مضى الأسبوع سريعاً كأنه لمحة بصر. قضيتُ جلّ وقتي في طحن عظامي، والقتال بلا هوادة ضد لوكس في غرفتنا وفي باحات التدريب السرية. وأخيراً.. أتى يوم النزال المرتقب.
كنتُ أسير بجانب لوكس بخطوات ثابتة وثقة هادئة حتى وصلنا إلى الساحة الكبرى، تلك الساحة التي تضم عشرات حلبات القتال والنزال الحجري. اصطف جميع المتدربين في صفوف عسكرية منظمة أمام المدرب الصارم ثيوكلس.
وقف ثيوكلس، وتجول بنظراته الحادة فوق رؤوسنا قبل أن يصيح فينا بصوت هادر: «كما تعلمون جميعاً.. في آخر يوم من كل أسبوع، نقوم بعمل نزالات حرة بين المتدربين؛ وذلك لإفراغ مشاعر الكراهية والنزاعات بينكم، وتقليل الضغينة في هذا المعسكر. فكما تنص عقيدة عائلة فاميليان: أفضل طريقة لفهم عدوك هي أن تتصادم سيوفكما!.. على كل من يود خوض أي نزال، فليتقدم فوراً لحلبته. وشيء آخر.. طالما أنكم لا تقتلون بعضكم البعض، فكل شيء مسموح!».
أنهى المدرب ثيوكلس حديثه باقتضاب، واستدار مغادراً الساحة ليترك الباب مفتوحاً أمام الغرائز القتالية للمتدربين.
وبينما كنتُ واقفاً بهدوء أراقب الأجواء بجانب لوكس، اخترق مسامعي صوت مألوف يقطر بالغطرسة، ينادي اسمي: «هيييه، ليام! هل أنت مستعد لتتلقى بعض اللكمات والضربات العنيفة وتترجاني باكياً؟».
التفتُّ ببطء، ونظرتُ إلى القادم، وقلت بنبرة باردة وساخرة: «أوه.. صاحب الأسنان الصفراء».
احمرّ وجهه غضباً وصرح محنقاً: «سحقاً لك! لقد قلتُ لك مئات المرات اسمي جيبال!».
رمقتُه بنظرات مخيفة، نظرات قائد خاض حروباً ومزق جثثاً في ماضيه، وقلت ببرود جمد الدماء في عروقه: «لا يهمني اسمك أيها الحثالة.. ولا تضيع الوقت في حديث عقيم لا طائل منه. وكما قال المدرب قبل قليل: أفضل طريقة لفهم عدوك هي إبراحه ضرباً!».
اقترب لوكس مني سريعاً، وهمس في أذني بتوتر: «ليام.. أظن أن المدرب قال بتلاقي السيوف وتصادمها.. وليس إبراحه ضرباً كما تقول!».
أجبتُه دون أن أحول عيني عن جيبال: «لا يهم.. فكلا العبارتين تحملان في مضمونهما حقيقة واحدة: يجب أن تبرح خصمك ضرباً مبرحاً حتى يتوسل للنجاة».
ثم التفتُّ مجدداً نحو صاحب الأسنان الصفراء وأشرت له بسيفي الخشبي: «أسرع واستل سيفك.. وهلمَّ إليّ». وارتسمت على وجهي ابتسامة مرعبة ذلت لها القلوب وتابعت: «لنقم بتقوية روابط الزمالة بيننا قليلاً..».
ارتعب جيبال في مكانه، وتراجع خطوة للخلف لا إرادياً من ملامحي المتوحشة، وتحدث في نفسه بهلع: "هذا الوغد.. بالتأكيد هو أضعف مني، أنا في النجمة الثانية! إذن.. لماذا أشعر بكل هذه الرهبة والبرودة عندما أنظر في عينيه؟ لا، لا! ما الذي دهاك يا جيبال؟ يجب أن تلقن هذا الوغد المنبوذ درساً قاسياً لتنال رضا سيدك داميان!".
استعاد جيبال رباطة جأشه بصعوبة، وحاول إظهار الشجاعة وهو يتقدم نحو الحلبة: «لك ذلك.. هيا بنا لنصعد إلى الحلبة لأعلمك بعض الآداب التي تفتقر إليها!».
صعدنا معاً إلى الحلبة الحجرية، ووقفنا وجهاً لوجه. وفور صعودنا، بدأ عشرات المتدربين بالاحتشاد حول الحلبة لمشاهدة القتال، والهمسات تعلو في المكان.
نظر جيبال إلى الحشود من حوله، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة وهو يفكر في نفسه: "هذا ممتاز.. كلما زاد عدد المتفرجين، زاد الإذلال والاهانة التي ستتعرض لها عندما أسحق عظامك أمامهم.. سيدي داميان سيكون فخوراً بي حتماً!".
وبينما كان جيبال غارقاً في أحلامه الوردية وتخيلاته الغبية.. كنتُ قد تحركتُ بالفعل.
انفجرت الأرض تحت قدمي، وفي لمحة بصر، ظهرتُ مباشرة أمام وجهه، وعيناي تبرقان بالموت، وهدستُ في أذنه كشبح: «أتجرؤ على فقدان تركيزك أمامي؟.. إنك تغازل الموت أيها اللعين!».
شحب وجه جيبال تماماً وصاح بهلع: «سحقاً!! متى وصلت أمامي؟!».
وبغريزة البقاء، رفع سيفه محاولاً التصدي لضربتي المباغتة بصعوبة بالغة. ارتدت قدماه للخلف بفعل قوة الاصطدام، وحاول اتخاذ موضع مناسب لشن هجوم مضاد، لكنني لم أمنحه رفاهية الوقت أو التقاط الأنفاس!
مع كل خطوة يتراجع فيها جيبال، كنتُ أتقدم وأضغط عليه بهجمات متتالية، عنيفة، وسريعة للغاية مستخدماً سيفي بخشونة بالغة، لدرجة أن صدى الضربات هز الساحة. ذهِل المتدربون المحتشدون من هذا المشهد غير المتوقع، وصاح أحدهم بذهول: «أرأيت ذلك؟! ليام يدفع جيبال للخلف كأنه حشرة!».
عندما سمع جيبال كلمات المتفرجين، استشاط غضباً وصاح: «أي هراء تتحدثون به؟! أنا لم أظهر سوى جزء بسيط من قوتي بعد!».
تراجع جيبال خطوة واسعة للوراء مبتعداً عن مدى سيفي، وهو يلهث بحدة، ثم صرخ: «كفانا لعباً أيها الجرذ!».
وفجأة.. استدعى طاقته، واشتعلت هالة مانا واضحة حول جسده وسيفه. نظر إليّ بتكبر وغطرسة قائلاً: «اليوم.. سيتسنى لك تذوق العزيمة الحقيقية وسحق عظامك على يد شخص في مستوى النجمة الثانية!».
انفجرتُ بالضحك، ضحكة باردة واثقة هزت كيانه، وقلت: «وماذا في ذلك؟».
ثم اتخذتُ وضعية قتالية مستقيمة وثابتة؛ انحنى جذعي قليلاً، وأمسكتُ مقبض سيفي بكلتا يدي، ووجهت نصله مباشرة نحو صدر جيبال. وفي تلك اللحظة.. توهجت عيناي ببريق حاد، وتدفقت هالة مانا نقية وكثيفة من جسدي لتغلف نصل سيفي!
ساد الصمت القاتل أرجاء الساحة، وصُعق كل المتفرجين، وصرخ أحدهم بصدمة لا تصدق: «مستحيل!.. أإستطاع ليام إيقاظ هالته؟!».
وقال آخر بذهول: «هذا غير منطقي! لقد سمعتُ أنه كان عاجزاً حتى عن الشعور بالمانا في عروقه!».
كان جيبال بدوره مصدوماً مما يراه، فكمية وطبيعة الهالة الصادرة مني لم تكن طبيعية. لكنه حاول طمأنة نفسه، وابتسم بمرارة قائلاً: «مبارك لك إيقاظ هالتك.. مما أراه، يبدو أنك وصلت لمستوى النجمة الواحدة بالكاد. لكن يؤسفني أن أقول لك.. هذا غير كافٍ أبداً لهزيمة مقاتل في مستوى النجمة الثانية!».
أجبتُه باختصار وبرود: «كفاك ثرثرة.. وأثبت صحة ادعائك!».
تحرك جيبال بسرعة مستغلاً هالته، واندفع نحوي موجهاً طعنة قاتلة وسريعة بالسيف نحو عنقي. لكن خبرة عقود من المعارك كانت تجري في دمائي؛ بحركة رأس بسيطة وتوقيت مثالي، تجنبتُ طعنته، واستغللتُ اختلال توازنه واندفاع جسده للأمام. وبسرعة البرق، وجهتُ لكمة مشحونة بالمانا مباشرة في منتصف بطنه!
«غووووه!..»
انبعث صوت مكتوم من جيبال وهو يتراجع للخلف وهو يمسك بطنه بألم وعيناه تجحظان. ولم أتركه يأخذ نفساً واحداً؛ التفتُّ ووجهتُ هجوماً مباغتاً ساحقاً، مركزاً كل ذرة من هالة النجمة الواحدة على نصل سيفي ليوجه ضربة خاطفة مدمية. قال احد الواقفين هذا ليسىمنطقي كيف يجري ليام صاحب النجمه الواحده جيبال صاحب النجمتين اجابهو لوكس ببساطه لان ليام قام بشحذ كل عضله في جسده لإخراج اقصد ما لديه علي عكس جيبال ابتسم لوكس وقال انت مذهل بحق ياليام.
أمام قوة الهجوم وجبروت الهالة، انهار كبرياء جيبال تماماً، وأغلق عينيه برعب صارخاً بأعلى صوته: «أنـــا أنســحب!!!».
توقف سيفي على بعد مليمترات من رقبته. ساد وجوم تام وصدمة عارمة كل من في الساحة. سقط جيبال على الأرض من هول الصدمة والرعب، وجسده يرتجف وهو يتمتم بغير تصديق: «كيف هذا..؟ يستحيل أن أخسر أمام شخص مثلك.. مستحيل!».
لم أعره أي انتباه، ولم أنظر خلفي حتى. أنزلتُ سيفي ونزلتُ من فوق الحلبة ببرود تام كأن شيئاً لم يكن.
في الأسفل، كان لوكس يقف مبتسماً، وأشار لي بيده لكي آتي إليه. اقتربتُ منه، فقال بنبرة فخورة: «عمل رائع يا صاح! لقد تحسن مستواك بشكل مرعب في أسبوع واحد».
أجبتُه بابتسامة خفيفة: «هذا بفضل تدريبي معك.. والآن، لنتوجه خارج المعسكر؛ فهذا يوم الإجازة الأسبوعية ويُسمح لنا بالخروج إلى المدينة. سأشتري لك بعض المشويات كعطلة».
قفز لوكس من الفرحة كالأطفال، وصرخ بحماس: «أنت الأفضل حقاً يا صاح! هممم.. دعني أفكر بماذا سآكل أولاً؟ لا يهم، سآكل كل شيء! ففي النهاية.. الطعام على حسابك!».
ابتسمتُ بيأس وقلت له ساخراً: «يا لك من فتى بخيل!».
بعد المشي لبعض الوقت، وصلنا إلى مدينة فاميليان الصاخبة، وبالتحديد إلى السوق الشعبي الشهير الذي يفوح بأفضل الوجبات والمأكولات الشرقية المشوية.
كنتُ أعاني حقاً للحاق بلوكس؛ فذلك الفتى يتحول إلى إعصار عندما يتعلق الأمر بالطعام! لا يكاد ينفض من محل أو عربة مشويات حتى يركض نحو محل آخر، وأنا أركض خلفه حاملاً الأكياس.
وبينما كنتُ أحاول اللحاق بأثره وسط الزحام، لفت انتباهي متجر قديم يقع في زاوية هادئة، متجر لبيع الأدوات والكتب السحرية. لسبب غامض، شعرتُ بنبضة غريبة في قلبي ورغبة عارمة تدفعني لدخول هذا المتجر بالذات.
دفعتُ الباب الخشبي الثقيل، لتصدر منه صرخة خفيفة. وفور دخولي، سمعتُ صوت رجل عجوز ذي لحية بيضاء يرحب بي بنبرة هادئة. نظر الرجل العجوز إلى ملابسي وشعاري، وقال بفضول: «يا فتي.. يبدو من ملابسك وشعارك أنك أحد متدربين نخب فاميليان».
أجبتُه باحترام: «نعم.. أصبتَ يا سيدي».
عقد العجوز حاجبيه وقال مستغرباً: «اعذرني يا فتي.. ولكن ما حاجة فارس مستخدم للهالة بمتجر مخصص للسحر والمانا النظيفة؟».
أخبرتُه بهدوء: «لقد شعرتُ برغبة غريبة في دخول هذا المتجر فحسب، وأيضاً.. أنا أشعر ببعض الفضول تجاه علم السحر».
ضحك العجوز بصوت عالٍ وقال: «مستخدم هالة وفضولي بشأن السحر؟ ما أعرفه وما شهده التاريخ هو أن مستخدمي الهالة والسحرة دائماً في حالة تنافس وصراع مستمر حول من يملك القوة الأفضل والأسلوب الأسمى».
نظرتُ إلى الكتب القديمة حولنا، وقلت بثقة: «ولكن في الأصل.. الهالة والسحر هما من منبع وجذر واحد، وهو طاقة المانا».
صمت العجوز لثانية، ولمعت عيناه ببريق غريب، ثم قال: «أصبتَ يا فتى.. يبدو أنك تملك بعض الفطنة والعمق بالنسبة لعمرك الصغير». تابع الرجل العجوز حديثه وهو يتكئ على طاولة خشبية: «أخبرني إذن، ما الذي تود شراءه وسأحضره لك سريعا؟».
قلتُ له: «هل عندك كتاب يحتوي على تاريخ السحر وكيف بدأ من جذوره؟».
حك العجوز رأسه وتذكر: «دعني أتذكر.. آه، صحيح، هناك نسخة قديمة نادرة في الداخل».
ابتسمتُ وقلت: «هذا جيد.. وهناك شيء آخر؛ هل يوجد كتاب يحتوي على شرح دقيق وتفصيلي لطبيعة واستخدام كل العناصر السحرية؟».
قال الرجل بنظرة تجارية ثعلبية: «يوجد بالطبع.. ولكنه سيكلفك الكثير والكثير من العملات الذهبية يا فتى».
أجبت ببرود وأنا أخرج كيس عملات رنان: «لا تكترث للسعر أبداً.. عندي من المال ما يكفي لشراء أي شيء أريده».
ضحك العجوز بجشع مصطنع وقال ملوحاً بيده: «يا إلهي! يبدو أنني قد وجدتُ اليوم وزة تبيض ذهباً!».
قلت له بسخرية: «والوزة هي أنا.. أليس كذلك؟».
قال العجوز بوقاحة مضحكة: «أصبت تماماً!».
قلت له مستغرباً من صراحته: «ولكن.. ألا تكترث لو سمعك أحد زبائنك تقول له هذا الكلام؟ ألا تخاف أن ينفر الناس منك أو يتهموك باستغلالهم؟».
هز الرجل رأسه بلامبالاة واضحة: «لا أكترث أبداً بما يفكر فيه الناس عني.. فأنا رجل عشتُ عمراً طويلاً ولم يعد لساني ينطق إلا بما يجول في خاطري دون تملق أو نفاق للنبلاء. والان اعذرني يا فتى.. سأذهب لجلب الكتب وحساب التكلفة لك سريعاً، لن أطيل الغياب».
بعد فترة قصيرة، عاد العجوز ومعه الكتب المطلوبة. شكرتُه على الكتب وأعطيتُه حقه من المال الذهبي وزيادة.
أخذ المال وقال براحة: «على الرحب والسعة دائماً.. لكني لم أعرف اسمك بعد أيها الوزة الذهبية؟».
أجبتُه وأنا أضع الكتب في حقيبتي: «أدعى ليام».
قام الرجل العجوز بحك لحيته البيضاء الطويلة وتمتم: «ليام.. اسم جميل وله هيبة».
قلت له قبل أن أستدير: «وما اسمك أنت أيضاً يا سيدي؟».
قال لي العجوز بهدوء: «أدعى أيرمان».
تصلب جسدي تماماً، وصُعقتُ في مكاني فور سماع هذا الاسم. وتحدثتُ في ذهني بهلع وصدمة مرعبة: "أيرمان!.. هذا الاسم.. أنا متأكد أنني سمعته وقرأت عنه في حياتي الماضية! إيرماند فالريك!!".
لكنني سرعان ما أخفيت دهشتي وصدمتي بسرعة مستغلاً خبرتي، ورسمت تعابير عادية، واستأذنت في الرحيل مسرعاً. وعندما خطوتُ خارج المتجر، وقف العجوز أيرمان يراقب أثري من خلف الزجاج، وتمتم بنبرة غامضة: «هذا الفتى.. يحمل في أعماقه وعينيه الكثير والكثير من الأسرار والندوب».
عندما عدتُ إلى ساحة السوق، بدأتُ بالبحث عن لوكس مجدداً وأنا أنادي باسمه وسط الزحام، حتى سمعتُ صوته النحيل يأتي من خلف إحدى الزوايا الكبرى وهو يلوح لي: «هنا يا ليام!.. تعال إلى هنا بسرعة!».
توجهتُ نحو مصدر الصوت، وفور وصولي وجدتُ لوكس يقف ومظهره مضحك ومثير للشفقة، فقلت له بغضب مكتوم وعروق جبهتي تبرز: «أيها الوغد! ألا تعلم كم استغرقتُ من الوقت والجهد حتى أجدك في هذا المكان؟! ثم.. ما خط كل هؤلاء الباعة الطباخين يقفون خلفك بوجوه ثائرة يقطر منها الغضب والشرر؟!!».
ابتسم لوكس ببلادة وقام بحك مؤخرة رأسه باحراج شديد، واقترب من أذني يهمس برعب: «بخصوص هذا.. أرجوك ساعدني وأنقذ حياتي يا ليام! لقد أكلتُ وجبات من كل هؤلاء الباعة المتجولين.. واكتشفتُ الآن أنني لا أملك ثمن وجبة واحدة في جيبي!».
قبضتُ على قبضة يدي بقوة ووددت لو أسحقه في مكاني: «أيها الوغد الجشع!».
لكنني سرعان ما هدأت وتنهدت بيأس، وقمتُ بإخراج كيس العملات والدفع لجميع الباعة الغاضبين واحداً تلو الآخر حتى انصرفوا وهم يشتمون. التفتُّ إلى لوكس وقلت بابتسامة ساخرة حادة: «أتود إفلاسي في أول أسبوع لنا معاً أم ماذا؟».
قال لوكس محاولاً تلطيف الجو ببراءة: «لا لا، دعك من كل هذا يا رجل.. المهم أننا شبعنا! لنعد إلى المعسكر الآن.. آه، لقد نسيت، تركتُ بعض الوجبات والمشويات الباردة لك في هذا الكيس!».
نظرت إلى الكيس الممزق وقلت بسخرية لاذعة: «يا لك من صديق كريم وشهي حقاً!».
حلّ الليل الدامس، وساد الهدوء أرجاء مدينة فاميليان.
وفي تلك الأثناء، داخل المتجر القديم المظلم، كان العجوز أيرمان يقوم بترتيب وتنظيف أروقة المتجر وإعادة الكتب إلى رفوفها مستعيناً بشمعة صغيرة. وفجأة.. أحس بحركة غريبة خلفه، واخترق الصمت صوت خطوات هادئة للغاية لا تصدر صوتاً.
استدار العجوز بسرعة وهلع وضغط على عصاه الخشبية، ليتفاجأ بوجودي واقفاً في عتمة الليل، وعيناي تشعان ببريق بارد ومرعب.
قال بفزع حقيقي وهو يتراجع: «ليام؟! ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت المتأخر؟ وكيف دخلت والمتجر مغلق؟!».
خطوت خطوة للأمام، ونظرتُ في عمق عينيه وقلت بنبرة هادئة وواثقة زلزلت كيانه:
«لقد جئتُ لألقي عليك التحية قبل نومك يا سيد أيرمان.. أو دعني أقول بدقة أكبر: السيد أيرماند فالريك.. السيد والعميد السابق لأحد أبراج السحر الخمسة العظمى في هذا العالم!».
Salah