المدينه البيضاء

المدينه البيضاء

28 0

البشر مخلوقات تتميز بمختلف الصفات، وأشهر تلك الصفات هي كون البشر بطبعهم مخلوقات اجتماعية. فما يروي عطش البشر بحق ليس الطعام أو النفوذ أو المال، إنه ببساطة اللسان، عضو عجيب أفعاله أكبر من حجمه، فبواسطته يتحدث البشر ويخوضون في مختلف الأحاديث، الصالح منها والطالح، المهم والتافه. وقد نتج عن خوض البشر كل تلك النقاشات والمناظرات ما يُعرف بالحكايات الشعبية، وهي المرآة لثقافات وفلسفة الشعوب، بل إذا أردت أن تفهم شعبًا بحق فعليك بحكاياتهم. فمهما كانت الحكاية أو القصة حقيقية، فإن من المسلَّمات أن تلك الحكايات قد امتزجت وتوكّلت بما يناسب الشعوب.

ومن تلك الحكايات قصة عن كاتب من العصر الغابر، عُرف بولعه بالفن والإبداع، واشتُهر بتيمّمه الشديد بالتحف أيًا كان شكلها أو حجمها. ولكن، وكما هي سنن الحياة، فإن الإنسان لن يبقى منه بعد موته إلا عمله وأفعاله. وبالفعل، فقد وقع هذا الرجل تحت عجلة الزمن التي لا ترحم، فقد اندثر اسمه ولم يعرفه أحد، لذلك لُقّب بـ"زيفاريوس"، وتعني "ريح الغرب"، تيمنًا بالمكان الذي قيل إنه مسقط رأسه، وهو الغرب.

وقد ارتبط هذا الكاتب بكتاب بعنوان "أمور"، كتاب يتناول الإبداع وأعظم ما ابتكره بنو البشر، وأشهر ما ذُكر في هذا الكتاب هي "المدينة البيضاء"، وباسم آخر "مدينة فاميليان الداخلية"، وهي مدينة تقع في وسط المدينة الأساسية، ويفصل بينهما طبقتان: الجبال الصغرى، وفالوم البا، وهو خندق دائري كبير قيل إنه تكوّن بفعل الشلالات المتنافسة من قلب الجبال.

فالمدينة البيضاء، المحاطة بالأسوار الشاهقة المزينة بالنقوش الذهبية، مدينة يُخيَّل إليك من جمالها أنها من صنع الجان. فبقصرها العملاق ذي الأبراج الدائرية والنقوش والرسومات الآخذة بالألباب، وبقبابه البديعة ذات اللون المكسوّ بلون الذهب الخالص، فالقصر مقسَّم إلى ثلاثة أجزاء، أعلاها الجزء الأوسط، ولكل جزء قبته الذهبية الخاصة به.

ومن البوابة العملاقة إلى السلالم الطويلة المصنوعة من الرخام الأبيض، ومن حولها الحدائق الخضراء البهية، ينشقّ الطريق إلى "ضريح الأسود"، مبنى تكمن عظمته في مكانته لا في جماله. فهذا المبنى العملاق ذو السقف المكشوف، والمحاط بالمدرجات الحلزونية، يصعده الشخص حتى يصل إلى الأعمدة الأربعين التي تحيط به، المتخذة الشكل الدائري، والتي نُقشت عليها تراتيل بلغات قديمة. وقد أحاطت بالضريح من الجهات الأربع، في كل جهة عشرة أعمدة، وعندما تتخطى الأعمدة تكون قد وصلت إلى الضريح الأساسي.

وهناك ينتظرك مشهد مهيب، قد يتوقف جسدك من تلقاء نفسه، وتصيبك القشعريرة جرّاء عظمة وجلالة المشهد: عشرات التماثيل المصنوعة من معدن "الإثيرايت"، فعندما يسقط ضوء الشمس على التماثيل، يحيل الضوء الأبيض إلى ألوان الطيف، مما يضفي على المشهد رونقًا خاصًا، وكيف لا وتلك تماثيل أعظم الأشخاص في عصرهم، أسياد فاميليان، عشرات من تماثيل الزعماء، كل تمثال تقع عند قدميه لوح أبيض كبير منقوش عليه أعمال وإنجازات صاحب التمثال.

وإذا ابتعدنا عن الضريح قليلًا، فسنجد عشرات القصور البيضاء المكسوّة باللون الأخضر الزاهي جرّاء تواجد عشرات الأشجار والزهور الجميلة. وبمقربة من تلك القصور، عند طريق حجري طويل، هناك منظر خلّاب، في جانبي الطريق عشرات الأشجار ذات اللون الأبيض النقي، من أشجار "فيالرول"، أشجار لا تُزهر إلا في الشمال، وأزهارها البيضاء قد تشكّلت على هيئة نجوم لا تتفتّح إلا في الليل، وعندما تتفتّح يصدر منها نور صافٍ وبهيج يضيء ظلمة الليل فلا تحتاج معه إلى أعمدة نور بجانبها. وإذا أردت أن تشعر بالارتياح فاجلس بجانبها، فرائحتها المميزة التي تمتزج بالنعناع والياسمين تبعث في النفس شعورًا بالصفاء.

وعند نهاية الطريق تسمع خرير الماء وصوت جريان مياه صافية، إنه "النهر الصغير"، نهر يتوسط المدينة فيقسمها إلى قسمين، يربط بينهما عشرات الجسور المقوَّسة ذات اللون الأبيض، والمميزة بتواجد قواعد تحمل تماثيل الأسود البيضاء المهيبة، وبسياج صُنع من معدن "سيلينيا"، وهو معدن فريد يُستخرج من صحراء أتاكاما.

تكتمل اللوحة عندما يحلّ الليل ويسود السكون الأرجاء، فهناك على الجسر لوحة تُرسم بفرشاة من الطبيعة الساحرة، وبمزيج من عمل البشر، فعندما ينعكس ضوء القمر على السياج، يرتسم انعكاسه على المياه الصافية باللون البنفسجي، والنسيم يخفّ في الأجواء، والقمر البنفسجي المتشكّل على مياه النهر الصافية قد أراح النفس وهدّأ القلب.

وعند الضفة الأخرى من النهر يتواجد طريق أبيض طويل على طول النهر، تسوده المجسمات الذهبية، ويعلو الطريق مزيج من الأشجار البيضاء والأزهار ذات الأشكال الزاهية والرائحة العَبِقة. ولتصل إليها تصعد السلالم المتواجدة على طول الطريق، ذات الدرجات التي يهفو فيها هواء عليل يحرّك أوراق الأشجار وينشر رحيق الأزهار.

ومن بعيد يظهر مبنى عملاق على شكل دائرة، والعديد من الأعمدة على شكل قضبان متشابكة، ولكي يصل إليه الشخص فيتعيّن عليه تخطّي متاجر أسلحة عالية الجودة، مصنوعة من أجود المعادن، وعلى الجانب الآخر متاجر لإكسيرات وموارد شديدة الندرة يصعب الحصول عليها حتى ولو كنت نبيلًا. يقصر الطريق وتكثر أعلام فاميليان، وهناك تتضح تفاصيل المبنى الذي يُدعى "كاليسورا"، مبنى دائري بلون أبيض ناصع مع لمعان لؤلئي خفيف، وكل ما ضرب عليه الضوء تظهر فيه عروق ذهبية شاحبة، مكسوًّا بطبقة من القضبان المتشابكة وأعمدة سداسية، وكأنها عظام تنين متحجر، لكنها نقية ولامعة، وملمسه الغريب ناعم جدًا كالحرير البارد، لكنه في الحقيقة أصلب من الفولاذ، ولو لمسه إنسان لشعر برعشة خفيفة كأنه لمس كهرباء ساكنة من عصر قديم.

وبعيدًا عن كاليسورا، وفي قصر الأسد الفضي، تحديدًا في أحد أروقة القصر، يسير شاب بشعر فضي قد اشتدّ لمعانه لانعكاس الضوء المنبعث من النافذة الزجاجية، يسير بهدوء وثقة كبيرة، وبعينيه الفضيتين يبصر جميع جوانب الطريق، طريق أبيض بنقوش ذهبية، وكان حذاؤه يلامس السجادة الحمراء الطويلة. استمر الفتى في السير حتى وصل إلى باب خشبي كبير، فوقه شعار الأسد، فطرق الباب، فسُمح له من داخل الغرفة بالدخول. ففتح الفتى جانبي الباب بكل ثقة، والابتسامة تعلو وجهه، ونظر إلى من في الغرفة: فتاة جميلة بشعر شديد السواد قد ربطته على شكل ذيل حصان، وكانت تقرأ الأوراق المتواجدة على المكتب الخشبي بعينيها الزرقاوين.

نظر الفتى إليها وقال: "مرحبًا أيتها الأخت الكبرى."

ردّت فالورا ببرود: "مضى وقت طويل، داميان."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمرد على القدر

المؤلف Salah
2026/06/05 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة