كانت العربة تقطع بسيرها أراضي فاميليان، وكانت الفتاة ما زالت تتأمل المناظر الخلابة من الحقول الواسعة والجبال المكسوة باللون الأبيض التي تعانق السماء.
وبعد بضع ساعات، كانت العربة قد وصلت إلى بوابات مدينة فاميليان الخارجية، وكان هناك حراس على البوابة طلبوا من سائق العربة أن يُعرِّف عن هوية العربة وما مقصدها من دخول فاميليان.
لاحظ جندي برتبة عالية الموقف، وصرخ في الجندي الذي كان يسأل عن هوية العربة، وهمس منبهًا:
"تمهل أيها الأحمق، ألا ترى أن العربة تحمل شعار فاميليان؟"
قال الجندي: "أعلم، ولكن ألا يجب تفتيشها رغم ذلك؟"
داس الجندي ذو الرتبة العالية على صاحب السؤال، فتألم بدوره بشدة، وقال بضيق: "أيها القائد نيرو، لماذا فعلت ذلك؟"
قال نيرو: "ستشكرني لاحقًا."
قال سائق العربة: "سيدتي تشعر بالضيق، ألن تسمحوا لنا بالدخول؟"
قال نيرو: "أعتذر بشدة، سوف آمر بفتح الأبواب الآن."
وبعد لحظات، بدأ الباب الخشبي العملاق بالانفتاح شيئًا فشيئًا، ودخلت العربة. أمرت الفتاة التي في العربة السائق بالإسراع.
كانت العربة تسير على طريق حجري يتوسط المنازل والمنشآت، حتى وصلت إلى قلعة فاميليان الخارجية. كانت قلعة ضخمة بأربعة أبراج حراسة. شقّت العربة طريقها إلى داخل القلعة، وهناك كان يتواجد فوج لاستقبالها يتكون من مجموعة من الجنود وأصحاب المناصب، وعلى رأسهم سيد القلعة.
توقفت العربة أمامهم مباشرة، وفُتح باب العربة، ونزلت منه سيدة بديعة الجمال بشعرها الأسود الداكن وعينيها الزرقاوين، وكانت تحمل السيف بجانب خصرها. وفور نزولها، نطق الجميع في صوت واحد:
"منذ القِدم ونحن حراس الشمال، ستبقى سلالة الأسد شامخة. نحيّي السيدة الأولى، والملكة الجليدية، نحيّي السيدة فالورا."
قالت فالورا بصوت هادئ: "لم يكن هناك داعٍ لمثل هذا الاستقبال، جميعًا لم أركم منذ مدة، هل كنتم بخير؟"
قال جميع الحضور بابتسامة وفرح: "نشكر السيدة فالورا على قلقها علينا."
تقدّم سيد القلعة، فقالت فالورا بتعابير باردة لا توحي بأي مشاعر: "لم أرك منذ زمن، سيد سيرياس."
قال سيرياس: "أنا سعيد برؤيتك يا آنستي الشابة، تفضّلي بالدخول للقلعة."
دخلت فالورا للقلعة بخطوات هادئة ومتزنة تكاد لا تصدر أي صوت، وكانت تسير في أحد أروقة القلعة الضخمة.
سألت فالورا: "هل حدث أي شيء مريب في غيابي؟"
قال سيرياس: "باستثناء نزاعاتنا مع البرابرة، لم يحدث أي شيء."
قالت فالورا: "إذًا، كيف حال إخوتي؟"
أجاب سيرياس: "السيد الثاني يتابع أعماله الدبلوماسية والإدارية، وقد توجّه إلى مهد الشمس، والثالث والرابع ما زالا في الأكاديمية الإمبراطورية، غير أن الرابع قد عاد هنا لبعض من الوقت. أما بخصوص الأصغر، فهو الآن في خضم التدريب في معسكر فاميليان، وقد رُشّح ليكون أحد المشاركين في منافسة المعسكرات."
توقفت فالورا عن السير واستدارت ناحية سيرياس، وقالت بنبرتها الجليدية المعتادة: "ماذا قلت لتوّك، سيد سيرياس؟ أتقول الآن إن الأصغر قد انضم إلى معسكر فاميليان وما زال صامدًا فيه؟ لكن كيف هذا، وهو عاجز حتى عن استشعار المانا؟"
قال سيرياس: "بخصوص هذا، لقد أيقظ السيد الصغير هالته."
كان الجو قد أصبح باردًا، وأصبح كل من في الطريق يشعرون ببرودة شديدة، سرعان ما هدأت واختفت تلك البرودة.
تابعت فالورا سيرها، وقالت في نفسها: "إذًا أيها الأصغر، لم تعد موطء ضعف بعد الآن."
وفي تلك الأثناء، كان ليام يجلس على صخرة عملاقة في وسط البحيرة. كان ليام هادئًا لا يصدر أي جلبة، وكان يصبّ جلّ تركيزه في التأمل. كان إيرماند ينظر إلى ليام من عند حدود البحيرة، وفانتوم مستلقٍ على كتفه.
قال إيرماند: "هذا الفتى مذهل، فبالرغم من ضعف موهبته الجسدية، وهذا يجعل تقدّمه بطيئًا، إلا أنه يعوّض ذلك بسرعة استيعابه للمعلومات."
تأمل إيرماند جسد ليام، فوجد أن مسارات المانا بدأت في التحوّر واتخاذ الشكل المناسب لليام. فقبل بضع ساعات، أخبر إيرماند ليام بأنه وجد مشكلة في ضعف جسده. لم يصدق ليام ما سمعه من إيرماند، وقال بذهول شديد: "أتمزح معي يا عجوز؟"
قال إيرماند: "يا ولد، هذا ليس وقت المزاح، والآن استمع بعناية، ما أكثر ما يجعلك تعاني بشدة؟"
قال ليام: "الضغط الشديد في جسدي، وعدم استطاعتي المواكبة بين استخدام الهالة والسحر."
قال إيرماند: "والحل، ما هو برأيك؟"
قال ليام: "وما أدراني؟"
قال إيرماند: "ببساطة، الحل في استخدام جسدك بطريقة لا تجعل هناك أي ضغط على مسارات المانا. اسمع، لقد لاحظت أن نصف جسدك المستخدم للهالة يستهلك مانا بكمية كبيرة، مما يجعل هناك ضغطًا على نصف جسدك الضعيف من الأساس."
قال ليام: "والحل؟"
قال إيرماند: "الحل ببساطة هو دمج المسارات، حرفيًا، لا تجعل هناك حاجزًا بين الجانبين، افتحهما ودعهما يلتقيان ويتناغمان سويًا، هيا قم بذلك."
دفع إيرماند ليام ناحية البحيرة: "تحتاج للتأمل، وطريقة فتح المسارات على بعضها ستجدها أنت بنفسك."
وبعد استرجاع إيرماند لما حدث، عاد إلى أرض الواقع، وقال في نفسه وهو غير مصدّق: "هذا الفتى، إنه في طريقه للنجاح." نظر إلى جسد ليام في تأمل، وقال: "ليس فقط أنه فتح جميع المسارات، بل قام أيضًا بالتخلّص من كل الشوائب المضرّة."
ضوء ساطع ينبعث من ليام، كانت عضلات ليام تنقبض وتنبسط حتى كادت تتمزق، والضغط الجسدي والنفسي كانا رهيبين، وبدأت الدماء تخرج من فم وعين ليام.
قال إيرماند بصوت عالٍ: "تحمّل يا فتى!"
عملية ضخمة كانت تحدث في جسد ليام، وهناك شيء فريد يتكوّن في جسده. الضوء يزداد سطوعًا حتى حال بين إيرماند وليام، وبعد لحظات اختفى الضوء. نظر إيرماند بلهفة ناحية ليام، فوجد أن ليام كان واقفًا على الصخرة وعيناه مغمضتان.
فتح ليام عينيه، نظر لجسده، وبدأ بقبض يده وبسطها، وقال والسرور يملأ وجهه: "ذلك الشعور، أخيرًا نجحت. نسمات الريح تعطي البهجة دائمًا، وتبعث في بدني السرور."
كان الهواء من حول ليام يتجمّع. نظر ليام إلى إيرماند بابتسامة وقال: "سآتي الآن حالًا." قفز ليام في السماء.
قال إيرماند: "احترس، ستغرق!"
قال ليام والحماسة تعتليه: "لا عليك."
كانت الرياح ما زالت تحيط بليام، وكان يبدو وكأنه يطير في السماء، وقام بسرعة كبيرة بعبور البحيرة. هبط ليام ببطء عند مكان إيرماند.
قال إيرماند لليام: "لا تقل لي إنك..."
قال ليام: "آه، نجحت، أنا الآن ساحر في الدائرة الأولى، وأول سحر أستخدمه هو سحر الرياح."
قال إيرماند: "بداية موفقة، سأحرص في المرة القادمة على إحضار كتب فيها تعاويذ لسحر الرياح."
قال ليام، والذي كان يستعد للمغادرة: "حسنًا، سأعتبر هذا وعدًا، والآن قد حان موعد رحيلي، إن أردت منك شيئًا هل سأجدك في المتجر؟"
قال إيرماند: "على الدوام."
وهكذا ودّع الاثنان بعضهما.
وفي معسكر فاميليان، تحديدًا في ساحة التدريب، كان لوكس وكايل يتدربان، وكل منهما يتلقى ضربات الآخر. كان لوكس يندفع ويضرب بسيفه بحركات سريعة وحادة، أما كايل فكان يتحرك برزانة ويتصدى للضربات ويتخذ الخطوة المناسبة في كل موضع. كانت تحركاتهما شديدة السرعة والسلاسة.
قاطع تدريب الاثنين صوت مألوف. ابتسم لوكس فور سماع الصوت وقال: "مرحبًا بك، أين الطعام؟"
ضحك ليام وقال: "كنت أعرف أن هذا أول شيء ستسأل عنه."
نظر ليام لكايل ولوّح بيديه، فرد كايل التحية بيديه دون قول أي من عبارات الترحيب.
نظر ليام للاثنين وقال في نفسه: "الآن يبدأ الحماس."
Salah