قبل ستة عشر عاماً
صعد بسيل الصغير درج منزلهم بسرعة و ذهب إلى أبيه يبكي و يقول له : ( أبي ، هناك فتى يريد ضربي في الشارع )
نظر إليه أبيه و قال و أمه تجلس تستمع لهم : ( و أنت .. ماذا فعلت معه ؟ )
رد بسيل و هو يمسح دموعه : ( لقد هربت منه .. أنه أكبر مني )
تدخلت الأم و قالت بقلق : ( أذهب و تصرف و أجعل الأخرين يبتعدون عنه )
ألتفت إلى زوجته و قال : ( و عندما أفعل ذلك ، هل سيمنعهم من مطاردته من جديد ؟ .. يجب أن يعتمد على نفسه )
مسكه والده من ذراعيه و قال له ناصحاً : ( أذهب إليه و لا تخاف ، و إذا ضربك رد له الضربة مرتين .. )
غضبت الأم من كلام الأب و تحدثت أمومتها : ( ما الذي تقوله إلى إبنك يا رجل ؟! أبحث عن أهالي هؤلاء الأطفال و أجعلهم يُبعدون أطفالهم عن طفلي )
تجاهل الأب كلامها و عاد يُحدث بسيل و قال : ( لو ضربك و لم ترد له الضربة ، سيستضعفك و سيعود و يفعلها من جديد ، و لكن عندما يعلم إنك لن تصمت و تواجهه حتى لو ضربك سيخاف أن يواجهك )
سأل بسيل ببراءة الأطفال : ( و ما سيمنعه من ضربي من جديد طالما نجح أولا ؟ )
أجابه أباه : ( لأنه سيعلم إنك ستقف أمامه في كل مرة مهما كان و لن تكون خائفاً ، و هو يريدك خائفاً ، و سيخاف أن يُكرر ذلك مجدداً لأنه سيعلم أنك ستهزمه و تحرجه في أحد المرات )
تدّخلت الأم من جديد و شدت صغيرها من بين يديه و قالت : ( هذا ما تُعلمه لأبنك ! .. أن يتشاجر و يضرب الناس )
قال الأب بعد أن عاد لمشاهدة الأخبار : ( أنا أُعلمه من أجل المستقبل .. العالم و الناس لن يرحموه ، و سيأتي يوم و سيكون عليه مواجهة العالم كله )
خطف الوالد نظرة سريعة إلى بسيل قال فيها له : ( أستمع لي ، لا تُظهر خوفاً حتى لو كانت النتيجة أن تُصيبا بعضكما)
أخذت الوالدة بسيل من أمامه لتُطعمه و لا يسمع المزيد من النصائح عن العنف ، و بسيل يريدها أن تترك يده و يعود إلى أبيه ، حيث وجد عقله يتقبل كلام أبيه لمواجهة الحياة و الناس ، و أشعل داخله حماسة أراد من خلالها أن يعود للشارع و يُثبت لأبيه أنه ليس خائف من أحد ، و لكن أُمه أصرت على عدم النزول للشارع و اللعب فيه و خاصة مع أقتراب الدراسة و أنتهاء أجازة الصيف ، مما أغضبه كثيرا و وقتها لم يستطع إبداء أعتراضه لها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المنزل الأمن في القاهرة حيث يختبئ بسيل و لينور ، يسمعون صوت طرق شديد على الباب ، فيخرجون من غرفهم في هدوء يمشون على أطراف أصابعهم ، يشير له لينور ألا يضيئ المصابيح ، و الشخص في الخارج لا يتوقف و يزداد ضرباً بشدة على الباب حتى تكلم و قال : ( أفتح يا بسيل .. لا يمكنك الأختباء .. أعرف إنك هنا )
حلل بسيل الصوت الأنثوي الذي يتكلم و خُيل إليه صوت شخص يعرفه منذ فترة قريبة ، و ظل يقترب من الباب ليسمع بإنصات أكثر و هي تقول : ( أفتح قلت لك .. أنا وحدي ، ليس معي أحد )
ميزت أُذنه الصوت و يُحتمل أنه صوت هميس المحققة القديمة ، و لكن عقله تسائل ، هل هذا يُعقل ؟ ، هل من الوارد أن تظل على قيد الحياة حتى الأن ؟ )
تناول بسيل سكيناً على الطاولة و كذلك فعل لينور و طلب بسيل منه الهدوء و مد يده ليفتح الباب ببطئ ، لتدخل المرأة منه ثم يشعلون مفتاح الكهرباء و تضيئ المصابيح و يرى بسيل هميس تقف أمامه حية تُرزق مصابة بكدمت و ملابسها بالية ممزقة من هول الأنفجار ، هم بسؤالها بحزم و هم يلوحون بالسكاكين نحوها: ( ماذا تفعلين هنا ؟ كيف عرفت مكاني ؟ و ماذا تريدين ؟ )
رد عليهم غير مهتمة بالسلاح الذي يحملوه : ( لا تقلق لست هنا لأذيتك ، و نجوت بعد أختبأت أسفل المنصة الكبيرة ، و عرفت مكانك بتلك الطريقة ... )
أقتربت منه كثيراً و هم لا يُنزلون أيديهم مهددين لها ، و مدت لهم يدها و قال إلى بسيل : ( أعطني سكينك و مد لي ذراعك )
نظر بسيل إلى لينور الذي رفض ذلك الأقتراح و قالت هميس بهدوء : ( ثق بي من فضلك )
أحس بسيل بشئ غريب و مختلف في نبرتها فجازف و أعطاها سكينه و جعل ذراعه مستقيماً ، و أتجهت هميس إلى أعلى الذراع و لينور مُستعداً لمهاجمتها لو أضرت بسيل بشئ ، و صنعت فتحة صغيرة فيه و غرست طرف السكين قليلاً للداخل و أخرجت حبة صغيرة تُنير بضوء أخضر و كسرتها تحت قدميها و قالت : ( هذا جهاز تتبع وضعناه فيك ، و لحسن حظك لا أهتم بك الأن بعد فعلتك الشنيعة )
أخذ بسيل السكين من يدها أحتياطياً و قال : ( لقد فعلت الصواب ، قضيت على رأس الأفعى ، سبب الحرب )
أقتربت منه و وضعت عينيها أمام عينه مباشرة و قالت بإمتعاض : ( لقد أضعت فرصة لا تتكرر للسلام أيها الوغد )
لكمته هميس على وجهه و لم يرد بسيل الضربة لها و حاولت فعلها مرة أخرى لكن لينور وقف حائلاً بينهم و صد قبضتها و قال : ( ربما بسيل يمتلك من اللباقة ما يجعله لا يضرب النساء ، و لكنني لا أملك هذا السلوك )
تراجعت هميس للخلف و قالت : ( إذا ما خطتك الأن ؟ الحرب لم تنتهي ، و مونيبوليس دُمرت و مُسحت تماماً )
رد لينور نيابة عن بسيل : ( لا تقلقي ، نملك خطة من أجل هذا )
قالت هميس إلى بسيل بلهجة مختلطة بين التوسل و الرجاء : ( ما فعلته لن يٌوقف الحرب أبداً يا بسيل ، بل سيجعلها مستمرة إلى أجل غير معلوم )
جلست هميس على الكرسي القريب منها و أخذت أنفاساً متعبة و قالت : ( أنت مُستغرب لماذا أتيت إليك هنا ؟ ، لأنني كنت مؤيدة لك في البداية عندما كانت نواياك صافية و عارضت كل مرة كانوا يريدون القضاء عليكم ، لكن الآن لا ، لقد ضعنا جميعاً )
جلست خائبة الأمل و جلس بسيل أمامها و قال : ( أنا من سببت هذا و أنا المسئول عن إيقافه ، و لو أردتنا نحقق ما كنتي تؤيدينا من أجله سابقاً ، نحتاج منك خدمة صغيرة )
أستمعت إليه بحرص و قالت : ( ماذا تريد مني ؟ )
صمت قليلاً و قال : ( نحتاج أن تجدي لنا طريقة لنعود إلى مونيبوليس في أقرب وقت ممكن )
أبتسمت ساخرة و قالت : ( هذا مستحيل ، لا يوجد مكان أمن للذهاب هناك جواً و براً )
قال لينور : ( وفري لنا طائرة فقط و لا تقلقي بشأن المكان الأمن ، نحن نعرف المدينة أكثر ممن عاشوا فيها )
فكرت لبعض الوقت و قالت : ( يوجد طريقة غير مضمونة مائة بالمائة و لكن سأقولها لكم بشرط )
قال بسيل : ( و ما هو هذا الشرط ؟ )
قالت بلهفة : ( أن تصحبوني معكم إلى هناك ؟ )
وافق لينور و تباعاً وافق بسيل و قال لها محذراً : ( موافق و لكني لست مسئول عن سلامتك هناك )
مدت يدها إليه و قالت : ( موافقة .. )
تبادلا السلام بالأيدي و قالت : ( يجب أن نتحرك الأن بسيارتي للمطار ، طائرات المساعدات ستنطلق بعد ساعتين و بعدها سيتم إغلاق المجال الجوي تماماً ، و بتهديد الطيارون سنذهب إلى أي مكان .. هيا )
قام بسيل من مكانه و أرتدي قبعة هو و لينور و نزلا و قبل أن يركبا السيارة قال بسيل : ( كاميرات المراقبة منتشرة في كل شارع )
ردت واثقة من نفسها : ( إنها سيارة دبلوماسية لا تُراقب و لا يمكن أن يتتبعها أحد )
قال لينور بحيرة : ( كيف نجت هذه السيارة من الإنفجارات ؟! )
قالت له بحدة : ( لأنها لم تكن هناك و أنتم تدمرون المكان )
أنطلقت بسرعة طبيعية على الطريق حتى لا تٌلفت لها الأنظار ، فربما كاميرات المراقبة التي تتجاهلها تُركز معها لو رأت منها تصرفاً غريباً ، و لينور و بسيل بقيا صامتين طوال الطريق حتى وصلا المطار و على الباب طلب الأمن منها أوراقها و رخصة السيارة ، و أخفض بسيل قبعته قليلاً لأخفاء و جهه .
ما إن رأى أوراقها أعطاها تحية عسكرية سريعة و سمح لها بالمرور مباشرة ، و أتجهت إلى أحد الممرات الخاصة التي لا يُسمح لأحد الدخول فيها و نزلا جميعاً و سألتهم : ( أي طائرة تختارون ؟ )
خمس طائرات كانوا مصطفين معاً ، و قال بسيل : ( أي واحدة ، لنختر من في المنتصف )
و أستقلوها جميعاً سراً ، و أنتظروا حتى أقلعت و أرتفعت في السماء بين السحاب ، و بعد أن تأكدوا أن كل شئ يسير حسب الخطة ، أخرج لينور سكين صغير من جيبه و خريطة مطوية و أقترب من كابينة الطيارون و طرق الباب و بسيل و هميس خلفه ، و فتحوا له الباب ليجد مساعد الطيار لينور يتجه بالسكين نحو رقبته و يقول : ( لا وقت لكلمات الترحيب ، إما أن نموت جميعاً بقتلكم أو تنفذوا كلامنا )
شعر الطيارون بالفزع و الفجأة من وجود أشخاص غرباء فوق الطائرة و للحفاظ على حياتهم فتح الطيار الخريطة و قال له لينور : ( عدل مسارك و توجه إلى المكان المُشار إليه بدائرة حمراء )
تكلم الطيار بخوف و أرتباك : ( لكن هذا المكان في مونيبوليس ... و هي منطقة حرب لا يدخل أو يخرج منها أحد ... قد يُسقطنا أحد الجانبين لو دخلنا المجال الجوي لهم )
أخذ لينور جانباً و أشار بإصبعه نحو بسيل و قال : ( هل رأيت هذا الرجل في التلفزيون من قبل ؟ لو رايته ستعرف إنه القائد هناك و بطل كل هذا و تصريحك للدخول و الخروج من المدينة بأمان )
تعرف الطيار على بسيل جيداً فهو أشهر شخص في العالم منذ فترة ، و تحت التهديد رضخ الطيارون مجبرين على ذلك ، و قبل أن يخرجوا وجه لينور تحذيراً لهم قائلاً : ( أي تصرف متهور ستكون عواقبه سيئة على الجميع )
جلس كلاً منهم في جانب في أنتظار اللحظة حيث سيتجمع الفريق كله في ظروف لا اشد خطراً منها خاصة بعد الخطة التي أعدها بسيل في رأسه و سيعرضها عليهم ، و أيضاً أشتياقه لرؤية إيرين مرة أخرى و صورتها التي لا تفارق عقله و قلبه أبداً .
أقترب الطيار بحذر من لينور و أيقذه من غفوته ، و عندما فتح عينيه قال له : ( لقد دخلنا مونيبوليس بأمان طبقاً للمسار الذي قلته لي )
دلك لينور عينيه و قال للطيار : ( هل واجهت أي مشكلة ؟ )
أجابه : ( لا سيدي كان الأمر سلساً )
قال له : ( خذ نفس المسار عند العودة أيضاً )
كان لينور قد حدد له مسار أمن بعيداً عن أسلحة الدفاع الجوي و الرادارات ، و قام لينور بإيقاذ بسيل و هميس و أمرهم بربط أحزمة الأمان جيداً أستعداداً للهبوط ، و بينما ينظرون من نافذة الطائرة وجدوا ظلام و كأنهم في الفضاء ، لا يرون الأرض أو شئ .
هبطت الطائرة أخيراً بعد رحلة أستمرت خمس ساعات ، و فُتح باب الطائرة و نزلوا منها و لمست أرجلهم الأرض ليتفاجئوا بصوت معادن يتحرك و أحتكاك ذخيرة و كما لو أن أسلحة تُوجه نحوهم ، و نقاط حمراء من قناصة على أجسامهم مُصوبة عليهم .
صرخ لينور سريعاً قبل أن يطلقوا النار عليهم : ( لا يُطلِق أحد النار .. أنا لينور و معي بسيل )
تقدم أحد الحراس و أشعل مصباحاً في وجه لينور و عندما تعرف عليه أستقام في وقفته أحتراماً له و قال : ( أسف سيدي .. مرحباً بعودتكم أيها القادة )
دلهم الحارس على المدخل المؤدي إلى النفق أسفل الأرض ، كانت فتحة صرف مجارير يتدلى منها سلم لمسافة 10 أمتار ، و أستغرقوا دقائق حتى وصلوا إلى نهايته ، و وجدوا ما يشبه غرفة أجتماعات مع طاولة مستديرة في المنتصف و الشموع تضيئ المكان ، و لا أحد موجود .
سأل بسيل : ( أين أختفى الجميع ؟ )
مر ثواني على سؤاله و أنفتحت أحد الأبواب و دخلت منها إيرين ، رأتهم الشحوب و المعاناة و قالت بفرحة : ( بسيل ، لينور لقد عدتم أخيراً )
قالتها إيرين و كأنها عادت من الموت ، أرادت أن تُشعل الأجواء فرحاً و لكن الظروف لا تُساعد ، توافد البقية و قدموا التهّاني و الترحيبات الحارة بهم ، لأول مرة يحدث لهم شيئاً جيداً و هو تجمعهم من جديد .
قال بسيل في أول كلام لهم : ( أعتذر عن كل ما حدث ، و ما عانيتموه بسببي ، و علينا جميعاً أن نجلس لنضع نهاية و حداً لكل هذا )
جلسوا جميعاً حول الطاولة المستديرة إلا هميس التي لم تجد مكاناً بينهم فتسائلت لورين : ( و من هذه ؟ )
وقفت هميس بذهول ، لا تصدق إنها تقف بين من غيروا العالم و مجرى الحرب ، و رد بسيل : ( هميس .. ساعدتنا للوصول إليكم ) دار برأسه لهميس و قال : ( أنا أسف يا هميس ، و لكنك لا تستطيعي حضور هذا الأجتماع معنا )
هزت هميس راسها و قالت : ( نعم .. نعم أتفهم ذلك )
قال لها ريان : ( لو خرجتي من هذا الباب ستجدي العديد من الغرف للأقامة ، أختر ما شئت منها )
غادرت هميس و تركتهم و بدأ الأجتماع وسط أضواء الشموع تنير محيطهم المستدير ، و أستهل بسيل كلامه : ( سامحوني على الطريقة التي غادرت بها دون إخباركم ، و لكن كان لابد منها ، و أرجو أن تكونوا قد عرفتم السبب... )
قال آسر : ( رغم الصمت اللاسلكي حتى لا يكشفوا أماكنا ، إلا إنني وجدت للطريقة لمعرفة أخبار الخارج و قلت للجميع ما فعلت في مؤتمر السلام )
أستمر بسيل قائلاً : ( العالم بدون قائد الآن ، و يصيبهم الأرتباك و الفوضى مما سيجعلهم يتخذون قرارات في منتهى الخطأ و الحمق ضدنا خاصة ، لذا يجب أن نرسم النهاية اليوم و الآن )
قالت إيرين له : ( و ماذا علينا أن نفعل بالضبط ؟ )
قال بسيل و نار الشموع ينعكس من عينيه : ( لقد قضينا على راس الأفعى ، و ما زال جسدها و زيلها تدُب فيهِ الروح ، لذا سنجمع الكل في سلة واحدة الصالح و الطالح )
قال وسام بتشّوش : ( أنا لا أفهم أي شئ ... )
سأل بسيل آسر : ( أخبرتني من قبل أن يمكن أن يدمر مفاعل كاشفيرنا النووي مدينة و لا يؤثر على بقية العالم مثل القنبلة النووية ، أليس كذلك ؟ )
رد آسر : ( نعم يمكن .. مع إزالة قلب المفاعل و إجراء بعض التعديلات ، نستطيع الحد من مدي التدمير لها )
أكمل بسيل : ( جيد ، لهذا سنقود كل الجنود إلى داخل المدينة بمعداتهم و طائراتهم ثم نفجر المفاعل ليفجر المدينة و ما عليها نحن و هم معاً ، و نتخلص من كل أجزاء الأفعى و نُخلص العالم )
أصاب الجميع الصدمة و الدهشة ، يتبادلون النظرات كأنها رسائل خفية ، حتى قطع بسيل عليهم : ( من يريد الخروج و النجاة ليفعل الآن مع من أراد من الجنود ، حتى لو بقيت وحدي سأفعلها )
أقتربت لورين من الطاولة و قالت : ( و لماذا نقتل أنفسنا معهم ؟ )
صَمَتَ بسيل صمت الحكمة ، و فكر للحظات و قال : ( لأن الحرب دائرة لا تنكسر إلا لو تغير جوهرنا و هذا لن يحدث أبداً ، لأننا هنا بدوافع مختلفة بين الأنتقام و الأمل و إثبات فكرة معينة .. الحرب شئ متكرر لن يتوقف ، و مهما كانت الحرب قاسية و لكنها ستؤدي لدفعنا نحو السلام .. الحرب مرض و خطأ يتكرر ، و أُراهنكم كلكم أن لا واحد منكم يتذكر لماذا جئنا هنا منذ البداية ، و لكن أنا أعرف جئنا بدافع سلمي لإنهاء الحرب و لكننا أرتكبنا الخطأ و سقطنا في الدائرة و أصبح ما يُهمنا هو القتال و الأنتصار ... )
سألت جوزفينا : ( أليست تلك إبادة و نهاية شريرة للحرب ؟ )
أجابها بسيل : ( هذا لن يكون عدلاً ، و لكنه الشئ الوحيد لتحقيق ما جئنا من أجله هنا ، أن ننقذ الناس من المعاناة و الأجيال القادمة أيضاً ، سنعطيهم عالماً خالي من النظامين ربما يكون جوهرهم أفضل منا ... )
سأله لينور : ( و كيف سيذكرنا التاريخ ؟ )
رد بسيل مع إبتسامة : ( التاريخ يكتبه المُنتصرون ... و هذه الحرب لا يوجد بها منتصرون ، على الأقل ستكون ضمائرنا مستريحة في العالم الأخر ... )
وضعت إيرين يدها فوق يد بسيل و قالت : ( تعرف إنني معك مهما حدث ، و لن أتركك أبداً )
تحول الموقف و كأنه تصويت على القرار حتى تكلمت جوزفينا أيضاً : ( لقد أمنت بك يا بسيل و لن أتركك أيضاً ، معك حتى النهاية )
رفع وسام رأسه و قال : ( أنا معك يا أخي )
و لينور : ( بالطبع معك منذ اللحظة الأولى .. لنقضي على الأوغاد للأبد )
تأخرت لورين في الرد ثم قالت : ( أنا معك دائما ، حتى لو كان الأنتصار الذي أتمناه منذ زمن سيأتي بتلك الطريقة )
و أخيرا ريان : ( أنا معكم كذلك ، و سيأتي يوم و يُخبر التاريخ العالم ما فعلناه من أجلهم )
بعد الأجماع وقف لينور و قال : ( الآن علينا الراحة و أيضاً ترك بسيل يستريح و يفكر )
نهضوا من أماكنهم و خرجوا إلا إيرين التي نادى عليها بسيل و جلسا معاً بمفردهما و سألها بعد مغادرة الجميع : ( كيف حالك يا إيرين ؟ )
ردت إيرين براحة مزيفة : ( بخير .. ما زلت بخير )
سألها بسيل : ( و أين إبنك الآن ؟ )
تفاجأت إيرين بسؤاله و أجابت : ( هو هنا .. في أحد الغرف )
قال لها بسيل : ( يجب أن يخرج من هنا .. لا يجب أن يبقى عندما يحدث ما يحدث ، و يمكنك الخروج معه أيضاً )
تغيرت ملامح إيرين و قالت : ( هل جُننت ؟! .. أنا أفعل ذلك من أجله ، كي لا يُعاني ، أليس هو من الأجيال القادمة ؟ )
مسك بسيل يدها و قال : ( إذاً أعطيه لهميس ، ستغادر من هنا صباحاً ، يمكنك الوثوق بها )
لم يستطع بسيل إخفاء الحمل الذي على صدره و لاحظته إيرين و قالت : ( ماذا بك أيضاً يا بسيل ؟ )
مسك بسيل يديها و شد عليهما و قال : ( هناك شيئاً أريد أن أخبرك به ، قد لا يتوفر وقتاً لأقوله لكِ )
أستعدت إيرين بعيون لامعة لكلامه حين قال : ( لا أعرف إلى متى سنعيش و لكن يجب أن تعرفي مشاعري التي لا يمكن أن يمحوها الموت .. يوجد جزء مني يريد أن يخبرك .. يخبرك إنني أُحبك بكل جزءٍ مني ، أُحبك أكثر مما أحببت حياتي .. حين فقدتك ضعفت ، أنتي من كنتِ تمنحيني القوة و الرغبة في الحياة .. حبي لك تجاوز هذا العالم لعوالم أخرى ، فحتى لو أبتلعنا هذا الجنون كله ، سأموت سعيداً لأنني أخبرتك إنني أُحبك .. حتى النهاية )
أُوردت خديها و أرتجفت يديها و أرتبكت في كلامها و قالت بحياء : ( أنا .. أنا كنت أحبك من قبل و .. حتى لو أنتهى كل شئ ، لن تنساك روحي و هي تنتظرك في الحياة الأخرى )
سحبت يدها بسرعة من بين كفيه و غادرت و أنتظرت خلف الباب قليلاً مبتسمة سعيدة ، و بسيل يعيش لحظته البهيجة و يشعر إنه حقق أنتصاراً كبيراً أكبر من أي فوز في معركة .
في صباح اليوم التالي أستعدوا للتحرك نحو مفاعل كاشفيرنا النووي و قبل أن يذهبوا وقف بسيل يتحدث مع هميس : ( لقد جهزنا لك طائرة العودة ، لن يعرف أحد بمجيئك إلى هنا ، نعرف طرقاً و لكن أطلب منك خدمة أخيرة )
ردت هميس جاهزة : ( تفضل .. أطلب ما تشاء )
خرجت إيرين و في يدها إبنها يحمل حقيبة صغيرة على ظهره بها ملابس و ألعاب و أرتدى زي جديد نظيف جهزته والدته ، و قال لها بسيل : ( نريدك أن تأخذي هذا الطفل معك ، إنه أبن إيرين .. لا يجب أن يبقى في منطقة الحرب )
قالت لها إيرين أيضا : ( لقد وضعت مال كاف في حقيبته من أجل رعايته )
قالت هميس : ( لا أحتاج للمال سأرعاه كأبن لي .. لا تقلقوا )
أحتضنت إيرين إبنها الذي قال ببراءة الأطفال : ( هل ستتركيني مجدداً يا أمي ؟ )
نزلت الدموع من عين إيرين و أجابته : ( لا يا عزيزي سأفعل شيئاً سريعاً مع أصدقائي و نكون بعدها معاً للأبد )
قال لها : ( هل تعديني أن تعودي و لا تتركيني وحدي ؟ )
أزدادت دموع إيرين إنهماراً و لم تجيب حتى بالأشارة و سلمته إلى هميس التي قالت لها : ( عندما يكبر سأخبره ماذا فعلت أُمه له و للعالم )
حاولت إيرين كتم دموعها بصعوبة و هي تشير إليه بالوداع مع إبتسامة مصطنعة ، و عندما ركبا السيارة و أبتعدا نزلت دموع إيرين كفيضان يُغرق عيونها و وجهها ثم ذهبت إلى غرفتها تختلي بها و تستعد للتحرك مع بقية الفريق لتجهيز المفاعل النووي لخطتهم الكبيرة .
على الطريق وجد آسر أخبار و فيديوهات غريبة على الأنترنت و قال مصدوماً : ( اللعنة .. ما هذا ؟ )
لف بسيل رأسه للخلف و سأل آسر : ( ما الأمر ؟ .. ماذا جرى ؟ )
أعطاه الحاسوب اللوحي و شاهد بسيل الفيديو يقول : ( جموع من البشر تترك بلدانها و تسير إلى مونيبوليس براً و بحراً و ذلك تلبية لنداء قائد المنشقين هناك ، الذي ظهر على بث مباشر على مواقع التواصل الأجتماعي يطلب النفور من الشعوب لوقف الحرب و تحديد مصيرهم ، و قد لبى الملايين من .... )
أستمع بسيل إلى فيديو أخر يسأل المذيع فيه أحد الناس يقول : ( سنذهب هناك لنقاتل معهم ، لنتخلص من المعاناة ، لسنا أبقار يذبحونا وقتما يشاؤون ، يجب أن نكف عن التوسل و التوسل و نحن نطلب طعامنا بينما نتشاجر بصحوننا الفارغة من أجل أولادنا ... )
أستمع إلى مرأة أخرى تقول : ( لقد مات أثنين من أولادي الخمسة سأذهب لأنتقم لمن ماتوا و أحمي من هم على قيد الحياة .... )
أنصدم بسيل من المفاجأة التى أحدثها الفيديو التلقائي الذي صنعه وقت غضب ، و بّهت و جهه و أضطرب قلبه من هول الخبر حتى سمع صوت إيرين تقول له خلفه : ( أمازلنا سنتجه إلى المفاعل النووي ؟ )
Mahmoud Ahmed