قبل أربعة أيام من السفر
(اريد أن أسألك سؤالا تارا ) ... كيف لفتاة رقيقة و جميلة مثلك تورط نفسها فى أمر كهذا .. نحن حتى لا نعرف إذا كنا سنتمكن من الخروج أحياء أو أموات
( اهو وقت أعترافات الأصدقاء يا بسيل )
أبتسم بسيل و هو يشرب العصير الذي أعدته إيرين في منزلها و قال : ( ليس كذلك و لكن ينتابني الفضول بشأنك .. نحن خسرنا القريب و البعيد و موتنا ربح لنا )
لمعت عيونها الواسعة الغارقتين بين رموشها السوداء الطويلة و سرحت قليلا و قالت : ( و ماأدراك إنني لم أخسر أيضا ؟ )
وضعت كوبها على الطاولة بيديها الصغيرة المزينتان بملمع الأظافر الوردي و تغيرت ملامحها و ركزت نظرها على مكان واحد كمن يرى رؤية ما و قالت : ( حدث هذا من تسعة أشهر تقريبا .. خلال زفافي ، أقمناه نهارا و أرتديت فستاني الأبيض و حضرت صديقاتي و كانت أختي الكبرى و الصغرى هم إشبيناتي و أمي تجلس مع أقاربنا و معرفنا تشاهدني و أبي يوصلني إلى عريسي ، و بدأنا مراسم الزفاف ... )
توقفت تارا عن الحديث و تشابكت أصابع يديها بقوة و لم تتحرك عينها إلى مكان لتقول لها إيرين : ( لا تحتاجي أن تحكي المزيد يا عزيزتي )
نظرت إليها تارا و قالت : ( بل أريد أن أكمل )
و اكملت تارا : ( أقترب عريسي مني ليقبلني قبلة الزفاف فسمعنا أزيز الطائرات يهز السماء ، كانت غارة جوية عشوائية ... يقصفون المدنيين و يهدمون المربعات السكنية .. رأينا النار و الغبار من مكاننا .. أرتفعت همسات الحضور و ظهر الخوف عليهم .. دقائق تمر و طائرة تعبر فوقنا و تلقينا بقذيفة بلا رحمة كألعاب الفيديو .. بدا الطيارين كأنهم يمرحون بذلك ... )
حاولت تارا أن تمسك دموعها و رغم هذا هربت قطرة من دموعها و سالت على خدها الأيمن ، و أنتقلت إيرين لجوارها تواسيها و تمسك يدها و تطلب منها و تقول : ( لا تحتاجي لتذكر هذه الأمور )
قالت لها مبتسمة كأنها تتوسلها أن تتركها تتخلص مما تحمله في قلبها و قطرة أخرى هربت من عينيها تسيل على خدها الأيسر : ( من فضلك تعيني أكمل )
و استمرت تارا في الكلام : ( اندهشت عندما أستعدت وعيي فى المستشفى لأجد صفا كاملا من الأسرة بجواري به أبي و أمي و عريسي و أختاي .. و الأطباء يغطون وجوههم جميعا بالأغطية لموتهم عدا أختي الصغرى ... لم يلاحظ الأطباء وسط الفوضى وقتها المريضة التى تتحرك بجبيرتها فى قدمها و تجر المحمول نحو سرير أختي الصغرى التى بقيت علي قيد الحياة ... )
أزدادت قطرات الدموع المنسالة على وجه تارا و لم تحاول إيرين إيقافها عن الكلام تلك المرة بل ناولتها منديلا تمسح به دموعها و أكملت : ( قالت لي و هي تلفظ أنفاسها الأخيرة " أوعديني إنكي ستعيشي عنا " كانت تبلغ 14 عاما )
ينهار شلالا من الدموع من عيون تارا البريئة و تحتضنها إيرين و تضمها كأختين ويترك لينور و آسر أكوابهما متأثرين ذاهبين إلى غرفهم ، و بسيل يقف خجلا أمام تارا الغارقة فى حزنها بين ذراعي إيرين و يقول : ( أنا أسف )
و يلمس كتفها بسرعة و يغادر إلى غرفته .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أستيقظ بسيل السادسة صباح اليوم الموعود و أرتدي الزي الموحد الذي سيرتديه الجميع ، قميصا رماديا بأكمام طويلة يمر عبر الصدر خطا أفقيا أحمر ليفرق بينهم و بين الجنود الأخرين الذين سيرتدون نفس الزي لكن بخطوط أفقية بيضاء مع بنطالا واسع الجيوب رمادي اللون ايضا ، و جلس على سريره يفكر كم المدة سيبقون احياء ؟ .
مرت ساعتين كدقيقتين على بسيل ثم سمع صوت لينور يصرخ و يقول : ( أستيقظوا الأن .. انهم قادمون امامنا 20 دقيقة )
خرج بسيل و ضرب لينور على كتفيه و قال بسرور : ( اليوم يومنا يا صديقي )
سأله بسيل بوجه جاد : ( هل كل شئ كما مرتب له ؟ )
- ( ألف جندي يحرسون مداخل المدينة من الأتجاهات الأربعة مع بعض الدبابات ، ثمانون فى المئة من سلاح الدفاع الجوي قد نصب و دقائق و تصل سيارتنا و نتجه للقصر الرئاسي )
خرج البقية و تجمعوا فى البهو عند البوابة الرئيسية و اعطى بسيل تعليماته إلى آسر : ( ستقود مجموعة من الرجال للسيطرة على مبني الأذاعة و التلفزيون أولا ثم تتجه مباشرة إلى مفاعل كاشفيرنا النووي ، و أترك البقية لنا )
- ( لا تقلق بسيل .. أعتبر الأمر منتهي )
نظر لينور لهاتفه و قال : ( هيا بنا وصلت سيارتنا )
خرجوا من البوابة و ركبوا في سيارة عسكرية من الصلب ذات لون أسود ، إطاراتها عريضة غارقة فى الغبار بسبب الطريق الشاق التى قطعته ، و زجاج سميك يحجب الرؤية عن من داخلها ، و سارت السيارة حتى وصلت قلب المدينة حيث اشعة الشمس الأولي تغطيها جزءا جزءا و سكانها لم يتوقعوا أن يستيقظوا على وقع دبابات تسير في الشوارع جنازيرها تشق الطريق ، و يأتي معهم سيارات لا عدد لها مدججة بالجنود كلا منهم يحمل بندقيته ، و صفوف أخرى تحيط بالمنشات العامة تسيطر عليها ، و السكان تحدق فيهم لا يعرفون ما هذا الذي يحدث ، يهربون من أمام الجنود و يركضون بلا أتجاه يرتجفون من الخوف ، أختفوا خلف ما يستطيعوا الأختباء خلفوا ، أبواب نصف مغلقة ، و ستائر ترتجف خلف النوافذ و رجال يغلقون متاجرهم و يهرولون إلى اسرهم للمنزل ، و صرخات متقطعة من النساء و اطفال يبكون وهم لا يعرفون لماذا يبكون، لكنهم رأوا الرعب في أعين الكبار فبكوا.
المدينة بدت كانها تصلي " يا رب .. لا يبدا الموت لدينا أيضا "
صرخ لينور من الفرحة و هو يرى المدينة تسقط بين أيديهم و قال : ( الحلم يتحقق .. الحلم يتحقق )
بينما الجميع يحتفل معه كان بسيل يراقب من نافذته رجل عجوز مرت السيارة بجواره يحمل عكازا يدفع زوجته المسنة للدخول إلى المنزل و كاد يتعثر في طريقه ، و فتاة تبدو ابنتهم من وراء زجاج تمسك برغيف خبز و يداها ترتجفان حتى سقط ، أراد ان ينزل إليهم بسيل و يقول لهم " لسنا هنا للحرب، لكننا لن نسمح بها "
وصلوا بعد دقائق الى القصر الرئاسي مقر الحكم باعمدته الشاهقة و بوابته الحديدية العملاقة ، و في مشهد مهيب يسير بسيل و بجواره زملائه و خلفهم صفين من الجنود يصعدون سلالم القصر و يزيحون حراسها من أمامهم و يكسر لينور الباب و يدخلون ببنادقهم متجهين نحو مكتب الرئيس مارين ببهو دائري واسع جدا بحجم ملعب كرة قدم تقريبا ، يفتحون الباب عليه و لحظهم الحسن كان مجتمعا بوزراء الدولة معه ، نهض الرئيس من كرسيه عندما رأهم و قال : ( ماذا يحدث ؟ من أنتم ؟ أين الحراس ؟ )
سادت الفوضى القاعة سيطر عليها توجيه الجنود البنادق الى رؤوس الوزراء و الرئيس ثم أقترب منه بسيل و قال : ( سيدي الرئيس نحتاجك أن تهدأ ، لسنا هنا لشر ، ستعرف كل شئ )
أرتفع صوت الرئيس أكثر و قال : ( أنتم أرهابيون .. أين الحراس ؟ )
ضاق لينور زرعا بهم فأمر الحراس بأخذهم و أحتجازهم رافعين أيديهم لأعلى تحت تهديد البنادق .
تكلم بسيل في ميكرفون موجود في سوار فى يده : ( آسر هل كل شئ جاهز ؟ )
رد آسر : ( نعم يا قائد .. كل شئ تحت السيطرة .. ساتجه الآن إلى المفاعل )
سألته إيرين و هي تعلق بندقيتها على كتفها : ( ماذا سنفعل الآن بسيل ؟ )
رد بسيل و هو يعرف أنه يجب أن يواجه العالم الآن حقا : ( سنتحدث إلى الناس لنخفف من خوفهم و الفوضى )
أمر لينور أحد الجنود بأحضار الكاميرات و أجهزة أرسال الأشارة و قد ترك آسر عدة جنود للعمل من مبنى التلفزيون لتجهيز البث و بدأ بسيل يتلو و يسترسل أول خطاباته لشعب مونبيبوليس يقف عل يمينه لينور و تارا و يساره إيرين بدون اسلحة : ( أيها الأهالي ... سكان مدينة مونيبوليس ... نعلم أنكم خائفين ، و أن المشاهد التى حدثت اليوم في شوارعكم أفزعتكم و حركت فى عقولكم مشاهد موجعة تحدث حولكم في العالم .. و لكن نقول لكم نحن لسنا هنا لكي نغزوكم ، نحن لسنا جيش أحتلال ، نحن أتينا من أجل الأستقرار .. جئنا لنحاول أن نطوي صفحة الحرب المشئومة التى اشتعلت و محت أحلام الصغير و الكبير ، قواتنا ليست هنا عبثا بل لأن انتم قلب العالم النابض بأموالهم و ذهبهم و معادنهم الثمينة ، نريد أن نضع للحرب أوزارها ، و لتعرف كل القوى المتحاربة في العالم أن كل شئ هنا فى قبضتنا ، ثرواتهم في يدنا ، نريد أن نرسل رسالة إلى كل زعيم و رئيس و قائد جيش لو أردتم السلام .. فأوقفوا هذه الحرب فورا ، لكننا لا نتسامح مع من يقف في طريقنا. كل دقيقة يتأخر فيها رد العالم، تقترب العواقب... وعواقبنا لا يقدرها أحد بثمن ، اصبحتم معنا في قلب الحدث و أصبحنا جميعا جزءا من رهان كبير ، رهينة لسلام أعظم ، أفهموا جيدا أهالي مونيبوليس نحن لسنا أعدائكم ، و خوفكم هو طبيعي ، نعم لا يقارن بخوف أخرين تمطرهم القنابل يوميا و لا يعرفون سيعيشون اليوم أم لا ، و أخرين يعيشون في منازل خشبية و خيام من القماش لا يحقق لهم الدفئ ، و لا خوف أم على أطفالها الجياع الذين لا يجدون لقمة وسط التراب بسبب مجاعة سببتها الحرب اللعينة ، و لا تشعرون بألم شخص فقد عزيز عليه لأنه فقط لا يجد له مكانا للعلاج لأن الطائرات قصفت المستشفيات انتقاما ، أنتم لا تعرفون صوت الألم و لا شعور العذاب و لا رائحة الموت بالرغم من ذلك من كان في بيته سيظل أمنا فيه ، و من كان يملك مصدر رزق فالحياة ستسير كما كانت قبلنا ، لن يمس طفل و لا أمرأة ، لن تهدم حجارة ، و لن تسفك الدماء ، تنفسوا الطمأنينة ... و غلى كل زعماء العالم نحن نتتظركم لنتكلم عن عهد جديد قادم ، عهد لا يعلو فوقه إلا صوت السلام )
أنقطع البث بعد الخطاب المؤثر الذي ألقاه بسيل و بث على كل القنوات حول العالم ، و أذاعته كل نشرات الأخبار ، و وضعت إيرين يدها على كتف بسيل و عيناها تلمع بدموع تمنعها من النزول بعدما تأثرت بكلماته النابعة من أعماق أعماق قلبه ، قلب شخص ظلمته الحياة و ورطته في حرب لا ناقة له فيها و لا جمل .
وقف لينور أمام بسيل و سأله حاملا بندقيته من جديد : ( ما التالي يا قائد ؟ )
فكر بسيل قليلا و قال : ( أغلق البنوك لأجل غير مسمى .. علق كل العمليات المالية و التداول في البورصة ، و أتصل بآسر هل أنتهى من مهمته أم لا ؟ سيتصلون بنا في أي وقت )
رفعت تارا صوت التلفزيون على أحد نشرات الأخبار التي تقول : ( أقتحم مجموعة من المسلحين مع عدد من القوات التى تقدر بالالأف مدينة مونيبوليس ، مسيطرين على المنشات الحكومية و البنوك الرئيسية في المدينة ، و قد بثوا بيانا من داخل القصر الجمهوري قائلين أنهم موجودين لمناقشة سبل أنهاء الحرب مع قادة العالم ن و أعتبر الكثيرين أنه أكبر سطو تم في تاريخ البشرية منذ نشأتها ....... )
علق لينور قائلا : ( هذا جيد ، لم يتم تسميتنا أرهابيين بعد )
سألت تارا : ( هل الناس ستفهمنا و تساندنا ؟ أم سيقفوا ضدنا ؟ )
أجابت إيرين : ( و فيما سيهمنا رأيهم ، أطاعونا جيد ، لم يفعلوا سنضغط عليهم ....)
نظرت إلى لينور و قالت : ( .... و لكن بدون سفكا للدماء )
اكمل بسيل أستماعه الى مراسل النشرة الأخبارية : ( .... وردنا زميلي أن المدينة عزلت عن العالم ، محاطة بألاف من الألغام و المتفجرات ، الدخول إلى المدينة أصبح شبه مستحيلا تماما ، و قد أرسل بعض السكان صورا من الداخل لمشاهد سير الدبابات في الشوارع ما يشبه الأنقلابات العسكرية ، لا نعرف هل سيتواصل زعماء العالم أم لا ؟ ماذا يجري بالدخل تحديدا ؟ أين الرئيس و الشخصيات الهامة ؟ سنعرف هذا مع الساعات القادمة )
علق لينور : ( القنوات توقفت عن ذكر الحرب و أحداثها ... هم يتحدثون عنا فقط بسيل )
وقف بسيل من على كرسيه قائلا : ( لينور أتصل بآسر ليقطع الأنترنت عن المدينة و شبكات الأتصالات ، سنستعمل شبكتنا نحن فقط ، و أفرض حظر التجوال من الساعة السادسة حتى السادسة صباح اليوم التالي )
أبتسم لينور و قال : ( أوامرك يا قائد ) ثم ذهب لتنفيذ ما أمر منه
وضع بسيل يده على كتف تارا و قال : ( تارا أحتاجك في مهمتين الأولى ستكوني المسئولة عن سلاح الاشارة الخاص بنا من رادارات و أنذارات و اريد تقريرا عن الحالة باستمرار ... و أبحثي لنا عن خبراء في البث التلفزيوني و مخرجين و ممثلين )
مسكت يده بقوة و قالت : ( سأفعل يا بسيل )
و تركت المكتب الرئاسي و غادرت ثم سألته إيرين : ( و ماذا تريد مني أنا ؟ )
ردعليها و عليه ملامح التفكير العميق : ( أحتاجك أنتي بجانبي )
سألته مجددا : ( فيما تخطط يا بسيل بالضبط ؟ )
جلس على الكرسي أمام الطاولة و مقابلته إيرين و اضعين أسلحتهم على الطاولة في المنتصف و قال : ( أتظنين سيمر هذا عليهم مرور الكرام ؟ ، نحن جرحنا كبريائهم الآن ، هل تعتقدي أنهم سيتنازلون بسهولة لنا ، نحن فقط حركنا الحركة الأولى في لعبة الشطرنج و الأن دورهم ، النزعة للاقتتال و القتل و الحروب متجذرة في أعماق النفس البشرية منذ فجر التاريخ ، أنه موروث بدائي تغذّيه الأطماع والغرور، ويشعل نيرانه حب السيطرة والخوف من الآخر )
توجست إيرين خوفا داخلها و سألته : ( ماذا تتوقع سيكون ردهم ؟ )
- ( سيوافضونا كما تفعل الشرطة مع لصوص البنوك و سيفشل ذلك ... سيهددونا و نلقي بورقة المفاعل النووي ... سيهاجمونا بعدها ثم تشتعل نزعتنا نحن نحو الأقتتال و سيقول كل طرف أنه يحارب من أجل السلام )
- ( و هل سنصمد ؟ )
- ( أرجو يا إيرين أن يختل ميزان القوة و ينجينا إيماننا و عقيدتنا و فكرتنا و قضيتنا .. أنها مسألة حياة أو موت تتجاوز الحسابات العددية و كمية العتاد )
رن جرس الهاتف على المكت الخشبي الذهبي الفاخر ليجيب بسيل : ( بسيل معك ... أسر ...حسنا ... نحن مستعدين )
سألته إيرين بقلق : ( ماذا حدث ؟ )
أجابها بضحكة ساخرة : ( زعماء خمسة عشر دولة جاهزون للتحدث معنا الآن )
أتجه بسيل إلى الكرسي الرئيسي على مكتب الرئيس ، و أنتظرت إيرين في نهاية المكتب عند الباب ثم يضغط زر الشاشة أمامه لتظهر خمسة عشر نافذة لزعماء العالم كأنه أجتماع للأمم المتحدة كل نافذة تحتوي على أسم البلد التى تخصها .
قبل بداية الحوار أختبر السماعة اللاسلكية في يده مع آسر و جلس بكل كبرياء و عزة أمام قادة العالم مستمعا في البداية إلى أمريكا : ( مرحبا سيد بسيل .. لقد كان يوما شاقا على الجميع اليوم ، و عرضا مذهلا يصلح أن يكون فيلما سينمائيا ناجحا ، ما غرضك من وراء هذا ؟ )
أجاب بسيل و هو ممتلئ بالثقة : ( نريد نهاية للحرب العالمية الثالثة )
قالت رئيسة ألمانيا : ( و ماذا ستفعل لو لم ننهي الحرب ؟ )
تكلم في ميكروفونه اللاسلكي في معصمه لآسر : ( أعرض الصور من فضلك لهم )
عرض آسر صور تفخيخ المفاعل النووي فى كاشفيرنا المقاطعة الموجودة في مونيبوليس من الداخل و الخارج و صور من أجراءات التحكم في أنظمة التبريد و النواة .
تحولت ملامحهم لمزيج من القلق و الرعب و الفزع ، فالخطر الذي يحاولوا تجنبه يحدث بين أيادي غرباء الآن ، و تمر عقارب الساعة حتى نطق رئيس روسيا : ( أتدرك خطر ما تفعل ؟ )
أستمر بسيل يجيب بثقة لا مثيل لها : ( أدرك تمام .. نحول المفاعل إلى سلاح )
عاد ممثل أمريكا للكلام : ( أهذه إذا حربك للسلام ؟ )
رد بسيل بأجابة مختصرة و العظمة داخله: ( إنها تضحيات ضرورية سيدي الرئيس )
- ( العالم لا يتفاوض مع أرهابيين )
قال بهدوء : ( من فضلك لا تدعونا بذلك ... ألم تسمعنا قلنا لسنا طامعين أو غازيين و لن تسفك دم )
تدخل رئيس اليابان قائلا : ( تكلم مع من أشعل الحرب .. نحن ضحايا ندافع عن أنفسنا )
أجابه بسيل : ( حسنا .. ليبق فقط من اشعل الحرب و يغلق الباق الأتصال )
لم يغلق أحد شاشة الأتصال ، ليكمل بسيل : ( هل تعرفون ما يثير السخرية ؟ أن هذه النزعة الدموية فينا دائما ما نجدد مبررات لتغذيتها في أنفسنا و نفوس شعوبنا فتتطور لديهم غريزة البقاء فيتحولوا إلى ألة قتل جماعي في جيوشكم )
تحدث رئيس فرنسا : ( أنت ستثير الفوضى و تخل بنظام عالمي و تضع نفسك في ورطة .. أنت لم تؤذ أحد للحظة لو تراجعت الآن سنوفر لك ملاذ أمن بعيدا عن كل هذا .. نحن نفهمك )
ضحك بسيل مطولا و هم يشاهدونه مندهشون حتى قال لهم : ( الفوضى أصلا موجودة في المشردين و أنا كنت منهم ، و الأطفال بلا أهل قتلتموهم ، و الموتى جوعا و قتلا من نيراكم .. و هل القتل يعد نظاما عالميا الآن .. و اي ملاذ أمن سأذهب عليه لقد فقدت شعور الأمن و الأمان منذ زمن طويل جدا )
عادت أمريكا مجددا : ( ماذا تريد الآن ؟ )
تكلم بسيل و هو يضع يديه فوق المكتب مشبوكتان : ( أنهاء فوري لحالة الحرب ... وأنهاء أي أحتلال )
رد عليه رئيس أمريكا : ( ما تطلبه مستحيل تماما ، لقد خسرنا مالا و ارواحا و اشياء ثمينة كثيرة لا يمكن أن تنتهي الحرب هكذا بدون تعويض ، عموما فكر قليلا لأن السكان الذين تحتجزهم رهائن لن يصبروا كثيرا و لن يرضوا بما تفرضه عليهم و سيجبرونك هم و ليس نحن على التراجع .. لقد صنعت أسوأ أعدائك يا فتى )
أغلقت أمريكا الأتصال و تلاها بقية الدول خلفها و اسرعت إيرين له تخبره : ( أشعر أن بالأمر خدعة ؟ )
سحب بسيل شهيقا طويلا و قال لها : ( سنري مع الوقت )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( أنت لا تنام ) قالتها إيرين و هي تدخل على بسيل المكتب الرئاسي و هو يراقب شروق الشمس من خلف زجاج النافذة الكبيرة خلف المكتب .
( لقد نمت قليلا ، و أستيقظت من ربع ساعة فقط ) أجابها بسيل و هو يتأكد من ذخيرته و سلاحه .
جلست إيرين على الأريكة الجلدية المريحة القريبة من الباب و وضعت ساقا فوق ساق و قالت : ( ماذا تتوقع سيحدث اليوم بسيل ؟ )
أدار لها ظهره كأنه يخفي عنها قلقه و حيرته : ( لا أعرف ، سنرى ما سيحدث و سنتصرف على أساسه )
سمعوا صوت عال يأتي من الخارج ، عندما أقترب من الباب وجدوه صوت لينور ينادي عليهم و يفتح الباب بسرعة و هو لا يستطيع ألتقاط أنفاسه مثل متسابقي الماراثون و وجهه محمر و وجهه غارق في عرقه من الرأس إلى الذقن .
سنده بسيل و سأله : ( ما الخطب يا لينور ؟ لماذا تهرول كالثور الهائج ؟ )
أجابه و هو منخفض الظهر يحاول ضبط أنفاسه : ( أفتح أي قناة أخبار الآن )
مسك بسيل بجهاز تحكم الشاشة و أختار أحد قنوات الأخبار و سمع المذيعة تعلق على فيديو به ثلاث رجال معلقين منشوقين من رقابهم يرتدون زيهم الرسمي : ( وصلتنا المشاهد التالية من مدينة مونيبوليس لثلاث جنود شنقوا و علقوا فوق جسر كاشفرينا ، و قد صورت المشاهد عبر هاتف نقال و نشرت عبر الأنترنت ، و علق بعضهم أنها لجنود من القوات التي أقتحمت المدينة يوم أمس متخذة من اهلها رهائن و لم يصلنا الغرض من وراء فعلهم حتى الآن ... )
اتسعت حدقتا عينا بسيل و قال بغضب يظهر عليه للمرة الأولى : ( أنهم جنودنا .. لقد فصلنا عنهم الأنترنت و الأتصالات .. أين آسر )
ظهر على الشاشة شخص يرتدي زيا عسكريا أسود بالكامل ملثما لا يظهر منه سوى العينين يلقى خطابا و يقول : ( أهالي مونيبوليس الأحرار ... نحن جماعة القرين .. ما زلنا نؤمن بعزتنا و كرامتنا ، و صرخنا بأعلى صوتنا ليرتجف منا المحتلون لأرضنا ... لقد وطأتم تراب بلدنا الآمن و تظنون أنكم ستخمدون روحنا .. تملكون الدبابات و الجنود و نحن نملك الإيمان و قلوب لا تحمل الخوف منكم .. سنكون كابوسك الكبير القادم .. و نعلم أنكم رأيتم إنذارنا الأخير قبل العاصفة )
غلي الدم في رأس بسيل و قذف جهاز التحكم على الحائط و كسره و صرخ كالمجنون و قال : ( اللعنة .. اللعنة على الجميع .. أين كنتم و هؤلاء يظهرون من العدم و تخترقونا )
أعاد لينور تلقيم سلاحه و قال بجدية : ( سنجدهم بسيل .. سنجد الأوغاد و سنعلقهم من أطراف أصابع أقدامهم حتى يكونوا عبرة للجميع ) و خرج مسرعا إلى المكتب ينادي على جنود للتجمع .
أتصلت إيرين بآسر تسأله كيف تسللت الصور و الفيديوهات و خطوط الانترنت و الهاتف مقطوعة و المدينة معزولة ، و بسيل يقف متسنرا مكانه ترتعش يديه و عقله في عالم أخر لا يستمع الى إيرين و لا خطوات الجنود و لينور يحشدهم و لا شئ ، أحمرت عيناه و تذكر أزيز الطائرات و هي تمر فوق سطح منزله القديم مع أمه متخيلها الآن مجددا فوق رأسه هو تتدك مبنى الرئاسة فوق رؤوسهم ترديهم جميعا قتلى .
Mahmoud Ahmed