شعلة الحماس

شعلة الحماس

25 0

شمسٌ مشرقة تضيء السماء، والنسيم العليل يلطّف الأجواء على بني الإنسان من قسوة حرارة الشمس، فيُعينهم على بدء يومهم بحماس. مشهدٌ طبيعي في كل مكان، غير أنه نادرٌ في فاميليان. فهناك، إن تكاسلتَ فأنت هالك، وإن تذمّرتَ فأنت هالك، وإن ارتحتَ فأنت هالك لا محالة، ولن يكون هناك غيرك الملام.

فطبيعة أرض فاميليان متقلبة كتقلّب الزمان؛ تارةً تجد الأرض تَنضَح بالخيرات، ويعلو في ذهنك شعور السلام، وكأنك في النعيم وقد مُنّ عليك بالجِنان. لكن دوام الحال من المحال، فهذا النعيم يتبدّل جحيمًا كشيطانٍ أعرب عن بزوغ عصرٍ يكسوه الدمار. والأرض الخصبة تصبح عجوزًا شمطاء قد ولّى زمنها، وحان وقت الوداع، فلم يكن من أهلها إلا التحلّي بعكس طبيعة الأرض، وقد لَبِثوا ثوب السبات، فلم تَحْنُ ظهورهم، ولم تَؤُل عزيمتهم إلى دار الفناء.

وساد هذا على جموع أهل فاميليان، نبيلًا كان أو عبدًا، فلاحًا أو حرفيًا، تاجرًا مداومًا أو حتى فارسًا؛ الكل سواسية، والشعار واحد: إياك والتكاسل، حتى لا ينتهي بك الحال مع الأموات.

ولكن لكل قاعدة شواذّ؛ فبينما كان ليام وكايل قد نهضا من فراشيهما عند أول شعاع للشمس، يُدرّبان أبدانهما ويشحذان حواسهما — أحدهما عبقري، والآخر لديه عزيمة الأبطال — كان لوكس، في ظل هذا الجو المشحون المكسوّ بالعرق والتدريب، كعادته مستلقيًا على فراشه بسلام، متخذًا أغرب الوضعيات. ولم يكتفِ بذلك، بل أخذ يُصدر شخيرًا مزعجًا جعل كايل يستلّ سيفه ويحاول أن يقطع رأس لوكس ويرميه للكلاب، لولا أن ليام حال دون ذلك، فقد تعوّد هو الآخر على عادات لوكس الغريبة، وفضّل ترك لوكس منغمسًا في أحلامه الوردية.

وقد استنبط ليام خلفية حلم لوكس، فهو طوال الليل لم يتوقف عن ترديد: «مهلًا، هذه الشطيرة لي! أقسم لك أيها النذل، لأمزّقنّ جسدك إلى أشلاء! دَع الحلوى الآن!» وغيرها من الكلمات التي تجعل المرء، عند سماعها لأول مرة، ينفجر ضحكًا حتى البكاء. لكن في حالة ليام وكايل، فقد سئما من تلك الكلمات، واتفقا وهما ينظران لبعضهما، وعيونهما تشتعل بالغضب الشديد، على أن يُلبِسا لوكس أيّما عذاب عند حضوره للتدريب.

وبعد أربع ساعات منذ استيقاظ كل منهما وشروعهما في التدريب، حلّ المراد؛ فقد أبصرا لوكس يسير ببطء شديد، يحمل كيسًا من الحلوى، يلتقط واحدة ويرسلها لفمه، ويتمتع بحلاوتها وطيب طعمها، ويُحسِن مدح مَن صنعها. وظل هكذا حتى وصل إلى ساحة النزال، وكان نصف الكيس قد نفد.

وحين نظر لوكس إلى ليام وكايل، وقد كسَت وجهه ابتسامة سعيدة مشرقة — أقرب إلى الحماقة منها إلى أي شيء آخر — لوّح بيده إليهما وقال بصوت مرح:

«صباح الخير! لقد نمت بشكل عميق، وشعرت براحة لم أشعر بها منذ زمن. لقد كانت الغرفة المشتركة التي منحنا إياها المدرب أفضل هدية، بلا نقاش!»

قال لوكس هذا الكلام، ولم يستوعب بعدُ النظرات الحادة المكسوّة بالمرارة والغضب الشديدين من جانب كايل وليام. نظر كايل إلى ليام وقال بصوت منخفض:

«أنت أيها الحشرة، كما اتفقنا: لا رحمة، لا شفقة، فقط تكسير عظام.»

قال ليام، والهالة تطغى وتُعبّر عن غضبه:

«رغم أني أكره نعتك لي بهذا اللقب، لكن نعم: لا رحمة، لا شفقة، فقط تكسير عظام.»

أحسّ لوكس بهذا الضغط الشديد، فقال:

«أراكما تُظهران هالتَيكما دون أي مراعاة، آه، أظنكما تشتاقان لنزال جماعي.»

ابتسم لوكس وقال بتعابير يكسوها الحماس:

«أنا أيضًا!»

وأظهر سيفين لكل منهما انحناء نسبي وطول متوسط. قال ليام بدهشة:

«سيفان؟ تستقاتل بسيفين؟ لكن أنّى لك إدراك هذا الأسلوب الذي لم أرَك من قبل تصبو إليه؟»

قال لوكس:

«في الحقيقة، إنها محض أفكار انتابتني، وقد انتابني الفضول، فأردت بشدة استخدام سيفين في آنٍ واحد.»

تدفقت الهالة الحمراء القاتمة من جسد لوكس، وحماسته تطغى على المكان. تابع لوكس:

«يا ليام وكايل، لا تدّخرا أي جهد في قتالي.»

قال كل منهما:

«لم نكن ننوي ذلك من الأساس.»

وصعد الثلاثة إلى حلبة النزال. وقف كل من ليام وكايل على حافة الحلبة من الجانبين، ووقف لوكس في المنتصف. كان لوكس يتحسس مقبض السيفين، وقال:

«ابدآ في أي وقت...»

اصطدامٌ وشرر! لم يمنح كل من ليام وكايل الوقت للوكس لإكمال كلامه، فقد تصادمت أسلحتهم. صدّ لوكس كليهما بسيفيه، وقال وهو يحاول أن يدفعهما:

«الحماس جليّ عليكما، إذن لن أتهاون.»

دار لوكس بجسمه مشتتًا كلًا منهما، وقفز في الهواء كايل وهالته تتدفق بشدة:

«لن تهرب!»

قفز هو الآخر، ووجّه سيفه للوكس، فتصدّى لوكس لضربته بسيف واحد. قال كايل:

«ماذا؟ أين الآخر؟»

ابتسم لوكس:

«خلفك.»

كان السيف يتوجه نحو كايل من الخلف بسرعة. «شششش» — تصدّى له كايل بصعوبة، وهبط الاثنان على الأرض. قال ليام في نفسه: «لا أكاد أصدّق، تحكّم بالسيف من بعيد بهالته فقط، كيف هذا؟»

قال كايل للوكس، والغضب يسري في هالته التي تشتد بلون شديد الزرقة:

«أنت، أنت لم تبلغ مرحلة المستيقظ الحقيقي بعد، فكيف لك أن تتحكم بالسيف بحرية؟»

قال لوكس، وكأنه يفكر في الأمر:

«شعرت أني أستطيع فعلها، فقمت بها. الأمر بسيط.»

اتضحت عروق كايل، معلنةً غضبًا شديدًا. قال كايل، وجسده يرتجف، بعد أن اتخذ وضعية الهجوم، وتحرك بسرعة فائقة:

«لا تقل هذا وكأنه محض هراء!»

تزامن مع تحرك كايل تحرّك ليام، فهجما معًا على لوكس. ظل لوكس واقفًا ينتظر اقترابهما، وعندما وصلا إلى نقطة قريبة جدًا، تجنّبهما وتحرك بسرعة فائقة، تاركًا سيفيه اللذين أربكا كلًا من ليام وكايل، وتحرك إلى موضع نقطتيهما العمياء، ووجّه ضربة بقبضته العارية، مسبّبًا ألمًا شديدًا لهما، وجعلهما يتراجعان للوراء.

استعاد لوكس سيفيه بهالته، وقبل أن ينطق بأي كلمات افتخار، كان ليام قد تحرك بسرعة والتفّ حتى أصبح خلفه، فتصادمت سيوفهما والشرر يتطاير. قال لوكس بابتسامة:

«محاولة جيدة، لكن اعلم أن هذا لن يجدي.»

لكن لوكس شعر بشعور سيء؛ فكايل لم يهجم، بل كان يقف قريبًا، متخذًا وضعية هجوم، وسيفه ممسوك برفق، جاعلًا نصله للوراء، وقدماه على مقربة من الأرض. هالته تتدفق وتشتعل بتوهج أزرق، وعيناه تشتعلان حماسًا، وفي الوقت نفسه تسمو بالهدوء.

استوعب لوكس ما يحدث، فصرخ في ليام:

«أتريد أن تجعل نفسك طُعمًا؟ لكنك ستُصاب أيضًا، كلانا لم يعد لديه هالة!»

ابتسم ليام:

«مَن يدري؟»

تحرك كايل بسرعة فائقة، وهجٌ أزرق قادم. ابتسم ليام وقال في نفسه: «أشعر بالمانا، أستوعبها، أُؤلّفها، وأحوّلها لصيغ سحر الرياح.» استعمل ليام سحر الرياح حتى يُبعد نفسه عن نطاق هجوم كايل، وقد ابتعد، وما زال الوهج الأزرق يقترب.

حرّك كايل نصل سيفه للأمام، فتشكّل هلال أزرق من الهالة. تصدّى له لوكس بسيفيه. قال كايل:

«أُسمّي هذا الهجوم: الهلال الأزرق. لك الشرف أن تكون أول مَن يجرّبه.»

كان هجوم كايل يُزحزح لوكس من موضعه، ويدفعه للخلف. كان الضغط رهيبًا، وسيفاه بدآ بالتشقق. دشدش! وتحطم السيفان، وتحوّلا إلى أشلاء. نظر لوكس إلى حطام سيفه غير مصدّق لما حدث.

كان الثلاثة منهكين لدرجة أنهم سقطوا على أرضية الحلبة في اللحظة نفسها. قال لوكس بصعوبة شديدة، ويظهر على صوته التعب:

«أكنتما تخططان لهذا من البداية يا رفاق؟»

ردّ كايل:

«كل ما في الأمر أني اتّبعت كلام هذه الحشرة، وقد نجحت خطته حقًا.»

كان ليام يتنفس بصعوبة، وبدنه بأكمله يرتجف من التعب، وقال في نفسه: «يبدو أنهما لم يلاحظا استخدامي لسحر الرياح، هذا طبيعي، فما زال السحر ضعيفًا، لكنه ساعدني.» نظر ليام إلى لوكس: «هذا الشخص، كانت أول مرة يستخدم فيها سيفين في آنٍ واحد، ويظهر مثل تلك المهارة، لقد تخطى بالفعل مفهوم العبقري، لا أكاد حتى أستطيع وصفه.»

ارتسمت ابتسامة على شفتي ليام، وقال في نفسه: «لكن هذا يجعلني أقشعرّ، فشعلة الحماس تزداد وهجًا في قلبي، أنا حقًا متشوق لأزداد قوة.» ولم تكن كلمات ليام محض كلمات تشجيع لنفسه، بل كانت انعكاسًا لإرادته وعزيمته التي لا تلين.

وفي الوقت نفسه، في ظلامٍ دامس، مكانٍ موحش ذي طبيعة موحشة، وأشجار بلون أسود وأوراقها ميتة، تكسو الكآبةُ المحيط، وهدوءٌ قاتل لا يقطعه إلا أصوات الوحوش وصرخات البؤس والألم — كان هناك فارسٌ يقطع هذا المكان بجواده مسرعًا إلى موضعٍ ما، يحمل رسالة بختم فاميليان. قال في نفسه:

«أرجو ألا أكون قد تأخرت على السيد، فأنا لا أقوى على غضبه، الذي هو أقسى من هذا المكان.»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمرد على القدر

المؤلف Salah
2026/06/05 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة