حلّ الصباح بهوائه العليل، ومعه علت أصوات زقزقة العصافير. استيقظ ليام من نومه، ونظر إلى الغرفة فلم يجد إيرماند فيها.
قام بإزالة الغطاء عن جسده، ونهض من على الفراش، وسار على الأرضية الخشبية بحذر شديد مراعيًا إصاباته. فتح الباب وخرج من الكوخ، وكانت هناك نسمة عابرة لطّفت الأجواء حتى أنها تسببت في ميلان بعض خصلات شعر ليام. أحسّ ليام بشعور جيد، وقال في نفسه:
"ترى أين ذهب العجوز إيرماند؟"
نادى بصوت عالٍ:
"سيد إيرماند، أين أنت؟"
صوت إشارة نارية انطلق من مكان قريب. لمح ليام تلك الإشارة فاستنتج أنها من السيد إيرماند، فأسرع لاقتفاء أثرها.
سار ليام بين الأشجار ذات الأغصان العالية والأوراق الكثيفة، التي كان بعضها يتطاير بفعل الريح. وأثناء سيره، أوقفه وجود قط برّي أسود اللون أمامه، ذو عينين خضراوين. استغرب ليام أن هذا القط لم يهلع لرؤيته ولم يهرب، بل شعر بأن مانا مألوفة تنبعث منه.
قال ليام:
"هذه المانا... إنها شبيهة بمانا السيد إيرماند."
نظر القط إلى ليام للحظات، ثم أدار ظهره له وركض إلى الأمام. نادى عليه ليام:
"تمهّل!"
أسرع ليام بتتبع القط على طول الطريق، الذي كان يزداد وضوحًا شيئًا فشيئًا، حتى وصل إلى نهايته. وهناك استوقفه منظر بديع: بحيرة متوسطة الحجم، دائرية الشكل، ذات مياه شديدة الصفاء، والهواء منعش إلى أبعد درجة. وكانت أعداد كبيرة من الطيور عند البحيرة تشرب الماء.
وأثناء تأمل ليام لهذا المنظر الآخذ، لمح الساحر إيرماند، فأسرع تجاهه ونادى عليه. وعندما وصل إليه، قال ليام بتعب:
"أيها العجوز، أين ذهبت بحق السماء؟"
ابتسم إيرماند وقال:
"يبدو أنك لمحت إشارة النار التي أطلقتها."
قال ليام:
"آه، لكن لماذا غادرت الكوخ؟"
أجاب إيرماند:
"بشأن هذا، لقد كنت أُعِدّ الإفطار، وفضّلت أن نتناول الطعام عند هذه البحيرة."
ظهر القط الأسود من بين قدمي إيرماند. قال ليام:
"هذا القط الأسود؟"
ابتسم إيرماند وقال:
"يبدو أنك التقيت بـ«فانتوم»."
قال ليام:
"فانتوم؟"
قال إيرماند:
"إنه قط أرعاه منذ مدة، التقيت به عندما أتيت إلى هذه الغابة لأول مرة."
قال ليام:
"لكن لا يبدو لي أنه قط عادي."
ردّ إيرماند:
"بالفعل، إنه حيوان سحري."
قال ليام بدهشة:
"حيوان سحري؟ كيف لحيوان بتلك الندرة أن يتواجد في الغابة الشرقية؟"
قال إيرماند:
"لا أدري أيضًا، دعني من ذلك الآن، هيا لنتناول الإفطار. انظر، لقد أعددت طاولة تحتوي على العديد من المأكولات الطيبة، أظن أنك لم تتناول مثلها في المعسكر."
تنهد ليام:
"حتى لو كان طعامك سيئًا، فهو لن يكون بسوء الطعام الذي نأكله في معسكر فاميليان."
ضحك إيرماند:
"حالتك مزرية يا فتى، هيا لا تُضيّع الوقت في الكلام، وهلمّ لتناول الطعام."
جلس ليام على الكرسي الخشبي المواجه لكرسي إيرماند، وكان أمامه العديد من الأطعمة الشهية: بيض الإوز، ولحم البقر الشمالي الذي كان عبارة عن شريحة لحم مطهوة بشكل ممتاز وموضوع عليها مختلف المكونات، بالإضافة إلى مشروب مزيج الباري، وهو عبارة عن حليب بقرة الشمال الطازج ممزوجًا بمستخلص عصارة شجرة الباري العتيقة. وكأن هذا أكثر ما أدهش ليام.
قال ليام:
"لا أصدّق أن يكون معك عصارة شجرة الباري، فهي لا تنمو إلا في الجنوب."
قال إيرماند:
"قبل أن أغادر برج السحر، أخذت معي بضع أكياس من ثمار شجرة الباري."
ضحك ليام وقال:
"بل قل: سرقته!"
قال إيرماند:
"يا لك من فتى قليل الاحترام!"
بدأ الاثنان بتناول الطعام، وانضم إليهما فانتوم. وبعد أن انتهوا جميعًا من الطعام، ناول إيرماند ليام جرعة شفائية عالية المستوى.
قال ليام:
"هل صنعتها أنت؟"
قال إيرماند:
"مع الأسف لست أنا، فلم تكن معي المكونات."
قال ليام:
"إذًا فقد اشتريتها؟ لكن على حد علمي أنها تتطلب الكثير من المال."
قال إيرماند بتوتر، وهو يشرب مزيج الباري:
"على ذكر ذلك... لقد قمت ببيع حجر نجمي."
قال ليام ويده ترتجف:
"كرّر ما قلته لو سمحت."
قال إيرماند بصوت مبحوح:
"بعتُ حجر نجمي."
قال ليام:
"أعلى!"
صرخ إيرماند:
"لقد بعت حجر نجمي! ماذا في ذلك؟ يجب أن تتعالج من إصاباتك!"
صرخ ليام بدوره:
"ليس هذا بيت القصيد، كان يجب أن تستأذنني!"
نظر الاثنان إلى بعضهما وضحكا معًا بشدة.
قال إيرماند:
"فتى بخيل."
قال ليام:
"عجوز هرم."
قال إيرماند:
"على كل حال، تناول الجرعة بشكل جيد، واحرص على أن تتخلص من كل جروحك."
وافق ليام على كلامه:
"أوافقك الرأي، فلم يعد هناك متسع من الوقت حتى أعود للمعسكر، ويجب علي على الأقل أن أصل إلى الدائرة السحرية الأولى."
أمسك إيرماند بعصاه السحرية، وكانت عصا خشبية مليئة بالنتوءات، تتوسطها كرة زرقاء اللون. نظر ليام إلى العصا وقال:
"هذه أول مرة أرى فيها عصاك السحرية."
قال إيرماند:
"وهل تعلم سبب إظهاري للعصا لك؟"
ردّ ليام:
"لا أدري."
قال إيرماند:
"حسنًا، أريد أن أوضح لك شيئًا، لكن أولًا أريد أن أسألك سؤالًا: لماذا يستخدم بعض السحرة العصي السحرية؟"
فكّر ليام مليًا في كلام إيرماند وقال:
"أليس ذلك لتسهيل استخدام السحر؟"
ضحك إيرماند وقال:
"أصبت، لكن هناك سببًا آخر."
رفع ليام حاجبيه:
"ما هو؟"
أجابه إيرماند بينما كان يجلس على الكرسي الخشبي ذي الملمس الخشن:
"السبب، ببساطة، هو الحفاظ على حياتهم."
صُدم ليام مما سمعه:
"ماذا تعني بالحفاظ على حياتهم؟"
"لأنه مع تقدّم السحرة في المستوى، يزداد ضغط المانا في أجسادهم، وأغلب السحرة لا يملكون جسدًا كافيًا لإطلاق تلك الكمية من المانا من أجسادهم مباشرة، لذا يحتاجون إلى وسيط."
قال ليام:
"وهذا الوسيط هو العصا السحرية؟"
"هاها، أصبت يا فتى."
عقد ليام حاجبيه وقال باستغراب:
"إذًا أليس من يمتلكون العصي هم أصحاب مستوى عالٍ في السحر؟ إذًا ما المستوى الذي بلغته أنت؟"
ضحك إيرماند بشدة وقال بابتسامة:
"إن كنت تريد أن تعرف بشدة، فلك ذلك."
طقطق السيد إيرماند أصابعه، فأحسّ ليام بأن كل شيء من حوله يختفي ويتبدد. بدأ الفضاء بالتغيّر من حوله، والاهتزازات تشتدّ شيئًا فشيئًا. سمع ليام صوت "بووووم"، أغمض عينيه، وبعد مدة وجيزة سمع أصوات انفجارات. فتح عينيه فوجد نفسه في مكان غريب، كأنه في سماء، لكن تلك السماء ملبدة بالغيوم تصدر منها أصوات شديدة، والبرق يتوهج بشدة.
ولم يكن هذا كل شيء، إذ شعر ليام بسخونة الأرض من حوله، فنظر عند موضع قدميه فوجد أن كل الأرض من حوله مشتعلة، والنار تلتهم كل شيء، لكنها ليست نارًا عادية، بل نار زرقاء. كان ليام في صدمة، لا يدرك ما هذا المكان وكيف أتى إلى هنا.
قطعت أفكاره ضحكة مألوفة. قال ليام بصوت عالٍ ومرتجف:
"سيد إيرماند، أهذا أنت؟"
ردّ إيرماند وهو يضحك:
"آسف على إقلاقك، لكن دعني أرحّب بك في عالمي الخاص، وهو ردّي على سؤالك عن مستواي. مرحبًا بك في نطاق الساحر."
Salah