الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

12 0

أول أيام الحرب

توقفت الحافلة التي تقل بسيل من محل عمله إلى المنزل في وسط القاهرة بالقرب من ميدان التحرير وسط زحام السيارات الخانق ، و لا أحد يعلم السبب في ذلك .. الجميع يشهق و يزفر غضبا يريدون الذهاب إلى منازلهم للراحة ، و بسيل يحاول الأتصال بوالدته ليخبرها أنه سيتأخر قليلا بسبب الزحام ، و لكن أشارة الهاتف غير ثابتة و تختفي أحيانا .

بدأ يسمع اصوات تأتي من بعيد ، خليط من أصوات البشر و المحركات ، ثم تصاعدت أكثر و أكثر ، لينظر خلفه و يجد أفواجا من البشر تهرول من بين السيارات المتوقفة ، لا يعرف من في داخل الحافلة لماذا الناس تجري ؟! هل يوجد حادث ؟ ، ساد الغموض حتى مر سرب من الطائرات ألقى إحداها قذيفة أنفجرت وسط حشود من البشر و السيارات وأرتفع عمود من اللهب و الدخان فى الطرف البعيد من الطريق و دوى صوته حتى أهتزت الحافلة التي يركبونها و تحطم زجاج النوافذ و بدأ صراخ النساء و الأطفال رعبا و أندفعوا ناحية باب الخروج لينجوا بأنفسهم ، و قفز بسيل أيضا و قدماه ترتطم بالأسفلت يركض مثلهم و لا يلتفت خلفه ، لا يعرف إلى أين يذهب المهم أن يبتعد عن المنطقة .

كان كل شئ شبيه بنهاية العالم و أحدهم يصرخ و يقول : ( هل قامت القيامة ؟ ) ، أطفال يبكون و رجال و نساء يتدافعون و أسر تمسك بايدي بعضها حتى لا يتوهوا عن بعضهم وسط موجة البشر الهاربة ، و سيارات مشتعلة ، و قذائف مستمرة تمطرهم ، و بسيل يختبئ داخل مدخل أحد المنازل و صوت الأنفجارات لا يتوقف ، تحول إلى الميدان و الشوارع حوله إلى جحيم .

أخترق النظر من خلف الباب الحديدي ، يريد أن يعرف ما يجري في الخارج ، يريد أن يعرف كيف سينتهي مصيره وسط كل هذا الدمار الذي حل فجأة دون سابق أنذار ، و بينما النيران حوله في كل مكان و هدير الطائرات يعلو فوق رأسه ، يرى مشهدا مزق قلبه تمزيقا ، جسد رجل ممدة على الأرض مغطاة بالدماء و طفل صغير بجواره يهزه من كتفه يسأله بأستمرار : " أبي .. أستيقظ يا أبي" ، الطفل يقف يغطي وجهه الغبار لا يفهم لا يعي ما حدث لأبيه ، لا يعرف أنه قتل بلا سبب .

و أمرأة قادمة من التسوق جثتها تغطي الأرض و فوقها جثة طفلتها الصغيرة و أختفت ملامحهم من الحرق ، و أب يحمل ابنته ذات العام و قادمين من عيادة الطبيب يركض في الشارع يريد أن يهرب و يحمي أبنته من الموت ، و شباب يحملون صديقهم المصاب في رأسه و ينزف بغزارة .

يبحث بسيل عن مخرج وسط الدخان الأسود الكثيف ، يريد أن يرى أي طريق يسلك خوفا من أن تبدأ مذبحة جديدة ، تنقذه لوحة على الحائط ترشده للأتجاه الصحيح ، ليجري بأسرع ما لديه و يلهث و يضع يده على صدره و يسقط و يقوم من جديد و يستمر في الركض .

وصل بسيل إلى منزله أخيرا و ملابسه ممزقة و التراب الأسود يغطي نصف وجهه و العرق يسيل من كل مكان في جسمه ، يسقط أمام الباب و يطرق عليه ، لا يستطيع أن يأخذ أنفاسه ، تفتح والدته و تسنده و تحتضنه بشدة و تقول : ( الحمد لله .. الحمد لله يارب أنك بخير .. رايت ما حدث و كنت سأرتدي ملابسي و أبحث عنك يا حبيبي ، كنت خائفة أن مكروه أصابك )

أسندته إلى الكرسي و سألها بصوت مبحوح : ( الناس تموت في الشوارع يا أمي .. ماذا حدث ؟ )

ناولته كوب ماء و أمرته بشربه أولا ، و بلعها كلها كما لو لم يشرب ماء من قبل و أجابته : ( يقولون إنها الحرب يا بسيل .. العالم يهاجم بعضه )

فتح بسيل التلفزيون و سمع الأخبار تقول : (..أكثر من 10 دول تشارك ضد بعضها في القتال حتي الآن ، الحرب الأن أصبحت حربا عالمية .. )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان الغضب يحيط بكل شئ و في داخل كل شخص عندما وجدوا إيرين قد هربت ، و بسيل مسك الكرسي و رماه بعيدا بسخط و قال بغيظ : ( أرسلوا الكثير من الجنود ليبحثوا عنها .. لا تسمحوا لها بمغادرة المدينة .. جدوها اليوم قبل الغد .. أغلقوا كل مداخل و مخارج المدينة )

تكلم لينور : ( لقد أمرت بذلك بالفعل ، لن نترك زقاقا حتى نجدها .. لكن ماذا نفعل بعدها ؟ )

قال بسيل : ( تحضروها إلى هنا لنتكلم معها )

قال لينور مستغربا رد بسيل : ( نتكلم معها .. لقد خانتنا تماما ، حاولت قتلك ثم هربت لا نعرف إلى أين ، ربما لتساعد أعدائنا علينا ، يجب أن نقضي عليها قبل أن تقضي هي علينا )

مسك بسيل لينور من ياقة قميصه و صدمه بالحائط و قال : ( لا اريد أن أسمع رأيك .. فقط جدها .. و لا تتحدث عنها بتلك الطريقة مرة أخرى )

تدخل وسام ليفصل بينهم و يُهدئ من هذا الفوران و لينور ينظر في عيون بسيل بأحتدام و يقول : ( هكذا إذا تعاملني من أجل من حاولت ذبحك نائما .. حسنا سأجدها و أحضرها لك يا قائد )

رتب لينور ملابسه و تركهم ، و وسام يحاول أن يُهدئ بسيل و يقول : ( جميعا أعصابنا مشدودة ، أذهب للراحة ، لم تنم منذ أربعة و عشرين ساعة و دعنا نتولى كل شئ )

أنصرف بسيل أيضا لمكتبه و جلس فيه ، الافكار تسير في رأسه كالقطار " هل إيرين خانتهم فعلا ؟ لماذا تخونهم ؟ بالتأكيد هي تحت تأثير تهديد ، و لو هددوها لماذا لم تخبرهم ليساعدوها ؟ و ما هو التهديد الذي أوصلها لحالتها ؟ و إلى متى ستظل على تلك الشاكلة ؟ "

كانت الطعنة كبيرة و خاصة من إيرين ، لأنها لم تكن شخصا عاديا معهم بل كانت محورية جدا و أعتبرها بسيل من يمكن أن تتحمل المسئولية و القيادة بعده بالإضافة إلى ما كان يشعر داخله نحوها و ما زال في قلبه .

و بينما عقله يدور شرقا و غربا طرقت جوزفينا الباب و أستأذنت للدخول و سمح لها بسيل ، و بعد أن جلست قالت : ( أعرف إنني الجديدة هنا ، و لكن أردت أن أقول فقط إنني خائفة على إيرين بشدة و لا أصدق إنها خانتنا )

لم يجد بسيل كلاما يرد به عليها و خاصة أن الشك قد أخترق قلبه ناحية إيرين لتكمل : ( أنت يا بسيل أتخذت قرارا خاطئا أيضا و ردة فعل قوية عندما تكلمت مع المرأة التى أدعت إنها والدتك و لم يقل أحد عليك خائن )

رفع نظره لها و أكملت : ( أنا متأكدة أن الخارج وراء هذا .. إنهم يلعبون على مشاعرنا و نقاط ضعفنا القوية ليكسرونا ، لا يملكون شيئا ضدنا إلا هذا ، من فضلك يا بسيل تحلى بالحكمة و اليقظة فهناك أشياء قد تهزمنا أقوى من الرصاص و المدافع و الطائرات )

و قالت أيضا : ( لن أطيل عليك لأنك متعب و لكن أنا متأكدة إنك ستتخذ القرار الصحيح في النهاية ، أنا أثق بك منذ أن رأيتك للمرة الأولى ، يكفي إنك أخ وسام الذي طالما ساندني في كل وقت .. )

و قال بسيل بعد صمت طويل : ( شكرا لك .. أنت أيضا شخص عظيم و شرف لي إنك معا هنا )

تأثر بسيل بكلمات جوزفينا و لكن لم تغير من الشك داخله شيئا لأن الأدلة دامغة من محاولة قتله نائما لهروبها ، يتمنى أن يجد دليلا يبرأها من كل هذه التهم ..

خلال حديثه مع جوزينا دخل وسام مزعورا يقول : ( هذا اليوم لا يريد أن يمر بخير ، مصيبة كبرى تحدث الآن )

رد بسيل : ( ماذا يجري ؟ )

مرر وسام جهاز التحكم إلى بسيل و قال : ( أفتح التلفزيون و أنت ستشاهد بنفسك ما نحن فيه )

...................................................................................

سارت إيرين في الشارع متخفية ترتدي غطاء للرأس لونه أخضر و نظارة سوداء كبيرة داكنة تتجنب لفت الأنظار إليها بالنظر يمينا و يسارا و الجنود منتشرين في كل مكان يفتشون منزلا منزلا و كل المتاجر و المطاعم و المقاهي ، يلقون القبض على اي شخص يشكون فيه .

حاولت العثور على مكان تتوارى فيه عن الأنظار لتتكلم على الهاتف دون أن يراها أحد حتى وجدت حماما عموميا على اليمين دخلته و أغلقت الباب و أخرجت هاتف قد اشترته من أحد المتاجر ، و كتبت الرقم الذي سجلته على ذراعها و ضغطت زر الأتصال ليجيب نفس الشخص الذي حدثها المرة السابقة و يقول : ( أنسة إيرين .. كيف حالك ؟ .. أرجو أنكي تمتلكي شيئا جيدا لنا اليوم )

تكلمت إيرين بصوت منخفض لكي لا يسمعها من في الخارج : ( لم أنجح في قتله لكن أستطيع أن أعطيكم ما تريدونه من معلومات عن طلبكم الثاني )

قال : ( حسنا لا مشكلة يمكنك أن تزودينا بالمعلومات لديك )

قالت إيرين : ( لا يمكنكم مهاجمة المدينة بالطيران ، هم يمتلكون نظاما للدفاع الجوي ، سيدمرون طائراتكم قبل أن تدخل للمدينة و صدقني لقد تزودوا بما يكفي من الصواريخ الايام السابقة .. الحل هو الهجوم البري من مكان واحد فقط .. نفق واحد لا يعلم عنه إلا قلة من الساسة لديكم من كان يدخل منه يخرج محطما أو بلا عودة ، نفق كنتم تنقولون فيه السجناء الذين تريدون محو أثرهم أو أستخراج الأعترافات منهم بطريقة معينة و للتعذيب في زنازين مونيبوليس الخاصة )

قال : ( و أين يقع بالضبط يا أنسة إيرين ؟ )

قالت : ( اسأل رؤسائك عنه يعرفون موقعه جيدا ، المهم أنه ينتهي بمبنى رئاسة الشرطة حيث هم متجمعين معا )

قال الرجل بصوت هادئ : ( شكرا لتعاونك معنا .. نحن نقدر لك هذا كثيرا )

قالت إيرين و قلبها ممتلئ بالأشتياق : ( ماذا عن أبني ؟ )

رد الرجل : ( بالتأكيد ستحصلين عليه كان لدينا أتفاق ، لكن الآن نحن لن نستطيع أن نتقابل ، عندما نقتحم المدينة و نسيطر عليها و نقضي على المسلحين ، سنخرجك بسلام من المدينة و نسلمك أبنك في يدك مع حياة جديدة مع شكرنا و تقديرنا على تعاونك معنا )

قالت إيرين : ( و متى سيحدث هذا ؟ )

قال الرجل : ( قريبا جدا .. في خلال 48 ساعة .. خذي حذرك )

أنقطع الأتصال و بقيت صورة أبنها إيفيان تُعرض في عقلها و ترسم مشاهد للقائها به و أحتضانها له و تقبيلها على خديه و تعويض كل السنين و اللحظات التي فاتتهم معا ، و بعد أن عادت للواقع خرجت للشارع لتسير في طريق طويل لا تعلم كيف ستكون نهايته بالضبط .

.............................................................................................

شغل بسيل التلفزيون و شاهد بثا من الميدان المركزي للمدينة ، مكتظا بآلاف من الناس ، وجوه غاضبة و لافتات مرفوعة تطالب بإنقاذهم من المحتلين السارقين ، و هتاف بالموت لهم و تحريرهم ، و نساء يرفعون أطفالهم الصغار و الرضع على أكتافهم ، و الحشود تزداد و ينضهم لهم المزيد من الناس .

مسك وسام رأسه و قال : ( إنهم يثورون ضدنا .. لا نستطيع أن نفرقهم و نشتبك معهم .. هذا البث المباشر يشاهده العالم كله )

قالت جوزفينا : ( لو اشتبكنا معهم و سقط ضحايا سيبدو إننا مجرمين )

أُصيب بسيل بالحيرة ، تأتيه المصائب من كل حدب و صوب ، لقد أنتصروا في معركتهم هذه و قلبوا الناس عليهم ، يحتاج الآن إلى خطة لكن لا يستطيع التفكير جيدا وهو يستمع إلى هتاف الناس " الموت للمحتلين " ، " أعيدوا أموالنا " ، " أطعموا أولادنا " .

قال إلى وسام : ( أجمع الفريق الآن .. حالة طوارئ قصوى )

أنتظر بسيل في غرفة الأجتماعات التى جلسوا فيها مع فريق التفاوض من قبل ، وصل وسام مع جوزفينا و تارا و كان لينور أخر الواصلين ، دخل بدون ألقاء التحية و جلس فقط ، و سأل بسيل عن آسر : ( أين آسر ؟ )

ردت جوزفينا : ( قال أنه مشغول جدا بفحص هاتف إيرين ، و أقترب من الوصول إلى شئ ما ، و لن يستطيع المجئ )

تفهم بسيل و بدأ حديثه للجميع : ( أنتم ترون ما يجري في الخارج ، و لا نمتلك حلا لإيقاف هذا ، و العالم أيضا يشاهد و يعتبروننا أقتحمنا المدينة مثل البنوك لسرقة المال منها )

ساد الصمت الأرجاء و بقى الجميع فمه مغلقا لا يتحدث حتى قال بسيل متعجبا : ( هل أكل الطير ألسنتكم ؟ لماذا أنتم صامتين ؟ تحدث يا لينور )

رد لينور بدون أن يرفع رأسه إليهم و ظل ينظر ليديه المتشابكين : ( ليس لدي كلام أقوله رأيي لا يعجب أحدا هنا )

قال بسيل : ( بل أنا مصمم أن أسمه رأيك أنت بالذات يا لينور )

ابتسم لينور ساخرا و قال : ( أظن أن حبيبتك هي السبب في كل هذا ، و ها هي في الخارج تضيف المزيد من البنزين على النار و تشعل الناس ضدنا أكثر )

مسك بسيل أعصابه و تكلم بهدوء : ( لماذا تنعتها بحبيبتي يا لينور ؟ )

وجه لينور نظرة ثاقبة إلى بسيل و قال : ( لأنها الحقيقة يا بسيل و الكل يعرف و يرى ذلك و يمكنك أن تسألهم ، أنت تكن لها المشاعر حتى عندما حاولت قتلك و خيانتنا و مازلت تحن لها )

تدخل وسام : ( يكفي يا لينور ، هذا ليس وقتا مناسبا لذلك )

وقف لينور غاضبا و قال بسخط : ( لن أسكت ، يجب أن تعرف يا وسام و يا جوزفينا أن إيرين رفضت الأنضمام إلينا في البداية و في يوم و ليلة عندما تحدث بسيل إليها مساءا عندا كان قلبه يدق نحوها غيرت رايها تماما و وافقت أن تأتي معنا إلى الجحيم و بينما كان القائد بسيل يوكلنا بالمهام هنا كان يحتفظ بها بجواره طوال الوقت بلا عمل.. )

قال تارا بصوت عال : ( توقف الآن عن هذا الجنون )

بقى بسيل صامتا و تغلي الدماء في عروقه و تبرز شرايين رقبته للخارج و لينور لا يتوقف عن الكلام : ( قصة الحب الصامت بينكم أضاعت خططنا كلها ، كنت دائما تدافع عنها حتى لو كانت مخطئة كالفتاة المدللة ، ها هي الآن تخوننا في الخارج ، إنها من أمريكا أكبر دول الحلفاء الجدد ، شككت أنها مرسلة كجاسوسة علينا ، و لكن عندما تحن الأفئدة و تتدخل المشاعر ينسى الأنسان واجبه .. أجبنا يا بسيل .. لماذا هي بالذات حصلت على الغرفة القريبة منك ؟ .. حتى تستطيع التسلل إليها ليلا؟ .. هل كانت تخفف ضغط اليوم عليك عندما تكونا وحدكما؟ .. )

نفذ صبر بسيل و كأن بركانا أنفجر داخله ، وجهه يتوهج كالجمر ، و عيناه تتقدان بلهيب و ملامحه متشنجة ، يخرج من جيبه الايمن مسدسا و يوجه ناحية لينور ، الواقف بشموخ قائلا : ( أقتلني الان يا بسيل .. بل أقتلنا جميعا لأجلها)

مسكه وسام من ذراعه و قال له مترجيا : ( من فضلك يا بسيل ، أنزل المسدس الآن .. سنحل الأمر بهدوء ، لن نقتل بعضنا بعضا )

تارا أيضا ترجاه : ( من فضلك يكفي هذا .. لا نريد أن نفقد المزيد منا )

و قالت جوزفينا إلى لينور بحزم : ( أظن أن وقت مغادرتك قد حان الآن )

قال لينور مع بقاء الأبتسامة التحقير على شفتيه : ( حسنا سأخرج و لكن سأخرج لأبحث عنها ، لا شئ أخر و لو وجدتها سأقضي عليها دون الرجوع إليكم ، أعتبروني لست معكم من الآن ، يمكنكم أتخاذ ما تشاؤون من القرارات بدوني .. و نصيحة لك يا بسيل أعرف إنك لن تطلق النار لأنك لا تحب سفك الدماء و لكن أعلم أنهم لا يلتزمون بتلك القاعدة و ها هي الناس تطالبهم أن يدخلوا و ينقذوهم )

فتح لينور باب القاعة و غادر و أغلقه وراءة بقوة غاضبة ، ليكون العضو الثاني الذي يختلف معهم بعد إيرين ، و بسيل يعلم في قرارة نفسه أن كل كلمة قالها لينور سليمة ، نعم هو يحبها و لكن لم يجد الوقت و لا اللحظة المناسبة ليعبر عن ذلك لها وسط كل ما هم فيه من فوضى ، و لكنه أخطأ في شئ واحد فقط و هو أن بسيل لطالما أحترم إيرين و لم يتجرأ ابدا أن يسير خلف شياطينه و يتسلل إليها ، و أن هي من طلبت البقاء بالقرب من بسيل لحمايته من أي خطر تشعر به مثلما حدث ليلة الكابوس المرعب .

ربت وسام على كتف بسيل و قال له : ( لا تحزن مما قاله .. لقد جُن و سنحل مشكلته لاحقا ، الآن لدينا مشكلة أكبر و نحتاج أن نتعاون لنخرج منها )

ألتف إليه بسيل و قال : ( أخي أريدك أن تتولى أنت مسئولية كل الجنود في الخارج .. هم يريدون حربا .. حسنا إذا فهي الحرب ، يبدو أن خطابنا السابق لم يكسبنا الأحترام منهم و الآن سنعوض ذلك .. أريدك أن تقضي على التظاهرات و كل صور التمرد في المدينة بكل الطرق الممكنة لديك .. أجعلهم يعلمون من يحكم هذه البلد )

شعروا جميعا بالخوف من بسيل بعد قول هذا ، فهم لم يتعودوا منه على أستعمال العنف و خاصة ضد المدنيين ، لا يعرفون هل هو قرار صائب أم لا ، و لكنهم لا تأتيهم أفكارا بحلول أخرى , لم يجدوا منهم سوى أن ينصاعوا جميعا لأوامر بسيل ، و يرد عليه وسام : ( كما تريد يا أخي )

غادروا جميعا القاعة و بسيل وحده تقوده أنفعالاته إلى حافة الهاوية ، طلقة رصاصة واحدة تطلق في الهواء كفيلة أن تقلب العالم كله ضده و ليس مونيبوليس فقط ، و في نفسة اللحظة تختلط مشاعره تجاه إيرين من حبه لها و بحثه عن دليل براءتها ، هو يعلم أن الأنسان لا يتغير هكذا إلا تحت الضغط الذي يطاق ، و لكن بما ضغطه عليها ؟ سؤال لا يجد له أي إجابة ، و لا حتى يستطيع أن يخترع إجابة له ، فهو في رأسه إيرين لا تملك شيئا أصلا في حياتها تبكي عليه ، فقدت كل شئ تهتم من أجله .

.............................................................................................................

من جانب أخر كان آسر لا يذوق طعم الراحة قبل أن يعرف ماذا تخفي عنهم أدى لتشتتهم فجأة ، يعيد إدخال الشفرات و الأكواد على حاسوبه لكن الأمر معقد جدا و الرقم لا يشبه أي رقم هاتف على وجه الأرض ، يسأل نفسه و يقول " هل كانت تتحدث إلى كائنات فضائية ؟ "

جرب طريقة أخرى تعلمها من زميل له في الجامعة ، طريقة قذرة في الأختراق غير الأخلاقي لكن الوقت غير مناسب لنصب محاكمة لضميره ، فالكل على شفا السقوط في الجحيم .

أدخل الأكواد و الهاتف متصل بحاسوبه ، و يكلم نفسه قائلا : " سامحني يا الله .. لقد وعدت نفسي ألا أستعمل هذه الطريقة أبدا و لكن أنا مضطر من اجل الجميع .. هذه المرة فقط )

ثم ضغط زر الأدخال و ظهرت الكثير من الأرقام و الشفرات و البيانات الغير مفهومة ، فقط يفهمها آسر الخبير و ثواني و ظهر النتيجة ، فقط أسترجاع عنصر واحد من بيانات الهاتف القديمة.

قال آسر : ( فقط واحد .. أعتقدت هذه الطريقة قوية .. أرجو أن يكون شيئا مفيدا )

فتح الملف المسترجع و وجد صورة ولد صغير في الرابعة أو الخامسة من عمره ، لا يعرف من هو و لا يعرف كيف يستفيد بالصورة التى وجدها ، ليس أمامه سوى الأتصال ببسيل للتصرب ، و تحدث للسوار على معصمه و قال : ( بسيل هل تسمعني ؟ .. لقد أستطعت استرجاع شيئا ما من هاتف إيرين هل ستأتي أم أتي أنا إليك ؟ )

رد بسيل بعد لحظات : ( أنا معك يا آسر .. هذا رائع .. تعال أنت أفضل ، أنا في أنتظارك )

و بسرعة جمع أجهزته ، و قاد سيارته متوجها إلى مقر قيادة الشرطة و في الطريق لم يفهم لماذا الجنود تترك أماكنها و حواجزها و يتحركون إلى وسط المدينة ؟ و لماذا المدينة خالية ؟ يفكر ماذا حدث خلال فترة خلوته مع نفسه كل هذا الوقت ، مصيبة جديدة حلت عليهم .

عشرون دقيقة استغرقها آسر للوصول إلى بسيل و دخل عليه يزف له الأخبار و قال : ( وجدت شيئا و هو ما أستطعت الوصول إليه بعد كل هذه الساعات و 29 كوب قهوة .. أتمنى أن تفيدنا )

عرض آسر صورة الطفل الصغير على الشاشة و قال : ( أتعرف من هذا ؟ )

تأمل بسيل الصورة جيدا و قال : ( لا أعرف من هذا .. ما علاقته بإيرين ؟ )

قال آسر بخيبة أمل : ( أنا أيضا لا أعرف .. لكن هذا ما أستطعت إليه أقسم لك )

هون بسيل على آسر و قال : ( أعرف إنك بذلت جهدا كبيرة .. أحتفظ بالصورة ربما نحتاج إليها .. لكن ما أعرفه أن هي لم تمتلك أي أقارب أو عائلة .. جميعهم ماتوا )

قال آسر محاولا محو خيبة أمله : ( أعدك سأكتشف من هذا ، و لن أتوقف حتى أجد شيئا جديدا .. ماذا يجري ؟ )

رفع آسر صوت التلفاز و هو يشاهد جنودهم يستعملون سيارات الأطفاء لضخ المياه على المتظاهرين و تفريقهم و إلقاء القنابل المسيلة للدموع عليهم مستعملين أيضا الرصاص المطاطي غير القاتل .

قال آسر بإرتباك : ( ما هذا يا بسيل ؟ ماذا حدث خلال غيابي ؟ )

شرح له بسيل و قال : ( تجمع الناس ليثوروا علينا في ميدان المدينةالمركزي بعد خطاب الخارج ، و كان علينا أن نتعامل بيد من حديد معهم ليعرفوا من يقود هنا )

قال آسر بتوتر : ( لكن الجميع سيكرهنا الآن و ليس هم فقط .. نحن نثبت لهم كلامهم )

ساعد بسيل آسر على الجلوس و قال : ( من فضلك أهدأ .. تحول الوضع الآن إلى حرب بيننا و بينهم ، نعم أنتصروا في هذه المعركة ، لكن الحرب سجال و المعارك القادمة طويلة و كثيرة )

شاهد بسيل برعب ما يحدث و قال : ( لكننا أتفقنا ألا نسفك دماء أحد مهما حصل )

رد عليه بسيل ببرود : ( و أين الدماء التي تسفك ؟ نحن نفرقهم بالماء فقط )

جلس آسر علي الكرسي يشاهد الأحداث بإحباط شديد ، لقدأصتدموا جميعا بحائط أسمنتي غليظ أولا يتفرقون واحدا تلو الأخر و ثانية يكسرون قواعدهم الصارمة ، و وضع راسه بين كفيه كأن أحدهم قد قطع خيوط الأمل الي طالما تكلموا عنها سابقا بسكين أو أنهم بنوا قصرا من ورق و من ثم جاءت الرياح .

لقد تواطأ العالم كله ليدفعهم إلى قاع بلا قرار و ها هم نجحوا بدرجة أمتياز مع مرتبة الشرف و بعدها سيواجهوهم في ساحة قتال خاسرة ، و لن يكون هناك أحد يبكي على الأطلال .

.......................................................................................

في غرفة مراقبة الكاميرات الخاصة بالشرطة التي سيطروا عليها ، طلب لينور من الجندي المسئول تشغيل كل الكاميرات الموجودة على كل الطرق التي توصل إلى مبنى الشرطة ، ساعات من البحث حتى حل الليل عليهم ، يعيد هذا المشهد و يشاهد ذاك عدة مرات ، يعرض زوايا مختلفة ، يراجع شرائط مترو الأنفاق و المحال اتجارية حتى وقعت يده على شريط صور الثانية ظهرا لأمرأة تدخل لشراء هاتف محمول ، لمحها على الشاشة بالصدفة بنظره الثاقب .

قال لنفسه : ( من قد يشتري هاتفا و خطوط الأتصال أصلا مقطوعة )

طلب من الجندي الاقتراب أكثر لكن لا يوجد زوايا أخرى و المرأة تظهر من ظهرها ، أعاد دخولها و خروجها من المتجر عشرات المرات حتى لاحظ الحذاء الذي ترتديه هو بالضبط النوع و الشكل الذي يستعملوه كذلك ، حذاء أسود برقبة عاليه قليلا مع كعب ثميك ، و كلما أقترب بالصورة أكثر تأكد أكثر .

السعادة كانت كالنار تشتعل داخله ، أخيرا وجدها ، أخيرا سينتقم لخيانتها لهم و إفسادها حلمهم ، أخيرا سيحرق قلب بسيل عليها أنتقاما لمعاملته له بسببها ، أخيرا سيأخذ حقه .

تابع سيرها و دخلوها الزقاق و الشارع التي سارت فيه بعد ذلك عبر الكاميرات الموزعة على الطريق ، و أمر بأحضار اسم الشاره و المنطقة و كل شئ يرتيط بهذه المنطقة و ما يحيطها كذلك ، و طلب من الجندي أن يتواصل مع المجموعة السابعة ليبدأ مطاردة فريسته الثمينة .

في تلك الأثناء و كلا منهم يغني على ليلاه ، كان الحلفاء الجدد و دول الردع قد جهزوا جيشا صغيرا لأقتحام مبني الشرطة من النفق الذي أخبرتهم عنه إيرين ، يسيرون تحتهم ببطئ شديد ، أصوات أقدامهم محكومة بإيقاع واحد، مدروسة بدقة حتى لا يتردد صداها عاليًا في الجدران الخرسانية ، يستعدون أيضا للأنقضاض عليهم ، صفوفا متراصة تسير معا ، و البنادق معلقة على صدورهم ليقضوا على هدفهم في الوقت المناسب ، و فوقهم مباشرة كانوا أعدائهم غير مدركين لما يجري تحت اقدامهم أن تحتهم قوة كاملة تتقدّم في قلب الأرض، صامتة، مستعدة للانقضاض ساعة الأوامر .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة