المهرجان الأبيض
المهرجان الأبيض هو يوم يأتي مرة واحدة في كل سنة، وسُمّي بالمهرجان الأبيض لأن أرض فاميليان في هذا الوقت تكون قد اكتست باللون الأبيض بفعل الثلج المنهمر؛ الأرض بيضاء، والجبال بيضاء، كل شيء أبيض، والجو شديد البرودة لا يُدفئه إلا تجمعات التدفئة، حيث يلتف الناس في حلقات حول النار الملتهبة يتحادثون ويضحكون. العجائز تقصّ للأطفال قصص الأبطال، والأطفال بدورهم يُطلعون الكبار على أحلامهم، في جو تسوده الألفة.
وفي هذا اليوم المثلج، كان ليام ولوكس وكايل يسيرون في شوارع المدينة التي كان الثلج يحيط بها من كل مكان، وأصحاب المنازل يقفون فوق الأسطح الخشبية يزيحون الثلج عن الأسقف ذات الشكل المثلثي. كان الثلاثة يسيرون وهم مرتدون الملابس الرسمية للمعسكر الشرقي: زي أسود كامل مع خطوط حمراء، وشعار الأسد الفضي على جانب صدرهم الأيمن.
لمح لوكس ثلاثة أشخاص آخرين يرتدون ملابس المعسكر لكن بخطوط زرقاء، وكان منهم فتاة بشعر بنفسجي متموج. أشار لوكس إليهم.
قال كايل: "هؤلاء متدربو المعسكر الغربي، وتلك الفتاة تُدعى لينا."
قال لوكس بمزاح: "أليس المعسكر الغربي هو من تدربه أختك؟"
قال كايل وهو يزيل الثلج عن ملابسه: "من يراك الآن وأنت تتكلم عنها بارتياح، لا يظنك أنت من كان مرتعبًا أمامها."
قال لوكس وهو يضحك: "بل كنت أنا المرتعب."
نظر ليام إليهما وقال: "ماذا تتحدثان عنه؟"
قال لوكس: "قصة طويلة. ما رأيكم أن نذهب ونشتري بعض المشويات؟"
قال كايل: "لا وقت لدينا، فيجب أن نصل بعد قليل إلى البوابة الرئيسية، فمعظم الجنود هناك لاستقبال السيد."
قال لوكس باستياء: "أنت ممل."
ضحك ليام وهو يستمع لحديثهما، لكنه سمع صوتًا جعله يتوقف وينظر إلى مصدر الصوت. كان صوتًا عذبًا شديد الجمال، صوتًا ساحرًا. كانت فتاة بشعر ذهبي وعينين خضراوين، ترتدي ملابس بسيطة، تغني بصوتها العذب والأطفال من حولها يدورون. تجمّع معظم الأهالي ليستمعوا إلى صوتها وكلمات أغنيتها الساحرة. أنشودة الفتاة تقول كلماتها:
"رياح باردة تضرب، تعصف بأرضنا يا زهرتنا البيضاء، اثبتي، قاومي، استبسلي"
تابع الأطفال الأغنية: "خُلقنا لنعمل، لنُثبت كأرضنا"
تابعت الفتاة بصوت شديد الرقة: "كجذور غارسة في الأرض شامخة"
ارتسمت الابتسامة على شفتَي ليام وهو يستمع لتلك الأنشودة.
قال لوكس: "يا له من صوت ساحر."
عقّب كايل: "أجل، هو كذلك."
استدار ليام وما زالت الابتسامة على وجهه: "هيا، لا يجب أن نتأخر، هيا إلى البوابة الرئيسية."
سار الثلاثة حتى وصلوا إلى البوابة الرئيسية، ووجدوا حشودًا غفيرة من مئات الجنود، ورايات فاميليان في كل مكان، وعشرات القادة وأعضاء من مجلس الشيوخ ينتظرون وصول سيد فاميليان. كان ليام يقف مع نخبة المبتدئين، ولمح من بعيد أخويه فالورا وداميان.
نظر ليام إلى أخته فالورا التي كانت تنظر بعينيها الزرقاوين إلى الأفق. قال ليام في نفسه: "هذه أول مرة أراها فيها في تلك الحياة، حتى قبل موتي لم تجمعني بها أي علاقة وطيدة. أتساءل كيف ستكون العلاقة بيننا في هذه الحياة."
لمح داميان ليام، فلوّح له بابتسامة. أبعد ليام نظره عنه، وكأن مزاجه قد تعكّر عند رؤيته داميان.
أمسك لوكس بليام وقال بتوتر: "ليام، أتشعر بما أشعر به؟"
أومأ ليام وقال: "الجو أصبح خانقًا."
عقّب كايل: "ضغط رهيب اجتاح المكان."
كانت الرياح تزداد صخبًا ويعلو ضجيجها، وأصبحت الرؤية معتمة. ومن بعيد، هناك عينان مضيئتان تخترقان الأفق، وهجهما يزداد شيئًا فشيئًا: أربع أرجل بمخالب حادة، وفراء أبيض ناصع. اقشعرّ الجميع فور رؤيته، وزمجرته دبّت في قلوب الحاضرين الرعب. كان أسدًا أبيض بفراء فضي وعينين ذهبيتين، وكان حجمه ضخمًا، أكبر بأربع مرات من الأسد الطبيعي.
قال داميان: "آه، هذا حيوان أبي الأليف، لقد كبر بعض الشيء."
صوت عالٍ اخترق الرياح وطغى على الأرجاء: "مرّ وقت طويل يا أبناء فاميليان."
فور سماع الصوت، ركع الجميع وقالوا بصوت جهوري يملؤه الاحترام الشديد: "منذ القدم ونحن حراس الشمال، ستبقى سلالة الأسد شامخة."
نحّى الجميع باحترام لسيد فاميليان، ملك الشمال وحامي أرض فاليرون.
قهقه عاليًا، ثم قال فالديمار وهو يعدل خصلات شعره المتطايرة وابتسامة مهيبة تعلو وجهه: "لا أعرف لماذا يبالغ الجميع في التحية، لكن أقدّر لكم المجهود الذي بذلتموه فيها."
تقدّم فالديمار ببطء وثبات، والرياح تدفع برداءه المكسو بالفراء الأبيض ودرعه الحديدي الذي على جانب ذراعه، وكان على شكل أسد مفصح عن فكيه.
قال فالديمار وهو يعبث بلحيته: "طال الغياب يا أبنائي، فالورا، داميان، ليام."
قال الثلاثة وهم راكعون: "شكرًا لك أبي."
ضحك فالديمار وقال: "يبدو من صوتكم أنكم بصحة جيدة."
نظر ليام بطرف عينه إلى والده الذي كان يقف وقفة مهيبة تليق بسيد الشمال، وقال في نفسه: "كما هو متوقع، حتى من غير استعمال الهالة، حضوره يطغى على الجميع."
نظر فالديمار إلى ليام بابتسامة مطلقًا نيّته نحوه، وقد اخترق شيء غير ملموس قلب ليام. تألّم ليام لكنه كافح لكبح ألمه، وقال في نفسه: "يبدو أنه قد لاحظ أني نظرت إليه."
صاح فالديمار في الجميع: "دعونا لا نُطل الوقوف، إلى الداخل."
أفسح الجميع الطريق لفالديمار، وتقدّم من وسطهم، وكل خطوة يخطوها تُظهر كبرياءً عاليًا. كان فالديمار يتقدم نحو البوابة، والجميع يسيرون خلفه بكل احترام.
هذا هو سيد فاميليان.
Salah