدها فوق يد أختها و قالت : ( ألم أقل لكي إنكي لست وحدك ابدا )

قال لورين بكلمات متقطعة : ( نعم .. نعم كنت أعلم يا أختي )

سمعها الجميع و عرفوا إنها من ساعدتهم من الداخل و أوقفت الفخاخ لتسهيل دخولهم المدينة ، كان موقف فراق و لقاء ، فراق تارا و لقاء لورين بلوجين بعد سنين .

عرفت لورين لوجين على الأخرين و قالت : ( هذه أختي .. هذه لوجين .. هي من ساعدتنا )

وجهت لوجين الكلام لهم و قالت مبتسمة تهز رأسها بالرفض : ( لست أنا من ساعدتكم .. بل شخص أخر يجب أن تلتقوا به )

فتحت لوجين باب المكتب و طلبت من أحدهم الدخول ، لتمر من الباب إيرين تحمل طفلا صغيرا في يدها ، ترفع راسها أمامهم لأول مرة منذ خيانتها الأولى لهم ، نظرات الجميع تحيط بها و خاصة في طفلها الذي أيقن الجميع بفطنتهم أنه إبنها المفقود الذي عاد لها بمعجزة .

قال لوجين : ( إيرين هي من أنقذتكم .. هي من ضحت و جازفت و عادت لهنا و عطلت كل الفخاخ حول المدينة .. أنتم مدينين لها جميعا )

لم يُعلق أحد على كلامها و لم يتكلم أحد لإيرين لشكرها أو غيره ، و لا حتى بسيل الذي ظل ينظر إليها مطولا و كما لو أنها الوحيدة في الغرفة ، و ينظر إلى أبنها و يشعر بالسعادة فقد نالت ما واجهت العالم من أجله .

أقتربت منها جوزفينها و ضمتها إليها و أحاطتها بذراعيها و قالت لها : ( حمدا لله على سلامتك .. أنا سعيدة إنكي عدتي إلينا يا إيرين )

أحتاجت إيرين لمثل هذا الأحتواء من زملائها بعد ما عانت منه الفترة الأخيرة و خاصة مما كانت تعتبرها أختها ، أتكئت برأسها على كتفها تريد أن تستريح على كتف من تثق به من كل المآسي التي عاشتها .

أخذت إيرين نظرة طويلة لهم و مرت على كل واحد منه تسلم عليه و كأنها تطلب الغفران و المسامحة على ما أقترفت في حقهم ، مرت على آسر أولا و قال : ( أشتقنا إليك كثيرا يا إيرين )

ثم وسام : ( أشعر و كأن شيئا ناقصا و أكتمل بعودتك )

ثم ريان : ( عودتك إلى الفريق هو أجمل خبر اليوم )

و لينور الذي خشيت من رده فعله و لكنه قال : ( مرحبا برجوعك يا إيرين ) و سلم على يدها بقوة .

و أخيرا كان بسيل الذي وقفت أمامه دقيقة لا تعرف الكلمات التي تقولها له و لا ماذا تفعل و لكنه وفر عليها كل شئ و قال : ( كنت أخشى ألا أراكِ مجددا ، غيابك كان جرحا و ها نحن نلتقي من جديد )

رد إيرين : ( لقد قلتها لك من اليوم الأول يا بسيل ، سأظل بجوارك دائما حتى الموت )

حركت رأسها يمينا و يسارا و سألت : ( أين تارا ؟ لماذا لا أراها وسطكم ؟! )

و كأن الطير قد أكل ألسنتهم ، يتبادلون النظرات و كأنهم يمررون مسئولية الإجابة إلى بعضهم و لم يكن هناك سوى لورين القادرة على إجابتها : ( لقد قتلت تارا وسط المعركة و نحن في طريقنا إلى هنا )

وقع صدى ردها كالصاعقة على إيرين و شعرت دقات قلبها تنخفض و نفسها يختنق و راسها يغلي من الغضب و دموعها تخرج من مخزنها في صمت على خديها ، أنكسر قلبها بموت زهرتهم من كانت تجعلهم يشعرون بالحياة و تعطيعهم القوة للقتال للحفاظ عليها ، كانوا مستعدين أن يموتوا بدلا منها على أن تخنث بوعدها لأختها و هي على فراش الموت على إنها ستعيش عنهم .

توجهت عينيها إلى بسيل ، و لم يفهم .. هل تلومه على موتها و أنه كان يجب أن يحميها ، أم تريده أن يواسيها على موت قلبهم النابض ، و قال بسيل بقلب يقطعه الحزن : ( سنصنع جنازة كبيرة لتارا ، يشاهدها كل العالم .. تكريما لأغلى إنسانة كانت بيننا )

قال ريان : ( أولا يجب أن نستريح ساعات قليلة ، لأننا لا نعرف متى سنتمكن من النوم مرة أخرى )

سيطر التعب عليهم حقا و كانوا بحاجة للراحة التي أمتدت لأربع ساعات فقط حتى دعا بسيل الجميع إلى أجتماع هام جدا لمناقشة التالي في خطتهم بعد دخولهم المدينة و سيطرتهم على معظمها .

تجمعوا كالأيام الخوالي في المكتب الرئيسي لمبنى الشرطة على إضاءة خفيفة و أنضمت لهم إيرين ترتدي زيهم بعد وقت طويل من الغياب و قد أزاب كل شخص منه ما كان يكنه لها كالملح و بدأت أيضا هي الأفتتاح و قالت كالمعتاد : ( ماذا سنفعل الآن يا بسيل ؟ )

قال بسيل واثق الخطى بكبرياء كبير و قد غيرته الأيام و المواقف التى تعرض لها : ( سنكلم العالم .. لكن ليس بالسياسة كما كنا نفعل سابقا ، سنتكلم معهم باللغة التي يفهمونها أو التي يريدون أن يفهموا الأمور بها .. لن نكون طيبون معهم و ستكون لهجتنا غليظة و قوية )

سأل آسر : ( و ماذا عن السكان ؟ )

رد بسيل : ( لن يطولهم أذى ، سنخرجهم من المدينة عبر ممرات أمنة كما نفعل الآن ، و سنوجه لهم رسالة شديدة أيضا على ما نتج منهم )

قال ريان : ( و المدينة ؟ )

قال بسيل : ( المدينة تدمرت و تحولت لساحة حرب و الخارج ينتظر حتى يخرج كل السكان و سيكون له مطلق الحرية أن يضربنا بكل ما يملك بكل ما يملك من قوة )

تسائل لينور : ( و نحن ؟ )

سكت بسيل لحظات و قال : ( سنقاتل كما تعاهدنا حتى نقطة الدم الأخيرة ، المعركة القادمة ستكون مختلفة كليا ، أشبه بالحروب القديمة ، قتال وجها لوجه سينتصر فيه أخر من ينجو فقط و يبقى على قيد الحياة )

دخلت إيرين إلى الحوار و سألت : ( و تارا ؟ )

حينها عم الصمت أنتظارا لرد بسيل الذي قال : ( تارا ستكون رمزا لكل العالم ، سنخبرهم بقصتها و التضحية التي قدمتها ، و نجعلهم يعرفون من أجل ماذا قاتلت و من أجل ماذا ماتت )

أنتهى الأجتماع و تفرق كلا منهم إلى غرفته و طريقه ، بسيل يفكر و يفكر و إيرين أخر المغادرين ترمقه بعينها قبل أن تخرج من الباب و تغلقه ، تريد أن تخرج الكلمات المحفوظة في قلبها له ، تسأل نفسها كم سيطول الوقت أو هل سيأتي أصلا لتتكلم بما تريده له ، تخشى أن تضيع الفرصة للأبد فتدفت كلماتها فلا يسمعها أحد .

في الثامنة صباحا ، المعارك قليلة و الأجواء شبه مستقرة ، جُهزت الكاميرات و أجهزة البث و جلس بسيل على كرسي القائد و هذه المرة تجمع خلفه فريقه و أصدقائه ، لا يريد أن يظهر وحده ، يريد أن يريهم إنهم يد واحدة جميعا و ليس فرد فقط من خطط و نفذ كل هذا بل الجميع من كل مكان ، و سيبث الخطاب إلى كل شبكات العالم و على كل شاشة في المدينة ليراها السكان .

بدأ العد ثلاثة .. أثنان .. واحد : ( أيها العالم ... أخاطبكم و قد خطت قدمنا مرة أخرى أرض مونيبوليس ، لم نضعف و لم تستطيعوا أن تكسرونا ، ما زلنا صامدين نقف معا يد واحدة على أرض صلبة ، أقوياء مستعدين أن نواجه عواصفكم و شركم ، لم تتغير قنناعتنا و ماكان في صدورنا مازال فيه و سنتمسك بتحقيقه لن يفصلنا عنه إلا عندما تنزعوا روحنا من صدورنا ، تريدون أن تقتلونا و تهاجمونا نحن هنا ندعوكم للمجئ ، تريدون حربا و لا تفهمون غيرها ، لكم ما تريدون إذا .. إلى الذين يحسبون أن الصرخة الكبرى ستنطفئ مع ريشةٍ وضعتها الرياح ، لن نهدأ و لن نميل و سنقاتل حتى النهاية و سنواجه كل الأحتمالات حتى ما فيها موتنا .. هذه المعركة ليست عبثا بل اصبحت أمتحان لنا يقيم كل ما نؤمن به ، لن نخذل أبدا كل الأرواح التي تقف بجوارنا ، كل روح عزيزة في السماء تريد حقها من الظلم ، و رسالتي هذه المرة للأحياء الصامدين في كل بقاع العالم لقد مررتم بما لا يطاق لن يحموكم ، كما لم يرحموا الأبرياء في أنجولا الذيم لم يقترفوا ذنبا و قتلوا كل من في معسكر ناجين من الخراب و الدمار و قتلوا أم أخي و زوجة أبي و والدتي الثانية هناك و يتموني مرتين ..... )

عرضت على الشاشة مشاهد قصف و تدمير المعسكر الذي كانت تقوده جوزفينا مع وسام ، الصدمة و الذهول سقطوا على جوزفينا و لم تتمالك نفسها في البث من البكاء على كل الأبرياء الذين ذبحوا غدرا ، و وسام المنهار الذي لم يهتم بالخطاب و لا الكاميرات و لا الشاشات ، تنهمر دموعه الساخنة و هي يرى فقدان والدته أمام عينيه ، و يخرج من الغرفة و تتبعه جوزفينا بسرعة ، و بسيل لم يجد طريقة أو وسيلة يخبره بها إلا هذه ، فلم يملك الجرأة على إخباره مباشرة بذلك حيث كانت مسئوولية كبيرة عليه .

تماسك بسيل و أكمل خطابه : ( الكلمة التالية إلى سكان مونيبوليس ، لقد فُضحت حقيقتكم .. لسنا وحوش لننتقم منكم على ما فعلتموه بنا سابقا و كنا به نريد صالحكم و لكنكم فكرتم في أنفسكم و ظننتم إنكم أعلى من الأخرين في العالم و ها أنتم تذوقون مما ذاقوه ، خروجكم من المدينة الآن سيكون تحت أعين لا تنسى و ما حدث منكم مكتوب و محفور في قلوبنا ، بعتم شرفكم بثمن بخس و أنحزتم لصفوف الظلام ، و لكنكم بالنسبة إلينا غبار يتناثر مع أول ريح .... )

عرضت على البث المباشر مشهد خروج جثمان تارا محمولا في نعش من خشب لونه داكن عليه حلقتان من الياسمين الأبيض ، تنام تحته الملاك الرقيق و روحهم التي نزعت من صدورهم ، و بالطبع بكى أيضا آسر و هو يشاهد نعشها محمولا فوق أكتف أربعة جنود ، يمر بين صفين من الحراس يحملون بنادق يطلقون منها طلقات شرفية تكريما لها .

هزت إيرين راسها لبسيل تعطيه قوة لإكمال الخطاب و قال : ( هذه تارا ، قلبنا النابض و روحنا الطاهرة البريئة ، كانت هي الطيبة و الرقة ، كانت ملاكا تعذب بفقدان أهلها وقت زفافها بقذائفكم الغادرة ، لن أذكرها كجسد فان ، بل بروح ستظل باقية لا تفنى ، رمزا لنا لا ينطفئ ، دمائها هي رايتنا التي ترفرف فوق رؤوسنا ، صوتها يسكننا ، لقد وعدتي أختك يا تارا أنك ستعيشي عنهم و سنكمل نحن الوعد و سنعيش عنك و عنهم و عن كل الأرواح البرئية في العالم ، ستبقى وصيتك في صدورنا ، لن نتراجع حتى نحقق ما كنتي تتمنيه معنا )

كان الموقف مؤثرا بشدة و و جدت الدموع سبيلها للخارج ، القلوب تحترق ، و لينور الصلب أيضا نزلت دموعه النادرة و حتى بسيل لم يهتم بصورته أمام الناس و بكى .. بكى بحرقة شديدة لم يبكها منذ وفاة والدته .

توجه بسيل إلى غرفة وسام بعد فترة من الوقت لكي تهدأ الأنفس قليلا بعد خطابه القوي ، و طرق الباب و أستأذن للدخول و كان وسام قد ترك الباب مفتوحا أصلا ، وقف بسيل قليلا و قال : ( سامحني يا أخي ، لم أجد أي طريقة أخبرك بها ، قلبي كان ينقطع في كل مرة أردت إخبارك بها )

تحدث وسام بصوت مبحوح و مكتوم بالحزن و الحسرة : ( منذ متي حدث هذا ؟ )

رد بسيل و وجهه في الأرض : ( منذ أن قُبض علينا في مونيبوليس )

لم يجد بسيل أي كلمات مواساة إلى أخيه لأنه لا يجدها لنفسه و هو من عاش الموقف من قبل و أصعب ، و قلب وسام أيضا تحطم كالزجاج ، حتى اللمسة اللطيفة تجعله ينزف .

شعر وسام بتلك الرغبة في الكلام مع بسيل و إخراج ما في قلبه و قال : ( أتعرف إنها هي من صممت أن أنضم إليكم بعد رؤيتها لك على الشاشة ، و أنا من كنت أعارضها و جوزفينا )

ظل بسيل صامتا يستمع إلى وسام يقول : ( أنا لا ألومك .. أنا أعلم إنك خضت ذلك الألم مع والدتك من قبل .. بل و أسوأ إنها ماتت بين يديك .. أعلم إننا لن ننجو هنا مهما بلغنا من الأمل و الطموح ، و هلاكنا لا مفر منه ، لا وقت للحزن الآن ، كانت تتمنى الموت دائما لتستريح من هذا العالم المتعب و هذه الحياة اللعينة ، و أصبحت الأن أكثر رغبة بالتشبث بالحياة لأجعل لموتها قيمة )

بقى بسيل على حالته يستمع فقط بلا نطق كلمة و وسام يقف و يقترب منه و يمسكه من ذراعه و قال له بقوة : ( لا أريد أن نكون مثل من بنى قصرا من ورق ثم جاءت الريح و دمرته .. نريد يا بسيل حتى لو كلفنا الأمر حياتنا ، أن نصمد و لا نجعلهم ينالون منا بالساهل )

ربط بسيل على كتف وسام و قال له : ( والدتك كالولدتي يا أخي ، و ثأرها ثأري ، و لن يمر دم أي عزيز علينا مرور الكرام .. و سنصمد و ننتصر و سترضى عنا كل روح ماتتت )

تركه بسيل سريعا مغادرا غرفته إلى مكتبه يفكر أمامه ورقة بيضاء و قلم أراد أن يكتب كل كلمة ظلت محفوظة في وجدانه ربما يخفف عنه و يجعله يتحمل ما يحمله و ما سيقابله و بدأ تكتب : " في الحرب الثالثة، لم نرَ جيوشًا بزيّ موحد، بل رأينا بشراً ينهارون بصمت. السماء فقدت لونها، وكأنها قررت ألا تتدخل. حتى الشمس صارت تطلع متعبة، باهتة، كأنها تبكي على ما تراه .

أتذكر أنني كنت انسانا يضحك و يحلم بالمستقبل ثم لم أعد اقيس الوقت بالساعات بل بعدد الأنفجارات التى اسمعها كل يوم و بعدد الرسائل التى لم أعد أتلاقها من اشخاص فقدناهم .

لن يكون هناك أناشيد نصر و لا طريق سلام لأن كل طرق السلم أحترقت .

سيكون هناك أطفال ولدوا و لم يعرفوا طعم الضوء و لن يجدوا مدن كانت موجودة لأنها مسحت من الخرائط و من على وجه الأرض .

الحرب مرض و نحن سنبحث عن العلاج ، لن نتخلى عن أي ذرة أمل حتى لو كانت هذه هي بداية النهاية .

الحرب لا تنتهي حين يسقط أخر جندي .. بل حين يرفض أول أنسان أن يكون واحدا منهم .

فكرت كتابة هذه الكلمات أول مرة حين قال لي أحدهم : ( شكرا لأنك أنقذت شجرة أول لقاء لي معه ) و الأن أكتبها مع وفاة شخصين غاليين على حياتي تارا و والدة وسام .

نحن هنا لنرسم طريق العودة لا طريق للغزو ، نحن لسنا ننتقم بل لنقوم من تحت التراب .

هل سيبقى أحد هنا ليحكي عما حدث ؟

أننا نقاتل لنبقى بشرا .. لا نحارب.

إما أنتي يا إيرين ، فما أريد أن اقوله لك لن تستطيع الكلمات أن تعبر عنه و لا الأوراق تكفيه بل يجب أن أخبرك به وجها لوجه ليخرج من قلبي لقلبك مباشرة .

أنتِ الوحيدة التي تجعل الوقت ينسى كيف يمر ، أنتِ الوطن الذي أعود إليه كلما ضاقت بي الحياة ، و لولاكي لكنت حطاما كالجدران التي تسقط حولنا ، تعلمت من الحرب حولنا أن كل شئ زائل إلا ذلك الشعور الذي يربطني بك .. و لو متنا يكفيني أن أدفن بجوارك لأالقاك في الحياة الأخرى•− −−•− − •−•• •− •−•• •− ••−• •−•− •• "

طوى بسيل الورقة بعدها ، و لمح له عقله بفكرة ناوشته من فترة ليست بالبعيدة ، رأى أن وقتها قد حان ، متحملا كل العواقب الناتجة عنها رغم إنها المنجية من كل هذا و المنهية له .

أخذ حقيبة صغيرة بها بعض المستلزمات و الملابس ، و نزل و أخذ أحد السيارات بهدوء سرا و غادر إلى طريق مجهول وسط الظلام الكاحل في مونيبوليس .

تسلل ضوء الشمس ليوم جديد من بين ستائر الليل ، و كما أعتادوا سابقا أن يتجمعوا معا على وجبة الأفطار ، خرج الجميع من غرفه بينما الفتيات يحضرن الطعام ، و لوحظ غياب أهم شخص على الطاولة " بسيل " .

ذهبت إيرين تطرق الباب لتوقظه من نومه و لم يرد أحد ، أشتد طرقها على الباب بلا فائدة ، سمع الأخرون صوت الطرق العنيف و هموا قادمين أمام الغرفة و قالت لهم : ( لا أحد يجيب من الداخل ، هل تعرض لخطر ؟ )

قال لينور أمرا : ( فليذهب كل شخص يبحث عنه و أنا و وسام سنكسر الباب )

عدت إلى ذاكرتهم حادثة إيرين عندما قطعت شرايينها و لكن بسيل لا يملك الدافع للأنتحار أصلا ، دفع لينور و وسام الباب بكل قوتهم و مع المرة الرابعة أنكسر ، بحثوا في كل الأتجاهات و وجدوا الغرفة مرتبة و منسقة لم يستعملها أحد من الليلة السابقة .

خرجوا يجرون في بشكل عشوائي متفرقين حتى ناد عليهم آسر أن يتجمعوا في المكتب الرئيسي ، تمسك في يدها الورقة التي كتبها بسيل الليلة الماضية ، و عندما أتوا قال : ( عرفنا الآن أين ذهب بسيل ؟ )

و أعطى الورقة بشكل خاص إلى إيرين التي قرأت الجزء الخاص بها و الخاتمة في نهاية الخطاب التي تقول "..... أريدكم أن تسامحوني و لا تسيئوا الظن بي ، أضطررت أن أغادر و أفارقكم ، ليس كرها في البقاء معكم أو خيانة لكم ، بل لأصلاح ما يمكن إصلاحه و تنفيذ الخطة و المحاولة الوحيدة التي ستنهي كل هذا قبل أن نسقط واحدا تلو أخر ، انا كنت السبب في جمعكم داخل ذلك الجحيم ، و أنا من سيخرجكم منه . )

لم تفلت إيرين الورقة من يدها و تصلبت مكانها ، و لينور و الأخرون قرأوا خلف إيرين ما كُتب و قال لينور : ( ماذا يعني هذا ؟ هل تركنا بسيل في أصعب وقت نحتاج إليه فيه ؟ )

قال جوزفينا : ( لا يمكن أن يغادر هكذا بدون سبب ، ألم يقل المزيد في الخطاب ؟ )

تشتت الفريق و أصيبوا بالحيرة من تفسير مغادرة قائدهم و هم على مشارف أكبر معركة ستشهدها الحرب العالمية الثالثة ، أخذت لورين الورقة من إيرين تقرأها من جديد ربما تخرج بتفسير وضح ، و إيرين تقف كالتمثال وسطهم كالجزيرة وسط محيط من الناس ، تشعر بوحدة لا مثيل لها و ضياع كأنها دخلت متاهة بلا خريطة و إحباط يبتلع كل أمل كانت تحتفظ به .

أرتفعت الأصوات بالأستفسارات و التلويح بالأيدي و سؤال واحد فقط يتردد : ( لماذا تركتنا يا بسيل ؟ )

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة