كيف بدأ الأمر؟ أعتقد أنه قد مر دهر من الزمن.. أجل، كانت مدة طويلة للغاية. قد أنسى اسمي، لكنني لن أنسى أبداً ما حدث في ذلك اليوم.
كنت ماكثاً حينها في غرفتي الصغيرة الموحشة، جالساً على كرسيّ الخشبي وأنا أحتسي الشاي على ما أتذكر. لم يكن الشاي حلو المذاق، أم أنه كان حلواً بالفعل ولكن مرارة بؤسي وحياتي أثرت على براعم التذوق لدي، فلم أعد أميز بين الحلو والمر؟
قد يبدو الأمر صادماً، لكن تلك الغرفة الموحشة الضئيلة كانت تقع في أحد أفخم وأعظم قصور الإمبراطورية. وفي ظاهر الأمر، قد يظن من يراني أنني خادم، أو شحاذ، أو ربما أحد عامة الشعب، لكن الواقع كان مغايراً تماماً؛ أنا ابن سلالة عظيمة حمت وخدمت الإمبراطورية والعالم لمئات السنين، أنا ابن حكام الشمال وأسياد الهالة.. أنا ليام فاميليان.
كان من المقدر أن تكون حياتي مزدهرة ووردية، كما يحب أن يسميها أهل "أكاري"، لكنها كانت الجحيم بعينه! هههه، هل يجدر بي أساساً تسميتها حياة؟ لقد كنت أُعامل كحثالة، كقمامة العائلة وعديم الموهبة. يمكنك التفكير في كل الشتائم الممكنة، فعقلي لا يحبذ تذكر تلك الألقاب التي كنت أُنعت بها.
أين توقفنا؟ آه تذكرت.. أثناء تناولي الشاي، أحسست بحركة قريبة من الغرفة، وأدركت فوراً أنه صوت أقدام الجنود. كانت كل ثانية تمر كأنها دهر، ومع اقتراب الأصوات بدأت دقات قلبي تعلو وتعلو. حاولت تهدئة نفسي ولكن دون جدوى. وأخيراً، بدأ الباب في التحرك.. انتظر، لم يكن يتحرك، بل تم تحطيمه بالكامل!
نتج عن حطامه غبار كثيف غطى أرجاء الغرفة، ومع انقشاع الغبار لمحت عيناي وجوه الجنود. كانت تعابير وجوههم مخيفة ومليئة بالازدراء تجاهي. تسمرت في مكاني ولم أستطع الحراك، حتى إن كوب الشاي قد سقط من يدي وتحطم إلى أشلاء.
صرخ أحد الجنود قائلاً: «ليام فاميليان! لا، بل من الآن تم تجريدك من لقب العائلة وأصبحت (ليام) فقط! ونتيجة لهذا، تُطبق عليك عقوبة الخيانة، وتُنفذ العقوبة الآن!»
توسعت حدقتا عيناي وانفتح فمي على مصراعيه من هول كلمات هذا البغيض. قلت له وجسدي يرتجف بشدة من الخوف: «عـ.. عقوبة خيانة؟! أي هراء هذا يا رجل؟ لم أتحرك من هذه الغرفة منذ أسبوع! لحظة.. أأكون خائناً لأنني كنت ضجراً من طعم الشاي؟ لكنه كان شديد المرارة! أي رجل يحب الشاي دون سكر غير هؤلاء الأقزام المهووسين بالحدادة؟»
أجاب الجندي بغضب: «وما شأني أنا بشايك أيها الغبي؟!»
نظرت إليه وتأملت وجهه وعروقه التي تكاد تنفجر من الغضب وقلت: «يبدو أنك من محبي القهوة.. أنتم يا رفاق حقاً لا تقدرون عظمة الشاي! فلنعد لموضوعنا، هل لديك دليل على خيانتي من الأساس؟»
تابع الجندي كلامه ببرود: «لا يحق لمتهم أن يعارض الحكم، نظراً لأن مقرر العقوبة هو أمر صادر من الأمراء الأربعة!»
«مـ.. ماذا؟ إخوتي؟! ماذا فعلت لهم؟ لقد كنت كلباً مطيعاً لا أفعل أي شيء يعكر مزاجهم! أرجوكم دعوني أثبت براءتيييي!»
لم يدعوني حتى أكمل دفاعي عن نفسي، لأنني وجدت خمسة سيوف قد اخترقت جلدي، وسبعة أسهم نارية قد بدأت في إحراقي. كان كل ما استطعت قوله هو: «لا.. لا.. لا أريد الموت، أرجوكم ساعدوني!»
(كنت جباناً حينها، وأشعر حقاً بالخزي والعار من نفسي).
لكن لم تكن تلك نهاية حياتي التعيسة؛ فأثناء موتي، شعرت بروحي تترك جسدي، بل أظن أنها كانت تُسحب بالقوة. وبعد فترة من الشعور كأنني أعيش داخل دوامة، فتحت عيناي ووجدت نفسي في محيط أبيض شاسع. كان جسدي ملتصقاً بالأرض، فقمت بتعديل وقفتي وتأملت هذا الفراغ، وعندها سمعت صوتاً ملائكياً يقول لي: «هذا المنظر يبعث على السرور».
استدرت فور سماعي للصوت، فوجدت كائناً مهيباً يرتدي عباءة ناصعة البياض مطرزة بخيوط ذهبية، ولم أستطع رؤية أي شيء من تعابير وجهه. عندها شهقت وصرخت بأعلى صوتي: «ملااااااك!»
رد هذا الشخص بصوت حاد: «لا ترفع صوتك بهذا الشكل يا حثالة! لقد آذيت طبلة أذني».
رفعت حاجبي مستغرباً: «لم أكن أعلم أن الملائكة تتفوه بألفاظ بذيئة!»
أجابني: «لست ملاكاً، أوتظن نفسك في النعيم؟»
أومأت برأسي، فضحك وقال: «آسف لتحطيم آمالك، لكنني ساحر، وقد التقت أرواحنا عن طريق الصدفة، وها نحن محتجزان معاً».
قلت له: «لماذا أنت محتجز؟ تبدو قوياً!»
أجابني: «تلك قصة يطول شرحها، لكنني أعلم من أنت.. يبدو من ملامح وجهك أنك سليل ليو».
قلت له: «ماذا تعني بليو؟ أنا سليل فاميليان!»
رد الساحر: «أعلم، لكن اسم (ليو) كنت أنادي به جدك أيام مراهقتنا».
«مـ.. ماذا؟! أنت على معرفة بجدي؟ كم عمرك إذن؟!»
أجابني: «كنا أصدقاء، ألا يجدر بك أولاً السؤال عن اسمي؟»
«آه صحيح، ما اسمك؟»
أجاب الساحر: «أدعى ماجين».
تجمدت تعابير وجهي، وكنت أفكر في عقلي: ماجين؟ ماجين؟ هذا الاسم مألوف.. لحظة! أأنت سليل عائلة ماجين، أسياد السحر؟!
أجابني: «أوه، يبدو أن أحفادي قد أصبحوا عظماء، هذا يبعث على الفخر».
قمت بالرد عليه مقاطعاً: «لم تجبني أيها العجوز، كم عمرك؟»
قال: «أفضل ألا أجيب على سؤالك، لكن لدي طلب أطلبه منك».
قلت له: «ما هو؟»
أجابني: «هناك خطر عظيم سيحل بالعالم، خطر قد يكون سبباً في انقراض البشر، وأحتاج لمساعدتك لإيقافه».
«ماذا تقول أيها العجوز؟! تحتاج مساعدتي أنا؟ كيف هذا وأنا لا أقوى حتى على قتل نملة؟!»
أجابني: «أعلم هذا مسبقاً، فمن شكل الطاقة في جسدك يبدو أنك تعجز عن تجسيد الهالة، وأظن أن هذا يرجع لانسداد أوعية المانا لديك. حسناً يا فتى، اخلع ملابسك».
قلت له بذعر: «ماذا؟! ماذا؟! أأنت قريب (إبستين) أم ماذا؟!»
رد عليّ مستغرباً: «ما هذا الإبستين؟ لا يهم، لم يعد هناك وقت وسأتلاشى قريباً، هيا قم بخلع قميصك!»
قام الرجل العجوز بوضع يده على ظهري، وفي لحظة تلامس جلد يده مع ظهري، أحسست بشعور غريب.. شعور مفعم بالحيوية والانتعاش!
بعد لحظات أمرني الرجل العجوز بارتداء ملابسي، فقلت له مذهولاً: «ماذا فعلت بي؟»
أجابني: «لقد أصلحت مساراتك وقمت بفتحها». وقبل أن أصاب بالصدمة كالعادة، رد عليّ مسرعاً: «لا وقت لصدماتك المتكررة، سأقولها لمرة واحدة ويجب أن تتذكرها جيداً؛ سيحل على هذا العالم كارثة ضخمة، ويجب عليك أن تعمل على إيقافها. أعلم أنك ميت الآن، لكن يمكنني إعادة روحك لجسدك، بيد أن هذا سيكلف روحي أن تتلاشى بالكامل.. هيا، هات يدك».
هممت بوضع يدي في راحة يديه، فقام العجوز بتفعيل مصفوفة سحرية غريبة، وأحسست فجأة أن روحي تُشد مرة أخرى بقوة.
ابتسم الرجل العجوز لي وقال: «أثق بك».
صرخت في وجهه: «انتظر! ما زلت لم أفهم الوضع بعد! ما زال هناك العديد من الأسئلة..!»
لم أعد أشعر بشيء بعدها..
بعد لحظات استرجعت وعيي، فتحت عيني ولم أستطع قول أي شيء. لم أستوعب بعد أنني عدت إلى الحياة، لكن انتظر لحظة.. لمَ ليس جسدي محترقاً؟ ولماذا أشعر أنني أقصر قليلاً؟ وانتظر.. ما الذي حل بصوتي؟!
أسرعت ونظرت إلى المرآة، وهنا كانت الصدمة الكبرى.. لقد عدت صغيراً! بعبارة أخرى: عُدت بالزمن!
لم أستطع أن أقول في تلك اللحظة إلا جملة واحدة:
«سحقاً لك أيها العجوزووووو!»
Salah