ضيف غير مرحب به

ضيف غير مرحب به

38 0

كان صدى صوت حذاء أخي يزداد علواً شيئاً فشيئاً معلناً اقترابه. ومع اشتداد الصدى في أرجاء المكتبة الساكنة، شعرت برعشة خوف تنهش داخلي؛ فأنا لم أنسَ الجحيم الذي جعلني أعيش فيه في حياتي الماضية. الألم الذي تسبب فيه لي في الماضي بات مرافقاً لروحي، غاص في أعماق جسدي وسكن فيه.

​أسرعت بإخفاء كتاب الساحر "ماجين" داخل ملابسي بإحكام، وتأكدت من ثباته، ثم وقفت أنتظر وصول أخي. ولم يمضِ وقت طويل حتى التقينا وجهاً لوجه.

​نظرت إليه للحظات.. كان يرتدي ملابس فخمه بدلة سوداء مزينة بشعار الاسد شعار العاءله تأملت عينيه الرماديتين وشعره الفضي اللامع. لقد ورث تلك الملامح البهية والنقية من أمه النبيلة، فنحن إخوة من الأب فقط. ولكن، لا يغرنكم وجهه الوسيم المشرق، فهو وحش كاسر لا يعرف رحمة! فرغم أنه يكبرني بخمس سنوات فقط، إلا أنه بلغ بالفعل النجمة الرابعة من الهاله.

​توقفت للحظة أسترجع حساباتي: "هو الآن في سن السابعة عشرة.. هذا يعني أنني أبلغ من العمر الآن اثني عشر عاماً فقط!"

​قاطع حبل تفكيري صوت داميان الساخر والناعم وهو يقول: «لقد سألتُ عن أخي الصغير المحبوب، فأجابوني أنك في المكتبة.. لم أصدق ما سمعته! أولاحقاً أصبح لك هذا الشغف بالكتب يا أخي؟ أم أنك أدركت عجزك وضعفك أخيرًا فتركت القتال، واتجهت للورق لتصبح أمين مكتبة؟ بالتفكير في الأمر، فهذه الوظيفة تناسب أصلك الوضيع تماماً».

​ارتسمت على شفتي داميان ابتسامة تبدو في الظاهر مليئة بالمحبة الأخوية، لكنها في الحقيقة كانت ابتسامة صياد ينظر إلى لعبته المفضلة. وتابع بتعالٍ: «ألا تتفق معي في هذا يا أخي؟»

​أجابه ليام ببرود وثبات غير معهودين: «أانتهيت أخيراً من سخريتك؟ ومن الأساس، هل تعرفني أو تعرف ما أحب يا أخي؟ ما يربطنا ليس إلا اللقب فقط، ولا أتذكر يوماً أنه كانت بيننا علاقة محبة أو ود لتتقرب مني الآن وتسأل عني».

​اتسعت ابتسامة داميان وقال مستنكراً: «ويحك يا أخي! أهكذا تخاطب أخاك المشتاق إليك؟ لقد عدت لتوي من الأكاديمية، وكان أول شيء أردت رؤيته هو وجهك. فعندما أريد تذكر أحبابي، أهمُّ بالذهاب والتأمل في وجوههم».أطلق ليام ضحكة ساخرة وقاطعه بحدة قبل أن يكمل داميان تمثيليته: «أحبابك؟! من تحب؟ أتحبني كأخ لك أم كلعبة تلهو بها في وقت فراغك؟! لا تجب.. فلا أود سماع أكاذيبك. أنت يا من وُهِبت الشكل النبيل والموهبة التي لا نظير لها، تبدو في ظاهر الأمر سعيداً وراضياً عن حياتك، لكنك في الأعماق تشعر بالنقص.. صيرورتك ضئيلة بالفعل يا أخي!»

​تصلبت ملامح داميان فجأة، بينما تابع ليام هجومه النفسي القاتل: «فرغم كل ما تملكه، أنت تغار مني! تغار من حثالة العائلة لأنني أشبهكم وأقربكم شكلاً لأبي! أما أنت، فرغم موهبتك التي تكاد تعانق السماء، تُعامل كفرد خارجي؛ فشعرك الفضي هو نقمة لعائلتنا أكثر من كونها نعمة. اسمعني جيداً أيها الوغد.. إن ظللت تزعجني بغرورك وأحاديثك العرجاء، فاحذر غضبي وتجنب عقابي!»

​كان داميان يستمع لكلمات ليام بملامح جامدة تماماً، ولم يبدِ أي ردة فعل جسدية تجاه هذا الكلام المهين والمزلزل. لم يكن مصدقاً من الأساس أن هذه الصواعق تخرج من شفتي أخيه الضعيف. كان يدور في عقله سؤال واحد: "أهذا هو ليام حقاً؟ مهما تأملت في وجهه فهو هو.. إذن كيف أتته الجرأة لينطق بمثل هذه الكلمات في حضرتي؟"

​قد يظن من يراقب المشهد من بعيد أن داميان سيشتعل غضباً، لكن تعابيره تحولت فجأة إلى ابتسامة غريبة ممتزجة بالانحراف والنشوة؛ لقد شعر بالسعادة! فكلما قاومت الفريسة وتمرّدت، أصبح طعم افترسها ألذ وأطيب في نظره.

​قاطع داميان الصمت قائلاً بنبرة هادئة: «على رسلك يا أخي.. كيف طاوعتك نفسك أن تذمني بتلك الكلمات القاسية؟ أهكذا يعامل الإخوة بعضهم؟ لكنني أتفهم حالتك وأعذر موقفك، فأنا أعلم أنك تمر بوقت عصيب جراء فشلك المستمر في إيقاظ الهالة.. ولكن لا تقلق، فأخوك يدعمك أيما دعم، فلا تستسلم أبداً».

​كان ليام يستمع لكلمات النفاق هذه وعروق جبهته تكاد تنفجر من شدة الغضب، فأطلق صوته كالسهم: «كفى نفاقاً واستهزاءً بي! لماذا لا تكشف عن أنيابك أيها الثعلب الماكر؟ لمَ تستمر في تمثيل دور المحب الداعم وأنت مجرد مؤذٍ لمن حولك؟»

​رفع ليام يده ووجه إصابعه نحو وجه داميان مباشرة وأقسم: «أقسم لك أيها الوغد، بأنني سأقطع لسانك الطويل يوماً، وأحمي الجميع من شرك!»

​أعاد داميان توجيه يديه الاثنتين وفاتحهما على مصراعيهما ببرود مستفز: «على رسلك يا أخي، ما كل هذا الغضب؟ كما قلت لك سابقاً، سأتغاضى عن كلامك القاسي تجاهي الآن. لكن، عليك أن تستعد جيداً للمعسكر غداً.. لأنك إن لم تفعل، سيكون يوماً جحيمياً عليك يا ليام. وأوه.. لدي بعض المعارف هناك، لقد أوصيتهم عليك شخصياً وأمرتهم بأن "يعتنوا" بك جيداً».

​أدار داميان ظهره ملوحاً بيده دون أن ينظر للخلف وهو يتابع حديثه مغادراً: «سأغادر الآن، فقد اقترب موعد رجوعي للأكاديمية. آه.. كدت أنسى أن أخبرك؛ سيعود أبانا من "وادي الشياطين" بعد ثلاثة أشهر، وأظن أنه لن يحب رؤية أحد أبنائه مصاباً أو جريحاً، لذا توخ الحذر الشديد يا ليام».

​أشار بيده مودعاً، واختفى أثره شيئاً فشيئاً حتى خرج تماماً من المكتبة.

​عندها فقط، تنفس ليام الصعداء بعمق، ولم يصدق أنه واجه داميان وجهاً لوجه دون أن يطرف له جفن أو يسقط رعباً. هو نفسه لم يستوعب كيف خرجت تلك الكلمات القوية من فمه، لكن الشيء الأكثر أهمية الآن كان يرقد في جيبه.. الكتاب السري. إنه المفتاح لكل أسئلته والمنجي الوحيد له من بؤس حياته.

​غادر ليام المكتبة مسرعاً بعد أن خبأ الكتاب في طيات ملابسه، ولما عاد إلى غرفته، كان حريصاً على إغلاق الباب بإحكام والتأكد من عدم وجود أي عين تراقبه.

​أمسك ليام الكتاب بكلتا يديه، وتردد للحظة قبل فتحه، لكنه قال في نفسه: "ليس هناك ما أخسره بعد الآن".

​فتح الكتاب.. ولكن هنا كانت الصدمة الصاعقة! الكتاب فارغ تماماً!

استمر ليام في تقليب الصفحات بلهفة وجنون دون أي جدوى؛ لا توجد كلمة واحدة، ولا حتى حرف واحد مكتوب!

​صرخ ليام بغضب عارم: «اللعنة على كل هذا! في اللحظة التي ظننت فيها أن القدر حليفي هذه المرة، يستمر في محاربتي وإحباطي! ما الذي سأستفيده من كتاب فارغ؟ هل أقوم بإحراقه لأدفئ الغرفة حين يحل الشتاء؟!»

​كان ليام في أوج ثورته وغضبه، وبدأ يلقي بأي شيء تطاله يده في الغرفة. ومما رماه، كوب زجاجي قذفه ناحية المرآة القريبة منه؛ فتطايرت شظايا الزجاج الحادة في الهواء. غطى ليام وجهه بيديه لحماية نفسه، مما تسبب في إصابته بجرح طفيف في كفه.

​بدأت الدماء تنزف من يد ليام، وسقطت بضع قطرات منها مباشرة فوق صفحات الكتاب المفتوح.

​وفي ثانية واحدة.. اختفت الدماء تماماً بمجرد ملامستها للأوراق وكأنها شربتها!

ولم يكد ليام يستوعب ما يحدث، حتى أضاء الكتاب فجأة بنور ذهبي مبهر وشدد الضوء لدرجة أجبرت ليام على إغلاق عينيه بإحكام.

​بعد أن تبدد الضوء تماماً واختفى، فتح ليام عينيه ببطء ونظر إلى الكتاب، ليصعق بظهور كلمات سحرية منقوشة بخط مضيء. أسرع يقرأ محتواها بلهفة، وكانت الرسالة تحمل توقيعاً مألوفاً:

​«أنا ماجين كاليستوس، أعظم سحرة العصر الغابر ومؤسس السحر الحديث. إلى من يقرأ كتابي هذا: إن استطعت إظهار محتوى هذا الكتاب، فأنت وريثي من لحمي ودمي. أطلب منك أن تجهز نفسك لأنقاذ العالم من الشر العظيم، فقد اقترب الأعداء من تحقيق مرادهم والاستيطان في عالمنا ليحيلوه خراباً وفساداً. لذا، ائتمنت مستقبل العالم بين يديك.. ولا تقلق، ستجد العديد من الأشياء المفيدة التي وزعتها حول العالم لمساعدتك. وشيء آخر.. يجب أن تتعاون مع وريث عائلة "فاميليان" الذي تجده ذو كفاءة واستحقاق لإنقاذ العالم معاً».

​تراجع ليام خطوات للخلف وتعجب بذهول: "ما معنى هذا؟! إن كان هذا الكلام موجهاً لوريثك من لحمك ودمك، فلماذا ظهر لي أنا وأنا سليل فاميليان؟! واللعنة عليك يا ماجين، لما لا تتحدث بشيء من التفصيل وتستمر في رمي الألغاز بوجهي؟!"

​تابع ليام تقليب بقية الصفحات بغيظ، لكنه وجدها قد عادت فارغة مجدداً. ألقى الكتاب بعنف على سريره وهو يلعن اليوم الذي قابل فيه ذلك الساحر العجوز في البعد الأبيض.

​وبعد أن هدأ روعه قليلاً وتنفست الصعداء، قال في نفسه بملامح متصلبة: "ليس أمامي خيار آخر.. سأعتمد على نفسي فقط، وسأكشف هذه الأسرار اللعينة بنفسي خطوة بخطوة. يبدو أن مصيري في هذه الحياة هو الشقاء كالعادة.. ولكنني لن أستسلم!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمرد على القدر

المؤلف Salah
2026/06/05 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة