من يخلف الأسد

من يخلف الأسد

27 0

كانت السماء ملبدة بالغيوم السوداء، وأصوات الرعد المرعبة تطغى على الأجواء، والبرق المهيب يضيء ويطغى على لون السماء السوداء الكئيب، والأرض التي كانت تحت أقدام ليام مشتعلة بلهيب أزرق شديد.

كان ليام ما زال لم يستوعب كيف ومتى أتى إلى هذا المكان، ولكن كانت رؤيته وحاسة شمّه تضعفان بسبب الدخان الكثيف المنبعث من النيران. نادى بصوت جهوري على إيرماند:

ما الذي تقصده بـ"نطاق الساحر"؟

ضحك إيرماند، ولم تمضِ برهة حتى رد على سؤال ليام قائلاً:

يا فتى، النطاق هو تجسيد لعقلية الساحر، فما تراه الآن هو مرآة لطبيعة أفكاري.

تأمل ليام في كل شيء من حوله، وقال في نفسه: "هل هذا حقاً تجسيد لطبيعة السيد إيرماند؟ ترى ماذا رأى في حياته حتى أصبح هذا النطاق على هذا الشكل البائس الذي يبعث الكآبة في البدن؟"

قال إيرماند:

لقد انتهى وقتنا في هذا العالم.

ثم طقطق أصابعه، فبدأ كل شيء يتبدد؛ الغيوم تختفي، والأصوات تسكن، والنيران المتأججة تخمد، كل شيء تبدد وعادت الأرض إلى ما كانت عليه.

تنفس ليام بعمق وقال في نفسه: "هذا أفضل"، ونظر إلى الأرض من حوله وإلى البحيرة التي كانت تعكس ضوء الشمس كأنها لآلئ متوهجة.

عاود إيرماند شرحه وقال:

إذاً، هل استوعبت مقدار قوتي؟

نظر ليام إلى إيرماند وتأمل في وقفته المتفاخرة ونظرته المتعالية، وقال في نفسه: "ماذا أفعل؟ يجب أن أعطيه إجابة ترضيه... هممم."

نظر إيرماند إلى ليام وسأله:

ما الذي يضحكك يا فتى؟

أجابه ليام:

لا شيء، لا شيء إطلاقاً، ولكن إجابتي على سؤالك هي... لا، لم أقتنع.

تعثر إيرماند في وقفته وتبددت ابتسامته المتفاخرة إلى عبوس، وقال:

أنت تثير حنقي يا فتى.

قال ليام:

أمزح، أمزح، ولكن ما الذي يمكن للساحر أن يستفيد منه في النطاق؟

قال إيرماند:

حسناً، ما الذي يمكنك استفادته من النطاق هو... لا شيء.

سحب ليام سيفه وقفز نحو إيرماند وردد بغضب:

سأقتلك!

اختفى إيرماند وظهر من خلف ليام، وقال وهو يضحك بسخرية:

اهدأ يا فتى، لا أقصد إزعاجك. أنا بالفعل لا أعرف ما الذي يمكننا أن نستفيده من النطاق، لكنه حتى الآن يعمل كمقياس للساحر ذي المكانة العالية.

قال ليام بعد أن أعاد سيفه إلى غمده:

إذاً، أليس هناك أي وسيلة يمكن أن أستفيد منه في القتال؟

فكر إيرماند مليّاً في كلام ليام، وقال بابتسامة مشرقة:

من يدري؟ لا مستحيل في السحر.

قال ليام:

إذاً ما المستوى الذي أحتاجه كي أصنع النطاق؟

قال إيرماند:

عادة ما يحتاج الساحر إلى الوصول لمستوى الدائرة السابعة حتى يكون له نطاقه الخاص.

قاطع ليام كلامه:

انتظر، أهذا يعني أنك وصلت للدائرة السابعة؟

وقف إيرماند بافتخار والغرور يعلو وجهه، وقال:

أنت سريع البديهة يا فتى.

قال ليام:

ليتني كنت مخطئاً.

قال إيرماند:

لكن ليس كل السحرة في الدائرة السابعة قد صنعوا النطاق الخاص بهم، فهذا يتطلب فهماً كبيراً للسحر، بل يجب أن يكون المرء مدركاً لطبيعته الحقيقية.

قال ليام:

توقف عن قول كل تلك المعلومات، يكاد رأسي ينفجر! أراهن أنه لو كان هناك أحد يقرأ كلامك سيلعنك حتى مماتك.

صاعقة ضربت ليام، فصرخ من الألم وقال باستياء:

دعني... لماذا فعلت ذلك؟

قال إيرماند:

يجب أن تتحلى ببعض الأدب. دعنا الآن من الانخراط في أشياء بعيدة المنال، ونركّز على الأساسيات الآن، اخلع ملابسك.

قال ليام في نفسه: "ما علاقة كل كلام السحرة الذين أقابلهم بخلع الملابس؟" وبينما كان يفكر في الأمر، خطرت بباله تلك المساحة البيضاء التي كان فيها قبل العودة بالزمن: "هل كانت تلك هي نطاق الساحر ماجين؟ لا يهم الآن، يجب أن أركّز على ما أمامي الآن، بالإضافة إلى أنه لم يتبقَّ إلا يوم على العودة للمعسكر."

وبينما كان ليام يستعد لبدء طريقه الحقيقي في السحر، كان هناك اجتماع يُقام في غرفة متوسطة الحجم مليئة بالتماثيل والأعلام التي تحمل شعار "فاميليان"، وفي وسطها طاولة تأخذ شكل المستطيل، ومن حولها عدة مقاعد.

تكلم أحد الحاضرين، وكان صوته يظهر عليه أثر الكبر في السن، يرتدي عباءة سوداء رُسم عليها شعار الأسد الفضي. خطب هذا الرجل في الحضور وقال:

أعضاء الحزب الموقّرين، أرحب بكم الآن في هذا الاجتماع.

قال أحد الجالسين على المقاعد:

سيدي، هل لي أن أعرف سبب تقديم موعد الاجتماع؟

ابتسم الرجل العجوز وقال:

حسناً، يبدو أن الأخبار لم تصلكم، دعوني أطلعكم عليها؛ الوريثة الأولى في طريقها إلى بيت فاميليان الآن.

وقف أحد الحضور من مقعده:

هل أنهت مهمتها في أرض أتاكاما؟

قال العجوز:

ليس هذا هو المهم، لقد وصلتني معلومات من المقربين منها أنها تعتزم الانسحاب من صراع الخلافة.

قال الجميع في صوت واحد عدا العجوز:

ماذا؟! هذا غير معقول، وهل سيسمح رب الأسرة لها بالانسحاب؟ فهي الأفضل بين جميع الأبناء وأكثرهم موهبة!

قال العجوز:

السيد لا يهتم بمثل تلك الشكليات، فهو لن يفرض على أي أحد من أبنائه شيئاً، خصوصاً تولي حكم العائلة.

قال أحد الحاضرين:

إذاً ماذا نفعل؟

رد العجوز:

يجب أن نجد المرشح المحتمل ونبسط سيطرتنا عليه. هيا، أبدوا اقتراحاتكم وتوقعاتكم بمن هو الأوفر حظاً للخلافة.

رفع شخص يجلس أمام العجوز يده:

أرى أن الثاني هو الأوفر حظاً.

قال العجوز:

ما سبب اختيارك؟

أجاب:

أظن أنه بسبب صفاته وتميّزه بالهدوء والرزانة.

قال العجوز:

يتطلب كونك سيد فاميليان أكثر من ذلك.

تواصلت الآراء؛ فمنهم من قال الثالث، ومنهم من أعاد ترشيح الثاني. قال شخص ذو لحية بنية وقصيرة نسبياً:

أحترم آراءكم، لكن الأوفر حظاً للخلافة هو الرابع، فهو بالإضافة لموهبته يتصف أيضاً بالدهاء والمكر، بالإضافة إلى وجود من يدعمه في العاصمة الإمبراطورية.

قال العجوز:

عائلة أمه...؟

أجاب:

أصبت.

قال العجوز:

هذا بالفعل يبدو منطقياً، لكن لماذا لم أجد منكم من يرشّح الخامس؟

أجابوا جميعاً:

مستحيل! صحيح أننا سمعنا أنه استطاع إيقاظ هالته وقد رُشِّح لمنافسة المعسكرات، إلا أنه ما زال بعيداً جداً.

قال العجوز وهو يتلمس لحيته: "بالفعل..."

وعند حدود فاميليان، تشقّ عربة فاخرة تحمل شعار الأسد الفضي طريقها، تجرها أحصنة أصيلة تمتاز بالقوة والسرعة. وكان داخل تلك العربة فتاة ترتدي ملابس قتال مطرزة بخطوط فضية تحمل شعار فاميليان، فتاة بشعر أسود داكن وعينين زرقاوين.

نظرت بتلك العينين من خلال النافذة إلى الجبال الشاهقة، وقالت بصوت جميل واضح:

فاميليان... عدتُ لأرض الوطن

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمرد على القدر

المؤلف Salah
2026/06/05 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة