ساد صمت مميت داخل الغرفة الموحشة، لم يقطعه سوى صوت أنفاسي ودقات قلبي المتسارعة. لم أستوعب بعد أنني عدت بالزمن. تأملت في جسدي؛ جسد شاب بهي، قابل للتطور والوصول للأعالي وتحقيق كل ما لم أستطع تحقيقه في حياتي السابقة. ليس الأمر وكأنني عدت بالزمن فقط، بل كان يوجد شيء قد تغير في جسدي بالفعل.
اهتزت يداي، ودموعي.. دموعي التي ظننت أنها قد جفت وولا على نزولها الزمن، انهمرت من عيني أخيراً؛ لأنني أصبحت أشعر بالمانا!
أسرعت بالجلوس على السرير وأغلقت عيني، تنفست نفساً عميقاً وأطلقت زفيري. بالفعل، كان إحساسي صحيحاً.. لقد تم فتح مسارات المانا الخاصة بي! حاولت أن أقوم بتجميع المانا من حولي، لكنني واجهت صعوبة بالغة، ومع ذلك لم أيأس، فأنا على الطريق الصحيح الآن.
ونظراً لمقدرتي على استشعار المانا، فأنا قادر بالتبعية على تجسيد الهالة. ففي هذا العالم، المانا هي أصل كل شيء، لا يوجد شيء تقريباً إلا ويحتوي عليها. وعن طريق المانا، استطاع البشر تجسيد قوتها من خلال طريقتين: طريق السحر، وطريق الهالة.
ولكوني ابن أسياد الهالة، توقعت أن يكون جسدي قد انحاز فطرياً لطريق الهالة، ولكن الأمر كان معقداً بعض الشيء. فأثناء محاولتي تحويل المانا إلى هالة، كنت كالشعاع المتجه بسرعة كبيرة، ولكن فجأة وقف في طريقه شيء قام بإخضاعه، وجعل ذلك الشعاع ينقسم إلى قسمين.. إلى مسارين مختلفين تماماً!
أحسست في المسار الأول بشيء صلب، ثابت لا يتزحزح، تشعر أنك كلما اقتربت منه كلما زادت قوة جسدك شيئاً فشيئاً.. إنها الهالة! نجحت العملية أخيراً وبتُّ قادراً على استخدام الهالة.
ولكن، لم يقطع فرحتي إلا إحساسي بـ المسار الثاني! كان كياناً ناعماً رقيقاً، لكنه مختلف تماماً من الداخل؛ كان في ظاهره ضعف وفي باطنه قوة مرعبة. أحسست بعقلي وكأنه يكتشف معارف وأشياء غير مألوفة بالنسبة لي؛ مئات الترنيمات السحرية قد اخترقت أذني دفعة واحدة! كانت في البداية ذات صوت مريح، شعرت وكأنني أستمع إلى تهويدة قبل النوم، لكن مع مرور الوقت بدأ الصوت يزداد علواً وإزعاجاً.
هممت بوضع يدي على أذني لتقليل الضرر، ولكن دون جدوى. أصبح الصوت لا يطاق، وكأن طبلتا أذني على وشك الانفجار! لم أستطع فعل شيء سوى الصراخ.. الصراخ والتوسل لإيقاف هذا الصوت اللعين، حتى انفجرت طبلتا أذني في النهاية!
فتحت عيني وانتفضت من التأمل.. لم يكن تأملاً، بل جحيماً قد هويت في قعره ونجوت منه بمعجزة. لكن هذا كان ما أظنه فقط، فقد وجدت جسدي ملطخاً بالدماء بالكامل، تقريباً لم يكن هناك جزء واحد فيّ لم ينزف؛ فمي، عيناي، وأذناي. ونتيجة لمقدار الدماء الكثيرة التي فقدتها، بدأت الرؤية تتشوش شيئاً فشيئاً، حتى سقطت على الأرض مغشياً عليّ.
ظننت لفترة طويلة أنني لا أرى إلا الظلام، سواد مطلق في كل مكان. حتى بدأت أسمع أصواتاً تناجيني، وشيئاً فشيئاً بدأ الظلام يختفي والرؤية تتضح. فتحت عيني على صوت مساعدة طبيب القصر، وعندما وجدت أنني استيقظت، نادت على الطبيب مسرعة وأخبرته بنبأ استيقاظي.
نظر إليّ الطبيب، لم أكن أسمع صوته بوضوح بسبب الطنين، لكنني كنت أحاول قراءة حركات شفتيه. لم أستطع تفسير الكثير، لكنه كان يقول ما معناه: «جيد.. استيقظت.. إنها معجزة.. غرفتك حالا..». قمت بربط الكلمات ببعضها واستنتجت أنه كان يقول: "من الجيد أنك استيقظت، لقد كانت معجزة، يجب أن تلتزم غرفتك لفترة من الوقت".
لكن الكلمة الأخيرة التي قالها كانت مألوفة جداً.. كنت أسمعها طيلة حياتي الماضية: «حثالة».
قهقت بصوت منخفض؛ هذا طبيعي، فالجميع يرونني كحثالة منبوذ لا جدوى من حياته، وأظنني في بعض الأحيان أوافقهم الرأي. لكن لماذا عدت إلى الحياة؟ لماذا ساعدني ذلك الساحر "ماجين"؟ وهله كان للمسار الثاني (مسار السحر) في جسدي علاقة به؟ كانت هناك عشرات الأسئلة تدور في رأسي، لكنني لم أكن أقوى على الإجابة عليها، أو ربما لم تكن هناك إجابات من الأساس.
هممت بمغادرة غرفة الطبيب، وشكرته بهدوء قبل خروجي. كنت أسير في الممر الطويل المؤدي لغرف الخدم، وعشرات المارة من حولي يرمقونني بأعينهم القاتلة، كأنها سيوف تمزق أحشائي وتخترق فؤادي. لم أكترث لتلك النظرات البغيضة، فقد اعتدت عليها. قلت لنفسي: "في حياتي الماضية قد ابتُليت بالنبذ والاحتقار، وحتى في حياتي الآن سأُنبذ وأُحتقر، لكن هناك شيء واحد مختلف تماماً عن الماضي.. إنني لن أرضخ، ولن أقبل بتلك النظرات مجدداً. سأجعل كل هؤلاء يخضعون لي، أياً كان صاحب تلك العيون، وفي أي وقت أو زمان".
بينما كنت منشغلاً في التفكير، اعترض طريقي رجل ضخم البنية، شعره مائل للبني، وتستقر ندبة حادة على عينه تجعل من يراه من بعيد يتخيل أنه يملك عيناً واحدة فقط. تذكرت هذا الرجل جيداً.. إنه مدرب المبتدئين، ثيوكلس أراكون! هذا الوغد الحقير الذي جعلني أمر بأيام من التدريب الجحيمي في الماضي.
أظنه كان يكرهني.. انتظر، هل كان التدريب جحيمياً أم أنني كنت الضعيف بؤس؟ بالتفكير في الأمر، أظن أن هذا الرجل لم يكن يعيرني اهتماماً من الأساس، لكن ما الذي يفعله هنا الآن؟
قاطع حبل أفكاري صوته الجهير شديد الغلظة وهو يقول: «ستظل متسمراً هنا دون أن تحيي مدربك؟»
قلت له مسرعاً: «آه.. أحيي القائد والمدرب ثيوكلس».
رد عليّ بنبرة حادة: «لا يوجد وقت لتضييعه! كان من المفترض أن تنضم لمعسكر التدريب اليوم، أم تريد أن تُضخم الفجوة بينك وبين أبناء جيلك وتظل متخلفاً عنهم؟»
«أعتذر.. أعتذر حقاً أيها القائد، كل ما في الأمر أنني مرضت فجأة، لذا ذهبت إلى الطبيب».
رد بسخرية: «أنت دائماً مريض وضعيف بشكل بائس، فما الفرق؟ لم أعد أريد سماع أي أعذار، من صباح الغد يتوجب عليك الحضور!»
أجابه ليام مطأطئاً رأسه: «كما تأمر أيها القائد». لكن فجأة، تغيرت نبرة صوت ليام تماماً وتصلبت ملامحه وهو يتابع: «ولكن أيها القائد.. أنا أحترمك كمدرب، ألا يجب في المقابل أن تظهر بعض الاحترام لي.. لأنني أنتمي للعائلة الرئيسية؟»
استغرب ثيوكلس من نبرة الكلمات القوية وغير المعتادة من ليام، ولكنه لم يلبث أن انفجر ضاحكاً: «احترامك؟! لا تمازحني يا فتى! من الجيد حتّى أن العائلة ما تزال باقية على حياتك وتطعمك، ولكن أرى أن لديك بعض الجرأة بأن تنطق تلك الكلمات التي لم أعتد سماعها من وضيع مثلك!»
أدار ثيوكلس ظهره وقال ببرود: «انتهى حديث اليوم، أراك غداً أيها المتدرب».
رد ليام بنظرة ثاقبة: «أراك غداً أيضاً.. أيها القائد».
كان ليام يشتعل من الداخلي، ويتمنى لو يستطيع إبراح هذا المعتوه آلاف اللكمات، لكن ليس في يده شيء يفعله الآن. تابع سيره حتى وصل لغرفته، وعندما دخلها توجه فوراً نحو المرآة. نظر إلى عينيه اللتين كانت ل أول مرة مليئتين بالتحدي والإصرار وتمتم: «لنرى هذا المدرب.. من منا السيد ومن الخادم!»
ولكن سرعان ما انطفأت حماسته، وبدأ في شد شعره بقوة وهو يصرخ بغيظ: «لماذا بحق السماء لم يخبرني ذلك الساحر اللعين بأي شيء بالتفصيل؟! كيف أنقذ هذا العالم؟ وإن كان بتلك القوة التي ادعى، لمَ اختارني أنا بالذات؟! أولست فتى ضعيفاً، مسكيناً، وبائساً؟ كل ما أتمناه الآن هو كوب من الشاي.. يبدو حتى أن أحلام البسطاء بعيدة المنال!»
هدأ قليلاً ثم فكر: «قبل كل شيء، سأتوجّه إلى المكتبة، محاولاً العثور على أي شيء يفيدني».
توجه ليام إلى المكتبة، وعندما وقف أمام بوابتها الضخمة المهيبة، اعترض طريقه حارسان. أوقفه أحدهما قائلاً بغلظة: «لا يُسمح للخدم بالدخول!»
فأوقفه زميله الحارس الآخر بسرعة وهمس: «ألا تعلم من هذا؟ إنه السيد ليام!»
رد عليه الأول باستهزاء: «أتامزحني يا رجل؟ ظننته خادماً أو أحد العامة الذين ضلوا طريقهم في القصر! اعتذاراتي للسيد ليام».
قاطعه زميله ووجه حديثه لليام بأدب مصطنع: «ما الذي أتى بالسيد لهذا المكان؟»
أجابه ليام ببرود: «لا شأن لك».
أجاب الحارس بابتسامة خبيثة: «آه.. أعتذر على إزعاج سموكم، تفضل بالدخول».
لم يجبه ليام وهمَّ بالدخول وهو يقول في نفسه: "تباً لك أيها الوغد، تعابير وجهك تفضحك وتظهر أنك تستهزئ بي، لكن الآن يجب ألا أعير أمثالكم أي اهتمام".
تنهد ليام وقال وهو ينظر للمكان: «رغم تجريدي من معظم امتيازاتي، إلا أنه ما زال يُسمح لي بدخول المكتبة». نظر ليام لرفوف المكتبة العملاقة، واستغرب بشدة فـأمين المكتبة ليس موجوداً اليوم، وفكر: "هذا جيد، من الأفضل ألا يزعجني أحد".
كان ليام يظن أنه سيجد مراده خلال مدة قصيرة، لكنه قضى ساعات وساعات طوال دون أن يجد أي شيء يفيده. قام بإراحة ظهره على أحد الأعمدة الضخمة بجانب الرفوف، وقد تملكه الضجر والإحباط من كثرة البحث دون جدوى، ومن شدة الغضب، ضرب الرف الذي بجواره بقبضته!
نتج عن تلك الضربة اهتزاز الرف، وسقوط أحد الكتب القديمة. وبينما كان هذا الكتاب يسقط شيئاً فشيئاً نحو الأرض، لمحت عينا ليام شيئاً على ظهر الكتاب صدمه.. لقد كان شعاراً مشابهاً تماماً للشعار الذي رآه على ملابس الساحر ماجين!
رغم أنه رآه للحظات في البعد الأبيض، إلا أنه تعرف عليه جيداً؛ دائرة حولها أربع نقاط، وفي وسطها نقطة كبيرة، وبينهم جميعاً العديد من الرموز الرونية المعقدة.
أسرع ليام لالتقاط الكتاب بلهفة، ولكن في تلك اللحظة بالذات، اخترق الصمت صوت الحارس بالخارج وهو يرد على أحد القادمين بنبرة خاضعة: «نعم، إنه بالداخل هنا.. أيها السيد الثالث!»
فزع ليام وتسمر في مكانه، وارتجف عقله: "أخي الثالث هنا؟! أي مصيبة هذه!"
همّ ليام بإخفاء الكتاب بسرعة بين طيات ملابسه، وحبس أنفاسه منتظراً قدوم أخيه الغاشم وغير المرحب به بالمرة..
Salah