سيد فاميليان

سيد فاميليان

27 0

ليلٌ دامس وظلامٌ قاتل، الهدوء يعمّ المكان، والأشجار ذات اللون الأسود عزّزت رهبة المكان. قمرٌ باللون الدامي قد أضاء بنوره السماء، لكنّ الناظر إذا رفع رأسه للسماء وأبصر ضوء القمر الجحيمي لتمنّى أن يختفي القمر وتسود الظلمة المكان، فتعمّ العتمة الأرجاء فوق عتمتها. فالقمر الدامي هو قمرٌ غير قمر العالم، قد ابتُليت به أرض الشياطين، ويشتهر بأنه يبعث في النفوس الضعيفة الاضطراب والقشعريرة، وقد يصل بهم إلى الجنون.

وفي ظل تلك الأجواء الدامية، أوراق الأشجار تتطاير، وصوت ركضٍ يعلو ويزداد ضجيجه بين الأشجار. تابع الفارس تقدّمه للأمام وهو يقود فرسه السابح، قال في نفسه:

"في كل مرة آتي لتقديم التقارير للسيد، أجد أنه يتعمّق أكثر في المكان، ومرة أخرى لقد تعمّق حتى طال الطريق."

وبعد اللقاء، ومن اشتمامي لرائحة كريهة، فقد اقتربتُ من جثث الوحوش التي لاقت حتفها على يد سيدي. الرائحة تزداد قذارة عند تلك النقطة، يجب على الفارس أن يغلّف كل جسده بالمانا، لأنه إذا زادت جثث الوحوش وتجمّعت بجانب بعضها فتتحول رائحتها القذرة إلى سمٍّ فتّاك.

تابع الحصان الركض، لكنه لم يقوَ على إكمال المسير لشدة سُمّية الرائحة. فورًا نزل الفارس من الحصان وقرر أن يسير على قدميه. وبعد بضع خطوات، لاحظ الفارس سائلًا أحمر يتدفق من بعيد، اقترب أكثر فأكثر، هنا كانت الحقيقة: هذا ليس سائلًا أحمر، هذه دماء، بل بحرٌ من الدماء.

الفارس ينظر للمشهد من حوله بأيّ رهبة ورعب؛ تلالٌ من الوحوش في كل مكان، الأرض افترشت بالدماء وكُسيت باللون الأحمر القاتم. لم تتوقف الأحداث الجسام، ضغطٌ رهيب قد اكتسح المكان، نتج عنه رهبة وخوف في بدن الفارس، لكن سرعان ما ركع على الأرض دون اكتراث للدماء، فقد أدرك لمن هذا الضغط الرهيب الذي يمزّق الروح قبل الأبدان، فهو ضغط سيد فاميليان.

نطق صوتٌ شديد القوة، من يسمعه يُطأطئ رأسه إجلالًا للصوت قبل رؤية صاحبه، فما بالك بمن يبلغ مقام سيد الشمال. كانت بضع كلمات، لكن في حناياها رهبة السيد، وهي:

"مرحبًا كاسيان."

ركع كاسيان بقوة مُطأطئًا رأسه وبصره لا يفارق الأرض، وقال بصوت جهوري:

"منذ القِدَم ونحن حرّاس الشمال، ستبقى سلالة الأسد شامخة، أُحيّي سيد الشمال وسيد فاميليان."

انقشع الضباب الكثيف، وظهر السيد وهو جالس بشموخ على تلّة ضخمة من جثث الوحوش، رجلٌ ضخم البنية، بشعرٍ أسود ولحية سوداء، عيناه خاليتان من المشاعر، الأجواء تتغير عند حديثه. قال السيد:

"كاسيان، كم مرة قلت لك لا داعي لتلك الشعارات المتكلفة، الآن انهض."

نهض كاسيان وقال بصوت منخفض:

"كما يأمر السيد فالديمار."

قال فالديمار:

"كما العادة، أطلعني على آخر المستجدات."

قال كاسيان:

"كما تأمر. أولًا، تجري أمور تجهيز المهرجان الأبيض بالتزامن مع منافسة المعسكرات الأربعة، كما تم دعوة العديد من العائلات النبيلة، وقد تم تأكيد حضور نائب شمس الإمبراطورية."

قال فالديمار، وهو مستندٌ إلى ذراعه:

"تابع."

قال كاسيان:

"السيدة الأولى قد أنهت مهمتها، وقد رجعت منذ فترة قصيرة إلى فاميليان. السيد الثاني في طريقه للعودة. أما الثالث فقد اعتذر لسيادتكم بعدم حضوره المهرجان بحجة الانشغال الشديد في الأكاديمية، وقد توسطت له السيدة ديمتليا وترجو مسامحتك له."

تنهّد فالديمار وقال بعدم اهتمام:

"دائمًا كانت والدته تدافع عنه وتتوسط له في كل شيء."

تابع كاسيان كلامه:

"السيد الرابع من المفترض وصوله بحلول الغد، أما عن الخامس فقد استطاع إيقاظ هالته، وسيشارك في المنافسة."

فور سماع فالديمار هذا الكلام، هالته الطاغية انبعثت في كل المكان، الضغط الشديد نتج عنه تطاير جثث الوحوش وانفجار الصخور العملاقة التي كانت في الأرجاء. أما كاسيان فلم يستطع الصمود بالرغم من محاولته الثبات لموطئ قدمه، فقد تزحزح كثيرًا للوراء وقد بصق الدماء من فمه، قال بصعوبة بالغة وقد غمر رأسه في التراب:

"سيدي، هل أخطأتُ في شيء؟"

قال فالديمار:

"لا لا، من قال إنك أخطأت؟ كل ما في الأمر أنني سعيد لأن الخامس أيقظ هالته ولن يستمر في دور العالة. دعنا الآن من الأبناء، ماذا عن مجلس الشيوخ؟"

قال كاسيان:

"بشأن هذا، هناك تيار يرى أنه يجب على السيد أن يعلن عن الوريث فور وصوله، ولكن يجب عليك أن تستشيرهم في الاختيار."

ابتسم فالديمار، وكان الظلام دامسًا فلم يرَ ابتسامته إلا كاسيان:

"أخبرني، ماذا تعتقد؟ أن تركتُ لجام كلابي لفترة؟"

قال كاسيان بقلق:

"أقوم بتأديبهم."

قال فالديمار:

"وسّع أفقك قليلًا، فبدل من تأديبهم فورًا، فلماذا لا نستمتع بنباحهم قليلًا قبل تأديبهم؟"

قال كاسيان:

"أشكر السيد على توسيع آفاقي وتفكيري."

حرّك فالديمار يديه ولوّح بها وقال:

"اذهب الآن وقم بالإيصال، أنا سآتي بعد يومين."

قال كاسيان:

"أمرك."

وبعد رحيل كاسيان، كان فالديمار ما زال جالسًا في موضعه، وقال بصوتٍ يملؤه الهدوء:

"لقد مرّت فترة منذ أن وجدت أشياء تحمّسني وتملأ عليّ حياتي قليلًا."

ابتسم، وهالته تدفقت بشدة جعلت نصف أشجار المنطقة تتطاير وتُخلع من مكانها. قال فالديمار وعينيه تلمع:

"انتهى وقت الركود، الإثارة قادمة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمرد على القدر

المؤلف Salah
2026/06/05 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة