هذا هو طريقي

هذا هو طريقي

27 0

كان الليل قد حلّ بسكونه وظلامه الموحش. كانت السماء خالية من النجوم، لا يضيئها إلا ضوء القمر الذي كان قد كسا نوره سقف الكوخ الخشبي الواقع في وسط الغابة. كان يخيّم على محيطها لون أخضر داكن، تختبئ تحته مئات الجحور لكائنات تخشى الوحوش المفترسة. كانت بالفعل ليلة هادئة.

داخل الكوخ الخشبي، كان الساحر إيرماند جالسًا على كرسي خشبي صغير، ينظر بتوتر إلى ليام الذي وضعه على السرير، يترقب في كل لحظة على أمل استيقاظه. كان الاءسي ينهش قلب ايرماند. قال أيرماند بصوت مبحوح: "أنا السبب... اعذرني يا فتى". نظر إلى ليام وهو يسترجع ما حدث قبل ساعات.

***

كان إيرماند وليام قد وصلا إلى الكوخ الخشبي. كان ليام شديد التعب، يظهر على وجهه الإرهاق الشديد، وقال بصوت مبحوح: "أخيرًا وصلنا. قل لي مرة أخرى، لماذا لم نأتِ بالأحصنة أيها العجوز؟"

قال إيرماند: "ألم أقل لك سابقًا؟ إن ركبنا الأحصنة فسيحدث هذا جلبة في الغابة، وقد يثير هذا الوحوش المختبئة في الجحور."

قال ليام وما زال متعبًا: "لو قتلناهم لكان الأمر سهلًا. ثم إن لدي سببًا آخر."

قال إيرماند: "ما هو؟"

قال العجوز: "كانت هذه الغابة أول موطن لي منذ مغادرتي لبرج السحر، وكانت كل الوحوش التي هنا بمثابة عائلة لي."

قال ليام مجددًا: "إنك تجعلني أشعر بالغرابة من تصرفاتك أيها العجوز."

قال إيرماند مبتسمًا: "لست غريبًا أكثر منك يا فتى. والآن لنسترح قليلًا، ثم بعد ذلك سوف تتعلم السحر."

أسرع ليام إلى الكوخ للاستراحة قليلًا.

***

بعد الاستراحة الوجيزة، أعدّ الاثنان نفسيهما ووقف ليام أمام إيرماند.

قال إيرماند لليام: "أخبرني، ما مفهومك عن السحر؟"

قال ليام: "أليس السحر هو إلقاء الترانيم السحرية، وتشكيل دائرة سحرية، وإلقاء التعاويذ؟"

ضربه إيرماند ضربة برق، فصرخ ليام: "مؤلم! مؤلم! لماذا فعلت هذا؟"

قال إيرماند: "لأنك تهين الساحر. هكذا الساحر هو فنان، يستطيع صياغة المانا إلى الشكل الذي يراه يناسب سجيته وأفكاره. الساحر يقوم بتحويل المانا من شكلها الخام إلى شكل أكثر رقاءً. على عكسكم أيها الفرسان، تقومون فقط بتحويل المانا إلى طاقة متدفقة تلتف حول جسدكم لتبدوا بشكل مبهرج."

قال ليام بانزعاج: "ألا تظن أن كلامك هذا جارح؟"

قال إيرماند: "لا، فقد قلت الحقيقة فقط. ولا تقاطعني، ودعني أكمل الشرح."

تابع إيرماند كلامه: "صحيح أن كل السحرة هم فنانون مبدعون، لكن تختلف درجة الإبداع من ساحر لآخر. فهناك من يتبعون كلام الكتب بكل حذافيرها، ويقومون فقط بتطبيق المعادلات السحرية التي درسوها. قد لا يكون هذا خطأ في الظاهر، لكنهم بذلك يرتكبون أشنع جريمة في حق السحر؛ إنهم بذلك يجردون السحر من جماله، وهو الإبداع."

قال ليام: "إذًا، هل تعارض أن يتبع الطلبة كتب السحر؟"

قال إيرماند: "قطعًا لا، فالكتب هي مفتاح طريق السحر لأي شخص. لكنني لا أحبذ أن يعتمد الساحر على الكتب دائمًا، بل على مخيلته. فلا يقوم بصياغة التعاويذ السحرية التي حفظها من الكتب، بل يقتطف مقتطفات منها تساعده على ابتكار صيغ تعمل على كيفية إدراك عقله للسحر، وبالشكل الذي يتناسب مع طبيعة جسده."

توقف إيرماند عن الكلام للحظات، ثم تابع بابتسامة: "هذا هو نفس معتقد السيد ماجين."

قال ليام باستغراب: "وكيف تعرف هذا؟"

قال إيرماند بكل ثقة: "عن طريق الكتاب الذي عثرت عليه. فبعد فك رموز الكتاب، كان مضمونه تحذيرًا من شر يهدد العالم، دون ذكر أي تعاويذ أو تعاليم سحرية تفيد السحرة. فهو يعتقد أيضًا أن الساحر يجب أن يعتمد على أفكاره الخاصة النابعة من إيمانه الخالص."

قال ليام: "عجيب أمركم أيها العجائز."

قال إيرماند: "لنتطرق للموضوع التالي، وهو أنواع السحرة."

قال ليام: "لِمَ السحر معقد كثيرًا؟"

قال إيرماند: "صمتًا واستمع. السحرة هم بدورهم يحولون المانا لعناصر كالنار والماء والرياح، لكنهم يختلفون عن بعضهم في طبيعتهم السحرية. فهناك السحرة أحادي العنصر الذين يستطيعون استخدام عنصر واحد فقط. وهناك مزدوجو العنصر، فهم يستطيعون استخدام عنصر واحد أيضًا، لكن ما يميزهم أنهم يستطيعون استخدام العناصر المنحلة من العنصر الرئيسي. وهناك السحرة ذوو العناصر المتعددة، وهم سحرة يمكنهم استخدام عدة عناصر مختلفة التكوين، لكنهم لا يستطيعون استخدام العناصر المنحلة من العناصر الرئيسية. وأقصى عدد من العناصر الرئيسية يستطيعون غالبًا استخدامه هو ثلاثة."

قال ليام: "ألا يوجد من يستطيع جميع العناصر الرئيسية والعناصر المنحلة معا؟"

قال إيرماند: "قد يوجد ولا يوجد."

قال ليام بضجر: "أوضح قليلًا."

قال إيرماند: "أعني أنه كان هناك ساحر واحد، أعظم سحرة التاريخ: السيد ماجين."

قال ليام: "ألم يكن هناك في التاريخ من استطاع مقارنة ماجين في السحر؟"

قال إيرماند: "على حد علمي، لا أحد."

قال ليام: "إذًا، أي نوع من السحرة أنت سيد إيرماند؟"

قال إيرماند: "أنا ساحر مزدوج العنصر. فالبرق الذي ضربتك به منذ قليل كان سحري الثانوي."

قال ليام: "إذًا سحرك الرئيسي هو...؟"

قال إيرماند: "آه، سحري الرئيسي هو النار."

فتح إيرماند يديه على مصراعيهما، وأظهر في يده اليمنى سحر النار وفي اليد اليسرى سحر البرق. قال إيرماند لليام: "ما رأيك؟"

قال ليام وعيناه منصبتان على يدي إيرماند: "هذا مذهل بحق. لكن أليس من المفترض أن تحاوط يديك الاثنتين دائرتان سحريتان تكسوهما النقوش الرونية؟"

قال إيرماند: "إن هذا ما يفعله المبتدئون. فالسحرة الذين في الدائرة السحرية الأولى حتى الثانية هم من يستعملون تلك الدوائر الرونية. وأيضًا السحرة من الدائرة السحرية الثالثة حتى الرابعة يستعملونها أيضًا، لكن مع تعاويذ بمدى أكبر وأقوى."

تابع إيرماند كلامه بفخر: "أما السحرة من الدائرة السحرية الخامسة حتى السادسة، فيستطيعون استعمال السحر دون تلك القيود."

قال ليام: "إذًا ما فائدة تلك الدوائر؟"

قال إيرماند: "لحماية المبتدئين، فهم في بداية استعمالهم للسحر سيواجهون صعوبة في تطويع المانا وإخضاعها."

قال ليام مفكرًا: "أتذكر في تلك الليلة التي كشفت فيها هويتك، قمت حينها بتفعيل دائرة رونية حول جسدك."

تابع ليام كلامه بسخرية: "أكنت ضعيفًا حينها؟"

قال إيرماند بغضب: "بالتأكيد لا. استعملتها فقط لأني كنت أود أن أستعمل سحرًا منخفض المستوى لتخويفك."

قال ليام وهو يحك يده من فوق قفاه: "أصدق... أصدق."

قال إيرماند لليام: "انتبه جيدًا أيها الفتى." قرّب إيرماند يديه اللتين في كل منهما سحر البرق والنار من بعضهما.

قال ليام: "ماذا تفعل؟"

قال إيرماند مبتسمًا: "هذا هو إبداع الساحر الحقيقي، أن تقوم بصياغة سحر على إرادتك وتفكيرك."

اختلط البرق بالنار، تفككت صيغتهما السحرية واندمجا مع بعضهما، مشكلين نارًا شديدة الزرقة.

قال ليام وهو غير مصدق: "هذه نار زرقاء! أهذا ما كنت تقصد بالإبداع؟"

قال إيرماند لليام: "أرأيت؟ الآن حان دورك."

قال ليام بتوتر: "دوري؟"

قال إيرماند: "آه، فنجم الحفلة اليوم هو أنت. أولًا يجب أن نرى طبيعتك السحرية. هيا استرخِ وقم بما قلت لك سابقًا."

أغمض ليام عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، وقام باتباع إرشادات إيرماند الذي كان يقول: "قم بالتركيز على نصف جسدك ذي المانا الساكنة. اشعر بها، أَخْضِعْها لك، اجعلها تتشكل بإرادتك أنت." كان الكلام سهلًا، لكن الأصعب كان تطبيقه. تعرّق ليام بشدة، وظهر على جسده الارتجاف. قال إيرماند: "تابع، هيا."

كانت المانا في جسد ليام تتحرك وتسكن تارة، يسيطر عليها لتحكمه وتارة يفقد السيطرة عليها. لكنه تابع وتابع. عروق نصف جسده ومسارات المانا بدأت تتشكل بشكل بطيء لكنه سلس. المانا الآن تتحور، الطريق الذي كان صعب المراد في البداية صار أكثر يسرًا. أضاءت المانا في جسد ليام وتوهجت بنور أبيض نقي. فتح ليام عينيه.

قال إيرماند له: "ماذا رأيت؟"

قال ليام: "ما الذي تعنيه؟"

قال إيرماند: "إن كنت رأيت نارًا متأججة فعنصرك النار، وإن رأيت أمواجًا عالية وكتلة مائعة فعنصرك الماء، وهكذا الحال مع بقية العناصر."

قال ليام بتعب: "لا هذا ولا ذاك. رأيت نورًا أبيض نقيًا."

توقف إيرماند عن الكلام، نظر فترة إلى ليام ثم أسرع وأمسكه: "أأنت جاد؟ أمتأكد مما رأيت؟"

قال ليام: "ارفع يدك عني قليلًا، أنا متأكد حقًا مما رأيت. لماذا أنت مصدوم؟ أهذا سيء؟"

قال إيرماند: "سيء؟ بل هذا مذهل، بل أكثر من مذهل! أتعرف ماذا يعني هذا؟ يعني أنك ستكون ساحرًا متعدد العناصر. إن أجد شخصًا مثلك وأيضًا قادرًا على استخدام الهالة... إن هذه معجزة، معجزة بحق."

أدار إيرماند ظهره لليام وقال وهو ينظر إلي السماء: "بهذا فتحت لك كل سبل الإبداع."

قال ليام وهو يشعر بالاختناق الشديد: "هذا جيد حقًا." وقام ليام بالسعال.

نظر إيرماند إلى ليام وقال: "ما خطبك؟" لكنه صدم مما رآه. وجّه يده ناحية ليام مشيرًا إلى أنفه وقال بخوف: "ليام، أنت تنزف من أنفك!"

قال ليام بصوت مبحوح: "آه، يبدو ذلك." تابع ليام السعال، لكنه هذه المرة أخرج الدم من فمه، وكان يفقد اتزانه شيئًا فشيئًا حتى سقط مغشيًا عليه. وآخر شيء رآه هو إيرماند وهو يسرع لمساعدته.

***

انتهى إيرماند من تذكر تلك الحادثة. تابع النظر إلى ليام الملقى على السرير، وقال بصوت مرتجف: "آسف حقًا أيها الصغير. كل هذا خطئي. لو سعيت جاهدًا لأجعلك تعدل عن تعلم السحر... لو بذلت جهدًا أكثر في إنقاذك... لكن ما زلت أنا ذلك العجوز الذي لا يهتم إلا بالأبحاث والاكتشافات. لقد وجدت فيك الموهبة التي لم أرها قط في حياتي. قلت في نفسي: إن يصبح هذا الطفل قادرًا على تعلم الهالة والسحر، سيكون هذا رائعًا وسينسب الفضل لي. لكن..."

كانت دموع أيرماند تنهمر بلا توقف ، وقد بللت الدموع لحيته وانهمرت على جسد ليام. قال إيرماند: "لكن لم أكن أتوقع أن يكون جسدك هو أكثر جسد ضعيف وهش رأيته في حياتي. أنا لا أدري كيف استطعت أن تستعمل الهالة حتى، بل كيف استطعت أن تبقي على قيد الحياة إلى الآن. سامحني." تابع إيرماند بكاءه.

لكنه سمع صوت ألم قد صدر. هذا الصوت صدر من ليام الذي كان يفتح عينيه بصعوبة وهو يقول: "هل السماء تمطر؟ يبدو أن المطر تسرب من السقف." لكنه عندما فتح عينيه بالكامل وجد حال إيرماند. قال ليام بابتسامة: "لا، يبدو أن تلك القطرات كانت دموعك أيها العجوز. أخبرني، لماذا تبكي؟"

أسرع إيرماند باحتضان ليام وقال: "حمدًا لله أنك ما زلت حيًا."

قال ليام وقد بادره الآخر باحتضان إيرماند: "أنا لن أموت بسرعة أيها العجوز، على عكسك. أظن أنه لم يتبق لديك إلا بضع سنوات."

قال إيرماند وقد ترك ليام: "يجب عليك ترك فكرة تعلم السحر. لا، بل من الأفضل ألا تستخدم الهالة، لأنك إن تابعت على هذا المنوال سوف..."

قاطع ليام كلام العجوز: "سأموت، أعلم هذا. فأنا أكثر شخص يعلم عيوب جسدي. لكن ليس باليد حيلة."

قال إيرماند: "إذًا لماذا تستمر باستعمال الهالة، وفوق ذلك تريد تعلم السحر وأنت تعلم عاقبة ذلك؟"

قال ليام بابتسامة: "لأنه لا خيار آخر لدي سوى التقدم للأمام بكل قوة."

قال إيرماند بصوت حزين: "لكن..."

قال ليام: "هذا خياري، وهذه هي الطريقة التي اخترت أن أعيش بها حياتي. حتى لو لم أعش لفترة طويلة، حتى لو مت قبل الجميع، أفضل أن أموت وأنا أفعل ما أريده."

نظر ليام إلى إيرماند بعيون راجية وقال: "أرجو أن تتفهم وجهة نظري."

صمت إيرماند، ومعه ساد الصمت الليل الموحش، لا يقطعه إلا صوت زئير الوحوش.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمرد على القدر

المؤلف Salah
2026/06/05 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة