الفصل السابع عشر

الفصل السابع عشر

14 0

قبل الهجوم بيومين :

دخلت أمرأة على إيرين في خيمتها بعد أن تركت الأجتماع الخاص من أجل التخطيط لأنقاذ إبنها ، و نادت عليها لترفع إيرين رأسها من بين كفيها و تقول : ( من أنتي ؟ و كيف تدخلين خلسة علي هكذا ؟ )

أقتربت منها قليلا و قالت : ( أنا هنا من أجل مصلحتك ؟ )

قالت إيرين بصوت ممتلئ باليأس و الضياع : ( لا أحتاج شفقة أحد ، يمكنني تولي أمري بنفسي ، شكرا لكم )

جلست المرأة على الكرسي القريب من إيرين و قالت : ( و من يعطيكي فرصة تعويض كل شئ بنفسك و بدون مساعدة أي أحد و لا شفقة )

أعتدلت إيرين في مجلسها و قالت : ( ماذا تقصدين ؟ )

قالت المرأة و إيرين تنصت لها بتمعن : ( سنهجم هجوما كبيرا على مونيبوليس ، و قد يجعلنا ندخل بشكل مباشر في الحرب ، لكن دخول المدينة الآن مستحيل و نحتاج مساعدة بالداخل )

لم تفهم إيرين كل كلام المرأة و صمتت لكي تكمل لها : ( لدينا أحد في الداخل لكن أردت أن أجازف لكي تحصلي على أبنك )

زاد تركيز إيرين معها أكثر و سألتها : ( و كيف أحصل عليه ؟ هل هذا ممكن ؟ )

أبتسمت المرأة و قالت : ( بكل تأكيد ، ستطلبين منهم مقابلتهم و إفشاء سرنا كله مقابل أن يعطوك إبنك و هناك من سيتولى كل شئ ، المهم أن تقرأي هذا الملف و تحفظي ما فيه عن ظهر قلب )

أعطتها ملفا أزرق اللون ، و سألت إيرين : ( ما هذا الملف ؟ )

رد على إيرين : ( هذا الحاجز بيننا و بين مونيبوليس ، يجب أن تصلي لهذا المكان في الوقت المحدد لك هنا و تتبعي الخطة بالضبط ، و تغلقي إمكانية تشغيل فخاخهم في المدينة )

قرأت إيرين ما في الأوراق و بدأت تشعر بالقلق و قالت : ( هذا أمرا صعبا جدا ، و من هذه المرأة التي سأقابلها ؟ )

وضعت يدها على كتف إيرين و قالت : ( لن تقابليها ، بل هي من ستأتي إليك خصيصا ، و إسمها لوجين )

أغلقت إيرين الملف و قالت : ( و كيف تعرفيها ؟ و هل تثقين بها ؟ )

ردت عليها متأثرة دون أن تنظر في عينيها : ( أثق بها أكثر من نفسي لأنها ... لأنها أختي )

لم تتكلم إيرين و قد أعادت الأخرى النظر إليها و قالت : ( عندما ترينها بلغيها سلامي .. و كم أشتقت إليها )

- ( سأفعل و لكن أنتي لم تخبريني من أنت ؟ )

وقفت تستعد للخروج و ردت عليها : ( أنا لورين ، واحدة من العالم تعرضت لظلم و ابحث عن أنتقام قديم )

خرجت مسرعة من الخيمة و تركت إيرين تعد أشيائها لتغادر المعسكر إلى مونيبوليس و تنفيذ خطتها لأقتحام المدينة و العودة لمواجهة العالم من جديد .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصلت إيرين بعد خروجها من زنزانتها إلى نهاية الطريق إلى مصعد و تذكرت ما قرأته في الملف الأزرق الذي حصلت عليه من لورين " ستنزلي حتى الطابق الخامس عشر أسفل السجن " ، و كان السجن أصلا أسفل مبنى الشرطة بعشر طوابق في سلسلة من المنشأت و الطوابق السرية التي أنشأت سابقا تحت مؤسسات حكومية في مونيبوليس .

دخلت إيرين المصعد و ضغطت للاسفل بخمس عشر طابقا تحديدا الطابق الخامس و العشرون ، و أنتظرت القدر يأخذها للأسفل لا تعرف ماذا ستقابل ، تريد فقط أن تنقذ روحها من عذابها و تؤدي مهمتها و تحصل على طفلها الجميل ، اللحظة التي لا تعرف كيف تتعامل معها حاليا و هي تملك فقط 20 دقيقة لتكمل المهمة .

وصل المصعد للطابق المطلوب و فُتح الباب تلقائيا ، لم تجد أمامها سوى مكان فارغ مظلم به باب مدخل واحد فقط ، مشيت إليه ببطء و حرص ، تنظر يمينا و يسارا ، حتى مدت يدها على المقبض و فتحت الباب شيئا فشيئا و أخذ ضوء يخرج من الداخل و كأن عالم أخر ينتظرها في الداخل .

عندما أكتمل فتح الباب إذ بغرفة واسعة بها صفوف من مكاتب و أجهزة كمبيوتر عديدة ، و شاشة عملاقة معلقة بالأعلى بها خريطة لمونيبوليس و العالم ، و مصابيح حمراء تضئ كأنذار بالخطر ، و لا أحد بها تماما ، و هي تسأل نفسها بتعجب " أين ذهب الجميع ؟ " أين الموظفون و العاملون و الضباط و الجنود ؟! لا تعرف سبب أختفائهم .

توغلت بين الصفوف تبحث بعينها بين الحواسيب و الأوراق و تتذكر تعليماتها حتى سمعت صوت دوران كرسي و تنفس أحد ، سارت مع أتجاه صدور الصوت و بلغت كرسي يهتز نادت : ( من ؟! )

دار الكرسي و لم تكن مستعدة لما رأته ، طفلا صغيرا بوجه مألوف يحمل كرة ، تسمرت مكانها لا تعي شيئا ، لا تعلم ماذا يجب أن تفعل الآن ، هي ترى إبنها على الحقيقة لأول مرة على الحقيقة ، لا تصدق أن هذا يحدث حقا ، نسيت المهمة و العالم و كل شئ ، و تقدمت خطوات إليه و قالت : ( إيفيان )

هز رأسه ببراءة الأطفال إنه هو ، لم تتمالك نفسها من البكاء و أندفعت نحوه تحتضنه بقوة ، تضم رأسه إلى صدرها وكأنها تخشى أن يتبخّر إن تركته لحظة ، تخشى أن يحرمه القدر منه مرة أخرى ، كل ضربة من قلبها كانت تنطق بأسمه رغم إنها لم تختاره له و لكنها أحببته ، تريد أن تعلن للعالم كله إنها وجدته أخيرا ، عادت إليها الحياة من جديد ، يوم ميلادها هو يوم إيجاد فلذة قلبها الغالي .

وجهها أشتدت إحمرارا من بكاء الفرحة ، تلمس وجهه لتتأكد أكثر إنها لا تحلم و أن هذا واقع حقيقي و سألته : ( أتعرفني يا صغيري العزيز ؟ )

نظر الفتى إليها و لم يعطها جوابا و قالت له : ( أليس لك صورة لأمك ، أخرجها و أنظر إليها )

أخرج الفتى الصورة من جيب قميصة الصغير و نظر لها و توقفت حدقتا عينه على الصورة و بدأ يقارنها بالمرأة الواقفة أمامه بعد أن أكتشف التشابه بينهما لينطق لسانه أخيرا و يقول متسائلا : ( أنتي أمي ؟ )

ضحكت رغم دموعها المتدفقة على وجنتيها و ضمته إليها مرة أخرى و قالت : ( نعم أنا هي يا عزيزي )

تمسك بقوة بها بعدما تأكد و سألها برقة الأطفال : ( هل ستأخذيني أخيرا للمنزل ؟ )

ظلت تعانقه عناقا طويلا عميقا لا تريد أن تنفصل عنه و قالت : ( نعم يا حبيبي .. سأخذك للمنزل و نبقى معا للأبد )

رأت و هي تعانقه جهاز الحاسوب الذي كان يجلس أمامه و تذكرت الخطة حيث يجب أن تعطل الفخاخ في المدينة ليتمكن جيش المنشقين من أقتحامها و فقط تبقى عشر دقائق .

مسكت صغيرها في يدها و جلست أمام الجهاز و فتحته و طلب منها رمز الدخول ، أثرت اللحظة عليها و على ذاكرتها و مسحت دموعها بيدها و هدأت و أغمضت عينيها لتتذكر الأرقام ، تأتي لراسها واحدة بعد الأخرى و تبقى فقط الرقم الأخير ، هل كان ثلاثة أم ثمانية ؟، يجب أن تتصرف و تقرر ، أنتقل إصبعها بين الثلاثة و الثمانية و تبدل مكان الدموع عرق القلق ، ثلاثة ... ثمانية ...ثمانية .. ثلاثة ، لتختار ثمانية حظا .

فتحت عينيها ببطء لترى نتيجة أختيارها ، لأنها لا تملك سوى محاولة واحدة فقط ، و تجد علامة خضراء قد ظهرت على الشاشة و رسالة تقول : " هل توافق على إتمام عمليات التعطيل ؟ "

تنفست إيرين الصعداء و ضغطت بالموافقة و أنقذتهم قبل دقيقة واحدة فقط و حررت روحها من ذنبها و كوفئت بإبنها ، و أعادته لحضنها ، اختفى العالم من حولهما، لم يبقَ سوى دفء جسدين متعطّشين لبعضهما ، كان العناق وعدًا صامتًا، عهدًا ألا يضيع مرة أخرى، وأن يظل بين ذراعيها حيث ينتمي.

...............................................................................

في مونيبوليس المحصرة بقوات المنشقين من كل الجهات ، حاول السكان أستغلال الوقت و مغادرة المدينة و الرضوخ للتحذيرات و جمعوا ما يمكن من ملابس و مؤن و تكومت السيارات في كل الشوارع و الطرقات ، أصوات آلات التنبيه لا يتوقف ، و لا شئ يتقدم خطوة للأمام و لا السائرون على اقدامهم .

أغلقت القوات الأجنبية المدينة من الداخل و منعت الناس من الهروب منها لتجعلهم دروعا بشرية و نقطة ضعف للمنشقين ، أفواه البنادق و الدبابات موجهة للناس و ليس لمن يهجم عليهم ، الناس تخشى تتقدم و تحتك بهم فيموتوا و هم أصلا هاربين من الموت .

و على الأبواب كان الجميع يستعد للدخول ن الجميع يعيون الخطط و دراستها ، إلا ريان الذي وصلته أخبار خطيرة من الداخل هم يخبرها إلى البقية : ( أخبار سيئة أتت من الداخل ؟ )

نظر له الجميع و قال و هو يظهر صور من حاسبه المحمول : ( الجيش يمنع الناس من الخروج ، يريدون أن يجعلوهم دروعا بشريا ، سيسقطون لو أشتبكنا معهم )

قالت تارا بقلق و حزن مجتمعين : ( و ماذا نحن فاعلين الآن ؟ )

أغلقت لورين الخريطة و قالت : ( لا يمكننا منع الهجوم الآن ، سنقتحم و المدنيون سيتراجعون من تلقاء نفسهم و يكون تركيزنا كله منصبا على هجوم القوات الأجنبية فقط )

قال بسيل رايه كذلك : ( نعم أنتي محقة لو تراجعنا سيتبعونا كالفلول و يقضوا علينا )

قالت جوزفينا : ( يجب أن يتم تصوير كل شئ حتى لا يتهمونا بشئ و لو سقط مجنيين بسببهم ، يكون معنا الدليل )

قال وسام و هو يمد يده وسطهم : ( يبدو إننا إتفقنا ، لنضع يدنا فوق بعضها ، و ندعو جميعا أن نوفق )

وضعوا ايدهم فوق بعضها متعاهدين معا على السير على نفس الخطى حتي يتحقق ما كانوا يأملونه ، و ذهب لينور يحمس الجنود و يستعد للتحرك بعد خمسة عشر دقيقة فقط .

في الداخل كانت المدينة مكتظة بالجموع الغاضبة ، حملون متاعهم و أولادهم يطلبون الخروج مما كانوا يسمونه وطنهم و الأن يتركوه ، و المطارات ممتلئة بالناس يريدون الهروب في أي طائرة متجهة لأي مكان .

و في مبنى الشرطة كانت لوجين قد أخلته من كل الموظفين ، حتى تتمكن إيرين من تعطيل الفخاخ التي تحيط المدينة و ينجح الجزء الثاني من خطتها مستغلة أنشغال القادة و السياسين الأجانب الذين أتوا لحماية المدينة في الهروب منها على طائرات خاصة بعد أن وصلتهم أخبار أن قوات المنشقين لا يمكن رد هجومها إذا حاولت الهجوم و إنهم بحاجة لمزيد من الدعم الي يحتاج أيضا لمزيد من الوقت لأن الهجوم كان متوقعا ان يكون مساء .

في الخارج تبقى فقط خمس دقائق ، تكلمت لورين على اللاسلكي و أمرت كل القوات بالتحرك ، و هي تفكر هل فعلتها إيرين أم لا ، كانت تدخل مراهنة كبيرة مع نفسها ، قد تخسر أرواح بلا عدد لو فشلت إيرين في مهمتها .

دقائق معدودة و أنطلقت قذائف الار بي جي على أبراج المراقبة المحيطة بالمدينة ، و اقتحمت الدبابات أسوار المدينة و خلفها سيارات كبيرة تحمل اللالاف من الجنود ، و كلما تقدموا أكثر دمروا المتاريس و الحواجز في طريقهم .

بدأت القوات الأجنبية الأستعداد للهجوم المضاد و تحركت دباباتهم من مواقعها لمواجهة قوات المشاه على الأرض و لكنهم لم يكونوا على علم بمدة قوتهم و كثرتهم واستعدادهم الكبير لتبدأ مواجهة غير متكافئة و هذه المرة كانت الغلبة للمنشقين .

و بينما قوات المدفعية تجهز نفسها على حدود المدينة ، أطلقت نيرانها لتشتعل شرارة معركة مونيبوليس ، النيران تنطلق من المدافع بلا توقف و كأنها بلا نهاية تصيب أهدافها بقوة كبيرة ، ليست قذايف عشوائية بل كل واحدة منها موجهة نحو هدف معين ، لتصنع شلالا من نار يزداد مع أنطلاق الصواريخ الهجومية التي تضيئ سماء مونيبوليس نهارا ، تتجه إليها عيون الناس في رعب شديد ، يدور في ذهنهم سؤال واحد ، هل سنذوق ما كنا نسخر أن يطولنا سابقا ؟

وصل الضرب حتى منتصف المدينة ، ابراج النيران ترتفع للسماء من كل مكان ، موجهة لمواقع عسكرية و حيوية في المدينة لشلها تماما و فصلها ، المشهد أجبر الجموع الغفيرة عن العودة للخلف في فوضى مدمرة يجرون كالنمل ، لم تعرف القوات التى كانت تحاصرها ماذا تعملمعها و كيف تتعامل مع المنشقين المقتربين من وسط المدينة .

كل أنفجار و كل قصف صاروخي كان مروع أكثر من سابقه ، المنشقون يضربون هذه المرة بكل قوتهم ، و المباني تسقط كقطع الدومينو ، الدخان يرتفع للسماء ليغطي ضوء شمس الظهيرة ، و الجنود يتقدمون في المدينة ليحتلوها ، تتوقف مئات السيارات و ينزل منها الجنود يسيرون في شوارع مونيبوليس برشاشاتهم ، يجري الناس من أمامهم يختبئون في منازلهم مع صرخات الفزع من النساء و الأطفال و هم يرون الدبابات تسير بين المباني كمشاهد الحرب التي يشاهدونها في الأخبار .

كان على القوات القابعة داخل المدينة الهجوم بلا خطة و لا قائد فقد أنقطعت كل سبل الأتصالات لتبدأ حرب شوارع مروعة مع إطلاق أول رصاصة قناص و تلاها المزيد من المباني و عدد من الجنود الذين يخرجون من كل مكان يواجهوا قوات المنشقين و يردون عليهم بأطلاق النار ، و فوهات الدبابات تتجه للنوافذ الذي يخرج منها القناصون و أسطح المنازل و يستهدفونها لتلتهمهم النيران و يتساقطون كحجارة المباني .

صوت الرصاص غطى على كل شئ و أختلط بأصوات صرخات البشر الهاربون ، تحولت مونيبوليس لساحة معركة جديدة في الحرب العالمية الثالثة ، و شوارعها تنزف ، الدبابات تقف في وجه بعضها ، الجنود يكونون فرق صغيرة و لكل منها معركتها الخاصة ، الدماء تتناثر على الأرصف و الرصاصات تطير في الهواء ، و لأن المعركة في الشوارع و لتجنب سقوط المدنيين ، أستمر القتال لوقت طويل جدا بين الطرفين رغم تفوق قوات المنشقين .

الكثير من فرق المنشقين قاموا بالسيطرة على مباني المدينة و لكن كان المبنى الأهم هو مبنى الشرطة حيث قيادة المدينة ، و معظم القوات الأجنبية تتركز بالقرب من هناك حيث ستكون المجزرة الكبرى ، و مع أشتداد المعارك ضحت القوات الأجنبية بورقة الضمير و أمروا طائراتهم بقصف المنازل حيث يقع قوات المنشقين و يستخدموها كحصون طبيعية، ليضرب سرب المدينة بعنف محولا المباني إلى ركام ، و تم ضرب مباني تحتوي أيضا على مدنيين ، لا أحد بأمان الآن ، ترد عليهم طائرات المنشقين في قتال من نوع أخر في سماء مونيبوليس ، يطلقون النيران و الصواريخ تظهر من الأسفل كالألعاب النارية.

الغارات بقيت مستمرة و طالت ميدان المدينة المركزي حيث اشتبكت القوتان بشكل مباشر معا ، تتحول بعدها إلى مجزرة ، مئات الجنود من الطرفين يسقطون بعد قتال دموي لا يقل دموية عمل يحدث في كل شارع لدرجة أن قطرات الدماء تتساقط من أطراف النوافذ و تتناثر على الأشجار و النباتات .

لم تكن المباني تتدمر فحسب، بل تتحول إلى مسحوق. القنابل الكبيرة كانت تختزل المباني الإدارية والسكنية متعددة الطوابق إلى أكوام من الغبار والخرسانة المسحوقة والحديد الملتوي. لم يعد من الممكن تمييز الشوارع لأنها اختفت تحت طبقات من الحطام الذي قد يصل ارتفاعه إلى عدة أمتار .

أستمرت المعراك حتى الفجر كل طرف يسيطر على مواقع معينة بعد معارك مميتة دارت لساعات طويلة في المباني السكنية و في المصانع و المكاتب ، قتالا وجها لوجه بالبنادق و القنابل اليدوية .

أنفاق المترو و الصرف الصحي تحولت لملاجئ للناس المكتظين تحت الكابوس الذي يحدث فوقهم ، مظلمة و رطبة و مليئة بروائح كريهة و بارود و دخان ، مجتمعات تتكون مع بعضهم لا يعرفون مصيرهم القادم ، ستتحول قريبا إلى مأساة أنسانية .

لم تعد مونيبوليس مدينة بعد ما عانته في يوم واحد فقط من دخلوها الحرب العالمية الثالثة متأخرة ، لم يعد هناك حدائق، أو ساحات، أو ميادين واضحة. كل شيء مغطى بالرماد والغبار .

و مع توقف القتال كان الجنود يضعون فخاخاً بواسطة الحطام غير المستقر ، أصبحت الجبال غير المنتظمة من الطوب والخرسانة بديلاً طبيعياً للخنادق ، كل طابق في مبنى مدمر أصبح حصناً مستقلاً ، و كان إشعال عود ثقاب كالرادار وسط الظلام الغرق فيه المدينة بعد تدمير محطات الكهرباء .

أُنيرت سماء اليوم التالي وسط غيوم الدخان المتصاعدة من كل مكان ، وسط هدوء و كأن وباء فتك بأهل المدينة ، لشوارع مهجورة من أي حياة ، لا نفس يخرج أو يدخل ، الكل مختبئ من الأخر لدرجة أن هناك مباني متعددة الطوابق تجد طابق ملك لقوات المنشقين و طابق أخر لقوات الأجانب ، و طابق بينهم متنازع عليه .

كسر الصمت المفزع صوت الطائرات للمنشقيت ، تمر من سماء المدينة لتراقب و توفر الحماية للسيارات الأربعة المخترقة للمدينة و تحتوي على قيادة جيش المنشقين تحت حراسة المدرعات و الجنود ، توقف الموكب في ميدان المدينة المركزي و نزل من السيارات بسيل و لورين و وسام و ريان و لينور و تارا و جوزفينا و آسر يسيرون على الأطلال و الركام ، بين خراب المدينة و الطرق المدمرة .

بسيل يسير يرى أثار الطلقات على الجدران و المباني المهدمة التي لا يظهر منها سوى أعمدتها و الدخان المتصاعد يحجب النور عن أرض مونيبوليس ، يمشي بجوار مجموعة من الأزهار في حديقة الميدان و يجد أزهار من الياسمين تحولت بفعل الرماد و البارود من الأبيض للأسود ، لتصبح ياسمين أسود .

كل شئ فقد بريقه حتى الهواء الذي يتنفسوه ممتلئ برائحة الموت و الحرائق ، و بينما كل واحدا منهم يشاهد ما حل بالمدينة في ذهول كبير تسأل تارا : ( أين ذهب سكان المدينة ؟ )

رد ريان : ( لقد أختبئوا في محطات مترو الأنفاق و محطات الصرف الصحي تحت الأرض و أخرين في منازلهم خائفون من الخروج )

قالت لورين : ( يجب أن نؤمن لهم ممرات أمنه للخروج ، لقد أصبحت ساحة حرب و العالم لن يسكت على ما جرى و سيعودون للأنتقام منا )

قال بسيل : ( أظن لينور سيكون قادرا على ذلك )

قال لينور يشاهد ضوء الشمس يأتي و يختفي مع أدخنة الحرائق : ( نعم أستطيع ، يوجد بعض الطرق لفعل ذلك )

أقترب وسام من بسيل و قال : ( ماذا علينا أن نفعل الآن يا أخي ؟ )

نظر إليه بسيل و فكر قليلا و قال : ( علينا مقابلة الناس الخائفة أولا ، عليهم أن يعرفوا إننا عدنا ، ليقصوا هذا على الأخرين عندما يغادرون المدينة )

قال آسر و هو يشير بإصبعه نحو مكان وقال : ( هذه أحد مداخل مترو الأنفاق ، أظن أن الالاف مختبئون بها )

تحركوا نحو مدخل مترو الأنفاق و الجنود تحيطهم لحمايتهم فالمعركة لم تنتهي بعد و الكثير من الجنود مازالوا مختبئين في حر الشوارع هذه و من في الخارج قد يرسلوا ردهم العنيف في أي وقت ، و فعلا خلال سيرهم أطلقت طلقة من قناص أصابت أحد الجنود في راسه تتطاير بعدها الدماء لينتشر الحراس في كل مكان و يختبئ القادة خلف سياراتهم ، و لا يعرفون من أين يأتي صوت النيران ، لو أرتفت رأس واحدة لأستقرت بها طلقة مباشرة ثم تظهر مجموعة من جنود الأجانب تقترب من نهاية الطريق و يبدأ تبادل النيران بين الطرفين .

الجنود تسقط ، و بسيل و لينور و وسام يطلقون طلقات عشوائية من وراء ستار و يعودون سريعا للأختباء خوفا من القناصين ، لينور و ريان يطلقون قذائف الار بي جي أحدهما على الجنود المتقدمين و أخر على مباني يشك إنها تحتوي على قناصين .

تم قنص مطلقي الرشاشات على المدرعات و كل شئ أصبح مكشوفا ، يتم أصطياد الجنود كالأرانب ، و تتحرك الدبابات و تصوب تجاه المباني ، تصرخ جوزفينا تعطيهم التلعيمات تجاه أي مبنى تلمح منه ضوء نار ، و لكن الأخرون يردون بلا رحمة .

أنطلقت النيران من الجهة الجنوبية منهم ، نادي بسيل بصوت عال : ( وسام و ريان ، أذهبوا بسرعة قودوا الجنود في الجهة الأخرى )

أنطلق ريان و خلفه ريان و بعض الجنود يغطونه ، تحول الميدان لساحة قتال كالعصور الوسطي في روما القديمة ، طرفان يتواجهان و فائز واحد يجب أن يبقى لينتصر .

سمعت لورين القريبة من بسيل صوت من جهازها اللاسلكي يقول : ( هل دخلتم المدينة ؟ هل تسمعوني ؟ )

ردت لورين على صوت المرأة التي تكلمها و أصوات الطلقات حولها من كل مكان : ( نعم دخلنا ، أهذي أنتي حقا ؟ )

رد من على الطرف الأخر و قالت : ( نعم أنا هي ، لماذا لم تصلوا لمبنى الشرطة حتى الأن ؟ )

قال لورين و الوضع يشتد صعوبة عليهم : ( لقد حوصرنا في ميدان المدينة المركزي و لا نعرف كيف نخرج )

تأخرت ي الرد ثم قالت بعد دقيقة : ( اللعنة ، من الواضح أنهم يهاجمون من كل المداخل ، يجب أن تتصرفوا و سأجد من هنا حلا )

وضعت لورين الجهاز في جيبها و نظرت إلى بسيل و قالت : ( ماذا نفعل الأن يا بسيل ؟ )

بسيل ظل صامتا لثوان و أنفاسه ثقيلة و العرق يتصبب على جبينه ، يشاهد أن بعض الجنود يتسللون لقلب الميدان ، و المعركة تقترب إلى الوسط شيئا فشيئا ، فأتته فكرة و قال : ( يجب أن ننسحب الآن إلى الأزقة الضيقة ، نجرهم إليها و نقضي عليهم هناك ، ستكون متاهة لن يخرجوا منها )

قال لورين إلى جوزفينا : ( أعطي لهم الأمر بالأنسحاب إلى الأزقة الضيقة الآن ، و إلى القناصين بالأستعداد و الأقتراب)

أخذت جوزفينا تنادي الأوامر و ترسها عبر اللاسلكي ، و الجنود يبدأون بالتوجه إلى الشوارع الضيقة و الأزقة لحصارهم فيها كلما حاولوا الهجوم عليهم فيها ، و بسيل يمسك سلاحه بقوة و يرمق لورين القريبة منه بنظرة حماسية قوية غاضبة ممتلئة بالثأر و يقول لها : ( سنقاتلهم حتى النفس الأخير فينا يا لورين )

مرت ذكريات قديمة لها في المدينة و قالت : (لا تحتاج أن تخبرني بذلك يا بسيل )

في الأعلي أشتعلت معركة القناصين و خف الضغط على من في الأسفل و مكنهم من الظهور و أطلاق النار على الجنود الأجانب المتسللين ، يقتلون منهم ما تطولوا أيديهم .

و بينما المعركة تنتقل شيئا فشيئا إلى الحواري و الشوارع الضيقة نتيجة الأنسحاب لجنود المنشقين منها ، كان على القادة مغادرة الميدان بسرعة و لكن ظهرت فتاة صغيرة فلتت من أهلها و خرجت من باب مترو الأنفاق و صعدت السلم للأعلي لتصل للجحيم .

لمحها الجميع و صرخوا عليها بالعودة و أنشغلوا بها عن القتال حتى ألقى جندي من الجنود قنبلة يدوية كان يقصدهم هم بها و لكن الرمية طالت منه و وصلت إلى الطفلة التي لا تعي إلى أي عالم جاءت .

سقطت القنبلة أمام الطفلة الصغيرة و هي لا تعرف أيضا ما هذه ، و لم يفيد الصراخ و الأشارات لها بالأبتعاد عن القنبلة و الخطر ، لتهب تارا واقفة تجري بأقصى سرعتها و تتجاوز كفي جوزفينا اللاتا حاولتا منعها من التحرك من مكانها ، و الثواني تعد بسرعة كبيرة ، و تارا تصبح مكشوفة ، تركض منحنية حتى لا يصيبها الرصاص ن و كان قناصا يترصدها و دوى الطلق و أخترقت رصاصة قلبها مباشرة .

سقطت تارا على الأرض ميتة ، جوزفينا تصرخ حزنا عليها ، و أسر يصرخ أيضا و ينادي " تارااااااااااااااااا "

و يريد أن يذهب لجثتها الهامدة على الأرض و لينور يمنعه إلا سيفقد حياته أيضا ، إما بسيل فقد شهق بقوة غير مصدق ، و صرخ بأسمها ايضا " تارااااااااااا.. لااااااا " ، و رمى سلاحه أرضا ، و مسكته لورين حتى لا يتحرك من مكانه نحوها فيقضي عليه أحد القناصين .

و أنفجرت القنبلة و أشتعلت النيران و أبتلعت الطلفة بداخل اللهب في لحظة خاطفة ، و يذهب الجميع إلى هاوية جديدة لا عودة منها .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الياسمين الأسود 1

المؤلف Mahmoud Ahmed
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة