عزيمه لاتنكسر

عزيمه لاتنكسر

32 0

ظلَّ ليام مستيقظاً لفترة متأخرة من الليل؛ فقد كان يدرك تماماً حجم الجحيم والمواجهات التي تنتظره في الغد. لم يكن هناك متسعٌ لتبديد الوقت، لذا وضع هدفاً صارماً لتلك الليلة: الوصول إلى النجمة الأولى من الهالة.

​جلس في وضعية التأمل وأغلق عينيه، لكن صوتاً خفياً من التردد كان يهمس في أعماقه. كان يرتعد خوفاً من أن ينزف دماً مجدداً، خائفاً من الألم والمعاناة. فهو في النهاية إنسان؛ قد يرى البعض أن هذه المشاعر علامة ضعف، لكنها على العكس تماماً.. هي جوهر البشر. تارةً تجدهم مبتسمين، وتارةً يرتسم العبوس على محياهم، وتارةً يجمدون ملامحهم. هذه التقلبات هي ما تفرق البشر عن الوحوش الكاسرة؛ فإذا انسلخ المرء من مشاعره، فما الفرق بينه وبين وحش عديم العقل؟

​بالرغم من ارتجافه، كان ليام عازماً على ألا يبقى ضعيفاً ومثيراً للشفقة. قرر مغادرة منطقة راحته والمغامرة في المجهول، ليس بحثاً عن مكسب رخيص، بل سعياً لعيش تجربة فريدة لا يندم عليها طيلة حياته.

​تنفس بعمق وفكر: "إن كنتُ لا أستطيع التحكم في المسار اللين (السحر) حالياً، فسأقوم بغلقه مؤقتاً، وأضع كل تركيزي على المسار الصلب.. مسار الهالة". ففي التأني السلامة، وفي العجلة الندامة.

​وجّه كل طاقته وسهمه نحو المسار الصلب. لم يستطع إخضاعه بسهولة في البداية؛ تألم، وتوجع، ونزفت دماؤه، لكنه لم يستسلم قط. قال بصوت شجّي في عتمة الغرفة:

«في حياتي السابقة، لم تكن لي فرصة حتى لأشعر بالهالة.. والآن بتُّ قادراً على رؤيتها، أتريد مني الاستسلام؟!»

​أطلق ضحكة عالية وتابع: «لا تمازحني! أرأيت يوماً صياداً وجد فريسته أمامه ثم أعتقها؟ بالطبع لا؛ لأنه إن فعل ذلك سيكون صياداً فاشلاً، وأنا لن أكون فاشلاً أبداً! سأشد عزيمتي وأمضي بإصراري حتى لو نزفت كل قطرة من دمي.. اخضعي لي الآن أيتها الهالة!»

​ومع عزيمته وإصراره اللذين لا يلينان، تروّضت الطاقة أخيراً وانفجرت.. ليصل إلى النجمة الأولى!

​في تلك اللحظة، كانت نافذة غرفته مفتوحة تسمح لضوء القمر الفضي بالعبور. وجه ليام يده نحو القمر المضيء وقال بنبرة واثقة: «انتظرني أيها العالم.. فقدري سأكون أنا من يكتبه بيدي!»

​لكن قواه خارت فجأة من شدة التعب، وسقط جسده المنهك على الأرضية الخشبية لغرفته. بالرغم من كل الألم، كان سعيداً للغاية؛ لأنه وضع قدمه أخيراً على أولى خطوات العلياء. نام في تلك الليلة، وابتسامة انتصار حقيقية ترتسم على وجهه.

​بعد مرور ساعات، أعلن الفجر عن بزوغه. استيقظ ليام مع أولى النسمات الباردة، وتوجه مباشرة إلى إحدى الباحات الخلفية للقصر ليتدرب أثناء استنشاق هواء الفجر المنعش. تضمن تدريبه الجري المكثف والتلويح بالسيف، ونجح في إظهار هالة خافته تتراقص على نصل سيفه، مؤكداً بذل تحقيق أولى خطوات هدفه.

​ظل يتدرب حتى حل الصباح، فأسرع بالاغتسال وتغيير ملابسه، ثم توجه إلى معسكر التدريب الذي كان يطلق عليه بحق: «وكر أشبال فاميليان».

​عندما خطى أولى خطواته داخل المعسكر، كان هناك متدربون قد وصلوا قبله. وكالمعتاد، رمقه الجميع بأبغض النظرات وانتشرت الهمسات السامة حوله، لكنه لم يعرهم أي انتباه. بدلاً من ذلك، جال ببصره يتأمل كل شيء حوله؛ المباني الضخمة، ساحات التدريب الشاسعة، والحلبات القتالية. قال في نفسه: "هنا.. سأسقل قوتي".

​بينما كان المتدربون يتبادلون أطراف الحديث، قاطع صخبهم صوت غليظ وجهوري. التفتت الرؤوس نحو مصدر الصوت، ليروا رجلاً ضخم البنية كالجبل يقف على منصة حجرية.. إنه المدرب ثيوكلس.

​أمرهم بالاصطفاف فوراً لسماع خطابه، ثم نادى فيهم بحزم: «يا أبناء الشمال وأشبال فاميليان! أنتم هنا لصقل مهاراتكم وزيادة قوتكم لخدمة ونصرة معتقدات فاميليان! أنتم السيف الذي سيقطع رؤوس من يتجرأ ويصل به الغرور إلى النظر لموضع أقدام عائلتنا! لكن تذكروا.. كونك فرداً من فاميليان، فيتحتم عليك نصرة الضعيف والمحتاج مادام تحت لوائنا!»

​تنهد ثيوكلس وتابع: «لن أطيل عليكم بالكلام، كل ما سأطلبه منكم هو عدم الاستبخال بأي قطرة عرق من أجل فاميليان!»

أجاب المتدربون في صوت واحد زلزل الأرجاء: «عاشت فاميليان! عاش أسياد الشمال وحماة الإمبراطورية!»

​كان ليام يقف وسط الحشود، وابتسامة ساخرة تدور في عقله: "تلك هي فاميليان.. ثابتة العقيدة، تنظر بدونية لأي شخص ليس من نسلِها.. لطالما كانت هكذا".

​بعد تفرق الحشود، التفت ثيوكلس ونادى بصوت عالٍ: «أيها المتدرب ليام! لماذا لم ترتدِ ملابس المعسكر؟»

تقدم ليام واعتذر بشدة مبرراً فعلته: «أعتذر منك أيها المدرب، لقد وصلتُ قبل لحظات ولم أجد أي ملابس لأرتديها».

رد عليه ثيوكلس بصرامة: «التأخير يستحق العقاب، لكنني سأتغاضى عن الأمر اليوم فقط. اذهب الآن إلى المبنى الرئيسي، هناك ستجد ملابسك، أسرع وارتدِها».

أجابه ليام: «أمرك أيها المدرب».

​سار ليام لبضع دقائق حتى وصل إلى المبنى الرئيسي الذي كانت تغزوه أعلام الأسد الفضي-شعار العائلة. دخل المبنى وسأل أحد المدربين المتواجدين عن مكان الملابس، فأخبره بأنها في الغرفة الخامسة على اليمين. شكره ليام وتوجه إلى هناك.

​كان باب الغرفة مفتوحاً، ونظر داخلها ليجد العديد من الملابس المرتبة. دخل وأغلق الباب خلفه، وبدأ في خلع ملابسه والبحث عن رداء يناسبه. وجد الزي الرسمي للمتدربين؛ وكان يتسم بالبساطة الخالية من البذخ والبهرجة، عبارة عن رداء أسود فخم تزينه خطوط حمراء على أطرافه، ويستقر عليه شعار الأسد الفضي.

​ما إن انتهى من ارتدائه وهمَّ بمغادرة الغرفة، حتى اعترض طريقه ثلاثة متدربين أكبر سناً، كانت تفوح منهم رائحة المكر والريبة.

​الأول: كان قصير القامة لكنه ذو بنية عضلية ضخمة وشعر طويل، ترتسم على وجهه ابتسامة مصطنعة مستفزة جعلت ليام يتمنى لو يحرق وجهه.

​الثاني: متوسط القامة، ذو شعر قصير وأسنان صفراء مقززة، ودّ ليام لو يحطمها له جميعاً.

​الثالث: كان أطولهم وأضعفهم بنية، وأصلع الرأس لدرجة أن صلعته كانت تعكس ضوء الغرفة، مما جعل ليام يتمنى لو يقتلع رأسه ويدهنه بصبغة سوداء.

​تحدث ذو الأسنان الصفراء بسخرية: «مرحباً أيها السيد الصغير ليام، يسرنا لقاؤك. لقد أوصانا السيد داميان برعايتك جيداً».

رد عليه ليام ببرود: «وهل تراني طفلاً تحتاج لرعايته أيها الوغد؟»

أجابه القصير متمشقاً: «ليس هذا مقصدنا، وإنما أردنا إخبارك أنه إن احتجت أي شيء.. فقط أخبرنا».

قال ليام وعيناه تلمعان بحزم: «أحتاج تفضلاً بأن تختفوا من أمامي».

​لم يحتمل المتدرب الأصلع هذه الإهانة فصرخ بغضب: «من تحسب نفسك أيها الحثالة؟! ما أنت إلا ابن منبوذ! لقد أراد سيدنا داميان مساعدتك لكنك أنكرت النعمة!»

ضحك ليام بسخرية: «أخيراً أخرجتم معدنكم الحقيقي أيها الحثالة!»

صرخ الثلاثة في صوت واحد: «سنعلمك بعض الآداب أيها الجرذ!»

​وقبل أن يتقدموا خطوة واحدة، قاطع حديثهم صوت هادئ لكنه يحمل هيبة مرعبة.

​استدار الثلاثة برعب ليروا صاحب الصوت.. كان فتى في نفس عمر ليام تقريباً أو يكبره بعام واحد، يمتلك شعراً أزرقاً كأمواج المحيط وعينين خضراوين ساحرتين. بالرغم من صغر سنه، كانت تنبعث منه هالة طاغية وخانقة عرفوها على الفور.

​قال الثلاثة بتلعثم وخوف: «السيد الشاب.. كايل! يسرنا لقاؤك!»

أجابهم كايل ببرود: «لماذا تحدثون كل هذه الجلبة هنا؟»

​لم يتعرف عليه ليام في البداية، لكن ما إن حدق في ملامحه حتى أصابته صدمة عنيفة هزت كيانه!

"كايل؟! التنين الأزرق كايــل؟!"

​في حياة ليام السابقة، كان هذا الفتى الذي يقف أمامه هو أحد أقوى وأعظم الرجال في تاريخ العالم البشري! الأسطورة الحية الذي لُقِّب بـ «التنين الأزرق» بعد أن تمكن من الوصول إلى النجمة السابعة من الهالة!

​ضحك ليام في نفسه بذهول: "أن أرى التنين الأزرق وهو صغير.. هذا شيء مدهش حقاً! بالتفكير في الأمر، والد كايل هو شقيق والدي، أي أنه ابن عمي المباشر.. تباً، هذا مزعج! أحتاج لضرب رأسي قليلاً لأتذكر كل هؤلاء الأشخاص من حياتي الماضية!"

​قاطع صوت كايل حبل أفكار ليام وهو يوجه كلامه للثلاثة: «مما يبدو، كنتم على وشك الشجار، وهذا ممنوع كلياً تبعاً لقواعد المعسكر. إن أردت إبراح أحدهم ضرباً، فعليك بتحديه رسمياً في الحلبة. تلك هي القواعد، وأظن أنكم تعرفونها أكثر مني أيها الكبار».

​أجابوا بتلعثم وخوف مرتجف: «صـ.. صحيح، أنت محق أيها السيد الشاب.. نرجو منك المعذرة، سنغادر الآن».

انسحب الثلاثة بسرعة البرق، وبقي ليام وكايل وحدهما في الغرفة.

​نظر ليام إليه وقال: «أشكرك على المساعدة».

التفت كايل إليه، ولم تحمل عيناه الخضراوان سوى برود مميت وازدراء شديد، وأجابه بجفاء: «لا تسئ الفهم.. كل ما أردته هو ألا يخترق أحد القواعد النبيلة للمعسكر. لو كانوا يبرحونك ضرباً شديداً داخل الحلبة الرسمية، لما تدخلتُ قط».

​رفع ليام حاجبيه بابتسامة ساخرة: «أوه.. أتُسعد حقاً برؤية ابن عمك يُضرب؟»

توقف كايل، ونظر إلى ليام وكأنه ينظر إلى كومة من القمامة، وقال بنبرة تقطر تعالياً: «يا هذا.. من أنت حتى تضع اسمك بجانبي؟ أنا حتى لا أراك كإنسان.. ما أنت إلا حشرة نجت لبعض الوقت، ومصيرها الحتمي هو الفناء!»

​تظاهر ليام بالألم ووضع يده على صدره ضاحكاً: «يا له من كلام جارح.. لقد آذيت مشاعري حقاً!»

لم يكلف كايل نفسه عناء الرد؛ أدار ظهره وغادر الغرفة بكل كبرياء.

​خرج ليام وراءه وهو يتابع تفكيره بابتسامة تتسع شيئاً فشيئاً: "إنه لا يتكلم بتكبر من فراغ.. اللعنة، لقد وصل بالفعل إلى النجمة الثالثة في هذا السن الصغير! إنه موهبة مرعبة بحق، على عكسي تماماً في هذا الجسد".

​توقف ليام عن السير في ممر المبنى، ونظر من خلال النافذة إلى السماء الصافية، واشتعلت عيناه السوداوان بلهيب الإصرار الذي لا يقهر، وتمتم لنفسه:

«أيها الموهوبون العباقرة.. انتظروني جميعاً.. فأنا سأسحقكم جميعاً بعملي الجاد!»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمرد على القدر

المؤلف Salah
2026/06/05 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة