الفصل العشرون

الفصل العشرون

11 0

بقيت إيرين في مكتبها تراجع أوراق و تفكر وحدها ليلاً وسط أضواء خفيفة حتى لمحت الباب يفتح و يدخل منه شخصاً ما لا تظهر ملامح وجهه من الظلام وسألته : ( من أنت ؟)

دخل المكتب و أقترب منها أكثر حتى رأته جيداً في النور ، فتقدمت إليه أيضاً و قالت بمزيج من لهفة و أستغراب : ( بسيل ، لقد عدت .. لماذا تركتنا فجأة ؟ )

أبتسم بسيل و رد عليها : ( عُدت .. لأنه كان يجب أن أعود )

سألته إيرين بنبرة حزينة : ( لماذا فعلت بنا هذا ؟ )

مسك يدها و نظر إلى عيونها و قال : ( فعلت الصواب يا إيرين ، لم يعد شيئاً لنا هنا )

سحبت يدها منه و قالت : ( فلماذا عدت إذا ً إلى هنا ؟! )

أبتسم مجدداً و قال : ( لكي أراك .. )

أبتعد إيرين عنه خلف مكتبها و قالت بنبرة مجروحة : ( و لكنني لا أريد أن أراك بعد اليوم .. لقد خنتنا و تركتنا في أصعب وقت أحتجناك فيه )

رد بسيل ردأ مختصراً سريعاً : ( لقد كنت مضطراً لفعل ذلك )

قالت له إيرين بلطف : ( عُد إلينا .. نحن نخطئ كما فعلت أنا و سامحتوني .. و سنسامحك أيضاً )

رد عليها بهدوء غريب غير عادي فيه : ( لقد فات الآوان علي هذا )

قالت له بغضب : (ماذا إذاً تريد منا الآن ؟ أتركنا لحالنا )

قال مكرراً كلامه : ( لقد فات الآوان يا إيرين )

سمعت إيرين صوت ضوضاء و صيحات يأتي من الخارج فنظرت من النافذة و وجدت جنود لا حصر لهم يرتدون جميعاً زياً عسكري أسود و ملثمين ، يتدفقون كالماء الجاري في نهر ، وأيضاً فريقها بالكامل يقف أمام حائط في الشارع المقابل و عدد من الجنود يوجهون فوهات بنادقهم نحوهم و بعد ثوانٍ يطلقون النار عليهم و يعدموهم بلا رحمة ، يسقطون و دمائهم تحيطهم و تغطيهم و إيرين تشاهد من نافذتها .

دارت إيرين لمواجهة بسيل و على وجهها الغضب و الصدمة بعد أن أرتفعت الدماء إلى عروق عقلها الذي لا يصدق ما يجري ، و ما إن أرادت تتكلم حتى رفع بسيل مسدساً وسط راسها و قال : ( أنا أسف يا إيرين ، كل شئ أنتهى .. )

أقتحم المكتب الكثير من الجنود ذو الزي الأسود ثم أطلق بسيل النار على منتصف جبهتها و قتلها و عند سقوطها على الأرض أستيقظت إيرين في العالم الحقيقي فزعة و مرعوبة ، صرخت صرخة ألم كبيرة ، تتحسس رأسها و تلتفت يميناً و يساراً لتتأكد أن الكابوس إنتهى و هي الآن في العالم الحقيقي .

سمعتها جوزفينا الأقرب إلى غرفتها و هبت راكضة إليها و فتحت الباب و قالت بخوف : ( هل أنتي بخير يا إيرين ؟ )

هزت رأسها بنعم و قطرات العرق تتساقط و كأنها خرجت من تحت الماء ، و يدها على صدرها تحاول التحكم في دقات قلبها التي تؤلمها من شدة نبضها ، تريد أن ترد عليها بلسانها و لكنه لا يتحرك و أكتفت بالنظر إليها بعيونها المحمرتان بشدة من شدة الكابوس المفزع .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فُتحت الزنزانة الكبيرة التي نُقل إليها بسيل كجائزة له بعد ما فعله سابقاً و خطابه الأخير ، و دخلت المحققة السابقة التي كانت معه دون إلقاء التحية و تكلمت مباشرة إليه و هو جالس إلى الزاوية : ( أسمي هو هميس ، و من اليوم ستتبعني في كل شئ ، ستنفذ أوامري بالحرف ، و لو خالفتها سأتحول إلى وحش لا يمكنك تخيله )

سمع بسيل كلامها و لم يتحرك له جفن و قال : ( ماذا تريدون مني أن أفعل ؟ )

بقيت مكانها الظلام يغطي نصفها و قالت : ( لست هنا لأعطائك أوامر جديدة ، بل لسؤالك .. ماذا تريد منا نقابل ما تفعل ؟ )

وقف بسيل في زاويته و قال : ( أريد أن تضمنوا لي حياة أمنة و مريحة بعد أن تأخذوا مني ما تريدون )

أقتربت هميس منه كثيرا و نظرت إليه بحدة و سألته : ( لماذا خنت زملائك يا بسيل ؟ .. أريد أن اسمع الصراحة ربما تجعلنا نزيد الثقة في كلامك قليلاً )

أبتسم بسيل إبتسامة ساخرة و صمت قليلاً و قال : ( أنتم لم و لن تفهموا ... ما فعلناه هو فكرة موجودة داخل الكثيرين حول العالم و الدليل المنشقين الذين ظهروا معنا من العدم ، و الأفكار أهم من الأفراد لأنها ستبقى حتى لو أختفينا جميعا و ليس أنا فقط )

تعجبت هميس من إجابته و أقتنعت بها كثيراً و سألته مرة أخرى : ( و لماذا تخليت أنت عن الفكرة ؟ )

أبتعد بسيل نحو الباب الحديدي و مسك في قضبان الفتحة الصغيرة به و قال : ( لأنني تعلمت ألا أفعل شيئاً لن أستفيد منه ، و لم أجني سوى موت أم أخي غير الشقيق و فتاة بريئة و لن تتحمل يدي المزيد من الماء المُسالة )

أقتربت منه مرة أخرى أرادت أن تراقب عينيه لتكتشف صدقه من خداعه و قالت : ( سؤال أخير و ساغادر .. هل تعتقد أن أُمك الآن سعيدة ؟ )

توتر بسيل من سؤالها القوي ، أرتبكت الأفكار في رأسه و صمت يفكر محاولاً الابتعاد عنها و لكنها ظلت تتبعه لتتفحص لغة جسده ثم توقف و أجاب : ( أظن ان السعادة و الحزن مشاعر إنسانية في الحياة ، لم أتعلم إذا كان الموتى لديهم تلك المشاعر أيضا أم لا .. )

تهرب بسيل من الإجابة و فهمت هميس بخبرتها هذا و خلال ذلك سمعوا صوت الباب الصغير أسفل الباب يدخل من خلالة طبق الطعام لليوم ، فتحت هميس حقيبتها و أخرجت ملف أسود و أعطته له و قالت : ( لديك مقابلة تلفزيونية هامة بعد ساعتين ، الملابس ستصلك بعد قليل .. تناول طعامك و استعد جيدا ً )

قبل أن تفتح الباب سألها : ( ماذا يوجد بداخل الملف ؟ )

ردت و هي تمسك مقبض الباب : ( الأسئلة التي ستطرح عليك .. فكر في إجابتها بحرص .. فأنت مخير لن نجبرك على شئ ، و لكن أعلم أن أختيارك سيحدد مصيرك كأختيارتنا في الدنيا التي تقودنا أما للجنة أو للنار )

راقب بسيل هميس و هي تغادر من الباب ، و جلس في نفس الزاوية يقرأ الأوراق و يطلع على الأسئلة التي سيواجها ، يقلب ورقة تلو الأخرى حتى مل من فحصها فقذفها بعيداً ، و فكر في سؤال هميس الأخير ، هل حقاً أُمه راضية عنه ؟ هل هي سعيدة بحالته الآن ؟ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مونيبوليس جلست إيرين في مكتب القائد تفكر و تفكر ، رأسها يعيد مشاهد الكابوس الذي رأته أمس ، تتخيل بسيل يفعلها في الحقيقة ن تنظر للورقة و الشفرة الغامضة التي تركها ، رأسها يدور بمئات الأحتمالات كلٍ منهم بنتيجة مختلفة ، لا تعرف أين الصواب ، تتمنى خيط يقودها فقط للحقيقة .

وضعت الورقة في جيبها و ذهبت إلى غرفة لينور و طرقت الباب و فتح لها مباشرة ، أستغرب لينور من قدومها إليه و قالت : ( ألن تسمح لي بالدخول ؟ )

ترك الباب مفتوحا و عاد إلى عمله على حاسوبه ، دخلت إيرين و قال لها : ( هذا ليس موعد الأجتماع ، لماذا تشرفني القائدة بالمجئ بنفسها هنا ؟ )

أحست إيرين أن الكلام مع لينور لن يكون سهلاً لهذا أعتمدت الحوار المباشر و قالت : ( جئت للتحدث بخصوص بسيل)

تكلم و هو يعمل : ( ليس لدينا شئ للحديث عنه بشأنه .. تركنا و أنتهى الأمر و سنكمل نحن طريقنا )

أخرجت الورقة من جيبها و وضعتها له على لوحة المفاتيح و قالت : ( أقرأ رسالته من جديد )

رد لينور ساخراً : ( أي جزء ، الأول و هو يقول أنه سيهرب أم الثاني و هو يكتب لك كلمات الحب )

لم تتأثر إيرين بأستفزازاته و ردت بنفس الطريقة الساخرة : ( الجزء الثاني و هو يكتب لي كلمات الحب )

ضحك لينور و مسك الورقة و بدأ يقرأ و لم يلاحظ شيئاً في المرة الأولى و قال : ( إنه رومانسي فعلاً .. يبدو أن بسيل كان يكتب شعراً خلال دراسته في الجامعة )

سحبت إيرين الورقة بقوة منه و أخذت قلم و أشارت على الشفرة من النقط و الشرطات و أعطتها له من جديد و قال : ( لا أفهم .. هل هي شيفرة ما ؟ )

أجابت : ( نعم .. إنها شيفرة مورس و تعني " أٌقتل الأفعى " )

ظل لينور متحيراً وقال : ( أي أفعى يقصد ؟! .. ألم يترك شيئاً أخر ؟ )

قلب لينور في الورقة و تحقق من كل جوانبها و قالت إيرين خلال هذا : ( لا لم يترك ، و المهم أنه يعني أن بسيل يحتاج للمساعدة و إنه لم يهرب ، بل هو يفعل شيئاً ما و يحتاج أن يكون أحد بجواره )

أعطي لينور للورقة لها و قال : ( ماذا تريدين بالضبط أن نفعل له ؟ )

سارت قليلاً في غرفته و قالت : ( لا يمكن أن أطلب ذلك من آسر و جوزفينا و كذلك ريان و لورين فهم أعضاء جدد معنا و لا من وسام فهو يشعر بحساسية تجاهه منذ حادثة علمه بوفاة أمه من الخطاب )

أنتظر لينور أن تفرغ كل كلامها و لم يُعلق و أكملت : ( إما أنت يا لينور الوحيد القادر على أن تذهب إلى بسيل و تكون بجواره و تساعده فيما سيفعل .... )

قاطعها لينور في الحديث و قال : ( هذا مستحيل ، الحرب تدق على الأبواب و لن تخسروا فرداً أخر بعد تارا و بسيل )

تكلمت معه بهدوء غير معتاد بينهم : ( أعرف إنك لا تُتيقني .. لكن ربما الحرب الحقيقية هي ما يواجه بسيل الآن و ليس ما سنواجهه )

مسك لينور ذقنه و قالت له إيرين : ( أنت تعرف بسيل جيداً مثلي و أكثر .. و لكن قلبي يقول إنه يحتاج إلينا ، من فضلك .. لا تجعلني أتوسل و أتذلل إليك ، و أترك الباقي لي )

أبحر عقل لينور في محيط من الحيرة ، هو يعرف بسيل ، و هو نفسه ما زال لم يعي أن بسيل يمكن أن يخونهم ، و تشاء الصدف أن الشكوك في قلب إيرين نفسها في قلب لينور ، فبسيل مختلف و ليس لديه أصلاً دافع كإيرين ليفعل بهم ذلك ، و ما غير رأيه و سرع أفكاره و قراره عندما لمح شيئاً ما على التلفزيون و قال : ( أليس هذا هو؟! ... إنه بسيل ... ماذا يفعل مجددا في التلفزيون ؟ )

كان بسيل يرتدي حلة أنيقة و يجلس في مواجهة المذيع الذي سأله : ( لماذا تركت ما كنت فيه في مونيبوليس فجأة ؟)

رد بسيل بملامحه المتغيرة و قال : ( ليس من العيب أن يكتشف الشخص أنه كان يرتكب خطأً فيعمل على تصحيحه ، كنا نظن إننا نعمل ذلك من أجل السلام و لكننا أشعلنا الصراع أكثر و عقدنا الأمور )

سأله المذيع مرة أخرى : ( و ما الخطأ تحديداً الذي فعلته ؟ )

أجابه بسيل : ( كنت سبباً في قتل أبرياء يعيشون في المدينة المُسالمة الوحيدة في العالم ، أدت أفعالي الآن لتهجيرهم و تفريق أُسرهم ، قضيت على الأمل الذي كانت تبثه المدينة للعالم ، أن السلام ممكن )

أستمرت أسئلة المذيع له : ( ما الذي تقوله إلى الباقيين هناك ؟ )

رد بسيل و الكاميرا تقترب من وجهه ليملأ الشاشة : ( أكرر طلبي لكم بالتوقف و ألقاء السلاح ، لا تجعلوا الثأر يعميكم ، أنتم لا تعرفون مخاطر أفعالكم ، أعترفوا بالخطأ مثلي و ستحصلون من العالم على الغفران كما حدث لي )

عقّب لينور على ما رأه و قال : ( هل هذا بسيل الذي نعرفه ؟! .. لقد فقد وزناً و تغير تماماً .. ماذا يفعلون به ؟ )

مسكته إيرين من ياقة قميصه و قالت متوسلة : ( من فضلك لينور .. يجب أن نتحرك الآن ، لا يجب أن نتركه في هذه الحالة وحده )

رد لينور مراقباً وجه بسيل علي الشاشة : ( لأول مرة سأتفق معك يا إيرين .. سأجهز أشيائي و سأتحرك الآن )

غادر لينور سراً و أستقل أحد السيارات متجهاً نحو القاعدة القديمة للمنشقين ليتبع نفس طريقة بسيل و يستقل أحد طائرات الدعم لأقرب نقطة لمصر ، لكي يحاول مساعدة بسيل أو إنقاذه ، تاركاً خلفه تركة ثقيلة لإيرين التي طلبت من الجميع إجتماع عاجل لوضع الخطة لكل الأحتمالات لهجوم الخارج عليهم .

بعد عشر دقائق فقط تجمع كل الفريق ، و حضرت إيرين تحمل خرائط و أوراق نظمتها على الطاولة ، و لورين تنظر حولها و تسأل : ( هل سنبدأ الأجتماع بدون لينور ؟ )

ردت إيرين و هي مُستمرة في تنظيم الخرائط : ( نعم لن يحضر ، لقد أرسلته في مهمة خاصة و عاجلة )

علقت جوزفينا : ( ألا يكفي فقدان بسيل ؟! .. أيضاً سنخسر لينور )

قالت إيرين : ( لو لم يكن ضرورياً .. لما أرسلته في هذه الظروف )

سأل ريان بهدوء : ( هل الأمر له علاقة ببسيل ؟ )

بلعت إيرين ريقها و قالت : ( لا .. ليس له علاقة به .. بسيل قصة قديمة و أنتهت بيننا )

كانت كذبة كبيرة من إيرين و لكنها أعتقدت إنها ستحافظ على تماسك الفريق ، و عدم التشتت بسبب أختلاف الأراء بين مؤيد لمعارض للقرار و خاصة أن بسيل يكبر في نظرهم كخائن بعد تصريحاته المستمرة على التلفزيون .

غيرت إيرين بوصلة الحوار للموضوع الأهم : ( هذه المعركة ستكون مختلفة عن أي شئ واجهناه من قبل ، المعلومات التي تصلنا أنهم يحشدون حشدا لم يسبق له مثيل من قبل ، و علينا أن نتعامل مع الأمر بدهاء ، لأن قوتنا مهما بلغت لن تضاهي أتحادهم للفتك بنا )

بدأ ريان يقول رأيه : ( يبدو أنهم سيتبعون أسلوب الحرب الخاطفة للقضاء علينا سريعا مع هجوم طيران كاسح و مدفعية و أختراق المدينة بكم كبير من الدبابات ثم تنتهي بقوات المشاة ، و سيقومون بذلك بعنف و قسوة حتى لا نماطل معهم الحرب فيدخلون مستنقع حرب الشوارع معنا )

شعرت أيرين بالقشعريرة بعد شرح ريان و قالت : ( و كيف يمكننا ردهم و عمل هجوم مضاد عليهم ؟ )

أبتسمت لورين ساخرة : ( هل سيبقى أصلاً جنود بعد ذلك لعمل هجوم مضاد ؟ .. الحل الوحيد إما المجازفة و الأقتراب من خطوط العدو حتى يُقلّصوا من ضرباتهم الجوية فلا يُصيبوا جنودهم أو نجد طريقة للصمود فنتحمل ضرباتهم و نجبرهم على حرب الشوارع فنتبع تكتيك الصمت اللاسلكي كما حدث في الحرب العالمية الثانية ، و ننشر القناصة بكثرة فنسبب لهم رعباً أن يرفعوا رؤوسهم ، نقضي عليهم من المسافة صفر ، نخلق لهم رعباً و ننشر مكبرات الصوت في كل مكان و نُعلن عن كل جندي ميت منهم ، ستنجح عندما نضغط و نتحمل و نجازف بكل قوتنا فلا يتحمل عدونا الهجوم المضاد حينها و نهزمهم )

هز الجميع رأسه بقبول الخطة ، و أُعجبت إيرين كثيرا بخطة لينور المناسبة لإمكانياتهم في الوقت الحالي ، ثم أشارت إيرين نحو نقط معينة في الخريطة و قالت : ( أظن النقاط هي لتجمعات أخرى من المنشقين ، كيف نستفيد منهم ؟ )

ردت لينور أيضاً : ( هم يُجهزون أنفسهم بالفعل ، في الخارج يظنون الآن إننا وحدنا ، و عندما تتقابل كل هذه النقاط سنضربهم حيث يُوجعهم )

نظرت إيرين مطولاً إلى الخرائط و قالت و قد أصبحت أكثر صلابة : ( منذ الفجر يجب أن ننشر كل دفاعاتنا الجوية و الأرضية استعداداً لتلقي الصدمة الأولى ، و لكن لن نسهل الأمر عليهم ، سنعيطهم يوماً لن ينساه التاريخ )

أرتفعت الحماسة في الغرفة ، و ضوء التحدي و الشجاعة يلمع في عيونهم ، يتبادلون النظرات الممتلئة بالتصميم ، الوجوه متوترة و لكن تضرب إيرين يدها الطاولة و تقول : ( فلنتحرك جميعاً إلى مواقعنا الآن )

تحولت الحماسة إلى خطوات سريعة ، و خرجوا متوجهين إلى عرباتهم المدرعة ، وأصوات المحركات تبدأ بالهدير، كأن الأرض نفسها تستعد للاشتعال.

.......................................................................................................

أنتظر بسيل في غرفة تابعة للأستوديو حيث كان يصور الحلقة ، و فتحت الباب هميس و هي تصفق تحية و أعجاباً له و لإجاباته و قالت : ( تهانيّ يا بسيل .. الجميع مسرور بما فعلته )

أبتسم بسيل بسعادة و قال : ( هذا جيد .. هذا يعني إنني حصلت على حريتي ؟ )

جلست بجواره على الأريكة وقالت : ( ليس بالضبط .. هناك شيئ أخير فقط نحتاجه منك )

أنتظر بسيل المزيد من التوضيح منها حتى قالت : ( يجب أن تخرج أمام العالم كله في مؤتمر السلام خلال أيام قليلة و تقول ما قلته من قبل )

أرتفع حاجبا بسيل من التعجب و قال : ( مؤتمر السلام .. هل ستنتهي الحرب ؟ لن تهاجموا مونيبوليس ؟ )

هزّت إصبعها نافية و قالت : ( لا هذا و لا ذاك .. شئ أخر سري غير مسموح أن أقوله لك )

سألها بسيل : ( متي إذا ستهاجمون مونيبوليس ؟ )

أخذت حقيبتها و هبت للنهوض و المغادرة و أجابت : ( هذا سري جدا .. ما يُهمك أصلاً أن تعرف ؟ )

حافظ بسيل على إبتسامته المُصطنعة و قال : ( لا يُهمني بالطبع .. يهمني نفسي فحسب )

ودعت بسيل و غادرت الغرفة و فكر في المؤتمر العالمي الذي سيجمع كل زعماء العالم دفعة واحدة في مكان واحد و الذي سيُعقد كما سمع في الأخبار بعد ثلاث أيام ، و يفكر ايضا في مونيبوليس و الهجوم الذي تثار عنه إشاعات أن دول الحلفاء الجدد و الردع يجمعون ملايين الجنود و آلاف من المعدات و الأسلحة لمحو المدينة عن بكرة أبيها ، متخيلاً كل شخص عاش و أكل و شرب معه تحت أنقاض المذبحة الدموية التاريخية التي يخطط لها الدول التي ستحضر مؤتمر السلام ، قاطع تخيلاته الحراس يطلبون منه المغادرة لنقله إلى محبسه حتى يوم المؤتمر الكبير .

كان محبسه مختلفاً في أحد المنازل المُستأجرة له ، يحيط بها الجنود من كل جانب ، شديدة الحراسة كما يحدث للشخصيات الهامة و الرؤوساء حيث خشيوا غدره كما فعلت إيرين من قبل .

غط بسيل في نوم عميق و الساعة لم تتجاوز الحادية عشر بعد ، يهرب من واقعه في نومه ، و بينما ترتفع أصوات أنفاسه على الوسادة يفتح باب النافذة ببطئ شديد و يدخل منه رجلا يرتدي الأسود و ملثم لا يظهر من ملامحه شئ سوى عيونه ، يقترب من بسيل متسللا إلى سريره و يضع يده على فمه و يُوقظه ، ليفتح بسيل عينيه يتفاجأ بمن يتهجم عليه و هو مؤمن الحراسة .

يحاول بسيل المقاومة و توجيه لكمة إلى الملثم و لكن الأخر يحاول منعه و تثبيته ، حتى نجح بسيل و صفعه على خده الأيسر ليبتعد عنه و يتناول بسيل السكين المُخبئ تحت وسادته و قبل أن يقترب به من عنقه يكشف الرجل عن وجهه و يقول : ( توقف مكانك أيها المجنون ... إنه أنا لينور )

رمي بسيل السكين جانباً و هدأت أرتفاعات و أنخفاضات صدره و أحتضنه عناق كبير أشتياقاً إلى صديقه و رفيقه القديم و قال : ( أنا سعيد إنك أتيت )

لم يشعلا الأضواء حتى لا يلمحهم الحراس المحيطين بالمبنى و سأله لينور : ( لقد قطعت مسافة كبيرة من أجلك يا رجل ، و من الأفضل أن تجيبني بصراحة عن أسئلتي ، هل ما تقوله في البرامج و التلفزيون صحيح ؟ لا أصدق أن يصدر هذا منك أبداً )

أخذه من ذراعه و جلسا على كرسيين بعيدين عن النافذة و رد بصوت مُنخفض : ( بصراحة يا لينور ... أنا أكذب كذبة كبيرة جداً )

كان سعادة لينور كبيرة بعد أن تأكد أن رفيقه و قائده ليس بخائن و أستراح ضميره و قلبه و قال : ( حمداً لله يا صديقي إنك لم تنجر لمستنقع الخيانة .. و لكن ما الذي تُخطط له بالضبط ؟ )

أقترب بسيل من لينور و أخفض صوته أكثر : ( ما أُخطط له أحتاج مساعدتك فيه و لهذا تركت الرسالة المشفرة إلى إيرين ، بعد ثلاثة ايام سيقام مؤتمر السلام و سيجتمع رؤساء و قادة الدول المشاركة في الحرب ممن كنا نكلمهم عبر الفيديو ، سأجمع البيض كله في سلة واحدة و أقضي عليهم )

تراجع لينور للحلف و مسك ذقنه و قال بحيرة : ( و كيف سنفعل ذلك وحدنا ؟ لا نملك شيئا لفعل هذا ؟ )

أبتسم بسيل بلُطف و قال : ( حمداً لله أن أنت من جئت إلي ... من سينفذ هذا أفضل منك ، أنت تعرف مكان كل رصاصة في العالم يا صديقي )

نظر لينور إلى صديقه و قال و ملامح الإعجاب عليه : ( دائماً تبهرني بأفكارك يا رجل )

أكمل بسيل كلامه : ( بعد أن نقضي عليهم ستنتهي الحرب وحدها و بهذا نكون قد قتلنا الأفعى ، بقائنا في مونيبوليس لا يجلب لنا شيئا )

رفع لينور راسه مزهواً بنفسه كالعادة و قال : ( أعتبر الأمر منتهي ، سترى عرضاً كبيراً يوم المؤتمر و أعتبره هدية و مفاجأة بمناسبة عودتك )

قام بسيل من مقعده و مسك راديو قديم في غرفته و شغله و قال : ( شيئاً أخر يا لينور .. أتلقى على هذا التردد إشارات مخيفة و كأنها أوامر عسكرية ، أرقام و تواريخ خاصة وقت منتصف الليل حتى الصباح )

تنصت لينور جيداً و ألتقط بعض الكلمات من وسط التشويش و قال : ( تبدو و كأنها رموز و شفرات ، و لهجات مختلفة ، لا تُنطق الحروف بنفس الشكل )

أغلق بسيل الراديو و قال مزعوراً : ( طوال الليل أستمع إلى هذه الاصوات ، و سمعتهم ذات ليلة يقولون تاريخ يوم المؤتمر .. أخشى أن يكون الهجوم في ذلك اليوم .. يجب أن نتواصل معهم و نحذرهم )

توتر لينور لخوف بسيل و قال : ( يا ليت آسر كان معنا ، لا تقلق سأحل هذا أيضا .. و كل شئ سيكون جاهزا يوم المؤتمر .. المهم أن تلقنهم درساً كبيراً و أنت تلقي كلمتك على المنبر )

لم يستطع لينور البقاء وقتاً أطول مع بسيل ، و أخفى وجهه مجدداً و قبل أن يغادر من النافذة كما أتي سأله بسيل : ( و كيف حال إيرين ؟ )

توقف لينور و قال : ( لقد أخترنا إيرين أن تكون القائدة مكانك يا صديقي )

غادر لينور من النافذة متخفياً مستفيداً من الظلام في الخارج ، و جلس بسيل وحده يفكر في كل شئ في المؤتمر و الهجوم و إيرين التي يحاول أن يرسم لها صورة القائدة في رأسه و هي تتحمل هذه المسئولية الكبيرة ، يتمنى أن لا تكون ساخطة عليه و تُسامحه لأنه تركها في هذه الظروف ، و لكنه يفعل كل ذلك من أجلهم و من أجلها خاصة ، من أجل حبهم و من أجل اللحظة التي سيعترف لها بمشاعره تجاهها .

جلس في وحدته، يحدّق في الفراغ بعينين يثقلها الأرق. قلبه لم يعد يعرف إن كان يخفق خوفًا أم حنينًا. الفكرة وحدها كانت كافية لتمزقه و رغم ذلك أغمض عينيه عاد للهروب من العالم قليلا ً .

مرت الأيام على بسيل ثقيلة ، لا يتكلم مع أحد و غير مسموح له بالتواصل مع الخارج ، الطعام يصل إليه ثلاث مرات يومياً ، فقط يمكنه النظر من النافذة مع حراسة مشددة تراقبه على مدار الساعة ، كان من الجنون أن يرتكب فعلاً أحمق أو يحاول الهرب ، سيفرغون كل ذخيرتهم فيه .

روتينه اليومي الأستماع إلى الإذاعة و للشفرات و الرموز التي لا يعرف إلى ماذا تدل ، فقط يعلم إنها تخص الهجوم و التجهيزات له ، و أيضا تكرر مجددا تاريخ يوم المؤتمر ، و يدعو الله من كل قلبه أن يكون لينور قد وجد طريقة للتواصل معهم و تحذيرهم .

في الليلة الأخيرة قبل المؤتمر كان بسيل يتوقع زيارة من هميس و على العكس أكتفت فقط بإرسال نسخة من الخطاب الذي سيلقيه و داخله ورقة صغيرة مكتوب عليها : " ألتزم بالنص المكتوب "

راجع الخطاب المملوء بالحماقات و الكذب الشنيع ، رماه بعيداً فهو يعرف أن غداً سيتحرر من كل هذا ، سينقذ العالم ، سيُحقق الوعد ، و سيعود إلى إيرين قبل أن يطولها الأذى .

في العاشرة صباحاً دق الباب ثم دخلت هميس و كان بسيل قد أرتدى ملابسه و تجهز منذ الثامنة صباحاً و بينما هو يقف أمام المرآة سألته : ( هل أنت جاهز ؟ )

رد عليها بثبات غير حقيقي : ( نعم .. أنا جاهز و مستعد )

أنطلقا معاً في سيارة مشددة الحراسة ، تسير أمامها خمس سيارات و خلفها نفس العدد ، كمواكب الزعماء ، شعر بسيل بأهمية الحدث ، و نظر من النافذة يشاهد بلده مصر ، المُشتاق إليها من كل قلبه ، يشتاق لكل شئ بها ، تمر السيارات بميدان التحرير حيث بدأت الحرب في يومها الأول هنا حين عاد من عمله ذاك اليوم .

فتح الزجاج قليلا و أستنشق هواءها الممزوج بعبق الماضي و الذكريات ، قاطعته هميس و سألته : ( هل راجعت الخطاب جيداً ؟ )

رد عليها و عينيه لم تتحرك عن المشاهدة من النافذة : ( نعم .. فهمت كل كلمة فيه )

قالت هميس : ( جيد ، سيكون مكتوباً على شاشة زجاجية أمامك أيضاً لو نسيت أي شئ ) ثم عادت إلى عملها و تركت بسيل يسرح مع كل لحظة تمر عليه و هو يسير فوق أرض بلده مصر .

عندما وصله إلى قاعة المؤتمرات ، تفاجئ بسيل بالجموع الغفيرة المتجمعة هناك و ترفع لافتات مختلفة تسبه و تلعنه و أخرى تطالب بوقف الحرب و نزيف الدماء ، و أخرى تحتوي على شتائم إلى بعض المسئولين ، و الأكثر قسوى من يحملون صور ابنائهم قتلى أو ميتين .

نزل بسيل من السيارة و ما إن رأوه الناس حتى أرتفعت صافرات الأستهجان و وصفوه " أيها الخائن " ، و هم يندفعون غاضبين يحاولون التسلل من الحواجز الحديدية ، و صرخات الناس له تمزقه من الداخل ، فيما أرتفعت أحذية و قمامة رُميت بأتجاهه .

كانت الناس مشحونة بالغضب و الكراهية نحوه ، كانوا يريدونه ميتاً خيرٍ له من موقفه هذا ، لم يعد أحد يطيق رؤيته ، الجنود اصطفّوا حوله لحمايته و أخرون أصطفوا بسرعة لصد الحشود ، و أدخلوه للمبنى و أغلقوا الباب ، و من خلف الزجاج أستقبلت عينيه لينور يقف وسط الناس يغطي نصف وجهه و يهز راسه بأن كل شئ بخير ، ثم يدور و يختفي وسط الجموع ، ينظر بتشتت وسط الجماهير يحاول أن يجد لينور و لم يراه مرة أخرى و الرعب المكتوم داخله يزداد ثانية بعد أخرى و هميس تجره إلى القاعة .

.................................................................................

على بُعد مئات الأميال في مونيبوليس كانت إيرين تنظر من نافذة مكتبها الزجاجي إلى الفراغ الذي أصاب المدينة ، فقد تم نقل كل الجنود إلى الخنادق و إلى محطات مترو الأنفاق و فُرض صمتاً لاسلكياً و سيكون التواصل بطرق بدائية جداً ضمن خطة الخداع و الهجوم المضاد .

دوّى صوت صفّارات الإنذار فجأة، شقّ السماء كطعنة حادة ، توقفت أنفاس إيرين و دّب الخوف و الرقب فيها ، و هي تمسك ورقة صغيرة في يدها وصلت منذ ساعة مع طائرات الدعم العائدة و بها " بعد ثلاثة أيام ، الهجوم ، تجهزوا " ، و لكن الرسالة وصلت متأخرة بعد ثلاثة أيام ، في يوم الهجوم .

جاء وسام إليها يجري و يقول و هو لا يستطيع أن يتنفس جيداً : ( علينا أن نغادر الآن يا إيرين ، الرادارات كشفت عدد كبير جدا من الطائرات في الطريق و دباباتهم ستخترق المدينة في أي وقت )

ثقلت قدم إيرين و لم يجد وسام سوى أن يشدها بقوة من ذراعها ، لتتحرك معه و ينزلان و يستقلان السيارة يبتعدوا بأقصى ما يمكنهم إلى أحد الأنفاق تحت الأرض قبل أن يدكوا ما فوق الأرض .

كانت الورقة قد سقطت من يد إيرين في مكتبها قبل ذهابها ، و بدأت تتكون فوق ارض المدينة ظلال سوداء تُنبئ بفتح أبواب الجحيم .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة